المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوونفي التعزية بوالده وأغراض أخرى - النبوغ المغربي في الأدب العربي - جـ ٢

[عبد الله كنون]

فهرس الكتاب

- ‌رسالة من المستشرق بروكلمان

- ‌المنتخبات الأدبيةقسم المنثور

- ‌قسم المنثور

- ‌التحميد والصلاة

- ‌تحميد القاضي عياضجمع فيه بين توحيد الجلالة وتمجيد صاحب الرسالة

- ‌تسبيح للمهدي بن تومرت

- ‌دعاء ومناجاة لأبي العباس السبتي

- ‌صلاة لعبد السلام بن مشيشوهي المعروفة بالصلاة المشيشية

- ‌صلاة لمحمد بن سليمان الجزوليمن كتابه دلائل الخيرات

- ‌صلاة لإبراهيم التازيوتعرف بالصلاة التازية

- ‌تحميد لمحمد ميارةيذكر فيه هداية الإسلام وجهاد النبي عليه السلام

- ‌صلاة لمحمد بن ناصرمن كتابه الغنيمة، (حرف الهمزة)

- ‌صلاة للمعطي بن الصالحمن كتابه الذخيرة، يذكر فيها شرف الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تحميد لخالد العمريمن خطبة له إثر عزل أحد ولاة الجوار بمدينة طنجة عام 1243 ه

- ‌صلاة للمختار الكنتيمن كتابه نفح الطيب، ضمنها عمود النسب الكريم

- ‌الخُطب

- ‌خُطبةلطارق بن زياد

- ‌خطبة إدريس الأزهرقالها بإثر مبايعته وهو ابن إحدى عشرة سنة

- ‌خطبة أخرى له

- ‌خطبة لعبدالله بن ياسينخطبها في شيوخ المرابطين وقد طعن في حروبهمع «برغواطة»

- ‌خطبة للقاضي عياضفي الحض على

- ‌خطبة للمهدي بن تومرتخطبها في شيوخ المصامدة عاهداً إلى عبد المومن

- ‌خطبة للقاضي أبي حفص بن عمريحذر فيها من مذهب الفلاسفة ويحض على اتباع السنةوهو متأثر في ذلك، ولا شك، بحملة المنصور الموحدي على الفلسفة

- ‌خطبة للمنصور المرينيكان له بإسبانيا غزوات عظيمة ومن بعض خطبه فيهايحض جيشه على القتال قوله:

- ‌خطبة لابن رشيدقام ابن رشيد للخطبة يوم الجمعة بعد فراغ المؤذن الثانيظنه الثالث فكثر لغط الناس فقال بديهة

- ‌خطبة وعظية لأبي مدين الفاسي

- ‌خطبة في التذكير والترغيبلأبي عبدالله الرهوني

- ‌خطبة للسلطان مولاي سليمان العلويفي التحذير من بدع المواسم والطوائف الضالة

- ‌خطبة وعظية للعربي الزرهونيعلى حسب أطوار الإنسان وسنيه

- ‌المناظرات

- ‌أ- في الدين

- ‌مناظرة أبي عمران الفاسي الفقهاء القيروان

- ‌مناظرة الخروبي والليسيثني والهبطيوما عقب به اليوسي عليها

- ‌ب- في الأدب

- ‌مناظرة مالك بن المرحللابن أبي الربيع النحوي، في كان ماذا

- ‌ج- في السياسة

- ‌مناظرة المهدي بن تومرت لعلماء مراكشبحضرة علي بن يوسف بن تاشفين

- ‌مناظرة السلطان زيدان بن المنصور الذهبيللشيخ يحيى بن عبدالله بن سعيد الحاحي

- ‌الرسائل

- ‌أ- السلطانيات

- ‌توقيع يوسف بن تاشفينعلى كتاب الفونش

- ‌كتابه بالفتح في واقعة الزلاقة إلى العدوة

- ‌كتاب عبد المؤمن إلى الشيخ محمد بن سعدالمعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلسيدعوه إلى الدخول في دعوتهم ويظن أنه من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية

- ‌رسالة من عبد المومن أيضاً إلى أهل تلمسانوهي من إنشاء الكاتب أبي عقيل بن عطية

- ‌توقيعه على رسالة أبي جعفر بن عطية

- ‌رسالة أبي حفص الهنتاتي إلى عبد المؤمن بالفتحفي ثورة أبن هود، وهي من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية

- ‌ومنها في ذكر الثائر المذكور

- ‌توقيع المنصور الموحدي على كتاب الفونش

- ‌توقيع آخر له

- ‌رسالة للمأمون الموحدي من إنشائهفي الإعلان بإبطال دعوى المهدي وعصمته

- ‌توقيع له

- ‌رسالة للأمير سلمان الموحدي من إنشائهإلى ملك السودان ينكر عليه تعويق التجار

- ‌توقيع له

- ‌كتاب السلمان أبي الحسن المريني إلى الملك الناصر محمد بن قلاوونصاحب مصر، في شأن ركب الحاج المغربي والمصحف الذيخطه بيده ووقفه على الحرم النبوي الشريف

