الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقامة الحجام
لابن الطيب العلمي
أخبرنا بعض الظرفاء، من ذوي المروءة والوفاء، من أعتمد على نقله وروايته، وأحكم بصحة عقله ودرايته، قال جلست يوماً ما مع جماعة من الأحباب، على شيء من الشراب، نتذاكر ما مر في أيام الشباب، وبيننا شاب حسن الصورة، عليه الملاحة مقصورة، واللطائف في شمائله محصورة، إلا أن شعر شاربه قد طال، واسترسل غاية الاسترسال، فسألناه عن سبب طوله، وعدم قص طويله، فقال أنا أخبركم بخبر يعجب لذكره الحاضرون، ويطرب لسماعه المنصتون والناظرون، كنت من شأني أتزخرف في المكاسب، وأتخير منها ما يناسب، فصليت يوماً صلاة الاستخارة فوجدت نفسي مائلة إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتاً بسوق التجار، ووضعت فيه من محاسن القماش، ما أستعين به على المعاش، وزينت الدكان، بحسب الإمكان، وكسوتها بالأستار على أربعة أركان، وعاملت أهل الأسواق، مكارم الأخلاق، واستعنت بالقربة، عن ليالي الغربة، فاتفق لي في بعض الأيام، ضرورة إلى دخول
الحمام، فوجدت في طريقي جماعة من النسوان، بينهن فتاة كأنها قضيب البان، فلمحت من تحت الإزار معصمها، وقد سطع صفاوه، وأبصرت من تحت النقاب جسمها، وقد لمع ضياؤه فوقفت وقد جرى من الجفون دمي، وعجزت عن نقل قدمي، ثم تبعتها من بعيد، ولاحظتها إلى أين تريد، فدخلت داراً يدل إتقان بابها، على سعادة أربابها، فنظرت فإذا بالقرب من ذلك المكان، خياط يخيط في دكان، وعنده من الصناع والأعوان، ذوو أذقان ومردان، وصنوان وغير صنوان، فقلت في نفسي من هذا الخياط أستفهم، عما علي أبهم، فرجعت إلى دكاني، ثانياً عناني، وأحضرت عدة من التفاصيل وجئت بها حانوت الخياط بقصد التفصيل، فجالسته، وحاورته وآنسته، وفصلت ذلك القماش، وعجلت له من الأجرة ما يحصل به الانتعاش، ففرح بحضوري، واعتنى بأموري، ووجدت عنده معرفة بالأدب، وشكا لي من ضيق الحال والسغب، وأنشدني لنفسه من شعره المستعذب:
أنا الخياط لي رزق ولكن. . . أرى حالي من الإفلاس عبره
ذراعي فيه من فقري مقص. . . ورزقي خارج من عين إبره
فاستحسنت نظمه، وحملت همه، وصار يتلقى كلامي بالقبول، ويقف ممتثلاً ما أقول، فسألته عن صناع دكانه، ودار جيرانه، فما زال يشير إلى كل دار ويشرح حالها، ويعرفني تفصيلها وإجمالها،
حتى أفضى الحديث إلى الدار التي أختارها، وقصدي أن تتضح لي أخبارها، فقال هي دار خطيب البلد، وهو رجل كثير المال قليل الولد، مشهور بالتوقرة الزائدة، ولا له من الأولاد إلا ابنة واحدة، وهي روحه التي بين جنبيه، والسواد الذي فيه نور عينيه، وقد منعها الأزواج، وخطبها جماعة من البلد، فلم يسمح لها بالزواج، فقلت والله لقد شوقتني إليها، وحدثتني نفسي بخطبتها والعمل عليها، فهل تعرف امرأة تعرفني باسمها، وتوصل خطبتي إلى أمها، فدلني على عجوز مشهورة في عقد النكاح، تعرف بياقوتة الملاح، فلما لقيتها أوضحت لها الحال، ووعدتها أن تمت المسألة بتحف ومال، فسمعت كلامي، وضمنت لي بلوغ مرامي، وأنشدت:
