المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وهكذا ينبغي أن يكون كل من الأديب الذي يأخذ عن - الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مفهوم الأدب المقارن من خلال المعالم التاريخية والرؤى النقدية

- ‌نشأة مفهوم الأدب المقارن، وما يشمله

- ‌مفهوم الأدب المقارن من خلال الرؤى النقدية

- ‌هل يعد نشوء علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر مفارقةً

- ‌الدرس: 2 بحوث الأدب المقارن ومجالاته

- ‌(بحوث الأدب المقارن

- ‌دراسة جوانب التأثر والتأثير في النماذج الاجتماعية والإنسانية

- ‌الشروط التي يجب توافرها فيمن يبحث في الأدب المقارن

- ‌موضوع الترجمة والمترجمين وكتب الرحلات في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 3 العلاقات الأدبية العالمية ظاهرة تاريخية

- ‌معنى العالمية، وارتباطها بالأدب المقارن

- ‌ما ينبغي أن يصنعه المقارن الأدبي في ضوء الاعتبارات

- ‌خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن

- ‌الشعر والقصص

- ‌الدرس: 4 مباحث ومشكلات في ساحة الأدب المقارن في العالم العربي

- ‌دراسة كتاب (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي مقدمة وتطبيق)

- ‌طول القصائد وقصرها بين الشعر العربي ونظيره الفارسي

- ‌التأثر والتأثير الذي تشترطه المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 5 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌تعريف الملحمة، وملحمة المهابهاراتا الهندية

- ‌ملحمة "الإلياذة" وملحمة "الأوديسا

- ‌ملحمة (الإنياذة) وملحمة (الكوميديا الإلهية) و (رسالة الغفران)

- ‌هل يوجد في الأدب العربي ما يسمى بالملاحم

- ‌الدرس: 6 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌التعريف بأحمد شوقي، وبمسرحياته، وتحليلها

- ‌مآخذ النقاد على إبداعات شوقي

- ‌الدرس: 7 مسرحية كليوباترا بين شوقي والآداب العالمية

- ‌قصة مسرحية كيلوباترا، وظروف تأليف شوقي لها

- ‌(مسرحية كيلوباترا) بين شكسبير وأحمد شوقي

- ‌الدرس: 8 ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب العربي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب الفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الآداب الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 9 عزيز أباظة ومسرحه الشعري

- ‌حياة عزيز أباظة، وما ألفه من مسرحيات

- ‌مسرح عزيز أباظة الشعري، وآراء النقاد في مسرحياته

- ‌المقارنة بين مسرحية أباظة وما يناظرها في المسرح الأوربي

- ‌الدرس: 10 قصص الحيوان

- ‌مفهوم قصة الحيوان

- ‌كتاب (كليلة ودمنة) وأثره في الأدب العربي والآداب العالمية

- ‌جهد لافونتين في فن الخرافة، وصياغة أحمد شوقي لقصص الخرافات

- ‌الدرس: 11 أجناس الأدب النثرية

- ‌القصة، والملحمة

- ‌المقامة، وتأثيرها في الأدب الأوربي

- ‌الدرس: 12 تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزوابع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي

- ‌تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)

- ‌قصة (حي بن يقظان) وتأثيرها في الأدب العالمي

- ‌أوجه الاتفاق والتباين بين قصة (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو)

- ‌الدرس: 13 التاريخ ذو الطابع الأدبي

- ‌تعريف علم التاريخ، وأهم الأمور التي يهتم بها

- ‌منهج كتابة التاريخ الإسلامي

- ‌الدرس: 14 الصياغة الفنية التابعة للأجناس الأدبية

- ‌الصياغة الفنية للموشحات والأزجال

- ‌التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية وأهميتها في الدراسات الأدبية المقارنة

- ‌الدرس: 15 المواقف الأدبية

- ‌تعريف مصطلح "موقف" لغة واصطلاحًا

- ‌مثال في باب الموازنات الأدبية لا المقارنات، للتمييز بين الموقف والموضوع

- ‌الدكتور محمد غنيمي هلال يوضح معنى الموقف بصورة أوسع

- ‌خلاصة الموضوع عند غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن)

- ‌الدرس: 16 المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس" و"أديب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "عطيل" و"عدو الشعب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "فوست" و"أوديب