- ‌كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوونفي التعزية بوالده وأغراض أخرى

- ‌كتاب السلطان أبي سعيد المريني الأصغر إلى الملك الناصر فَرَج بن برقوقيعلمه باستعداده لمناصرته على العدو المهاجم

- ‌بيعة صاحب مملكة بُرْنُو من أقطار السودانللمنصور الذهبي. أنشأها له كاتب المنصورعبد العزيز الفشتالي

- ‌كتاب المنصور الذهبي إلى الشيخين البدر القرافي والزين البكريفي إعلامهما ببعض الفتوح وتشوُّفه للأندلس

- ‌توقيعه على كتاب جُؤْذر

- ‌كتابٌ للسلطان مولاي الحسن العَلوي

- ‌توقيعات له

- ‌(ب) الاخوانيات

- ‌رسالة للقاضي عياض إلى الفتح ابن خاقانحمله فيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمان بن طاهر

- ‌رسالة لأبي الحسن بن مروان الرباطي الكاتبإلى ابن الربيب المؤرخ وقد استعار منه نسخة من تاريخ غريب

- ‌رسالة لابن هانئ السبتي أجاب بها أبا القاسم الشريفوكان بعث له بقصيدة همزية فرد عليه بقصيدة مثليها وهذا النثر

- ‌رسالة لابي جعفر الجنان المكناسي بعث بها لابن الخطيبوقد فاتحه بنظيرتها محركاً قريحته

- ‌رسالة للقاضي أبي عبد الله الفشتالي إلى ابن الخطيبجواباً عن مخاطبة مدح وثناء بعث بها إليه

- ‌رسالة لعبد العزيز الفشتالي بعث بها إلى المقريصاحب نفح الطيب جواباً عن كتاب كتبه له قبيل تشريقه

- ‌رسالة للأديب محمد ابن إبراهيم الفاسي إلى الشهاب محمود الخفاجيجواباً عن كتاب بعث به إليه

- ‌(ج) (المتفرقات)

- ‌رسالة للقاضي أبي موسى بن عمرانالمتوفي سنة 578 إلى ولد له بفاس قد ناهز الحلم

- ‌رسالة أبي جعفر بن عطية إلى عبد المؤمن يستعطفه بها

- ‌رسالة أبي الخطاب بن دحيةإلى والي بجاية يسأله تسريح خديم له أخذ في غزاة البحروقد ارتكب فيها غريب اللغة على عادته

- ‌رسالة إلى عبد الواحد المراكشيمن صديق له صبي لم يبلغ الاحتلام، يخبره ببعض الفتوح

- ‌عقد توبة لميمون الخطابي

- ‌إهداء أبي القاسم الشريف ديوان شعره إلى ابن الخطيب

- ‌كتاب الأستاذ ابن حكم السلوي إلى المقري الجدوكان بعث له بمحرر للبيع فسأله إبداله بإحرام تونسي

- ‌رسالة لأبي بكر بن شبرينإلى أبي الحكم بن مسعود وهو شاهد بالمواريث يداعبه فيها

- ‌المقامات

- ‌المقامة الزهريةفي منح المكارم البكرية لمحمد المكلاتي

- ‌مقامة الحجاملابن الطيب العلمي

- ‌المقامة النطوانيةله

- ‌مقامةللوزير ابن إدريس

- ‌المحاضرات

- ‌خير العلم ما حوضر بهشجاعة إدريس الأزهر

- ‌الحسن الحجام

- ‌محاسن الزهد والورع

- ‌تحري القاضي ابن محسود للعدالة

- ‌ملح أهل التصوف

- ‌وكل ناطقة في الكون تطربني

- ‌همة عالم

- ‌عالم ابن دلأل

- ‌حسن الجواب

- ‌بين عبد المؤمن ووزيره

- ‌أعاقبه بالحلم

- ‌المنصور الموحدي والفيل

- ‌سوء الفال

- ‌وقف على الشعراء

- ‌بين أمرين

- ‌مُلح نحوية

- ‌من محاسن التصحيف

- ‌حديث اللظافة)