أنا ياقوتة الملاح وربي. . . في أموري هو الكفيل بقوت
إن سلكت القفار جئت بوحش. . . أو سلكت البحار جئت بحوت
ويقود الصعاب لطف احتيالي. . . بخيوط تكون من عنكبوت
ألقني في لظى فإن غيرتني. . . فتيقن أن لست بالياقوت
ثم فارقتني وذهبت، واشتعلت نار وجدي والتهبت، ومضى علي شهر لا أدري أمرها، ولا أعرف مستقرها، فذرفت العيون، وسهرت الجفون، وساءت الظنون، وقلت:
غاب الرسول فلم يعد بجوابه. . . ففهمت معنى الحال في تأخيره
فكأنه لم يلق أمراً طائلاً. . . فأراد بالتأخير ستر أموره
ما ضره لو جاءني بجوابه. . . فعلمت ما قد كان عند حضوره
إن كان خيراً نلت منه بشارة. . . أو غيره فكرت في تدبيره
قال: وبعد ذلك حضرت، وقد انفطرت كبدي بما انتظرت، فلاح من وجهها عدم القبول وخيبة المأمول، وقالت: والله لقد تحيلت وتوسلت، فما ظفرت ولا توصلت، لم يوافق أبوها على زواجها، ولا سمحت نفسه بإخراجها، ولكن والدتها رثت لحالك ووافقت على ذلك، فقلت لها لقد يئست من حياتي، ودنت وفاتي، فساعديني قبل فراق الدنيا بنظرة واحدة، ولك ولأمها، التكرمة الزائدة، فليس لي غرض غير قليلة في جسمها، وأخرى في معصمها:
وبعد ذلك طاب الموت فاغتنمي. . . اجري ولا تهملي أمري أمت كمدا
وساعديني على حال بليت بها. . . وعجلي فلعلي لا أعيش غدا
ثم تصعدت زفراتي، وتجددت حسراتي، وتزايد شهيقي، وغصصت بدمعي لا بريقي، فقالت: أترضى بذلك النزر القليل، قلت: نعم والله على ما نقول وكيل، فاستصحبت من الذهب ما أرضاها، وركبت سفينة النصح، وقالت بسم الله مجراها ومرساها، وذهبت وقد دهت عيناها، فغابت عني قليلاً، ثم عادت فرأيت
وجهها جميلاً، وقالت: لقد رثت لك الوالدة، وسمحت لك بنظرة واحدة، بعد إن قلت لها لا بأس بنظرة العين، ورغبتها في أجر من يجمع بين المحبين، فإياك أن تنقض عهداً، أو تتعدى حداً، وتقرر الميعاد يوم الجمعة وقت الصلاة، ووالدها على المنبر في مصلاه، فصمت، وتصدقت، وانتظرت ذلك الوقت، إلى أن دنا الميعاد، ودخل الوقت أو كاد، فخرجت من داري، وقد صفت أكداري، وحسنت هيئتي، وسرحت لحيتي، واستعملت ما يناسب من الطيب، وقصدت دار الخطيب، فاجتزت بحجام عنده مرآة، ومقصات مستحسنات، فناولني المرآة حتى رأيت وجهي فيها، فوجدت شعر شاربي قد طال، وتعين أن يخفف ويزال، فأمرته بقصه، وأن يأخذ منه بمقصه، فامتثل أمري، وقص ما طال من شعري، فسألته عن اسمه وأصله، لعلي استدل بذلك على فعله، فقال: اسمي قتور، وأصلي من خيبر، فقلت: اسم عتيث، وأصل خبيث، فقصدت إعطاءه درهماً عن إجرته، فسبقتني يدي إلى كيس الذهب، لما طبع عليه الإنسان من عجلته، ولما نظر إليه وإلى ما فيه من الذهب، طار عقله وذهب فناولته منه ديناراً، لأكفى منه عاراً، فانكب على قدمي، وبالغ في الثناء على كرمي، وقال مثلك من خدمة الإنسان، وهل جزاء الإحسان، إلا الإحسان، والله لقد
