الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتوكّل سنة ثمان وثلاثين، وأخرج منها زيّان بن مردنيش، وتلقّب بهاء الدولة، وهلك سنة سبع وخمسين وستمائة. وولي ابنه الأمير أبو جعفر، ثم ثار عليه سنة اثنتين وستين أبو بكر الواثق الّذي كان ابن خطّاب خلعه، وهو المتوكل أمير المسلمين، وبقي بها أميرا إلى أن ضايقه الفنش والبرشلونيّ، فبعث إليه عبد الله بن علي بن أشقيلولة، وتسلّم مرسية منه. وخطب بها لابن الأحمر. ثم خرج منها راجعا إلى ابن الأحمر فأوقع به البصريّ في طريقه، ورجع الواثق إلى مرسية ثالثة فلم يزل بها إلى أن ملكها العدوّ من يده سنة ثمان وستين، وعوّضه منها حصنا من عملها يسمّى يسّ إلى أن هلك، والله خير الوارثين.
(الخبر عن دولة بني الأحمر ملوك الأندلس لهذا العهد ومبدإ أمورهم وتصاريف أحوالهم)
أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة ولهم فيها سلف في أبناء الجند ويعرفون ببني نصر، وينسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحّدين محمد ابن يوسف بن نصر، ويعرف بالشيخ وأخوه إسماعيل. وكانت لهم وجاهة في ناحيتهم. ولما فشل ريح الموحّدين وضعف أمرهم وكثر الثوّار بالأندلس، وأعطى حصونها للطاغية، واستقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية، فأقام بدعوته العبّاسيّة، وتغلّب على شرق الأندلس أجمع فتصدّى محمد بن يوسف هذا للثورة على ابن هود وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة على الدعاء للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية، وأطاعته حيّان [1] وشريش سنة ثلاثين بعدها، وكان يعرف بالشيخ ويلقّب بأبي دبوس. واستظهر على أمره أوّلا بقرابته من بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة عبد الله وعلي. ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند ما وصله خطاب الخليفة من بغداد. ثم ثار بإشبيليّة أبو مروان الباجي عند خروج ابن هود عنها، ورجوعه إلى مرسية فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوّجه ابنته فأطاعه، ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين. ثم فتك بابن الباجي وقتله، وتناول
[1] هي جيّان. وقد مرّ ذكرها من قبل.
الفتك به علي بن أشقيلولة. ثم راجع أهل إشبيلية بعدها لشهر دعوة ابن هود، وأخرجوا ابن الأحمر. ثم تغلّب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها ثم ثار ابن أبي خالد بدعوته في لحيان ووصلته بيعتها، فقدّم إليها أبا الحسن بن أشقيلولة. ثم جاء على أثره ونزلها واستقرّ بها بعد مهلك ابن هود، وبايع للرشيد سنة تسع وثلاثين ثم تناول المؤيد من يد محمد بن الرميمي فخلعه أهل البلد سنة ثلاث وستين وبايعوا لابن الأحمر. ثم ثار أبو عمرو بن الجدّ واسمه يحيى بن عبد الملك بن محمد الحافظ أبي بكر وملك إشبيلية، وبايع للأمير أبي زكريا بن حفص صاحب إفريقية سنة ثلاث وأربعين، وولي عليهم أبو زكريا أميرا، وقام بأمرهم القائد شغاف، والعدوّ أثناء ذلك يلتقم بلاد المسلمين وحصونهم من لدن عام عشرين أو قبله، وصاحب برشلونة من ولد البطريق الّذي استعمله الإفرنجة عليها الأوّل استرجاعهم لها من أيدي العرب فتغلّب عليها، وبعد عن الفرنجة، وضعف لعهده سلطانهم. ووصلوا وراء الدروب وعجزوا فكانوا عن برشلونة وجماعتها أعجز، فسما أهل طاغيتها منهم لذلك العهد، واسمه حاقمة إلى التغلّب على ثغور المسلمين.