- ‌الدرس: 17 النماذج الأدبية

- ‌تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا

- ‌بعض النماذج الإنسانية المستمدة من الأدب العربي

- ‌الدرس: 18 بعض النماذج الإنسانية العربية

- ‌شخصية عنترة العبسي

- ‌شخصية مجنون ليلى

- ‌الدرس: 19 تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب

- ‌أمثلة تأثر الآداب المختلفة بعضها ببعض، مع توضيح عوامل التأتثر

- ‌دور الأدب في تسجيل مشاعر الأمة وآرائها

- ‌الدرس: 20 المصادر واتصالها بالأدب المقارن

- ‌النواحي الشخصية للكاتب، واكتشاف عناصر مقوماته وتكوينه

- ‌تتعدد أنواع البحوث في المصادر على حسب موضوعاتها

- ‌البحث عن مصادر الكاتب في الآداب المختلفة، وأمثلة على ذلك

- ‌تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة

- ‌الدرس: 21 المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة

- ‌الكلاسيكية

- ‌الرومانسية

- ‌الواقعية

- ‌الرمزية

- ‌السريالية

- ‌الدرس: 22 الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى

- ‌جنس الملحمة

- ‌فن المقامة

- ‌ألف ليلة وليلة والموشحات

- ‌الشعر الغنائي

- ‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى

الفصل: وهكذا ينبغي أن يكون كل من الأديب الذي يأخذ عن

وهكذا ينبغي أن يكون كل من الأديب الذي يأخذ عن الآداب الأخرى، والدارس المقارن الذي يتناول بالبحث هذا الأخذ عن الآداب الأخرى، على ذكر من هذا كله؛ حتى لا تنجر قدماه إلى الرمال المتحركة المهلكة، وهو يظن أنه سائر في الطريق والاتجاه الصحيحين دون أن يعرف أنه إنما يسيء صنعًا.

‌الشعر والقصص

وأما من ناحية الأجناس الأدبية فلدينا في تراثنا الشعر والقصة والمقامة والخطبة والرسالة والرحلة إلى آخره، ولسوف نقصر الكلام على الشعر والقصص مجتزئين بهما عن سائر الفنون:

ونبدأ بالكلام عن الشعر الذي كان كله حتى العصر الحديث شعرًا غنائيًّا "لرك" كما هو معروف، وكانت القصيدة في بداية أمرها ولعدة قرون تتكون من أبيات كل منها ينقسم إلى شطرين متساويين، ويختلف عدد أبيات كل قصيدة عن الأخرى بدءًا من سبعة أبيات؛ لأن ما دون ذلك يسمى مقطوعة أو نتفة إلى بضع عشرات منها غالبًا، وإن أطال بعض الشعراء كابن الرومي قصائدهم أحيانًا إلى بضع مئات من الأبيات.

كما كانت القصيدة تجري من أولها إلى آخرها على وزن واحد في شكل واحد من أشكاله، وعلى قافية واحدة مهما طالت أو قصرت، ثم ظهرت الموشحات بعد بضعة قرون، وازدهرت في الأندلس ازدهارًا واسعًا، وظهرت كذلك الرباعيات والمزدوجات والمخمسات، وما إلى ذلك، ولكن الشعر العربي في كل هذا كان يصب في البحور الخليلية، أيًّا كان الشكل الفني الذي يصب فيه، سواء كان قصيدة أو موشحة أو رباعية إلى آخره.

ص: 76

ثم عرفنا في العصر الحديث ما يسمى بالشعر الجديد أو شعر التفعيلة، الذي يقوم على نظام السطور لا الأبيات، حيث يتكون كل سطر من تكرار تفعيلة بعينها تكرارًا اعتباطيًّا، فمرة يكون السطر عبارة عن تفعيلة واحدة، ومرة يكون ستًّا أو سبعًا أو ثلاثًا أو اثنتين حسبما يعن للناظم أن يقف، ويستأنف نظمه في سطر جديد، وأحيانًا ما يكون في القصيدة الواحدة أكثر من تفعيلة، وعلى ذات الشاكلة تفتقر القصيدة التفعيلية إلى نظام قافوي معروف، إذ الشاعر حر في أن يقفي متى شاء، وأن يترك التقفية متى شاء، مثلما يمكنه التنويع في القافية على النحو الذي يشاء.

