الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع موجود لها قائم بها كما هو موجود في أذهان الموحدين العارفين فلم يصح تسلط النفي عليه من جهتين. أحداهما إنه موجود وكما لا يصح نفي الذوات الموجودة كذات الصنم لا يصح نفي وصفه الموجود له ككونه معبوداً بغير حق وفتنة ومضلة ووبالاً. الثانية أن المنفي في كلمة الإخلاص هو المثبت بإلا لما بعدها فلو كان المنفي هو الألوهية الباطلة الموجودة في الخارج لكان ذلك هو المثبت لله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولما عُلِمَ عِلْمَ اليقين أن المثبت لله تعالى أنما هو الألوهية الحقية، علم أنها هي المنفية عن غيره لا الباطلة.
ب- في الأدب
مناظرة مالك بن المرحل
لابن أبي الربيع النحوي، في كان ماذا
وقعت هذه اللفظة في شعر مالك بن المرحل فأنكرها ابن أبي الربيع وقال: الصواب ماذا كان، فقال مالك:
عاب قوم كان ماذا. . . ليت شعري لم هذا
وإذا عابوه جهلاً. . . دون علم كان ماذا؟
وكثر النزاع بينهما وألف كل منها في المسألة منتصراً لرأيه. وكان الذي ألفه مالك كتاباً سماه الرمي بالحصى والضرب بالعصا وجزأه ثلاثة أجزاء. ولم نقف على شيء مما كتب ابن أبي الربيع. ودونك
فصلاً مما كتبه ابن المرحل فيما يشهد لإثبات كان ماذا من الجزء الأول مع اختصار وتصرف في بعض الألفاظ المزيد الإيضاح:
أيها القائل:
كان ماذا ليتها عدم. . . جنبوها قربها ندم
ليتني يا مال، لم أرها. . . إنها كالنار تضطرم
يقول لك مالك: لا بد لك أن تصيح من تحت طبق على طبق نيران: كان ماذا؟ «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون» .
إلى كم قيد في كان ماذا تقييداً بعد تقييد؟ لقد حصلت منها في أمر شديد. إلى كم تعيد فيها وتبدئ، وتنظم وتنشئ؟ غرك احتمالي لقدحك ومزحك، وصبري على ألم جرحك، حتى قلت:
ما لجرح بميت إيلام (1)
انتهزت الفرصة في أذاية صبور، ودلاك حلمه بغرور، حتى قلت:
كل حلم أتى بغير احتمال. . . حجة لاجئ إليها اللئام ((2)
(1) هو عجز بيت للمتنبي، وصدره: من يهن يسهل الهوان عليه.
(2)
البيت أيضاً للمتنبي وهما من قصيدة واحدة.
تالله لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة، ولم تكن الفاقرة تتبعها الفاقرة ولكن أغضيت على القذى، وصبرت على الأذى، حتى قيل لو قدر لانتصر. وأتصل الأمر فصار ديدناً فلا جرم أن أتعقب كلامك، وألفت عليك لأمك، فأقول وإنما أخاطب من سمع خطابي، ونظر في كتابي:
اعلم أعزك الله أن هذا الرجل المشار إليه هو الذي أثار نار كان ماذا التي أحرقته حتى صاح: ليتني يا مال لم أرها. البيت، وذلك أنه مع رجلاً ينشد لي قصيدة في محل كريم جمعني وإياه وكان فيها:
وإذا عشقت يكون ماذا؟ هل له. . . دين علي فيغتدي ويروح؟
فقال: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا ولا يكون ماذا ولا فعل ماذا ولا أفعل ماذا ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة ولا سمع. فاستشهدت عليه ببيت الجارية وهو:
فعاتبوه فذاب شوقاً. . . ومات عشقاً فكان ماذا؟
وبقول الشاعر:
فعدك قد ملكت الأرض طراً. . . ودان لك العباد فكان ماذا؟
فقال: هذا لحن ولا يحتج بمثل هذا. فقلت له: إيراد العلماء لهذا الشعر وقبولهم له حجة على جوازه. وهذا كثير. ذكر أبو علي
البغدادي في النيل من النوادر: أنبأنا الزبير حدثنا أخي هارون بسنده عن وهب بن مسلم عن أبيه قال دخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق فمررنا بسعيد بن المسيب فسلمنا عليه فرد ثم قال يا أبا سعيد من أشعر، أصاحبنا أم صاحبكم؟ يريد عمر بن أبي ربيعة وقيس الرقيات. فقال له ابن مساحق حين يقولان ماذا؟ قال حين يقول صاحبنا:
خليلي ما بال المطايا كأننا. . . نراها على الأدبار بالقوم تنكص
الأبيات. ويقول صاحبكم ماذا؟ (1) فقال له وهب: صاحبكم أشعر بالغزل وصاحبنا أكثر أفانين شعر، فلما انقضى ما بينهما استغفر سعيد مائة مرة يعد بالخمس.