واستولى على ماردة سنة ست وعشرين وستمائة. ثم ميورقة سنة سبع وعشرين وستمائة، ثم أجاز إلى سرقسطة وشاطبة كان تملكها منذ مائة وخمسين من السنين قبلها. ثم بلنسية سنة ست وثلاثين وستمائة بعد حصار طويل وطوى ما بين ذلك من الحصون والقرى حتى انتهى إلى المريّة وحصونها، وابن أدفونش أيضا ملك الجلالقة هو ابن الادفونش- الملقب بالحكيم- وآباؤه من قبله يتقرّى الفرستيرة حصنا حصنا، ومدينة مدينة إلى أن طواها واستعبد ابن الأحمر هذا لأوّل أمره بما كان بينه وبين الثوّار بالأندلس من المنازعة فوصل يده بالطاغية في سبيل الاستظهار على أمره فوصله وشدّ عضده، وصار ابن الأحمر في جملته وأعطاه ابن هود ثلاثين من الحصون أو نحوها في كفّ غربة عن ابن الأحمر، وأن يعيّنه على ملك قرطبة فتسلّمها. ثم تغلّب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأعاد إليها خيرة الله كلمة الكفر. ثم نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه مظهر الامتعاض لابن الجدّ وحاصرها سنتين ثم دخلها صلحا. وانتظم معها حصونها وثغورها وأخذ طليطلة من يد ابن كماشة، وغلب بعد ذلك ابن محفوظ على شلب وطليبرة سنة تسع وخمسين.
ثم ملك مرسية سنة خمس وستين ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك الأندلس كورة كورة
وثغرا ثغرا إلى أن ألجأ المسلمين إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب والبيرة من شرق الأندلس. نحو عشر مراحل من الغرب الى الشرق وفي مقدار مرحلة أو ما دونها في العرض ما بين البحر والجوف ثم سخط بعد ذلك الشيخ ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على كافة الجزيرة فامتنعت عليه وتلاحق بالأندلس غزاة من زناتة الثائرين يومئذ من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وبني مرين. وكان أعلاهم كعبا في ذلك وأكثرهم غزي بنو مرين، فأجاز أوّلا أولاد إدريس بن عبد الحق وأولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق أعياص الملك منهم سنة ستين أو نحوها، فتقبل ابن الأحمر إجازتهم ودفع بهم في نحر عدوّه، ورجعوا ثم تهايلوا إليه من بعد ذلك من كل بيت من بيوت بني مرين ومعظمهم الأعياص من بني عبد الحق لما تزاحمهم مناكب السلطان في قومهم وتغص بهم الدولة فينزعون إلى الأندلس مغنين بها من بأسهم وشوكتهم في المدافعة عن المسلمين، ويخلصون من ذلك على حظ من الدولة بمكان. ولم يزل الشأن هذا إلى أن هلك محمد بن يوسف بن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة، وقام بأمره من بعده ابنه محمد وكان يعرف بالفقيه لما كان يقرأ الكتاب من بين أهل بيته، ويطالع كتب العلم. وكان أبوه الشيخ أوصاه باستصراخ ملوك زناتة من بني مرين الدائلين بالمغرب من الموحّدين وأن يوثق عهده بهم ويحكم أراضي سلطانه بمداخلتهم، فأجاز محمد الفقيه ابن الأحمر إلى يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين سنة اثنتين وسبعين وستمائة عند ما تم استيلاؤه على بلاد المغرب، وتغلّبه على مراكش، وافتقاده سرير ملك الموحّدين بها فأجاب صريخه، وأجاز عساكر المسلمين من بني مرين وغيرهم إلى الجهاد مع