- ‌نجابة الأولاد

- ‌بديهة الجراوي

- ‌الأصيل في فاس

- ‌بين ابن عبدوس وابن الجهم

- ‌الوجد مع الوجد

- ‌حسن الاعتذار

- ‌حسن التعليل

- ‌من اللطائف في التشميت

- ‌شاعر بليد الطبع

- ‌المودة في القربى

- ‌إنك لبحر

- ‌حلم المنصور الموحدي وعلمه

- ‌من إكرام أبي العلاء الموحدي للعلماء

- ‌هي الشمس

- ‌حيوانات معلمة

- ‌أحب سلا

- ‌نتيجة العلم

- ‌تظليل صحن القرويين

- ‌تحت ثريا القرويين

- ‌قاض حضرمي

- ‌فتحت لنجلك باب الفتوح

- ‌بين ابن المرحل وابن رشيق

- ‌زكانة ابن البناء

- ‌شعر للشريف المومنانييغنيه ابن الطراحة

- ‌محتسب وشاعر

- ‌حلف لا يمشي شاعره لداره إلا على الذهب

- ‌من حكاياتهم في العفاف

- ‌من محاسن الكناية

- ‌غريبة رابغ

- ‌آخر ما نسمع منهم

- ‌كلم نوابغللكاتب محمد بن سلمان من رجال الأنيس

- ‌المقالات

- ‌البلاغة النبوية للقاضي عياض

- ‌الألقاب والنعوتلابن الحاج الفاسي

- ‌النارجيللابن بطوطة

- ‌أطول الطريقللشيخ زروق

- ‌التاريخوالألفاظ المستعملة فيهلأحمد بن عرضون

- ‌التوشيح والوشاحونللإفراني

- ‌تقسيمُ العُلومُإلى فلسفيّة ومِلِّيَّةوبيان ما تواطأت عليهالمِلَّة والفلسفة مِنْهَالأبي علي اليوسي

- ‌القلم في اللغةلأكنْسُوس

الفصل: ‌كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوونفي التعزية بوالده وأغراض أخرى

وييسرلهم أسباب التوصل إلى الأمل والمرغوب، وشأنه العون على الأعمال الصالحة، ولا سيما ما كان من أمثال هذا إلى مثل هذه السبل الواضحة، وشكر بإدراتكم موطد الأساس، مطرد القياس، متجدد مع اللحظات والأنفاس، والله يصل للإخاء العلي نظرة أيامه، ويوالي نصرة إعلامه، ويبقي الثغور القصية، والسبل السرية منوطة بنقضه وإبرامه، محوطة بمعاضدة أسيافه وأقلامه، والسلام الكريم العميم، يخص اخاءكم الأعز ورحمة الله وبركاته.

‌كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون

في التعزية بوالده وأغراض أخرى

من عند أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، المنصور بفضل المتوكل عليه، المعتمد في جميع أموره لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، موثر المرابطة والمثاغرة مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة، ناصر الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، مشجي أهل العناد والإشراك، مانع البلاد،

ص: 430

رافع علم لجهاد، مدوخ أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للانتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، اخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده. إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدراً تماً، وصدع بأنوار الفخار فجلى ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علماً وأحيي رسماً، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأميله بحياطة النفوس والأموال، قطب المجد وسما كه، حسب الحمد وملاكه، السلطان الجليل، الرفيع الأصيل الحافل العادل الفاضل الكامل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المصان المؤزر المؤيد المظفر الملك الصالح أبي الوليد إسماعيل ابن محل أخينا الشهير علاوة، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها، السلطان الأجل الهمام الأحفل الأفخم الأضخم الفاضل العادل الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائر والقاسط) (1)، المؤيد المظفر،

(1) أي الظالم فهو من عطف المرادف.

ص: 431

المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين - ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد ابن الملك الأرضىي، الهمام الأمضي، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار، محيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقالم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام، المؤيد، المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين في تقلد، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاوون، مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطلعها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه.

سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر النفاق في النجوى فأصر على الدخن والإفك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محى بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك الملك ودعا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك، والرضا عن أله وصحبه الذين سلكوا سبيل أهداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك وصابروا في جهاد الأعداء، فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء

ص: 432

لأولياء الإسلام وحماته الأعلام، بنصر لمضائه في العدى أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأجمل بذلك الدرك، - فكتبناه إليكم كتب الله لكم رسوخ القدم، وسبوغ النعم، من حضرتنا مدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف، ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، ويصرف من أمره العظيم، وقضائه المتلقي بالتسليم، ما يتكون بين النون والكاف، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه - والى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً. فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى، ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين أنسه، من مؤاخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحة، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت تعارف الأرواح عند تنازح الأبدان، حتى استحكمت وصلة الولاء، والتأمت كلحمة النسب لحمة الإخاء فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان، ورد وارد أورد رنق المشارب وحق قول «ومن يسأل الركبان عن كل غائب» (1) أنبأنا باستئثار

(1) هو شطر بيت للشريف الرضي من قصيدة قالها عند توجه الحاج، وتمامه وهو المقصود: فلا بد أن يلقي بشيراً وناعياً.

