الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محاولته التأقلم مع حياته الجديدة مستغلًّا كل ما حوله من موجودات في تدبير مأكله وصنع ملبسه. ثم تخليصه بعض العبيد من يد جماعة من آكلي لحوم البشر، وتعليمه العبد "فرايدي" اللغة الإنجليزية ومبادئ النصرانية.
أوجه الاتفاق والتباين بين قصة (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو)
بعد ذلك يورد الباحث أوجه الاتفاق بين (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو) على النحو التالي:
1 -
رمى القدر كلًّا منهما في جزيرة لا حياةَ فيها لبني البشر.
2 -
اضطر كل مِنهُما أن يتأقلم مع حياته؛ مُستخدمًا أدوات بسيطة ليحمي نفسه.
3 -
يلتقي بـ"أسال"، ويلتقي "روبنسون" بـ"فريداي" فيُعلم أسال حيًّا الكلامَ، ويعلم "كروزو""فريداي" اللغة الإنجليزية، ومبادئ النصرانية.
4 -
حاول ابن الطفيل أن يؤدي عَبْرَ (حي بن يقظان) رسالة مفادها: أن الإنسان قادر بفضل حواسه وعقله وحدسه الوصول إلى حقائق الكون كلها، ومعرفة الله بعقله المحض دون الاستعانة بالأديان، أما "دانيال ديفو" فأراد إيصال رسالة مختلفة بعض الشيء.
5 -
تتفق القصتان في كثير من الجوانب الفنية، وفي تعريف الحدث، واعتماد الحوار الداخلي، وتصوير شخصية نامية متطورة.
ثم يسرد المحاضر أوجه التباين بين الروايتين وهي كما يلي:
1 -
وصَلَ حَيٌّ إلى الجزيرة وعمره لم يتجاوز اليوم الواحد، على حين وصل "كروزو" إليها وهو شاب؛ فتأقْلَمَ الأوّلُ مع واقعه الذاتي، فيما استخدم "كروزو" خبراته السابقة في عملية التأقلم.
2 -
حاول الكاتبان إبراز مقدرة الإنسان في التأقلم مع الطبيعة والحياة دون معين، لكنّ ابن الطفيل كان هدفه رمزيًّا يتمثل في إبراز مقدرة الإنسان على التطور ماديًّا وروحيًّا دون شرائع مسبقة، أما "ديفو" فلم يكن هدفه سوى عرض جانب المغامرة بما تنطوي عليه من تصعيد قصصي، وتشويق.
3 -
لقاء حي بـ"أسال" كان لقاءً نِديًّا بخلاف لقاء "روبنسون" بـ"فريداي" الذي كان لقاء مصلحة ومنفعة.
4 -
في رواية (حي بن يقظان) تكثر الأفكار الفلسفية مما أضعف عنصر التشويق والإثارة على عكس رواية (روبنسون كروزو) التي اتسمت بالإحكام الفني.
5 -
الجانب المهم في شخصية حي هو التأمل، أما في شخصية (روبنسون كروزو) فهو الاكتشاف وبِناء سلوكي وفقًا لهذا الاكتشاف.
6 -
تحدث ابن طفيل في روايته بضمير الغائب، أما رواية "دانيل ديفو" فقد كُتبت بضمير المتكلم مما أعطاها واقعيةً أكثرَ.
7 -
رواية ابن طفيل رواية عقلية فكرية، ليس فيه وجود العناصر الاجتماعية الأندلسية أو الأسبانية، بخلاف رواية "ديفو" التي تمجد الحياة الاجتماعية، وصراع الإنسان عبر العمل للسيطرة على الطبيعة.
وهنا يطرح المحاضر السؤال التالي: هل أثرت رواية (حي بن يقظان) في (روبنسون كروزو)؟
ليُجيب موضحًا: أن الترجمتين اللاتينية والإنجليزية لرواية (حي بن يقظان) قد ظهرتا قبل إصدار "ديفو" روايته بأكثر من عشرين سنة، فمن المُحتمل إذًا أن
يكون "ديفو" قد اطلع على عمل ابن طفيل، وهو أمر قد يؤكد اهتمام الأوربيين عمومًا بالثقافة العربية آنذاك. لكن المسألة ليست مسألة عواطف ورغبات كما يقول، لذا لا بد من التروي قبل إطلاق الأحكام، وإضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد متناول بين بعض الباحثين مؤداه: أنّ "ديفو" قد اعتمد في روايته على حادثة حقيقية معروفة وقعت لبحار "أسكتلندي" يُدعى "ألكسندر سيلكرك" وهو ما يعني أن تأثر "ديفو" بالرواية العربية ضعيف جدًّا.