ابنه منديل. ثم جاء على أثرهم وأمكنه ابن هشام من الجزيرة الخضراء، كان ثائرا بها فتسلّمها منه ونزل بها، وجعلها ركابا لجهاده وينزل بها جيش الغزو. ولما أجاز سنة اثنتين وسبعين كما قلناه هزم زعيم النصرانية، ثم حذره ابن الأحمر على ملكه فداخل الطاغية. ثم حذّر الطاغية فراجعه وهو مع ذلك يده في نحره بشوكة الأعياص الذين نزعوا إليه من بني مرين بما شاركوا صاحب المغرب من نسب ملكه وقاسموه في يعسوبية قبيلته، فكان له بذلك مدفع عن نفسه ومرض في طاعة قرابته من بني أشقيلولة، كان عبد الله منهم بمالقة وعلي بوادي آش وإبراهيم بحصن قمارش فالتاثوا عليه، وداخلوا يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين في المظاهرة عليه فكان له معهم فتنة، وأمكنوا يعقوب من الثغور التي
بأيديهم مالقة ووادي آش حتى استخلصها هذا السلطان الفقيه من بعد ذلك، كما نذكره في أخبار بني مرين مع بني الأحمر. وصار بنو أشقيلولة آخرا وقرابتهم بني الزرقاء إلى المغرب، ونزلوا على يعقوب بن عبد الحق وأكرم مثواهم وأقطعهم واستعملهم في كبير الخطط للدولة حسبما يذكر. واستبدّ السلطان الفقيه ابن الأحمر بملك ما بقي من الأندلس وأورثه عقبه من غير قبيل ولا كثير عصبة، ولا استكثار من الحامية إلا من يأخذه الجلاء من فحول زناتة وأعياص الملك فينزلون بهم غزي، ولهم عليهم عزّة وتغلّب وسبب ذلك ما قدّمناه في الكتاب الأوّل من إفقاد القبائل والعصائب بأرض الأندلس جملة فلا تحتاج الدولة هنالك إلى كبير عصبية، وكان للسلطان ابن الأحمر في أوّل أمره عصبية من قرابته بني نصر وأصهارهم بني أشقيلولة وبني المولى ومن تبعهم من الموالي والمصطنعين كانت كافية في الأمر من أوّله مع معاضدة الطاغية على ابن هود وثوّار الأندلس ومعاضدة ملك المغرب على الطاغية والاستظهار بالأعياص على ملك المغرب، فكان لهم بذلك كله اقتدار على بلوغ أمرهم وتمهيده، وربما يفهم في مدافعة الطاغية اجتماع الخاصّة والعامّة في عداوته، والرهب منه بما هو عدوّ للدين فتستوي القلوب في مدافعته ومخافته فينزل ذلك بعض الشيء منزلة العصبية. وكانت إجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق إليه أربع مرات، وأجاز ابنه يوسف إليهم بعد أبيه. ثم شغلته الفتنة مع بني يغمر أسن إلى أن هلك السلطان الفقيه سنة إحدى وسبعمائة، وهو الّذي أعان الطاغية على منازلة طريف وأخذها، وكان يمير عسكره مدّة حصاره إياها إلى أن فتحها سنة [1] لما كانت ركابا لصاحب المغرب، متى همّ بالجواز لقرب مسافة الزقاق. فلما ملكها الطاغية صارت عينا على من يروم الجواز من الغزاة فغضب أمره عليهم، وولي من بعده ابنه محمد المخلوع، واستبدّ عليه وزيره محمد بن محمد بن الحكم اللخميّ، من مشيخة رندة ووزرائها فحجره واستولى على أمره، إلى أن ثار به أخوه أبو الجيّوش نصر بن محمد فقتل الوزير، واعتقل أخاه سنة ثمان وسبعمائة وكان أبوهما السلطان الفقيه استعمل على مالقة الرئيس أبا سعيد ابن عمه إسماعيل بن نصر، وطالت فيها إمارته، وهو الّذي تملّك سبتة وغدر بني الغرفي بها على عهد المخلوع
[1] كذا بياض بالأصل وفي نسخة اخرى سنة اربع وسبعمائة.
