الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجاءت دولة الهواشم كما يذكر. وشكر هذا هو الّذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوّج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم، وهو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم، وحكايات يتناقلونها ويطرّزونها بأشعار من جنس لغتهم ويسمونه الشريف بن هاشم. وقال ابن حزم غلب جعفر بن أبي هاشم على مكة أيام الإخشيديّين وولي بنوه من بعده عيسى بن جعفر، وأبو الفتوح وابنه شكر بن أبي الفتوح. وقد انقرض لأنّ شكرا لم يولد له، وصار أمر مكة إلى عبد كان له. انتهى كلام ابن حزم وليس أبو هاشم الّذي نسب جعفر إليه أبا الهواشم الّذي يأتي ذكرهم لأن هذا كان أيام الإخشيديّين وذلك أيام المستضيء العبيدي وبينهما نحو من مائة سنة.
(الخبر عن دولة الهواشم بمكة من بني الحسن وتصاريف أحوالهم إلى انقراضها)
هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون ونسبه معروف وقد مرّ. وكانت بين هؤلاء الهواشم وبين السليمانيّين فتن متّصلة، ولما مات شكر ذهبت الرئاسة من بني سليمان لأنه لم يعقب.
وتقدّم فيهم طراد بن أحمد، ولم يكن من بيت الإمارة وإنما كانوا يؤملونه لإقدامه وشجاعته. وكان رئيس الهواشم يومئذ محمد بن جعفر بن محمد وهو أبو هاشم المذكور، وقد ساد في الهواشم، وعظم ذكره فاقتتلوا سنة أربع وخمسين بعد موت شكر فهزم الهواشم بني سليمان وطردوهم عن الحجاز، فساروا إلى اليمن، وكان لهم بها ملك كما يذكر. واستقل بإمارة مكّة الأمير محمد بن جعفر وخطب للمستنصر العبيدي. ثم ابتدأ الحاج من العراق سنة ست وخمسين بنظر السلطان ألب أرسلان ابن داود ملك السلجوقية حين استولى على بغداد والخلافة، طلب منه القائم ذلك فبذل المال وأخذ رهائن العرب، وحج بالناس أبو الغنائم نور الدين المهدي الزيني نقيب الطالبيّين. ثم جاور في السنة بعدها واستمال الأمير محمد بن جعفر عن طاعة العبيديّين فخطب لبني العبّاس سنة ثمان وخمسين، وانقطعت ميرة مصر عن مكة فعذله أهله على ما فعل فرد الخطبة للعبيديّين. ثم خاطبه القائم وعاتبه وبذل له أموالا
فخطب له سنة اثنتين وستين بالموسم فقط، وكتب إلى المستنصر بمصر معتذرا، ثم بعث القائم أبا الغنائم الزيني سنة ثلاث وستين أميرا على الركب العراقي، ومعه عسكر ضخم، ولأمير مكة من عند ألب أرسلان ثلاثون دينارا وتوقيعا بعشرة آلاف دينار.
واجتمعوا بالموسم وخطب الأمير محمد بن جعفر وقال: الحمد للَّه الّذي هدانا إلى أهل بيته بالرأي المصيب، وعوّض بيته بلبسة الشباب بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة إمام الجماعة. فانحرف المستنصر عن الهواشم ومال إلى السليمانيّين.
وكتب إلى عليّ بن محمد الصبيحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم على استرجاع ملكهم، وينهض معهم إلى مكّة، فنهض وانتهى إلى المهجم. وكان سعيد بن نجاح الأحوال موثور بني الصبيحي قد جاء من الهند ودخل صنعاء، فثار بها واتبع الصبيحي في سبعين رجلا، وهو في خمسة آلاف فبيته بالمهجم وقتله. ثم جمع محمد ابن جعفر أجنادا من الترك وزحف بها إلى المدينة فأخرج منها بني حسن، وملكها وجمع بين الحرمين. ثم مات القائم العبّاسي وانقطع ما كان يصل إلى مكّة فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين. ثم جاء الزيني من قابل بالأموال فأعادها. ثم بعث المقتدي سنة سبعين منبرا إلى مكة صنيعا استجيد خشبة، ونقش عليه بالذهب اسمه.
وبعث على الحاج ختلع التركي وهو أوّل تركيّ تأمّر على الحاج، وكان واليا بالكوفة.
وقهر العرب مع جماعته فبعثه المقتدي أميرا على الحاج فوقعت الفتنة بين الشيعة، وأهل السنّة وكسر المنبر وأحرق وتم الحج. ثم عاودوا الفتنة سنة ثلاث وسبعين وقطعت الخطبة للمستنصر وأعيدت للمقتدي، واتصلت إمارة ختلع على الحاج وبعده خمار تكين إلى أن مات ملك شاه، ووزيره نظام الملك فانقطعت الخطبة للعبّاسيّين وبطل الحاج من العراق باختلاف السلجوقيّة، وتغلّب العرب. ومات المقتدي خليفة بغداد وبويع ابنه المستظهر ومات المستنصر خليفة مصر وبويع ابنه المستعلي [1]-- من إمارته، وهو الّذي أظهر الخطبة العبّاسية بمكة، وبها ابتدئ أمره وكان يسقطها بعض الأحيان. وولي بعده ابنه قاسم فكثر اضطرابه، ومهّد بنو مزيد أصحاب الحلة طريق الحاج من العراق فاتصل حجّهم. وحجّ سنة اثنتي عشرة وخمسمائة نظر
[1] هكذا بياض بالأصل وفي الكامل لابن الأثير ج 10 ص 237: «ولما مات- المستنصر- ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي باللَّه، ومولده في المحرّم سنة سبع وستين واربعمائة، وكان قد عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار فخلعه الأفضل وبايع المستعلي باللَّه.»