أغنيتي من كرمك، ولا أعود أموت إلا تحت قدمك، فأثنيت عليه بالخير، وأسرعت عنه في السير، فأسرع حتى لقيني ولازمني ولاصقني، وما تأخر عني ولا سبقني، فقلت له انقطع عني، ولا تتبعني، وما الذي تريد مني، فقال: معاذ الله أن أفارق من أحسن إلي، وتفضل بهذا الدينار علي، والله ما أنا من أولاد الزنى، ولا من أبناء الحنا، هذا والعجوز مراقبة وصولي ومنتظرة لدخولي، فاعترضني جمع من المساكين، وقالوا تصدق علينا أن الله يجزي المتصدقين، فناوله ديناراً آخر وقلت صرفه وفرقه عليهم، وتولى إيصال ذلك بيدك إليهم، فرماه إلى الفقراء في الهواء، وقال اقتسموا هذا بينكم على السواء، ثم هرولت فأدركني، ودخلت من الباب، فأراد أن يمسكني وقال: إلى أين يا سيداه، وقد دخل وقت الصلاة، فلم أرد عليه الجواب، بل أدخلت وأغلقت دونه الباب، فما لبث أن طرق الباب. وقال يا سيدي فاتك الصواب، قد أقيمت الجمعة، والأقوام إلى الصلاة مجتمعة، فقالت لي المرأة: دع غلامك يذهب، فقد تعدى وغلب، فقلت والله ما هو لي بغلام، ولا لي معه كلام، فأخرجي إليه، والعني والديه، فخرجت إليه، وأنكرت عليه، فرمى عمامته وبكى، وقال إلى الله المشتكى سيدي في هذه الدار أدخلوه، وطمعوا في ماله فقتلوه، وزاد في الاستغاثة واجتمع عليه الناس حلقتان
أو ثلاثة، ولم يزل يصرخ ويستغيث، ويقول ألا نجد ألا مغيث، والعجوز راجفة، والبنت واجفة، والأم خائفة، والطوائف واقفة، «أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة» وما زال يصيح يا سيداه، يا مولاه، خرج الناس من الصلاة، فاتك الثواب، عدمت الصواب، حصلت وراء الحجاب، ضرب بيني وبينك بسور له باب، فخرج الناس من الجمعة، وعلى الباب طوائف مجتمعة، واتصل بالخطيب الخبر، فبادر إلى داره وحضر، فرأى الناس مجتمعين، والى الحجام مستمعين، فلما وقع نظره عليه، أدناه إليه، وقال له ما الحديث، وإلى كم تصرخ وتستغيث، فقال إن سيدي قد دخل إلى هذه الدار، ومعه كيس فيه ألف دينار، ثم لما أدخلوه، طمعوا فيه فقتلوه، وهو في هذه الدار، فأدخل وعرفني الأخبار.
قال الراوي: هذا ونحن نسمع الكلام، ونتوقع الحمام، فوجدت في الدار بئراً، فرميت نفسي فيها، وأمرت النساء يسترونها بما يخفيها، فدخل الخطيب إلى نسائه، وعرف من قول الحجام، وفوق إليهن ساهم الملام، فحلف له بما أرضاه، وقلن حاش لله، فخرج إليه بغيظ شديد وقلب دونه الحديد، وقال يا غلام، دع عنك هذا الكلام، فما عندي من يتهم بكلامك، ولا من ترميه سهامك، فصرح بأعلى صوته وقال: قتلوه وليتني مت قبل موته،