وبدعوته كما يذكر في أخبار سبتة ودولة بني مرين. وكان أصهر إليه في ابنته وكان له منها ابنه أبو الوليد إسماعيل، فلما تملّك الجيوش نصر غرناطة واستولى على سلطانهم بها ساءت سيرته وسيرة وزيره ابن الحاج وأحقد الأعياص من بني مرين، واستظهر الرعية بالقهر والعسف. وكان بنو إدريس بن عبد الله بن عبد الحق أمراء على الغزاة بمالقة، وكان كبيرهم عثمان بن أبي المعلّى، فداخل أبا الوليد في الخروج على السلطان نصر، وتناول الأمر من يده لضعفه وسعفه بطانته وأقربائه فاعتزموا على ذلك، ولم يتم لهم إلا باعتقال أبيه أبي الجيوش فاعتقلوه، وبايعوا أبا الوليد. وثار بمالقة سنة سبع عشرة الرئيس أبو سعيد وزحفوا إلى غرناطة فهزموا عساكر أبي الجيّوش وثارت به الدهماء من أهل المدينة، وأحيط به. وصالحهم على الخروج إلى وادي آش فلحق بها، وجدّد بها ملكا إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين، ودخل أبو الوليد إلى غرناطة فاضل بها لنفسه وبنيه ملكا جديدا، وسلطانا فسيحا. ونازلة ملك النصارى ألفنش بغرناطة سنة ثمان عشرة وأبلى فيها بني أبي العلا. ثم كان من تكييف الله تعالى في قتله وقتل رديفه، واستلحام جيوش النصرانية بظاهر غرناطة ما ظهرت فيه معجزة من معجزات الله. وتردّد إلى أرض النصرانية بنفسه، غازيا مرّات مع عساكر المسلمين من زناتة والأندلس، وكانت زناتة أعظم غناء في ذلك لقرب عهدهم بالتقشّف والبداوة التي ليست للناس. وبلغ أبو الوليد من العزّ والشوكة إلى أن غدر به بعض قرابته من بني نصر سنة سبع وعشرين وسبعمائة، طعنه غدرا عند ما انفض مجلسه بباب داره فأنفذه وحمل إلى فراشه، ولحق القادر بدار عثمان بن أبي العلى فقتله لحينه وقتل الموالي المجاهدين، فخرج عليهم ولحق بانديس فتملّكها واستدعى محمد ابن الرئيس أبي سعيد في معتقله بسلوباشة، ونصّبه للملك فلم يتمّ له مراده من ذلك. ورجعوا آخرا للمهادنة، وقتل السلطان محمد وزيره ابن المحروق بداره غدرا سنة تسع وعشرين، واستدعاه للحديث على لسان عمّته المتغلّبة عليه مع ابن المحروق، وتناوله مع علوجه طعنا بالخناجر إلى أن مات. وقام السلطان بأعباء ملكه، ورجع عثمان ابن أبي العلى إلى مكانه من يعسوبية الغزاة وزناتة، حتى إذا هلك قدّم عليهم مكانه ابنه أبا ثابت، وأجاز السلطان محمد إلى المغرب صريخا للسلطان أبي الحسن على الطاغية فوجده مشغولا بفتنة أخيه محمد. ومع ذلك جهّز له العساكر وعقد عليها سنة ثلاث وثلاثين. واستراب بنو أبي العلى بمداخلة
السلطان أبي الحسن، فتشاوروا في أمره وغدروا به يوم رحيله عن الجبل إلى غرناطة، فتقاصفوه بالرماح، وقدّموا أخاه أبا الحجّاج يوسف، فقام بالأمر وشمّر عن ساعده في الأخذ بثأر أخيه، فنكب بني العلى وغرّبهم إلى تونس، وقدّم على الغزاة مكان أبي ثابت بن عثمان قرثية من بني رحو بن عبد الله بن عبد الحق، وهو يحيى بن عمر بن رحو، فقام بأمرهم وطال أمر رياسته. واستدعى السلطان أبو الحجّاج السلطان أبا الحسن صاحب المغرب فأجاز ابنه عند ما تمّ له الفتح بتلمسان، وعقد له على عساكر جمّة من زناتة والمطوّعة فغزاهم، وغنم وقفل راجعا. وتلاحقت به جموع النصارى وبيّتوه على حدود أرضهم، فاستشهد كثير من الغزاة، وأجاز السلطان أبو الحسن سنة إحدى وأربعين بكافة أهل المغرب من زناتة ومغراوة والمرتزقة والمتطوّعة فنازل طريف، وزحف إليه الطاغية فلقيه بظاهرها فانكشف المسلمون، واستشهد الكثير منهم، وهلك فيها نساء السلطان وحريمه وفسطاطه من معسكره، وكان يوم ابتلاء وتمحيص. وتغلّب الطاغية أثرها على القلعة ثغر غرناطة، ونازل الجزيرة الخضراء وأخذها صلحا سنة ثلاث وأربعين، ولم يزل أبو الحجّاج في سلطانه إلى أن هلك يوم الفطر سنة خمس وخمسين، طعنه في سجوده من صلاة العيد وغد من صفاعفة البلد كان مجتمعا. وتولّى ابنه واستبدّ عليه مولاهم رضوان حاجب أبيه وعمّه فقام بأمره وغلبه عليه وحجبه. وكان إسماعيل أخوه ببعض قصور الحمراء قلعة الملك، وكانت له ذمّة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد، بما كان أبوه أنكحه شقيقة إسماعيل هذا. وكان أبو يحيى هذا يدعى بالرئيس وجدّه محمد هذا هو الّذي قدّمنا أنّ عثمان بن أبي العلى دعاه من مكان اعتقاله للملك فداخل محمد هذا الرئيس بعض الزعالقة من الغوغاء، وبيت حصن الحمراء، وتسوّره وولج على الحاجب رضوان في داره فقتله، وأخرج صهره إسماعيل ونصّبه للملك ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة ستين وسبعمائة.