وبخصوص اتهام "ديفو" بالسطو على ما كتبه "سيلكرك" البحار الأسكتلندي الذي وقع له مثل ما وقع لبطل "ديفو"، ثَمّ مقال كتبه الدكتور نجم عبد الكريم بعنوان:"روبنسون كروزو سرقة أدبية في سياق المغامرة" نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" العربية اللندنية بتاريخ الاثنين الحادي عشر من أكتوبر سنة ألفين وأربعة، جاء فيه: ينسب الكثير من النقاد العرب أن رائعة الكاتب الإنجليزي "دانييل ديفو"(مغامرة روبنسون كروزو)، إنّما هي مأخوذة من تراث عربي، واعتبروها عبارة عن سطو أدبي على قصة ابن الطفيل (حي بن يقظان).
وهناك مَن يقارن بين أحداثها وبين رحلات السندباد، وفيه من ناسب مغامرة (روبنسون كروزو) إلى تأثرها ببعض الرحالة من العرب، ومِمّا لا شَكّ فيه أنّ الأعْمال الأدبية العظِيمة لا تنبع من فراغ، ولا يلزم أن يخوض الكاتب تجربة أبطال رواياته أو مسرحيته؛ فهناك دائمًا مؤثرات خارجية تدفع بالعمل الإبداعي، وفقًا إلى مدى خروج قدرات وإبداعات ذلك الكاتب في تصويرها.
لكن السيدة "سيلكرك" التي التقيتها مصادفة في مناسبة اجتماعية بمدينة "مارلون" الإنجليزية تزعم عكس ذلك تمامًا، فهي ترى أن "دانييل ديفو" مؤلف رواية
مغامرات "روبنسون كروزو" ما هو إلا كاتب أفَّاق، وسارق لأفكار غيره، وكان جزاؤه أن مات فقيرًا عندما دفن في مقابر الفقراء كما تقول، وتزعم السيدة "سيلكرك" أنها تحتفظ بالأدلة الأكيدة على حقيقة شخصية (روبنسون كروزو)؛ لأنه جدها الرابع، واسمه "ألكسندر سيلكرك" والسيدة "سيلكرك" هذه قد تجاوزت العقد الثامن من عمرها، لكنها تتمتع بذهنية متوقدة، وتتحدث بحماس عن جدها الذي تعتبره الأب الحقيقي لرواية مغامرات (روبنسون كروزو).
وعندما علمت بأنني من المهتمين بالكتابة والنقد، وجهت إليَّ سؤالًا عن ما هو مضمون رواية مغامرات (روبنسون كروزو) فأجبتها أنها تروي عن ملاح بريطاني تحطمت السفينة التي كان يعمل عليها في وسط المحيط الهادي؛ لكنه تمكن من التشبث بقطعة كبيرة من الخشب، ليتخذ منها طوافة تقيه الغرق، إلى أن تقذف به الأمواج على شواطئ جزيرة لم تطأها من قبل قدم إنسان؛ فيجد نفسه مضطرًّا للتعايش مع الحياة الجديدة في تلك الجزيرة مع الحيوانات والطيور.
وتمر الأيام ويجد "كروزو" نفسه ما إن يخرج من مغامرة مثيرة؛ حتى يدخل في مغامرة أكثر منها إثارة، ولقد اتخذ لنفسه عددًا من الأصدقاء، هم عبارة عن ببغاء وقرد وعنزة، وقد صور "ديفو" حياة "كروزو" في تلك الجزيرة بشكل رائع وشائق، إلى أن تنقذه سفينة عابرة وتعيده إلى المدينة.
بَعدَ أن لخصت روايات (روبنسون كروزو) للسيدة "سيلكرك" أضفت أن هذه الرواية ضربت رقمًا قياسيًّا في الترجمة عن الإنجليزية إلى اللغات الأخرى، فأنا مثلًا قرأتها باللغة العربية، كما قرأها الملايين من الناس بلغات مختلفة قالت "هسير سيلكيرك": ليس هذا فحسب، بل إنها تفوقت على أشهر كتابين ظهرَا في العصر الذي كتبت فيه؛ وهما (ألف ليلة وليلة) المقبلة إلينا منكم يا عرب. و (دونكى شوت) التي تُرجمت إلى الإنجليزية عن الإسبانية و (هادى سيرفانتس).
