الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واعتزم على قطع الخطبة لبني العبّاس فضاق به المظفّر بن عمر بن رسول، وكاتب المعتصم يحرّضه على تجهيز الحاج بسبب ذلك. ثم قوي أمر الموطئ إمام الزيدية باليمن وسار جماز بن حسن بن قتادة سنة إحدى وخمسين إلى الناصر بن العزيز بن الظاهر بن أيوب بدمشق مستجيشا على أبي سعيد، على أن يقطع ذكر صاحب اليمن من مكّة، فجهّز له عسكرا وسار إلى مكة فقتل أبا سعيد في الحرم، ونقض عهد الناصر، وخطب لصاحب اليمن. (قال ابن سعيد) وفي سنة ثلاث وخمسين بلغني وأنا بالمغرب أنّ راجح بن قتادة جاء إلى مكّة وهو شيخ كبير السنّ وكان يسكن السدّين على نحو اليمن فوصل إلى مكّة، وأخرج منها جماز بن أبي عزيز فلحق بالينبع. قال: وفي سنة اثنتين وستين وصل الخبر إلى المغرب بأنّ أمر مكّة دائر بين أبي نمي بن أبي سعيد الّذي قتل جماز به على إمارة مكّة، وبين غالب بن راجح الّذي أخرجه أبوه جماز إلى الينبع. ثم استبدّ أبو نمي على أمر مكّة ونفى قتلة أبيه أبي سعيد إلى الينبع. وهم إدريس وجماز ومحمد، وقد كان إدريس منهم والي أمر مكّة قليلا، فانطلقوا إلى الينبع وملكوه، وأعقابهم أمراؤه لهذا العهد، وأقام أبو نمي أميرا بمكّة نحوا من خمسين سنة وهلك على رأس المائة السابعة أو بعدها بسنتين وخلف ثلاثين ولدا.
(إمارة بني أبي نمي بمكة)
ولما هلك أبو نمي قام من بعده بأمر مكة ابناه رميثة وحميضة ونازعهما عطيفة وأبو الغيث فاعتقلاهما، ووافق ذلك وصول بيبرس الجاشنكير كافل الملك الناصر بمصر، لأوّل ولايته فأطلقهما وولاهما، وبعث برميثة وحميضة إلى مصر، ثم ردّهما السلطان إلى إمارتهما بمكة مع عسكره، وبعث إليه بعطيفة وأبي الغيث. ثم طال تنازعهم وتعاقبهم في إمارة مكة مرّة بعد أخرى. وهلك أبو الغيث في بعض حروبهم ببطن مرّ.
ثم تنازع حميضة ورميثة، وسار رميثة إلى الملك الناصر سنة خمس عشرة، واستمدّ بأمرائه وعساكره، وهب حميضة بعد أن استصفى أموال أهل مكّة. ثم رجع بعد رجوع العساكر إلى مكة ثم اصطلحوا وتوافقوا. ثم خالف عطيفة سنة ثمان عشرة ووصل إلى السلطان، وجاء بالعسكر فملك مكّة، وتقبّض على رميثة فسجن أياما ثم أطلق سنة عشرين عند مقدم السلطان من حجه، وأقام بمصر. وبقي حميضة مشردا إلى
أن استأمن السلطان فأمّنه، وكان معه جماعة من المماليك فرّوا إليه من مصر أيام انتقاضه، فشعروا بطاعته فخافوا على أنفسهم أن يحضروا معه فقتلوه وجاءوا إلى السلطان يعتقدون ذلك وسيلة عنده فأقاد رميثة منهم بأخيه فقتل المباشر للقتل، وعفا عن الباقين. وأطلق رميثة إلى مكّة مشاركا لأخيه عطيفة في إمارتها. ثم هلك عطيفة سنة [1] وأقام أخوه رميثة بعده مستقلا بإمارة مكة إلى أن كبر وهرم، ثم هلك. وكان ابناه ثقبة وعجلان قد اقتسما معه إمارة مكة برضاه. ثم أراد الرجوع عن ذلك فلم يجيباه إلى شيء مما أراد، واستمرّا على ولايتهما معه. ثم تنازعا وخرج ثقبة وبقي عجلان بمكّة. ثم غلبه عليها ثقبة، ثم اجتمعا بمصر سنة ست وخمسين فولي صاحب الأمر بمصر عجلان منهما، وفرّ ثقبة إلى بلاد الحجاز فأقام هنالك، وعاقبه إلى مكّة مرارا. وجاء عجلان سنة اثنتين وستين بالمدد من عسكر القاهرة فكبسه ثقبه وقتل أخاه وبعضا من العسكر ولم يزل عجلان على إمارته سالكا سبيل العدل والإنصاف في الرعيّة متجافيا عن الظلم عما كان عليه قومه من التعرّض للتجّار والمجاورين، وسعى في أيام إمارته في قطع ما كان لعبيدهم على الحاج من المكس.
وثبت لهم في ديوان السلطان عليها عطاء يتعاهدهم أيام الموسم وكانت من حسنات سلطان مصر. وسعى هذا الأمير عجلان جزاه الله خيرا، وأقام على ذلك إلى أن هلك سنة سبع وسبعين، وولي ابنه أحمد بعده. وقد كان فوّض إليه في حياته وقاسمه في أمره، فقام أحمد بأمر مكّة وجرى على سنن أبيه في إثبات مراسم العهد وإحياء معالمه، حتى شاع عنه ذلك في الآفاق على ألسنة الحاج والمجاورين. وولّاه صاحب مصر لعهده الملك الظاهر أبو سعيد برقوق على ما كان أبوه، وسيّر إليه بالخلع والتفويض على عادتهم في ذلك. وكان في محبس أحمد جماعة من قرابته منهم أخوه محمد ومحمد ابن أخيه ثقبة وعنّان ابن عمّه مغامس في آخرين. فلما مات أحمد هربوا من محبسهم ولحقوا بهم فردّوهم وأجلوا محمد بن عجلان منهم إلّا عنانا فإنه لحق بمصر مستجيشا على محمد وكبيش، فأنجده السلطان وبعثه مع أمير الركب ليطالع أحوالهم، واستصحب معه جماعة من الباطنيّة فتكوا بمحمد عند لقائه المحمل الّذي عليه كسوة الكعبة بشارة الخليفة، وتقبيله الخف الّذي يحمله على العادة في ذلك،
[1] رغم البحث في المراجع التي بين أيدينا لم نستطع تحديد سنة مهلكه.