قال المملوك: رضي الله عن سعيد بن المسيب لم يزد على أن فاوض صاحبه في مباح لم يجر في كلامه فحش ولا غيبة مسلم ثم استغفر الله مائة مرة. هكذا هكذا وإلا فلا لا. (2)
أين هذا من الذي قيد فيه؟ وكم فيهم من فقيه سوء خبيث كثير الأذى والمضرة، يعيب ويغتاب من غاب عنه ألفاً ولا يستغفر الله مرة.
(1) الذي بالتتمة المطبوعة من الذيل والنوادر: ويقول صاحبكم ما شاء.
(2)
هذا عجز مطلع قصيدة للمتنبي في سيف الدولة وصدره: ذي المعالي فليعلون من تعالى.
وحكى أبو علي قال: قرع باب ابن الرقاع فخرجت بنية له صغيرة فقالت من هاهنا فقالوا نحن الشعراء قالت وتريدون ماذا؟ قالوا نهاجي أباك فقالت تجمعتم من كل أوب ووجهة على واحد، لازلتم قرن واحد. قال: فاستحيوا ورجعوا.
قال المملوك. وكذلك حالي الآن بسبتة اجتمع كل من فيها من أصحاب هذا الرجل وأهل بلده للنقد علي ولم يبلغوا أن يكونوا قرن واحد، والله المستعان.
واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها أيضاً في الذيل أولها لما أراد معاوية البيعة ليزيد كتب إلى مروان وهو وال على المدينة، وفي الحكاية: أو تفعل كما فعل أبو بكر قال فعل ماذا؟ وفيها أو تفعل كما فعل عمر فقال فعل ماذا؟ وبحكاية أخرى أخرجها ابن ظفر في كتابه أنباء نجباء الأبناء أولها بلغني أنه لما ولد لعبدالله بن جعفر ولده معاوية وكان لأم ولد والحكاية طويلة وفيها من كلام خالد بن يزيد بن معاوية يخاطب عبد الملك ابن مروان بلغني أن الحجاج تزوج إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم فغضب عبد الملك وقال كان ماذا؟ ولم لا يكون الحجاج كفؤاً لها قال خالد يا أمير المؤمنين إني لم أرد ذلك ولكنك تعلم أنه لم يكن بين بيتين من بيوت قريش ما كان بيننا وبين آل الزبير، يعني من العداوة، فلما تزوجت إليهم انقلب ذلك البغض حباً. واستشهدت له بشواهد من هذا النوع وإنما كان غرضي أن أثبت أن هذا النوع من الكلام قد قيل
وإنه فصيح ولم أتعرض إلى أنه على الاتصال ولا على التقديم والتأخير ولا على الانقطاع فتمادى على الإنكار. وقال: لا يحتج بأبي علي البغدادي فلم يكن من أهل الصناعة ولا بابن ظفر. وإنما يحتج بأهل صناعة العربية. فاستشهدت له بحكاية أخرى أخرجها العالم الجليل أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني حيث قال:
يا دار أقفر رسمها. . . بين المحصب والحجون
وفي آخر الحكاية فكان ماذا؟ واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها ابن قتيبة في عيون الأخبار قال: مر أعرابي بمؤذن وهو يقول أشهد أن محمداً رسول الله بنصب رسول الله فقال الأعرابي ويحك يفعل ماذا؟ وبحكاية أخرى من الكتاب المذكور قال: وصعد اليربوعي فخطب وقال أما بعد فإني والله ما أدري ما أقول ولا فيم أقمتموني أقول ماذا؟ فقال بعضهم قل في الزيت فقال الزيت مبارك فكلوا منه وادهنوا. وبحكاية أخرى منه قدم ابن جامع مكة بخير كثير فقال ابن عيينة: علام يعطي الملوك هذا الغلام هذه الأموال ويحبو نه هذا الحباء؟ قالوا يغنيهم قال يقول ماذا؟ فهذان رجلان من أئمة العلماء وصناعة العربية قد حكيا في تأليفيها المشهورين هذه الألفاظ. واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها العالم أبو بكر الزبيدي وهو من أئمة العربية في تاريخ النحويين واللغويين. حدث بسنده عن العجوري قال: كان ثعلب من الحفظ
والعلم وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، على ما ليس عليه أحد. وفي الحكاية من كلام ثعلب لصهره: إذا رآك الناس تذهب إلى هذا الرجل تقرأ عليه يقولون ماذا؟
قال المملوك فلما بلغه ذلك قال: لا يتنزل نطقهم لهذه الألفاظ منزلة نقلهم. قلت فيظهر من قولك أيها الرجل أن الزبيدي وابن قتيبة وثعلب وأبا الفرج الأصبهاني وغيرهم كانوا لحانين أيضاً، فالحمد لله استوى الماء والخشبة ولا عار على من لحن مع هؤلاء. ثم أوقفته على كتاب ألفه أبو علي المالقي في شرح الجمل هو بأيدي الناس وقد تكلم على ماذا فقال: ومن حكم ما مع ذا أن الألف لا تحذف منها وإن دخل عليها حرف الجر فتقول بماذا جئت؟ وعماذا سألت؟ ومن حكمها أنها يعمل فيها ما قبلها وإن كانت استفهاماً ثم قال: ويقوي ذلك حديث أم حبيبة حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في بنت أبي سفيان فقال أصنع ماذا؟ انتهى كلامه.