ومن هنا خفت نغم القصيدة، وظل يخفت رويدًا رويدًا حتى مات في كثير من القصائد، فانتفى عنها الشعر، وأضحينا أمام جثث يزعم أصحابها ومن يرافؤنهم من النقاد على هذا العبث، والإفساد المزاعم الطويلة العريضة التي تصم الآذان، إلا أنها لا تجدي فتيلًا إزاء تلك الجثث التي خلت من الحياة والحيوية، فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبح ملمحًا بارزًا من ملامح كثير من نصوص هذا الشعر في الفترة الأخيرة، وهو الغموض الذي يبلغ حد الاستغلاق تبين لنا حجم الكارثة، التي نزلت بالشعر العربي على أيدي هؤلاء المغرمين بالتدمير والتجريف، في الوقت الذي يملأون الدنيا صياحًا بأنهم إنما يعملون على إنقاذ الشعر العربي من المأزق الذي وقع فيه، على حين هم أنفسهم مأزق هذا الشعر، ومصيبته وبلواه، إذ صار الشعر على أيديهم فاقدًا للمعنى، والوزن والقافية، واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات.

فإذا اعترضت بأن هذا ليس بشعر أجابوك بأن الشعر لم يخلق ليقول شيئًا، بل ليلعب الشعر بالكلمات وحسب، ومع هذا، فلهم مغرمين غرامًا عجيبًا بإذاعة

ص: 77

شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت على النقاد؛ ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرًا ما نرى أولئك النقاد الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست للتوصيل، ولا للتواصل، وهم يجحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشاعر من معنى، وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهم عن فن الشعر.

أما في نصوص هذا الصنف من الشعراء، التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا، فقد انحدرت في كثير من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية، التي نعتز بها كل الاعتزاز، نعم، قد انتهى الشعر العربي أو كاد أن ينتهي في أيدي هؤلاء الشعراء إلى طريق مسدود بعد أن قضوا على كل ما هو نضر فيه، فلم يعد له في معظم ما يكتبون معنًى ولا نغمًا، ولا فيه شعور، وأضحى كنشارة الخشب على القارئ أن يمضغها ويتجرعها، ويعمل المستحيل كي يسيغها. وهيهات ثم هيها!!

وبالنسبة إلى موضوعات القصيدة كان هناك المديح والهجاء والرثاء والخمر والحماسة والغزل والغلمان إلى آخره، ولم تكن كل هذه الموضوعات موجودة منذ البداية، فالمديح مثلًا لم يظهر إلا في أواخر العصر الجاهلي على حين أن شعر الغلمان لم يعرفه العرب، إلا في العصر العباسي بتأثير فارسي حسبما لاحظ الدارسون، كذلك جد في العصور العباسية المتأخرة شعر التصوف والمدائح النبوية، وهو ما لم يكن يعرفه الشعر العربي قبل ذلك تقريبًا.

ولم تعرف القصيدة العربية باختصار على الغزل أو وصف الخمر إلا في العصر الأموي، كما غلب على القصيدة العربية في نصوصها المبكرة تعدد الموضوعات، أما بعد ذلك فما أكثر ما وجدنا القصيدة تنفرد بموضوعها لا يشركه فيها موضوع آخر، لكن ذلك لم يصبح ملمحًا ثابتًا للقصيدة العربية، إلا في العصر الحديث، ومن

ص: 78

ناحية تمييز القصائد بعضها عن بعض لم يكن هناك عناوين للأشعار على خلاف النثر من كتب ورسائل وقصص إلى آخره، وكانوا إذا أرادوا أن يشيروا إلى قصيدة من القصائد المشهورة قالوا: بائية أبي تمام، وسينية البحتري، ونونية ابن زيدون، وميمية المتنبي، على رغم أنه قد يكون للشاعر أكثر من قصيدة على هذا الحرف، ذلك أن شهرتها تدفع الذهن إلى ناحيتها دفعًا، فيعرف السامع أو القارئ أن المقصود بها هو تلك القصيدة لا غيرها من القصائد، التي على نفس رويها، أما في القصائد الأخرى، فكان يقدم لها عادة بعبارة وقال يمدح أو يهجو أو يرثي فلانًا، وهذا كل ما هنالك.