وكان السلطان محمد هذا المخلوع بروضة خارج الحمراء، فلحق بوادي آش وأجاز منها إلى العدوة، ونزل على ملك المغرب السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن فرعى له ذمّته، وأحمد نزوله وارتاب شيخ الغزاة يحيى بن عمرو بالدولة ففرّ إلى دار الحرب ولحق منها بالمغرب ونزل على السلطان أبي سالم فأحمد نزوله، وولي مكانه على الغزاة بغرناطة من جهة إدريس بن عثمان بن أبي العلى. وقام الرئيس بأمر
إسماعيل أخيه ودبّر ملكه. ثم تردّدت السعايات ونذر الرئيس بالنكبة فغدر بإسماعيل، وقتله وإخوته جميعا سنة إحدى وستين. وقام بملك الأندلس ونبذ إلى الطاغية عهده ومنعه ما كان سلفه يعطونه من الجزية على بلاد المسلمين، فشمّر الطاغية لحربه، وجهّز العساكر إليه فأوقع المسلمون بهم بوادي آش وعليهم بعض الرؤساء من قرابة السلطان فعظمت النكاية. وأرسل ملك المغرب إلى الطاغية في شأن محمد المخلوع وردّه إلى ملكه، فأركب الأساطيل وأجازه إلى الطاغية فلقيه ووعده المظاهرة على أمره، وشرط له الاستئثار بما يفتح من حصون المسلمين. ثم نقض فيما افتتح منها ففارقه السلطان وأوى إلى الثغر المغربي في ملكة بني مرين، وأمكن من ثغور رندة، فزحف منها إلى مالقة سنة خمس وستين فافتتحها، وفرّ الرئيس محمد بن إسماعيل من غرناطة ولحق بالطاغية. وكان معه إدريس بن عثمان شيخ الغزاة بحبسه إلى أن فرّ من محبسه بعد حين، كما يذكر في أخبارهم. وزحف السلطان محمد فيمن معه وأتوه بحاجب الرئيس وقتله، واستلحم معه الرجال من الزعالقة الذين قتلوا الحاجب وتسوّروا قصور الملك. ودخل السلطان محمد غرناطة واستولى على ملكه، وقدّم على الغزاة شيخهم يحيى بن عمر، واختصّ ابنه عثمان، ثم نكبهما لسنة وحبسهما بالمطبق بالمرية، ثم غرّبهما بعد أعوام وقدّم على الغزاة قريبهما علي بن بدر الدين بن محمد بن رحو. ثم مات فقدّم مكانه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وترفّع على السلطان أبي علي ابن محمد ملك المغرب، وتملأ هذا السلطان محمد المخلوع أريكة ملكه بالحمراء ممتنعا بالظهور والترف والعزّة على الطاغية والجلالقة، وعلى ملوك المغرب بالعدوة بما نال دولتهم جميعا من الهرم الّذي يلحق الدول. وأمّا الجلالقة فانتقضوا على ملكهم بطرة ابن أدفونش سنة ثمان وستين من لدن مهلك أبيهما، ووقعت بين بطرة وبين ملك برشلونة بسبب إجارته عليه فتن وحروب حجر منها الجلالقة، وكانت سببا لانتقاضهم على بطرة واستدعائهم لأخيه ألفنش فجاء وبايعوه. وانحرفوا إليه جميعا عن بطرة، فتحيّز إلى ناحية بلاد المسلمين واستدعى هذا السلطان محمدا صاحب غرناطة لنصره من عدوّه، وأغزاه ببلاد ألفنش ففتح كثيرا من معاقلها وخرّبها مثل حيّان [1] وأبدّة وأثر وغيرها. وعاث في بسائطها ونزل قرطبة وخرّب نواحيها ورجع ظافرا غانما. ولحق
[1] هي جيّان وقد مرت معنا من قبل.