قال المملوك: وخرج هذا الحديث في كتاب البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود وابن خيثمة. فلما وقف على الجملة أكبرها وأعظمها ورأى أن الحديث المذكور تمخضت عنه بطون الأمهات الكبار، ودارت عليه كتائب من كتب الأئمة الأخيار، بين سمر القنا وبيض الشفار، فحصل في أمر عظيم، ووقع في مقعد مقيم، ثم نظر فرأى أن الطرق
كلها تجتمع في هشام بن عروة ابن الزبير رضي الله عنه فقال هذا نقله بالمعنى وقد لحن فيه فقيل له ولم تقول ذلك؟ قال: إني لا أراه كان يحسن أدوات النقل وكانت أمه أمة وانفرد بنقل هذا اللفظ الذي لا يوجد في كلام العرب. فنقل الطلبة كلامه، وأكبروا جرأته وإقدامه، فأمر بالتقييد في ذلك ليوقف على كلامه فأضطر إلى القول بجواز ذلك وقال: أما أفعل ماذا، إذا ورد في كلام فصيح فيجوز على أن تكون ماذا منقطعة من أفعل ويكون التقدير ماذا تريد ومشى في تقييده على ذلك. ثم تكلم في بيت الجارية فقال رأيت ابن طاهر قد قال انه على الانقطاع. فظهر من كلام هذا الرجل أنه لم يكن عنده علم من الحديث ولا من بيت الجارية ولا أن ذلك جائز حتى وقف على كلام ابن طاهر في بيت الجارية بعد وقوع النازلة، فمن هناك تدلى وقال أن الحديث يجوز على الانقطاع. وانتقلنا - بحمد الله - من أن ذلك لا يجوز البتة ولا سمع إلى أنه يجوز على الانقطاع. ومع هذا فلم يزل مصمماً على قوله الأول أن الحديث منقول بالمعنى وأن ذلك لحن فيه فإنه أورد في تقييده أن النقل بالمعنى جائز، وهذا الذي ذكر لا ينازع فيه إنما ينازع في أنه لحن، وقد فرق كلامه في هشام بن عروة رضي الله عنه في تقييده فأشار في موضع منه أنه كان ابن أمة وإن اللحن طرأ عليه من قبلها فقال: روى مسلم عن ابن أبي عتيق قال تحدثت أنا والقاسم عند عائشة وكان القاسم رجلاً لحاناً وكان الأم ولد فقالت له عائشة: ما لك لا تتحدث كما يتحرك ابن أخي
هذا؟ ثم قالت: أما إني قد علمت من أين أتيت هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك. قلت: فهذه إشارة إلى أن هشاماً كان كذلك إلى ما صرح به في مجالسه، وهذا الذي نقل عن ابن أبي عتيق رضي الله عنه لم يعن به اللحن الذي هو فساد الإعراب وإنما عنى به إخراج الحروف من غير مخارجها ونحو ذلك. كما حكي أن أعرابياً قال لعمر رضي الله عنه أيظحى بضبي؟ فقال له عمر إنما يقال أيضحي بظبي فقال له الأعرابي كذلك نقول أو هي لغتنا. وأيضاً فإن القاسم كان صغيراً وعائشة هي أم المؤمنين وإنما قصدت بقولها التعليم والتأديب وليس له أن يقول في هشام بن عروة كما قال ابن أبي عتيق في القاسم ولا أن ينزل نفسه منزلته في هذا القول.