فأجبتها: ولعلمك إنك لست الوحيدة ممن يزعمون بِسَطْوِ "دانيال ديفو" على أحداث (روبيسون كروزو) والبعض منهم لديه مقارنات يدلل بها على ذلك السطو؛ فما هو دليلك على أن مؤلف (روبنسون كروزو) قد سطا على تراث جدك "ألكسندر سيلكيرت" الذي لم يسمع به أحدٌ من قبل؟
ظهر الانزعاج على ملامح السيدة، وقالت بعصبية: جدي وُلد في قرية "لارجوا" الاسكتلاندية، عام ألف وستمائة وستة وسبعين وهو يعني "الديفو" وكان يلتقيان في حالة واحدة في السنوات الأولى من القرن السابع عشر، وكان جميع الناس يعرفون تلك المغامرة والتجربة التي مر بها جدي "سيلكيرك" وكان "ديفو" يسمعونه لعدة أشعر ويدون بعض أحداثها، ولكنه قد زيف الكثير مما جاء فيها من أحداث.
ثم أخذت تروي قصة جدها الذي كان يعمل بحارًا في سفينة تجارية، كان ربانها شديد القسوة على بحارته، وقد بلغت قسوته أنْ قام بشنق ثلاثة من الرجال أمام زملائهم في وسط البحر، وألقى بجثثهم في الماء في أثناء رحلة لأمريكا الجنوبية، ولم يكن أمام البحارة وهم يقاسون من عذابات الربان، سوى التمرد والثورة التي دفعت بهم إلى الفتك بالربان ومساعديه، وفروا بالسفينة يجوبون بحار الجنوب.
بينما كانت السفن البريطانية تطاردهم؛ فاتفقا "ألكسندر سيلكيرك" -الجد الرابع للسيدة التي تروي الحكاية- مع زميل له على الفرار من السفينة، ونفذَا خطتهما في جوف الليل بعد أن قاما بسرقة قارب صغير انطلقَا به علي غير اتجاه إلى أن قذفت بهم الأمواج على شواطئ جزيرة ذات طبيعة أخَّاذة، مليئة بالطيور والحيوانات الأليفة؛ لأنها كانت تقف أمامهما ولا تنطلق هاربة خائفة منهما، وهذا يدل على أن الجزيرة لم تطأها أقدام بشرية من قبل.
وفي اليوم الثاني لوجودهما في الجزيرة، مات زميله "ألكسندر سيلكريك" لأنه تناول فراولة مسمومة، وظل "ألكسندر" يعيش في الجزيرة بمفرده، بعد أن هيأ لنفسه أجواءً تسمح له بالعيش فيها طيلة حياته، ومما عُثر عليه في أوراقه عن وصفه لتلك الجزيرة -كما تقول حفيدته- أنها جنة الله في الأرض؛ فكافة أنواع الفواكه والأطعمة موفورة فيها بكثرة، ومياه غدرانها عَذْبة كالشهد، وكنت أصطاد فيها الغزلان والديكة البرية، وإذا رغبت في شرب شيء من اللبن فما ألذه من ضَرعي "مالي" تلك العنزة التي كانت تتبعني أينما أذهب، وقد بنى "سيلكيرك" كوخًا من عيدان الخيزران وأوراق الشجر العريضة.
وقد استرسلت السيدة في وصف تلك الجزيرة على ضوء قراءتها للأوراق التي خلفها لها جدها، ومن أطرف ما قالت في هذا الصدد: إنّ القطط والكلاب لم تكن بينها تلك العداوة التي نعرفها هنا في معيشتها بين ظهرانينا؛ فالحيوانات في تلك الجزيرة الساحرة كانت تعيش في سلام ومحبة، ومما ذكره جدي في أوراقه: كنت أشاهد الحيوانات كيف تقضي وقتها باللعب معًا؛ فالفئران كانت تركب على ظهر القطط، والقطط تتسابق مع الكلاب، وكثيرًا ما كنت أجدها تنظف جلود بعضها البعض بألسنتها، ولم يحدث أن وجدت عَداء ًبين أي من الحيوانات التي تعيش على يابسة تلك الجزيرة.
ولكنّ الذي حفذ "ألكسندر سيلكيرك" للعودة إلى المدينة، هو عثوره على مجرى للتبر، أخذ يَجْمَعُ منه ما يستطيع جمعه، وعبأه بأكياس جلدية صنعها من جلود الحيوانات، وحذر أن هذه الثروة ستمكنه من العيش برغد في حالة عودته إلى العالم المتحضر؛ فصار يجمع الحطب والأخشاب بكميات كبيرة ويضرم فيها النار، ليتصاعد بها الدخان الذي يلفت إليه انتباه السفن البعيدة.