ولو كان حياً ما فاتته صلاة الجمعة، ولكان حاضراً وأنا فيها معه، وأحزناه واأسفاه واسيداه وأمولاه، غروك فأدخلوك، وطمعوا في مالك فقتلوك، ائذن لي بالدخول، فأنا أعرف ما أقول، فأمره الخطيب بالدخول إلى داره، ومعه من الحاضرين من بعثه فضوله على كشف أخباره، فدخل الدار في جمع كبير. فأوقعته المقادير على فم البير، فقال سيدي في هذا المكان، ولا بد من النزول فيه ولو كان ما كان، ثم نظر في نواحي البيت واستدعى بإناء فيه زيت، وحل عمامته وبل طرفها، وأوقدها لمكيدة عرفها، وأدلاها في ذلك البير، وأدارها فأنارت أي تنوير، فرآني جالساً بمكاني وقد حل بي من الويل ما كفاني، فاستغاث كذب المماطل، وجاء الحق وزهق الباطل، سيدي في هذا البير والإنسان جار تحت المقادير، فأخرجت من ذلك المكان، على أقبح حال وأسوأ شأن، فقال لي الخطيب أن أردت الخلاص فاصدق، فقلت ما دخلت إلا لأسرق، فحملت على تلك الحال إلى الوالي فسجنني وأخذ أموالي، فبقيت في الحبس سنة، في عيشة خشنة، ما رأيت فيها لذة بينة، وعلمت أن من أحسن لكل رديء الأصل، شقي كما شقيت، ولقي ما لقيت، وكان مما نظمته في حبسي مخاطباً لنفسي:
تجنب ردي الأصل واحد هو اجتهد. . . على طرده فالخير في شرف النفس
وإياك أن تغتر منه بملمس. . . يلين وجنبه اجتنابك للرجس
فإن الأفاعي قاتل سمها لمن. . . تداني إليها وهي كينة المس
ويكفيك في صدق الوصية ما جرى. . . علي وما لقيت من ذلك النحس
تقصدته بالخير كافي بضده. . . وأوليته المعروف جازاه بالعكس
وكم ليلة قضيتها في عساكر. . . من البق والناموس في ذلك الحبس
أقاسي الأسى من ذلك المدبر الذي. . . رأى قصده نقلي إلى ظلمة الرمس
وضيع أموالي وعرضي ومقصدي. . . ولكن حمدت الله إذ سلمت نفسي
وكانت العادة جارية بعرض المحابيس على السلطان، في كل شهر رمضان، فأحضرت بعد سنة بين يديه، وسألني عن الأمر الذي حبست عليه، فقلت: لي قضية أذكرها بين يديك، وإذا أنهيتها فالأمر إلى الله ثم إليك. فأذناني، واستفهمني عن شأني، فذكرت له الحكاية على الوجه الصحيح، وأوضحت له الحال فلم يحتج إلى تصحيح، فعجب من حالي، وأمر برد مالي، وتبليغ آمالي، وأمر الخطيب أن يزوجني من بنته المذكورة، وقام بالصداق من عنده على أحسن صورة، وأحضر ذلك المدبر وسلمه إلي، وحكمني فيه عند وقوفه بين يدي، فذهبت به إلى داري، وصفت بتلك المحبوبة أكداري، فصلبته على الباب مرجوماً، وأبقيته سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وسمعت هاتفاً يقول:
قضت نحبها نفس هذا اللعين. . . وفي صلبه نعمة مطلقة
فلا رحم الله تلك العظام. . . ولا برحت بلظى محرقة
وما مر به أحد إلا لعنه، واستظرفه على الخشب واستحسنه، وانشدت:
نلت جبري بكسر قلبي وصبري ورقيبي رأيته مشنوقاً
رام نفعا فضر من غير قصد (ومن البر ما يكون عقوقاً)
وأقسمت لا قصصت شعر شاربي، ولو استرسل إلى ترائبي، فهذا سبب طولها، وقد رضيت بتطويلها، ثم أنشد:
أرى الإحسان عند الحر ديناً. . . وعند النذل منقصة وشينا
كما النيسان في الأصداف در. . . وفي بطن الأفاعي صار سماً (1)
(1) يريد بماء النيسان المطر الذي ينزل في شهر نيسان وهو أبريل ويقولون أن الأصداف البحرية تتفتح فيه وما وقع منه فيها صار دراً كما أن الحيات تتعرض له فما وقع منه في أفواهها صار سماً.