قلت: وأشار في موضع آخر إلى أنه كان قليل المعرفة باللسان قال: ومما يستحق الراوي أن تكون عنده جملة صالحة من اللسان حتى لا يتوحش من شيء سمع منه وإذا رأى منكراً نفر منه ولا بد أن يتقن جهات الإعراب وأبنية الأسماء والأفعال. ثم نقل فصلاً عن الأصمعي إن أخوف ما أخاف على طالب الحديث اذا لم يعرف اللحن أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار لأنه عليه السلام لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت. قلت: وهذه إشارة أخرى إلى أن هشاماً لم يكن يحسن من ذلك شيئاً بحيث أنه دخل بمقتضى قوله في الجملة التي تلحن فتكذب فتتبوأ مقعدها من
النار. قلت: وكذلك أشار في موضع آخر إلى تضعيفه فقال: أن من المحدثين من يكتب حديثه ولا يحتج به. قلت: هذا صحيح في غير هشام بن عروة. قال بعض من تكلم في الرجال: أبو الحصين عبيد الله القداح ليس بالقوي مكي ضعيف مولى لبعض أهلها. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن عبيد الله القداح فقال ليس بالقوي يكتب حديثه. وأما هشام بن عروة فمعاذ الله أن يكون من هؤلاء. وهذه نبذة من أخباره وما قيل فيه رضي الله عنه (وذكرها) ثم قال:
فأما قوله وقد انفرد بهذه اللفظة التي لا توجد في كلام العرب فباطل قد جاء في حديث آخر ما يشبه هذا، أخرج الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه صفوة الصفوة عن أبي سعيد عن مسلم عن إبراهيم عن هشام الدستوائي عن عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب ليتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا له إلى أين تريد يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: السوق، قالا تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال فمن أين يطعم عيالي؟ قالا انطلق حتى نفرض لك شيئاً فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شاة وماكسوه) (1) في الرأس والبطن. وخرج أبو داود في كتابه قال: ناموسي (2) بن إسماعيل قال نا وهب قال نا داود عن عامر عن جابر بن
(1) أي نازعوه فيها.
(2)
اختزال لحدثنا.
سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة. قال فبكى الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفية فقلت لابي ما قال؟ قال كلهم من قريش. حدثنا ابن نفيل قال نازهير قال نا زياد بن خيثمة قال حدثني الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة بهذا الحديث زاد: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا؟ قال ثم يكون الهرج. قلت فقد اشترك هشام بن عروة مع غيره في رواية هذا النوع من الكلام لا فرق بين أفعل ماذا وتصنع ماذا وثم يكون ماذا. فلينظر في هؤلاء الرواة كما نظر في غيرهم وليبحث فلعل فيهم ابن أمة فيكون الحديث لحناً على مذهبه، ولعل فيهم مثل عبيد الله القداح، أعوذ بالله من الجهل والضلال. قلت: ثم إن هذا الرجل لما قهرته الأدلة، ووقف موقف الهوان والذلة، احتاج إلى المطالعة فوقف على كلام ابن طاهر في بيت الجارية كما ذكر، وعلى كلام غيره واضطر إلى التقييد في ذلك، فقال وهو يمشي الضراء) (1) ويقف وراء وراء: إنما أنكرت أن يكون ما قبل ماذا عاملاً فيها. قال وقد تبين بما لا خفاء معه أن أفعل ماذا ليس على تقدير ماذا أفعل، وإن ماذا منقطعة من أفعل. لكن بقي ذكر المعاني التي يأتي عليها الكلام فأقول: يظهر لي في أفعل ماذا إذا ورد في كلام العرب أنه يكون على ستة أوجه؛ أحدها أن
(1) أي مستخفياً.