وبعد محاولات متعددة أثمرت خطته أن سفينة "الدوك" قد اقتربت من تلك الجزيرة، وكان ذلك في عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين، وما إن تمكن من الصعود إليها حتى علم البحارة أن الملكة "إليزابث" قد أصدرت عفوًا شاملًا عن جميع البحارة الملاحقين الإنجليز؛ احتفالًا بانتصار بريطانيا على الأسطول الإسباني، فوصل "ألكسندر سيلكريك" حاملًا أكياس التبر التي كون منها ثروة طائلة.
وقد وعدتني السيدة "سيلكيرك" بأن تزودني بنسخ من الصور الأصلية للأوراق التي كتبها جدها "ألكسندر سيلكيرك" الذي توفي عام ألف وسبعمائة وثلاثة وعشيرين دون أن يعرفه أحد، بينما دوت شهرت "دانيال ديفو" في كافة أنحاء العالم، وأصبح من أشهر المؤلفين في التاريخ بينما هو ليس سوى سارق لقصة جدي على حد تعبير السيدة التي راجعت معها تفاصيل ما أوردته بمعلومات في هذه المقالة؛ فوافقت على ما جاء فيها مع بعض التعديلات التي أشارت إليَّ بها، ولكن أين هي الحقيقة؟ الحقيقة: أن (مغامرات كروزو) صارت أكبر من كل الادعاءات.
هذا ما كتبه الكاتب.
والآن وبعد أن ألممنا جيدًا بشكل القصتين ومضمونهما، واطلعنا على المقارنة المختلفة بينهما، وعَرفنا الظروف التي صدرت فيها كل منهما، يُمكننا أن نقول: لا شك أنه كان لمغامرت "سيلكيرك" التي سجلها القبطان الذي أنقذه ونشرها على الجمهور، فضل كبير على "ريد ديفو" إذ لا يعقل أن تنشر تلك المغامرات في العصر الذي يعيش فيه كاتب وأديب وسياسي مثله، دون أن يدري ويتأثر بها في قصته. والإجماع منعقد على الاعتراف بهذا التأثير.
لكن؛ هل هذا يعني بالضرورة أنه لا مكان لأي تأثير من جانب (حي بن يقظان) في ذلك العمل؟ لقد تمت ترجمت الرواية الأخيرة إلى الإنجليزية واللاتينية قبل
كتابة "ديفو" روايته بزمن غير قصير، وليس من المعقول أيضًا أن يجهل واحدٌ مثله ذلك العمل الذي شَدّ كِبار عَصره في أوربا كلها، وأعجبهم إعجابًا شديدًا، وكانت له تلك التأثيرات العميقة على عدد من مفكري القارة وفلاسفتها.
ومن هنا؛ فإنني أقول: بأنه من المرجح أن يكون "ديفو" قد تأثر بها أيضًا كما تأثر بما "ورد سيلكيرك" تأثر بها على الأقل من حيث أنها قد شجعته على أن يحول ما قرأه عن مغامرات البحار الإسكتلاندي إلى عمل قصصي، وعلى تضمينه في قصته بعض القضايا الفكرية، مثلما اشتملت (حي بن يقظان) على مثل تلك القضايا، وإن اختلف نوع القضايا هنا عنها هناك؛ نظرًا لاختلاف الشخصيتين والبيئتين والثقافتين والوظيفتين.
صحيح أن أحدًا من المقننين لم يستطِعْ حتى الآن -في حدود علمنا- أن يضع يده على شيء يثبت أن "ديفو" قد اطلع فعلًا على (حي بن يقظان)، بَيْدَ أن هذا لا يستلزم بالضرورة أن يكون الاطلاع قد حدث، أو أن التأثر لم يقع، إذ الأمران مختلفان تمامًا.
وعلى هذا، فإنني لا أستطيع الجزم بتأثير القصة العربية على نظيرتها الإنجليزية كما صنع بعض المتحمسين من الباحثين العرب والأوربيين، بل أكتفي بالترجيح؛ نظرًا لما ذكرته من الأسباب الحاملة لي على ذلك، بالإضافة إلى وجوه التشابه القوية بين العامين، وقرب الزمانين اللذين ظهرا فيهما؛ أما الجزم بنفي أي تأثير لرواية بن الطفيل على (روبنسون كروزو) فأمر لا يمكنني الإقدام عليه، ولا حتى تقبله.
والسلام عليكم ورحمة الله.