ولكن الأمر اختلف في العصر الحديث بتأثير الشعر الغربي، الذي كانت قصائده تعرف العناوين من قبل اتصالنا به، فعرفت قصائدنا العناوين هي أيضًا، وبخاصة أنها أمست لا تدور حول أكثر من موضوع واحد، كذلك دخل شعرنا ما يسمى بالقصائد والأناشيد الوطنية، وهو موضوع لم يعرفه الشعر العربي إذ لم يكن المسلمون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم شعوبًا وأوطانا متميزة، بل على أنهم جميعًا يمثلون أمة واحدة رغم اختلاف الديار والحكام، وبالمثل استجد شعر التأملات الفكرية والاستبطانات النفسية، والتهاويم الذهنية، وكذلك الاستعانة بالأساطير الوثنية الشرقية والإغريقية، مما لم يكن الشعراء العرب يفكرون فيه.

وفي ميدان الغزل كان هناك الغزل العفيف والغزل المفحش، والغزل المعتاد الذي يتغنى بالمرأة وبجمالها، وما يفعله هذا الجمال بالقلوب واصفًا جسد المرأة دون إفحاش رغم ذلك، وكان هناك كذلك الغزل بالغلمان، الذي قد يكتفي فيه الشاعر بالحديث عن هيامه بغلام من الغلمان، وتصوير سدود الحبيب والعذاب، الذي يصطليه جراء ذلك غير متحرج في تلك الأثناء من وصف جماله ووجه الفتنة فيه.

ص: 79

وقد يمضي أبعد من هذا كما فعل أبو نواس في بعض أشعاره؛ فيصل إلى حد التقزيز ومثله الهجاء، إذ كان منه هجاء بالأحساب أو بالعيوب النفسية والخلقية، كما كان الحال في الجاهلية، ومنه الهجاء بالعيوب الجسدية، ومنه الهجاء السياسي، وقد بدأ في العصر الأموي، ومنه الهجاء بالكلام البذيء، وهو ما عرفه الشعر العربي في العصر العباسي، وفي ميدان الخمر كان هناك من يجاهر بشربها، وبأنه يجد لذة في ارتكاب معصيتها غير مبال بشيء، ومن كان يلم بالإشارة إليها مكتفيًا بذلك مما يمكن أن يكون معناه أنه لم يكن من شاربيها، بل يجري على تقليد فني لا أكثر ولا أقل، ومن لا يأتي على ذكرها من قريب أو بعيد.

وفي ميدان المديح كان هناك الشعراء المعتدلون، كما كان هناك المغالون الذين قد يخرجون بممدوحيهم من نطاق البشرية؛ فيخلعون عليهم بعض الصفات الإلهية، كما هو الحال في مدائح ابن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي بتأثير من العقيدة الإسماعيلية، التي كان الشاعر وممدوحه يعتنقانها، وإن لم ينتشر هذا اللون الجامح السخيف من المدائح، لكن الغالب في كل ذلك هو التمسك حقيقة أو ادعاء صراحة، أو ضمنًا بقيم الإسلام ومبادئه؛ حتى إننا لا نجد شيئًا من الشعر يعلن فيه الشاعر كفره أو ينال من الإسلام وتاريخه، فضلًا عن أن يصدر منه في حق النبي والصحابة أية إساءة، أما من كان يصر على أن يعرف الناس عنه أنه يشرب الخمر ويتفانى في شربها، فإنه كان يريد استفزاز الناس من حوله لوجدانه لذة في ذلك، لا إعلان تمرده على أحكام الدين ورغبته في التفلت من شرائعه.

على أن الشاعر في هذا كله كان حريصًا على أن يكون واضحًا مفهومًا، فلا استغلاق في شعره ولا إلغاز، اللهم إلا في العصور المتأخرة حين يتعمد بعضهم

ص: 80

النظم في لغز تعمدًا، كما قلنا، أما في العصر الحديث فحسبما سبق القول أصبح الغموض عند فريق من الأدباء غرضًا يقصد قصدًا كأنه قيمة في ذاته، وذلك بتأثير بعض المذاهب الأدبية التي أفرزها تاريخ الآداب الغربية، وتأثرنا نحن بها تلك المذاهب، التي يرجعها المرحوم أنور الجندي إلى طبيعة البلاد الغربية ذات الجبال والغيوب والعواصف، والليل البهيم المرتبط بالأساطير والرمزية، على عكس طبيعة بلاد العرب، التي ينتشر فيها النور والشمس والضوء، وينكشف فيها الأفق تمامًا، ومن ثم عجزت الأساطير والرمزيات وأدب الظلال أن تجد لها مكانًا عندنا طبقًا لما يقول.

