الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسالة للأديب محمد ابن إبراهيم الفاسي إلى الشهاب محمود الخفاجي
جواباً عن كتاب بعث به إليه
بعد تقبيل ثريا ذلك الثري، الذي عبق في الشام عنبراً، وقد جيد الزمان درراً، لا زال منبع البيان، ومنتجع الأعيان، ولا برح جوهر حصبائه يفضله العيان على قلائد العقيان، هذا وصل إلي وصل الله إليك أسباب العلا، وألبسك رائق الحلى، كتابك الخطير في رقعة من محاسن لفظك الرائق الجلباب، المزري برونق ريق الشباب، وبهجة من بدائع خطك المستوقف للناظر، المخجل بحسنه الوشي الفاخر، والروض الناصر فأجناني ثمر البر يانعاً، وجلا على وجه الود أبيض ناصعاً.
وأراني كيف انقياد القوافي. . . في زمام البيان سمعاً وطوعاً
وفتح للمخاطبة باباً طالما كنت له هياباً، ورفع حجاباً ترك القلب وجابا ما زلت أغازلها أملاً، فلا أطيق لها عملاً، وألاحظها أمداً، أذوب دونه كمدا.
وفي تعب من يحسد الشمس نورها. . . ويزعم أن يأتي لها بضريب
لا جرم أنه اقتضاني خالص ود وصحيح عهد، لم يلتفت مني إلى
معذرة ولم يكلني إلى ما في الوسع من المقدرة، وقد يعود على علمك بحر القريحة ثمداً، وحسام الذهن معضداً، فتكلفتها بحكم هذا الغرام تحت حصر ونازح بصر، فإن سمحت بالأغضاء، وسامحت في الاقتضاء، سلمت لك اليد البيضاء وظهرت لشكرك بالفضاء، وأما العذر الذي توخيت ولا عدمت شرحه وحميت بقوة الكلام سرحه، فإني غني عن تكلفات إيضاحه، ومد أوضاحه، فالذي يثبت في النفوس، من الود المصون المحروس، لا يخشى عليه من تسلط الطموس والدروس، ولا أقول أن ودي لك كالتبر إذ لا يصفو ما لم يشبه لهيب الجمر، ولا كالراح، حيث يفتقر في الرقة إلى المساء والصباح، بل أقول أن ودي لك أبيت اللعن، كالفرات العذب، يشفي غليل القلب ويطفي لهيب الصب، يحل بالأرض الميتة فيحييها، ويمر بالروضة الذابلة فيتوجها بالأزهار ويحليها، وأنت أعزك الله لا تثريب عليك إذ كل يعمل على شاكلته، ويجري في أموره على مقتضى مرتبته، فإن حنو السيد، وأنت ذاك، يستكثر قليله، وإخلاص العبد، وهو أنا يستحقر كما علمت جليله، والحب أغلب ومعرفة المرء نفسه أصوب.
وإن تفضلت بالاستفسار عن أحوال العبد فإن الحال في خير، والمآل يعلمه الله تعالى، وبالجملة فسهم المصيبة أن سدده الدهر، فعلى مثله وقع، والتألم بمثل هذه الحالة قد ارتفع:
ولم أر مثل الصبر، أما مذاقه. . . فحلو، وأما وجهه فجميل
وكذلك كل من دعا الصبر لما شاء أجاب، وأراه من نشره الأفق المنجاب، وأقامه بين مبرات وألطاف، وأعطاه ما أحب جني قطاف ولله در القائل:
يعيش المرء ما استغنى بخير. . . ويبقى العود ما بقي اللحاء
وهو الدهر لا يرد عن مراده، ولا يصادر في إصداره وإيراده:
فيوم علينا ويوم لنا. . . ويوم نُساء ويوم نسر
على أن طول الغيبة ليس لشيء علم الله آثرته على لقياكم إذ استبدله طوعاً لكنه ارتكاب للأخف من الضررين، واختيار للأهون من الشرين:
عسى غلطاً يثني الزمان عنانه. . . بدور أمور والأمور تدور
فتدرك آمال وتقضى مآرب. . . وتحدث من بعد الأمور أمور
فلذلك قنعت من البحر الوشل، وسرحت في رياض المنى بين عسى ولعل، فقد قيل إذا دار الفلك، فعليك أو فلك، ولله في خلقه أمر لا تدرك العقول حكمته «وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته» وما اجتليته في كتابك الخطير وروض خطابك المطير، استدعى شيئاً من نظم العبد ونثره، والتنويه بذلك من خامل ذكره، فلا عدمت منك مولى على الإحسان مثابراً، وحكيماً لكسر