المقامة الحسابية (1)
لبعض أدباء فاس
) أخبر الراغب بن عبد الوارث) قال خرجت إلى وادي فاس، في إبان ربيع عطر الأنفاس، يوم خميس مع أنيس، ينسى الغريض بتحبيره للقريض، فانخنا بمنزل، عن الجموع بمعزل، وإذا شيخ طالع، مع غلام بارع، فجلسا بمرأى منا ومسمع، وصرفا وجههما عن المجمع، وتنازعا الحديث ساعة زمانية، بلغ الشيخ فيها أمانيه، ثم أخرج الغلام لوحاً من ردنه، مصنوعة لعلم الحساب وما كان من فنه، وجعل يرسم في ذلك اللوح، بإشارة من الشيخ ممتزجة بروح، فقال لي صاحبي المؤنس، إن أمر هذا الشيخ لملبس، ولا بد من نقض غزله، وإبراز جده من هزله، فأنشد بصوت يسمع الصم، وتخر له الجبال الشم، ما قال ابن جزي في مثله، وقد أبدع في قوله:
يا ناصبا علم الحساب حبالة. . . لقناص ظبي ساحر الألباب
(1) هي ثلاث مقامات بخط واحد غير منسوبة توجد بمكتبتنا أثبتنا منها هنا اثنتين وتركنا الثالثة لتلاشي بعض كلماتها ويظهر أنها من القرن الثاني عشر.
إن كنت ترزق بالحساب وصاله. . . فالله يرزقنا بغير حساب
فدار الشيخ وأنشد، ورد بصوت أشد:
ما رصدته بل صادني بقسيه. . . وبمد شبكة صدغه الكتاب
ووقعت في فخ له، ذا غرة. . . إذا لم يكن صيد الظباء حسابي
ثم أخذته العزة فتاه، وأدار وجه إلى فتاه، فانطلق الأنيس، ينشد الفتي ليميس:
يا (ميتي) ومناءي. . . (ارفع حجاب) التجني (1)
(جمعت) من كل صنف. . . من الجمال وفن
ولم يكن في (حسابي). . . أن تصرف الوجه عني
ثنيت قلبي لما. . . (كسرته) بتثن
فلم يبرح لقوله، ولم يتزحزح عن محله، فأعاد وشاد، وأحسن الإنشاد:
يا (منية) لي لم يكن. . . لي في (حساب) أن سيسنح
(1) فيه تورية بالمية ورفع الحجاب من كتب الحساب وفي الأبيات التي تليه تورية بالأعمال الحسابية.
(ارفع حجاب) الهجر عن. . . صب إلى اللقيا ترنج
فاضت (جداول) دمعه
…
(وضربت) عنه (بالمجنح)
إن كنت (جامع) زخرف. . . من وشى بالله (فاطرح (
فما كان بأسرع من أن قاده إبليس، وأتى به كما أتي بعرش بلقيس، والشيخ يتبع التلميذ، كالذي أخذته النبيذ، وقد عبس، وما نبس، ولا فاه (1)، مما وافاه، سوى أن قال «ساحران تظاهرا» منيت منهما بما لم يكن في خلدي جرى، فحين أبرز برد أسنانه، وأصلت الكلام عضب لسانه، عرفنا أنه أبو سلامه، فاحسنا تحيته وسلامه، وقلنا لندفع لجاجه، بك والله الحاجه، يا ثمر غرسنا وعطر عرسنا، قال أبعد ما بي سخرتما، ولفتاي سحرتما؟ فما زلنا نعالج قلقه، حتى فتحنا مغلقه، وقال مباسطاً للأنيس، استفززنا بصوتك المغناطيس، فأنشده قول من قال، وأحسن في المقال:
وقالت فتاة المنحنى ذات ليلة. . . وقد سمحت من بعد صد وإعراض
إذا ما مضى مما تبقى من الدجى. . . ثلاثة أسباع وتسع من الماضي
أتيتك لا يدري بذاك رقيبنا. . . أجر ردآ مرط على الأرض فضفاض
(1) أي نطق.