أما الفن القصصي وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل، فلم تقم حوله حركة نقدية، كالتي قامت حول الشعر بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونذرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص، كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا ومتنوعًا رائعًا، ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل الإسلام، فضلًا عن أنهم ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته يراعاتهم إبداعًا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن، إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد على العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل.

ص: 81

ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي فطير متسرع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الا جتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفَى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل (رسالة النمر والثعلب) لسهل بن هارون، و (رسالة التوابع والزوابع) لابن شهيد، و (رسالة حي بن يقظان) لكل من ابن سينا وابن الطريد والسهروردي، و (قصص ألف ليلة وليلة)، و (سيرة عنترة)، و (سيرة سيف بن ذي يزن)، ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البيشاوي، ومحمد أحمد جاد المولى، في أربعة مجلدات كبار، بعنوان (قصص العرب) و (كليلة ودمنة) لابن المقفع.

ونحن مع المرحوم أنور الجندي أيضًا في استنكاره الشديد للمحاولات التي يبذلها بعض الكتاب لإحلال العامية محل الفصحى في كتابة الحوار القصصي والمسرحي، وإن زاد بعضهم في الطنبور نغمة فنادوا بأن تشغل العامية موضع الفصحى في كل مجالات الكتابة، إن هؤلاء إنما يتغيون ما يتغياه أولئك المستشرقون الذين كانوا ينادون بنبذ الفصحى واصطناع العامية بدلًا منها؛ كي نتقدم ونساير العصر، وترتقي العلوم في بلاد العرب، مع أن العامية في كل مكان هي مجرد لهجة للاستعمال اليومي ليس غير، فهي من ثم فقيرة فقرًا شنيعًا بحيث لا تستطيع أن تؤدي شيئًا من العلوم أو الآداب التي نعرفها، اللهم إلا الأسجال.

ص: 82

ومعروف أن هذه الدعوة إنما تقصد ضرب الوحدة العربية في الصميم؛ لأنه إذا ما تفرقت الشعوب العربية لغويًّا، وأمسى لكل شعب منها لغته الخاصة به التي لا يفهمها شعب عربي آخر، كان ذلك أول مسمار يندق في نعش العروبة، التي هي محور الإسلام ومادته الصلبة، وحينئذٍ سرعان ما ينهار عمود الإسلام أو على أقل تقدير يتحلحل، ولا يثبت على حاله، ولسوف تقوم حينئذ حواجز سميكة من اللغة بيننا وبين تراثنا وقرآننا، وأحاديث نبينا، فنضطر إلى ترجمتهما بما يجره ذلك من تغيير في النص المترجم كل حين، كما هو الحال مع الكتاب المقدس الذي لا يثبت على حال أبدًا.

ونحن مع أنور الجندي كذلك في وجوب الاهتمام بكتابات ابن حزم والغزالي وابن خلدون وابن تيمية بوصفها إبداعات أدبية، مثلما هي إبداعات فكرية، بل إن كتابات هؤلاء وأمثالهم لتفوق في الجمال والعمق والروعة الفكرية والأسلوبية كثيرًا من النصوص النثرية، التي درجنا على دراستها في كتب الأدب وحصصه ومحاضراته، ولكن لا بد أن نضيف ما هو معلوم من أن قدماء نقادنا هم الذين استنوا سنة استبعاد أمثال الغزالي وابن خلدون من دائرة اهتمامهم، مركزين على ما يسمى بالنثر الفني، وهو النثر المنحصر في الرسائل الديوانية، وما إليها، ذلك أن كلام الجندي يفهم منه أن هذه ثمرة من ثمار تقليد المستشرقين في دراستهم للأدب العربي، وهذا غير صحيح في حدود علمي، فالمستشرقون عادةً ما يوسعون دائرة الأدب، بحيث تشتمل أمثال أولئك الكتاب الذين ذكرنا أسماءهم آنفًا، إذ الأدب في الغرب لا يقتصر على النثر الفني، بل يشمل كلَّ كتابة تتسم بجمال التعبير ودفئه أيًّا كان موضوعها حتى لو كان تاريخًا أو جغرافية أو فلسفة، بل كثيرًا ما يقصد بهذا المصطلح هناك كل ألوان الكتابة بإطلاق.