ببطرة سلطان الإفرنجة الأعظم في ناحية الشمال من وراء جزيرة الأندلس، وهو صاحب جزيرة أركبلطرة وتسمّى بنسر غالس، وفد عليه صريخا وزوّجه بنته، فبعث ابنه لنصره في أمم الإفرنج. وانهزم ألفنش أمامهم، وارتجع بطرة البلاد حتى إذا رجعت عساكر الإفرنجة، رجع ألفنش فارتجع [1] البلاد ثانيا وحاصر أخاه بطرة في بعض حصون جلّيقة حتى أخذه وقتله واستولى على ملكهم. واغتنم السلطان صاحب غرناطة شغلهم بهذه الفتنة فاعتزّ عليهم، ومنع الجزية التي كانوا يأخذونها من المسلمين منذ عهد سلفه فأقاموا من لدن سنة اثنتين وسبعين لا يعطونهم شيئا.
واستمرّ على ذلك وسما إلى مطالبتهم بنسر غالس ملك الفرنجة من ورائهم الّذي جاء لنصر بطرة، وأنكحه بطرة ابنته، وولدت له ولدا فزعم أبوه هذا الملك أنه أحق بالملك من ألفنش وغيره على عادة العجم في تمليك الأسباط من ولد البطن. وطالت الحرب بينهما ونزل بالجلالقة من ذلك شغل شاغل، واقتطع الكثير من ثغورهم وبلادهم، فمنعهم ابن الأحمر الجزية واعتزّ عليهم كما ذكرناه، والحال على ذلك لهذا العهد. وأمّا ملوك المغرب فإن السلطان عبد العزيز بن السلطان أبي الحسن لما استبدّ بملكه واستفحل أمره، وكان عبد الرحمن بن أبي يغلوسن مقدّما على الغزاة بالأندلس كما قلناه، وهو قسيمه في النسب ومرادفه في الترشيح للملك، فعثر السلطان عبد العزيز على مكاتبة بينه وبين أهل دولته، فارتاب وبعث إلى ابن الأحمر في حبسه فحبسه، وحبس معه الأمير مسعود بن ماسي لكثرة خوضه في الفتنة، ومكاتبته لأهل الدولة. فلما توفي السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وبويع ابنه محمد السعيد يافعا وكفله وزير أبيه أبو بكر بن غازي الثائر أطلق ابن الأحمر عبد الرحمن بن أبي يغلوسن من محبسه فنقم ذلك عليه الوزير أبو بكر كافل الدولة بالمغرب، واعتزم على بعث الرؤساء من قرابة ابن الأحمر إلى الأندلس لمنازعته، ومدّه بالمال والجيش. وبلغ ذلك ابن الأحمر فعاجله عنه وسار في العساكر إلى فرضة المجاز، ونازل جبل الفتح، ومعه ابن يغلوسن وابن ماسي، وأركبهما السفن فنزلوا ببلاد بطرة فاضطرب المغرب، واشتدّ الحصار على أهل جبل الفتح، واستأمنوا لابن الأحمر وأطاعوه. وكان بسبتة محمد بن عثمان بن الكاس صهر أبي بكر بن غازي وقريبه بعثه
[1] بمعنى استعاد والأصح أن يقول واسترجع البلاد ثانيا.
ابن خلدون م 15 ج 4
لضبط المراسي عند ما نزل ابن الأحمر على الجبل، وبطنجة يومئذ جماعة من ولد السلطان أبي الحسن المرشحين محبوسون منذ عهد عبد العزيز، فوقعت المراسلة من السلطان ابن الأحمر ومحمد بن عثمان، ونكر عليه مبايعتهم لولد صغير لم يراهق.