ص: 433

الله تعالى بنفسه الزكية، وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور، حناناً للإسلام بتلك الأقطار، واشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار، ومساهمة في نصيب الملك الكريم والوصي الحميم.

ثم عميت الأخبار وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً ولا معلماً بمن استقر له ذالكم الملك حقاً، وفي أثناء ذلك حفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها، وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلك الشأن، نستخبر الوراد من تلكم البلدان، عما أجلى عنه ليل الفتن بتلك الأوطان، فبعد لأي وقعنا منها على الخبير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وابرأ من أدواء النفاق ما أعل (1) البلاد وأفسدها، فقام سبيل الحج سابلاً، وعبد طريقه لمن جاء قاصداً وقافلاً، ولما احتفت بهذا الخبر القرائن، وتواترت بنقل الحاضر المعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرتنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر

(1) أوقعهم في العلة.

ص: 434

والاستخبار، الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذالكم الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه، وتحل عرى الاصطبار بموته ولات حين أوانه، لكن الصبر أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره، ومن خلفتموه فما مات ذكره، ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب، وصار حميداً إلى خير منقلب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة، ونحن بعد بسط هذه التعزية، نهنيكم بما خولكم الله أجمل التهنية، وفي ذات الله الإيراد والإصدار، وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عهده وميثاقه، ونحن على ما عهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة وموالاة محققة، وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقة.

ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين وآوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين، وأنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاه الله برضوانه، وأورده موارد إحسانه، في ذلكم من الفعل الجميل والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع وشاكل فضله

ص: 435

من البر الذي لا يضيع، حتى طبق فعله الآفاق ذكراً، وطوق أعناق الوراد والقصاد برا، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف وأعظم ما يعرفه الملك العلام به في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين، ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيهما بذلك الخراج المستفاد، ريثما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد، على ما رسمه رحمه الله من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة، وقد أمرنا مؤدي هذا لكمالكم وموفده على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الأحظى الأكمل، أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضي الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبدالله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف، وأن يتخير لها من يرتضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن، جريا على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقتضي تخليد ذلكم البر الجميل، وتجديد عمل ذلكم الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الثراء الأصيل، والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثناؤنا عليكم أثناء الذي

ص: 436

يفاوح زهر الربي، ويطارح نغم حمام الأيك مطرباً.

وبحسب المصافاة، ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزايدات بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب، وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى منا للجهاد عزماً لمثل ندائه يصيخ، أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وفرض عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها، ليمحوا كلمة الإسلام منها ويقلصوا ظل الإيمان عنها، فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على إثرهم إلى سبتة منتهى الغرب الأقصى وباب الجهاد، فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسدت أجفان الطواغيت مجاز العبور، وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عدداً، وأرصدوها بمجمع البحرين حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء - أعادها الله - بكل من جمعوه من الأعاد، لا كنا مع انسداد تلك السبيل، وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل، حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بما أمكن من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة، تتردد على خطر جهز للجهاد جهازه، وأمرتنا لمصاحب الأندلس من المال، بما يجهز به حركته لمداناه محلة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم من النوال ما نرجو به ثواب

ص: 437

الأخرة، وجعلت أجفاننا تتردد في ميناء السواحل وتلج أبواب الخوف العاجل لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن تاج حارب دونه الأجل، وشهيد مضى عند الله عز وجل، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل في الإمداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله مساهمة به لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد، نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخين أو أدنى. وقد ضرب بعطن صابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى، وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب إرادته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصارها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقوداً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات في البلد، حتى لم يبق لأهليه قوت شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد، فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الأذن له في عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح، فإذنا له فيه الإذن العام، إذ في إصراحه وإصراخ من بقظره من المسلمين

ص: 438

توخينا ذلك المرام، هنالك دُعِيَ النصارى إلى السلم فاستجابوا، وقد كانوا علموا فناء الأقوات وما استرابوا، فتمَّ الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين، ولا رُزِقوا مالاً ولا عدَّة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوح عن أول أرض مَسَّ الجلد ترابها شِدَّة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها، وخلع تربى على عشرة آلاف أطواقها، وأموال عمّت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكفَّ الله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مَدَرةٍ (1) عفا رسمُها وصمَّ صداها.

وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر، أن قدّر لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منه إن شاء الله تعالى متيسرة، حتى يُفرَّق عِقْد الكفار، ويفرج بهذه الجهة منهم مجاوروا هذه الأقطار، فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدُّوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بإصفاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم، ولكن للموانع أحكام، ولا رادّ لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثّغر بما يزيد به المدد، وتخيَّرنا له ولسائر

(1) هذه زخرفة لفظية وتسلية باردة وما ضاعت بلاد الإسلام إلا بمثل هذا التهاون والاستخفاف.

ص: 439