فكان ذهاب الليل عند مجيئها. . . فكم كان باقيه وماضيه يا قاض
فطرب طرباً شديداً، وانبسط انبساطاً جديداً، وقال أتعرف مغزاه، وإلى كم ليله جزاه، فقال ليس لي به يدان، ولست من فرسان هذا الميدان فطوقنا بفهمه، ورنقنا بعلمه، قال بشرط أن تكون من الألباء، وأن لا تعود إلى التفريق بين الأحباء، فقال وهو مضمر الخلاف نعم، «وما يسرني بها حمر النعم» فقال أنه تجزأ دجاه وانتشر، إلى خمسمائة وستة عشر، أربعمائة واثنان وثلاثون لماضيه، وأربعة وثمانون لباقيه، تسع الماضي ثمانية وأربعون، وثلاثة أسباع الباقي، ستة وثلاثون، ومجموع هذين هما الباقي، فإن يمضيا بلغت روح الدجي الراقي، فقال قد فهمنا، وبما كثرت همنا وإنا لنظما، لوروده نظماً، فقال اسمع أوتيت فهما، «وقل رب زدني علماً»:
لقد قسمت لـ (سيرها) شبة شعرها. . . وباقيه سدس غير قسمته ماض
ثلاثة أسباع لقائل (ابلج). . . و (ماجد) ابدى تسع ماض لمرتاض (1)
وذان هما الباقي فإن يمضيا قضى م الدجى وتجلى الصبح بادي إيماض
لذا طلعت وابن الغزالة طالع. . . غزالتك الشماء أنت بها راض
(1) هذا تلخيص للعمل في ذلك بحساب الجمل، فنقط سيرها 5? 6 ونقط أبلج? 6 ونقط ماجد 48.
وهلك ما هو أخصر، وهو للظمئان أقصر:
دجاها (يسرها) و (تبكي) لفائت
وباقيه (عيد) فاقض ما ذو الحجا قاض (1)
ولك أن تقول، وهو أقرب للعقول، أنه جزأه إلى ثلاثة وأربعين، وجعل الماضي ستة وثلاثين، وإن شئت المنظوم، فخذه غير مكظوم:
دجاها (جلي) ما مضى منه (أبلج). . . وباقيه (باد) فاقض ما ذو الحجا قاض (2)
ثم أدار حديثاً اشهى للنفوس، من إدارة السقاة للكؤوس، وقال هل بقي في السفط، شيء من ذلك النمط، فانشده قول القائل، المشهور بين الأوائل:
غزال قد غزا قلبي. . . بالحاظ وأحداق
له الثلثان من قلبي. . . وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى. . . وباقي ثلث للساقي
وتبقى أسهم ست. . . لتقسم بين عتاق
(1) نقط يسرها بحساب الجمل 516 ونقط تبكي 4? ? ونقط عيد 84 والعمل لا يخفى على الحاسب.
(2)
نقط جلى 43 ونقط أبلج 36 ونقط باد 7.
فقال وقد ابتسم، إلى كم قلبه اقتسم، فقال مالي به دراية، ولم اسمع فيه رواية، وإن كشفت الغطاء عن المبهم، فلك أجر من علم وفهم، «قال لقد أوتيت سؤالك، ولكن الشرط أملك، فإنه قسمه إلى واحد وثلاثين، كما هو مقرر في دواوين، وأن أحببت شقيقه، على الحقيقة، فاسمع مني، واحفظ عني:
قضيت ثلثي ليل هجرك باكياً. . . حتى غدا (المجهول) ناراً في جبل
وقضيت ثلثي ثلثه في جرعتي. . . حرق الهوى نهلاً وتارات علل
وأبدت ثلثي ما تبقى منه في. . . علي، أو أنه كان تنفعني لعل
وقصرت ثلثي ذلك الباقي على. . . نظري لشبهك في السماء وقد كمل
والثلث وهو الواحد الباقي بدا. . . فيه شقيقك قلت سبحان الأجل
وإن اتقنت باب الجبر والمقابلة، يلح لك وجه الحق في مقابلة، ولما آذنت الشمس بالغروب، مال أبو سلامة للهروب، فودعناه وداع كاره لغيبته، وانصرف تلميذه معه وهو تمام بغيته.