تأتي بافعل تعلم مخاطبك بالموافقة ثم تقول ماذا أي ماذا تريد. قلت وإذا أردت أن تخرج البيت على هذا الوجه كأن العاذل قال له إذا عشقت يكون كذا ويكون كذا فعدد له ما يطرأ عليه من المحن في الهوى فيقول موافقاً له: وإذا عشقت يكون أي يكون ما قلت ثم يقول ماذا؟ أي ماذا يكون علي؟ الوجه الثاني أن تقول افعل وتسكت على وجه التذكر ثم نقول ماذا؟ الوجه الثالث أن تقول افعل؟ على جهة الإنكار وتمثل بقول أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لنتحدث إنك تريد أن تنكيح درة بنت أبي سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أم سلمة؟ الوجه الرابع أن تقول افعل وتحذف المفعول تعظيماً للأمر وتهويلاً. الوجه الخامس أن تقول أفعل وتحذف المفعول لأن الذي بعد ذا يبينه. الوجه السادس أن يكون انتقالاً من كلام إلى كلام. ثم قال:
وإذا جاء افعل ماذا ويفعل ماذا؛ فقد يكون على وجه آخر غير الوجوه المذكورة وهو أن يكون المفعول محذوفاً كما تقول لإنسان يقول لك أفعل معي ما فعل فلان فتقول فعل! أي أدري أنه فعل شيئاً ولكني لا أعينه ثم تسأله عن تعيينه لتنظر في ذلك. ثم قال: وقد يكون على أن تذكر فعل لتحقق ما يقال. ومثال من ذلك أن يقول قائل زيد ضرب فتقول ضرب! على معنى أقلت ضرب؟ ثم قال: فإذا تتبع كلام العرب ومقاصدها في كلامها فيوجد أكثر مما ذكر. قال المملوك: انظر كيف قال أولاً أنه يكون على ستة أوجه ثم انه زاد وجهين بعد الحصر في ستة أوجه ثم قال
وإذا تتبع كلام العرب ومقاصدها في كلامها فيوجد أكثر مما ذكر، فقد صار المنحصر لا ينحصر. ثم قال بعد ذلك: ويمكن أن تجعل ما بمنزلة الذي وذا خبر لمبتدأ محذوف ويكون بمنزلة قوله تعالى «تماماً على الذي أحسن» على قراءة من قرأ أحسن بالرفع، وذا إشارة والتقدير افعل الذي هو هذا. ثم قال: ويمكن أن تجعل ذا بمنزلة الذي وتكون الصلة محذوفة على حسب قوله:
وكفيت جانبها اللتيا والتي (1)
قلت: انظر كيف زاد بعد قوله أن الوجوه لا تنحصر وجهين آخرين وهذا كله من قلة التحصيل. ثم أنه كر على بيت الجارية فقال: وإذا نظرت إلى الوجوه التي ذكرت بدا لك في بيت الجارية غير ذلك فأخرج بيت الجارية عن الجواز على تلك الوجوه وضعف الوجه الذي ذكره ابن طاهر وقال انه ضعيف ومعنى سخيف لأنه خال عن رشاقة، عار عن لباقة في كلام له مفقر بارد تركته ثم قال: وأما البيت الذي وقع فيه الكلام، وزلت بسببه الأقدام، فلا يشبه بيت الجارية لأنه قال: وإذا عشقت يكون ماذا؟ فإذا وقف على يكون وهو قد جعله جواباً إذا لأنها لا تخلو من الشرط فقد جعل جملة الجواب لا تفيد إلا ما أفادت جملة الشرط.
(1) أي الخطة الفظيعة التي تقصر عنها العبارة وتحذف الصلة في هذا التعبير حتى في النثر فيقال بعد اللتيا والتي لقصد الإبهام والتهويل.
قلت: هذا اعتراض بليد لم يفهم من البيت إلا ما وقع في أذنيه فإن الرجل لا يحسن في الأدب شيئاً ولا يحسن أغراض الشعراء ولا ما جرى عليه عملهم حتى يفهم. هذا قول حبيب:
أجب أيها الربع الذي أنا سائله
فإنه ينظر فلا يرى كلاماً متقدماً ولا يسمع قول مخاطب يكون هذا جوابه فيظن أن الشاعر مجنون. قلت: وأنا بعون الله أبين للمبتدئين كيف يخرج البيت الذي فيه الكلام عند أهل الصناعة العربية وذلك أن فيه:
حق وإن جعل النصيح يصيح. . . أنا عاشق، هذا الحديث صحيح
واذا عشقت يكون ماذا هل له. . . دين علي فيغتدي ويروح؟
فكأن الناصح عنفه على العشق وعذله، وقال له أنت عاشق وجعل يصيح وينظر ويسمع فقال حق أنا عاشق، هذا الحديث صحيح، ثم قال وإذا عشقت يكون العشق كما تقول وماذا علي فيه؟ ويدل على ذلك بعد هذا:
فيه قضاء؟ لا ولا كفارة. . . فأرح فؤادي إن قولك ريح
فقد تبين المعني وظهر وجه التقرير والإعراب على الطريقة في صناعة العربية وصار يكون جواباً لإذا على رغم من أنكره فإن المنكر بعيد
من فهم الشعر ومن قوله، على أنه قد تكتب (1) وتكلف الشعر بالعروض على ما تقف عليه إن شاء الله. فإن قيل لي هذا مذهبك في البيت قلت نعم! ويمكن تخريجه على أكثر الوجوه التي فسرها هذا الرجل، بعد تحصيل الفهم لما قبل البيت كما ذكرت لك ولا يبعد عندي التقديم والتأخير من غير عمل كما أبين للمبتدي إن شاء الله وذلك أنك تقول ماذا أفعله؟ ثم تحذف الضمير فتقول ماذا أفعل؟ ثم تقلب فتقول أفعل ماذا؟ ويتبين لك في أن تقول أي شيء أفعله؟ ثم تقول أي شيء أفعل؟ برفع أي ثم تقول أفعل أي شيء بالرفع. فكذلك التقدير في يكون ماذا! والتقديم والتأخير في الكلام كثير ومن ذلك قوله تعالى:«إني لكم لمن الناصحين» على أحد القولين. وقد قالوا: أصبحت كيف؟ علقه أبو علي الفارسي.