ص: 83

وقد درج الكتاب في العقود الأخيرة على ترجمة هذه الكلمة بمعناها الأخير إلى أدبيات، فيقولون: الأدبيات السياسية والأدبيات القانونية، وهلم جرًّا، أما أنا فأترجمها ببساطة إلى كتابة أو كتابات، فأقول: الكتابة السياسية أو القانونية أو الكتابات السياسية أو القانونية.

وعلى نفس المنوال أجدني مع المرحوم الجندي أيضًا في وجوب الاعتزاز بديننا، والحفاظ عليه في كل كتاباتنا وتفكيرنا لا على أساس إلغاء عقولنا، وترديد ما هو موجود في القرآن والسنة دون تفكير، بل على أساس اقتناعنا به وتحققنا أنه من عند الله، ومن ثم لا مكان عندنا لمن يشككون في القرآن أو في ثوابت الإسلام، ولا لمن ينادون باطراح الدين خلف ظهورنا، حين نستقبل البحث العلمي، وكأن الدين الذي أتى به المصطفى عليه السلام ضد البحث العلمي، وما فعله للأسف طه حسين حين عاد وهو شاب من أوربا مغترًّا بالقليل الذي حصله هناك، فألف كتابه في (الشعر الجاهلي) في عجلة وتسرع دون أن يمحص ما سجله فيه، مما أظهر العلماء الأثبات رعونته وسطحيته وفساده وتناقضه مع نفسه، ومع وقائع التاريخ وشواهد النصوص على السواء.

كذلك لا مكان في نفس المسلم الحق للشكوك، ومشاعر اليأس المظلم والإحباط الدائم، والقلق المستمر دون سبب تلك الشكوك والمشاعر التي تغذيها الفلسفات الوجودية والاعتقادات الإلحادية، ويعتنقها بعض الببغاوات من بلاد العرب والمسلمين عن غير اقتناع، بل عن تقليد وتصور خاطئ بأن هذا هو ما ينبغي على المثقف أن يعتقده ما دامت هذه البضاعة قد أتتنا من الغرب.

إن للعقلية الإسلامية سماتٍ معينةٍ، وينبغي أن يحافظ المسلمون على هذه السمات المستقاة من دين الله، وأن ينأوا بأنفسهم عن الذوبان في الآخرين،

ص: 84

وبخاصة إذا كان هؤلاء الآخرون لا يؤمنون بدين، ولا يقفون حيث أوجب الله على عباده أن يقفوا، ولا يقول: إن الأدب لا دين له، وأنه ينبغي النأي به عن الدين وقيمه، ذلك أنه لا يمكن أن يعتقد الإنسان عقيدة معينة، ويتمسك بقيم معينة، ثم إذا أبدع أدبًا نسي عقيدته وقيمه بحجة أن الأدب شيء والدين والأخلاق شيء آخر!!

ولقد كان الأدب العربي في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع وتأثير، إذ كان أدبًا قويًّا مفعمًا بالحيوية، مثلما كان العرب والمسلمون آنئذٍ مفعمين بالقوة والحيوية، ومعروف أن الأدب يعكس صورة أصحابه كما أن أصحابه يضفون عليه ما يتمتعون به من أهمية واحترام، ومن إبداعات العرب في ذلك الوقت مما تأثرت به الآداب الأوربية كتاب (كليلة ودمنة)، الذي كان بابًا من أبواب الإلهام للأديب الفرنسي "لافونتين" في خرافاته، تلك القصص التي جعل "لافونتين" أبطالها من عالم الحيوان، وضمنها ما يريد نشره بين الناشئة من قيم ومبادئ ونصائح ومعارف، وكذلك (ألف ليلة وليلة)، التي فتنت أهل الغرب فتنة ما بعدها فتنة، وكانت مهلمة لروائي أمريكا اللاتينية في إبداعاتهم الواقعية السحرية، وأيضًا (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، ورسالة (حي بن يقظان) لابن طفيل، التي يرى بعض الدارسين أن "دانيل ديفو" الصحفي والسياسي الإنجليزي قد استوحاها ضمن ما استوحاه في كتابة روايته المشهورة "روبنسون كروزو"، وهناك أيضًا الموشحات الأندلسية، التي أثرت أقوى تأثير في شعر الشعراء التروبادور، وكذلك المقامات التي استلهمها مبدعو روايات الشطار في الآداب الأوربية إلى آخره.

والسلام عليكم ورحمة الله.

ص: 85