وأشار ببيعة واحد من أولئك المرشّحين المحبوسين بطنجة، ووعده بالمظاهرة والمدد بالمال والجيش، ووقع اختيار محمد بن عثمان على السلطان أبي العبّاس أحمد، فأخرجه وبايع له. وقد كان أولئك الفتية تعاهدوا في محبسهم أنّ من استولى منهم على الملك أطلق الباقين منهم، فوفّى لهم السلطان أبو العبّاس لأوّل بيعته، وأطلقهم من المحبس، وبعثهم إلى الأندلس، ونزلوا على السلطان ابن الأحمر فأكرمهم وجعلهم لنظره. وبعث بالأموال والعساكر للسلطان أبي العبّاس ولوزيره محمد بن عثمان، وكتب إلى عبد الرحمن بن أبي يغلوسن بموافقتهما واجتماعهما على الأمر، فساروا جميعا ونازلوا دار الملك بفاس حتى استأمن ابو بكر بن غازي للسلطان أبي العبّاس، وأمكنه من البلد الجديد دار الملك فدخلها في محرّم سنة ست وسبعين. وشيّع عبد الرحمن بن أبي يغلوسن إلى مراكش وأعمالها وسوّغ له ملكها كما كان الوفاق بينهما من قبل. وبعث بالسعيد بن عبد العزيز المنصوب، واتصلت الموالاة والمهاداة بينه وبين ابن الأحمر، وانتقض ما بينه وبين عبد الرحمن صاحب مراكش، ونهض مرارا، وحاصره وابن الأحمر يمدّه تارة ويسعى بينهما في الصلح أخرى، إلى أن نهض إليه سنة أربع وثمانين وحاصره شهرا، واقتحم عليه حصنه عنوة وقتله ورجع إلى فاس.
ثم نهض. الى تلمسان، وهرب صاحبها أبو أحمد سلطان بني عبد الواد، ودخل السلطان أبو العبّاس تلمسان. وكان جماعة من سماسرة الفتن قد سعوا ما بينه وبين السلطان ابن الأحمر بالفساد حتى أوغروا صدره، وحملوه على نقض دولة السلطان أبي العبّاس ببعض الأعياص الذين عنده، فاختار من أولئك الفتية الذين نزلوا عليه من طنجة موسى ابن السلطان أبي عنّان، واستوزر له مسعود بن ماسي، وركب السفن معه إلى سبتة فبادر أهلها بطاعة موسى، وأتوه ببيعتهم، وارتحل عنهم إلى فاس وملك السلطان ابن الأحمر سبتة، وصارت في دعوته، وعمد السلطان موسى إلى دار الملك بفاس فوقف عليها يوما، واستأمنوا له آخر النهار فدخلها سنة ست وثمانين، وأصبح جالسا على سرير ملكه. وطار الخبر إلى السلطان أبي العبّاس، وقد ارتحل من تلمسان لقصد أبي حبو وبني عبد الواد بمكانهم من دار الملك فكرّ راجعا،
وأغذّ السير إلى فاس، فلما تجاوز تازي وتوسّط ما بينهما وبين فاس، افترق عنه بنو مرين وسائر عساكره، وساروا على راياتهم إلى السلطان موسى، ونهب معسكره، ورجع هو إلى تازي فتوثّق منه عاملها حتى جاء يريد السلطان من فاس فتقبض عليه، وحمله إلى فاس وأزعجه السلطان موسى إلى الأندلس ونزل على ابن الأحمر كما كان هو. واستولى السلطان موسى على المغرب واستبد عليه وزيره مسعود، وطالب ابن الأحمر بالنزول على سبتة فامتنع، ونشأت بينهما الفتنة، ودسّ ابن ماسي لأهل بيته بالثورة على حامية السلطان ابن الأحمر عندهم فثاروا عليهم، وامتنعوا بالقصبة حتى جاءهم المدد في أساطيل ابن الأحمر، فسكن أهل بيته واطمأنت الحال، ونزع إلى السلطان ابن الأحمر جماعة من أهل الدولة، وسألوه أن يبعث لهم ملكا من الأعياص الذين عنده، فبعث إليهم الواثق محمد بن الأمير أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن وشيّعه في الاسطول إلى سبتة، وخرج إلى غمارة وبلغ الخبر إلى مسعود بن ماسي، فخرج إليه في العسكر وحاصره بتلك الجبال. ثم جاءه الخبر بموت سلطانه موسى ابن السلطان أبي عنّان بفاس فارتحل راجعا. ولما وصل إلى دار الملك نصّب على الكرسي صبيا من ولد السلطان أبي العبّاس كان تركه بفاس. وجاء السلطان أبو عنّان ابن الأمير أبي الفضل، ونزل بجبل زرهون قبالة فاس. وخرج ابن ماسي في العساكر فنزل قبالته. وكان متولي أمره أحمد بن يعقوب الصبيحي، وقد غصّ به أصحابه فذبوا [1] عليه وقتلوه أمام خيمة السلطان. وامتعض السلطان لذلك ووقعت المراسلة بينه وبين ابن ماسي على أن يبايع بشرط الاستبداد عليه، واتفقا على ذلك.