وهذا الكلام مقتضب وإنما هو تذكير للعالم وتنبيه للنائم والله الموفق.
وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم أعني حديث أم حبيبة فالتقديم والتأخير عندي فيه هو الصواب لأن غير ذلك يبدل معناه ويخرجه عن ظاهره ويطمس حسنه ونور فصاحته. وأما سائر ما تقدم فمهما يستوي فيه النظر.
قال المملوك: ونظير البيت المذكور قول عمر رضي الله عنه للأعرابي الذي أنشده:
(1) يعني تعاطى الكتابة.
يا عمر الخير رزقت الجنة. . . أكس بنياتي وأمهنه
وكن لنا من الزمان جنة. . . أقسم بالله لتفعلنه
فقال له عمر: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:
إذن أبا حفص لأذهبنه
فقال له عمر: وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:
يكون عن حالي لتسألنه. . . يوم تكون الأعطيات هنه
وموقف السؤال ينتهنه. . . إما إلى نار وإما جنة
قال فبكى عمر حتى اخضل لحيته ودعا بقميص فدفعه إليه وقال خذ هذا لأهوال ذلك اليوم لا للشعر. والحكاية رواها أبو علي البغدادي.
والبيت الثاني الذي تقدم وهو:
فعدك قد ملكت الأرض طرا. . . ودان لك العباد فكان ماذا؟
وقع في حكاية أوردها أئمة الأدباء في كتبهم قال جعفر بن القاسم الأمير بالبصرة: إني لفي الجامع الأعظم بالبصرة ومعي جماعة يعظونني إذ وقف على بعض المجانين فقال:
فعدك قد ملكت الأرض طرا. . . ودان لك العباد فكان ماذا
ألسنت تصير في لحد ويحوي. . . تراثك بعد، هذا ثم هذا
وينسبان أيضاً لبهلول يقولهما لبعض الخلفاء العباسيين وقد لقيه في بعض الطرق. ويروى البيت الأخير:
ألست تصير في لحد ويحثو. . . عليك الترب، هذا ثم هذا؟
ورأيت في كتاب ابن ظفر آن هشام بن المغيرة كان بينه وبين العاصي ابن وائل نبوة وكان أبو جهل بن هشام حديث السن معجباً بنفسه حديداً فمر بالعاصي بن وائل وهو في نادي قومه وابنه عمرو بن العاص بين يديه وهو طفل فقال أبو جهل كلاماً يتهدده به فلم يجبه العاصي بشيء فقال عمرو لأبيه: مالك لا تجيبه؟ قال أقول ماذا؟ قال تقول إذا كنت يومك ذا عاجزاً مهيناً فأنت غداً أعجز، ولو كنت تعول ألهاك عن وعيدك ذا ما به تنبز، فاستطير العاصي سروراً وقال أنت ابني حقاً وكان قبل ذلك يفضل غيره من ولده عليه.
قلت: والحكايات والأشعار التي وقعت فيها كان ماذا ويكون ماذا ونحو ذلك كثيرة وإنما أعود إلى إيرادها، لعلمي أنه متمادٍ على إنكاره وإنما احتاج إلى القول بالجواز في تقييده على الوجوه التي ذكر للضرورة، وما زال عن قوله إن ذلك لحن ولا يزول أبداً.