ولحق السلطان بابن ماسي ورجع به إلى دار الملك فبايع له وأخذ له البيعة من الناس.
وكانت معه حصة من جند السلطان ابن الأحمر مع مولى من مواليه فحبسهم جميعا.
وامتعض لذلك السلطان فاركب ابا العبّاس البحر وجاء معه بنفسه إلى سبتة فدخلها وعساكر ابن ماسي عليها يحاصرونها، فبايعوا جميعا للسلطان أبي العبّاس. ورجع ابن الأحمر إلى غرناطة، وسار السلطان أبو العباس إلى فاس واعترضه ابن ماسي في العساكر فحاصره بالصفيحة من جبل غمارة، وتحدّث أهل عسكره في اللحاق بالسلطان أبي العبّاس ففزعوا إليه، وهرب ابن ماسي وحاصره السلطان شهرا حتى
[1] فذبوا: ذبّ: دافع وحامي، ولم نجد لها معنى هنا ومقتضى السياق هجم. اما مقتضى سياق الجملة:
ذبّ عنه أصحابه، وقتله جماعة السلطان.
نزلوا على حكمه فقطع ابن ماسي بعد أن قتله ومثّل به. وقتل سلطانه، واستلحم سائر بني ماسي بالنكيل والقتل والعذاب. واستولى على المغرب واستبدّ بملكه وأفرج السلطان ابن الأحمر على سبتة وأعادها إليه. واتصلت الموالاة بينهما. وأقام ابن الأحمر في اعتزازه ولم تطرقه نكبة ولا حادثة سائر أيامه إلا ما بلغنا أنه نمي له عن ابنه وليّ عهده أبي الحجّاج يوسف أنه يروم التوثّب به، وكان على سفر في بعض نواحي الأندلس فقبض على ولده لحينه، ورجع إلى غرناطة. ثم استكشف حاله فظهرت براءته فأطلقه وأعاده إلى أحسن أحواله. وإلا ما بلغنا أيضا أنه لمّا سار من غرناطة إلى جبل الفتح شاربا [1] لأحوال السلطان أبي العبّاس وهو بالصفيحة من جبال غمارة، وابن ماسي يحاصره، فنمي إليه أن بعض حاشيته من أولاد الوزراء وهو ابن مسعود البلنسي [2] ابن الوزير أبي القاسم بن حكيم قد اتفقوا على اغتياله، وأن ابن ماسي دسّ إليهم بذلك ونصبت له على ذلك العلامات التي عرفها فقبض عليهم لحينه، ولم يمهلهم وقتلهم وجميع من داخلهم في ذلك، ورجع إلى غرناطة وأقام ممتنعا بملكه إلى أن هلك سنة ثلاث وتسعين، فولي مكانه ابنه أبو الحجّاج وبايعه الناس، وقام بأمره خالد مولى أبيه وتقبّض على إخوته سعد ومحمد ونصر فهلكوا في محبسهم، ولم يوقف لهم على خبر. ثم سعى عنده في خالد القائم بدولته أنه أعد السمّ لقتله، وأن يحيى بن الصائغ اليهودي طبيب دارهم داخله في ذلك ففتك بخالد، وقتل بين يديه صبرا بالسيوف لسنة أو نحوها من ملكه. وحبس الطبيب فذبح في محبسه. ثم هلك سنة أربع وتسعين لسنتين أو نحوها من ملكه. وبويع ابنه محمد وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من صنائع أبيه، والحال على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره. وقد انقضى ذكر الدولة الأموية المنازعين لبني العبّاس ومن تبعهم من الملوك بالأندلس، فلنذكر الآن شيئا من أخبار ملوك النصرانية الذين يجاورون المسلمين بجزيرة الأندلس من سائر نواحيهم، ونلمّ بطرف من أنسابهم ودولهم.
[1] بمعنى مستضعفا.
[2]
كذا بياض بالأصل ولم نستطع تحديد الأسماء الناقصة من المراجع التي بين أيدينا.