المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى - الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مفهوم الأدب المقارن من خلال المعالم التاريخية والرؤى النقدية

- ‌نشأة مفهوم الأدب المقارن، وما يشمله

- ‌مفهوم الأدب المقارن من خلال الرؤى النقدية

- ‌هل يعد نشوء علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر مفارقةً

- ‌الدرس: 2 بحوث الأدب المقارن ومجالاته

- ‌(بحوث الأدب المقارن

- ‌دراسة جوانب التأثر والتأثير في النماذج الاجتماعية والإنسانية

- ‌الشروط التي يجب توافرها فيمن يبحث في الأدب المقارن

- ‌موضوع الترجمة والمترجمين وكتب الرحلات في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 3 العلاقات الأدبية العالمية ظاهرة تاريخية

- ‌معنى العالمية، وارتباطها بالأدب المقارن

- ‌ما ينبغي أن يصنعه المقارن الأدبي في ضوء الاعتبارات

- ‌خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن

- ‌الشعر والقصص

- ‌الدرس: 4 مباحث ومشكلات في ساحة الأدب المقارن في العالم العربي

- ‌دراسة كتاب (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي مقدمة وتطبيق)

- ‌طول القصائد وقصرها بين الشعر العربي ونظيره الفارسي

- ‌التأثر والتأثير الذي تشترطه المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 5 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌تعريف الملحمة، وملحمة المهابهاراتا الهندية

- ‌ملحمة "الإلياذة" وملحمة "الأوديسا

- ‌ملحمة (الإنياذة) وملحمة (الكوميديا الإلهية) و (رسالة الغفران)

- ‌هل يوجد في الأدب العربي ما يسمى بالملاحم

- ‌الدرس: 6 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌التعريف بأحمد شوقي، وبمسرحياته، وتحليلها

- ‌مآخذ النقاد على إبداعات شوقي

- ‌الدرس: 7 مسرحية كليوباترا بين شوقي والآداب العالمية

- ‌قصة مسرحية كيلوباترا، وظروف تأليف شوقي لها

- ‌(مسرحية كيلوباترا) بين شكسبير وأحمد شوقي

- ‌الدرس: 8 ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب العربي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب الفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الآداب الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 9 عزيز أباظة ومسرحه الشعري

- ‌حياة عزيز أباظة، وما ألفه من مسرحيات

- ‌مسرح عزيز أباظة الشعري، وآراء النقاد في مسرحياته

- ‌المقارنة بين مسرحية أباظة وما يناظرها في المسرح الأوربي

- ‌الدرس: 10 قصص الحيوان

- ‌مفهوم قصة الحيوان

- ‌كتاب (كليلة ودمنة) وأثره في الأدب العربي والآداب العالمية

- ‌جهد لافونتين في فن الخرافة، وصياغة أحمد شوقي لقصص الخرافات

- ‌الدرس: 11 أجناس الأدب النثرية

- ‌القصة، والملحمة

- ‌المقامة، وتأثيرها في الأدب الأوربي

- ‌الدرس: 12 تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزوابع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي

- ‌تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)

- ‌قصة (حي بن يقظان) وتأثيرها في الأدب العالمي

- ‌أوجه الاتفاق والتباين بين قصة (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو)

- ‌الدرس: 13 التاريخ ذو الطابع الأدبي

- ‌تعريف علم التاريخ، وأهم الأمور التي يهتم بها

- ‌منهج كتابة التاريخ الإسلامي

- ‌الدرس: 14 الصياغة الفنية التابعة للأجناس الأدبية

- ‌الصياغة الفنية للموشحات والأزجال

- ‌التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية وأهميتها في الدراسات الأدبية المقارنة

- ‌الدرس: 15 المواقف الأدبية

- ‌تعريف مصطلح "موقف" لغة واصطلاحًا

- ‌مثال في باب الموازنات الأدبية لا المقارنات، للتمييز بين الموقف والموضوع

- ‌الدكتور محمد غنيمي هلال يوضح معنى الموقف بصورة أوسع

- ‌خلاصة الموضوع عند غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن)

- ‌الدرس: 16 المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس" و"أديب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "عطيل" و"عدو الشعب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "فوست" و"أوديب

- ‌الدرس: 17 النماذج الأدبية

- ‌تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا

- ‌بعض النماذج الإنسانية المستمدة من الأدب العربي

- ‌الدرس: 18 بعض النماذج الإنسانية العربية

- ‌شخصية عنترة العبسي

- ‌شخصية مجنون ليلى

- ‌الدرس: 19 تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب

- ‌أمثلة تأثر الآداب المختلفة بعضها ببعض، مع توضيح عوامل التأتثر

- ‌دور الأدب في تسجيل مشاعر الأمة وآرائها

- ‌الدرس: 20 المصادر واتصالها بالأدب المقارن

- ‌النواحي الشخصية للكاتب، واكتشاف عناصر مقوماته وتكوينه

- ‌تتعدد أنواع البحوث في المصادر على حسب موضوعاتها

- ‌البحث عن مصادر الكاتب في الآداب المختلفة، وأمثلة على ذلك

- ‌تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة

- ‌الدرس: 21 المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة

- ‌الكلاسيكية

- ‌الرومانسية

- ‌الواقعية

- ‌الرمزية

- ‌السريالية

- ‌الدرس: 22 الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى

- ‌جنس الملحمة

- ‌فن المقامة

- ‌ألف ليلة وليلة والموشحات

- ‌الشعر الغنائي

- ‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى

الفصل: ‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى

الذي يفسره الدكتور محمد غانم هلال بأنها هناك في الغالب تحريفًا من الناسخ جعله يكتب يسومونني بدلا من يسمونني، ويكون المعنى إذًا هو: أنهم حين رأوه قالوا: هذا رجل؛ لأن مرد معناها عندهم رجل، على حين ظن هو أنهم يظنونه وحيدًا من المرد غلاما أمرد.

ومن شواهد ذلك أيضًا قول العماني الشاعر في مدحه لهارون الرشيد:

لما هوى بين غياض الأسد

وصار في كف الهزبر للورد

آلى يذوق الدهر أب سرد

أي حلف ألا يذوق الماء البارد أبد الدهر، وهو ما أرجعه الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) إلى أن الأعرابي قد يحب أن يتملح بإيراد شيء من كلام الفارسية في قصائده.

ومن المعروف أن الآداب العالمية لا تعيش منفصلة بعضها عن بعض، بل هناك طول الوقت تأثير وتأثر بينها حتى لو لم يظهر شيء من ذلك للعيان أو نرى نتائجه مباشرة، وأن الأدب العربي شأنه شأن الآداب الأخرى في العالم يتصل بغيره من الآداب ويتفاعل معها ويؤثر فيها ويتأثر بها.

‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى

وسوف نتناول الآن بعض مظاهر التأثير الذي يقع من هذا الأدب على بعض الآداب الأخرى وسنختار ذلك:

أولًا: المقامات:

ففي القرن السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوروبا كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال جنسٌ جديد من القصص، خطا بالقصة خطوات نحو الواقع هو ما نطلق عليه قصص الشطار، ووجد أول ما وجد في أسبانيا وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتسمى في الإسبانية بكاريسكا،

ص: 611

وتختص بأن المؤامرات فيها يحكيها المؤلف على لسانه كأنها حدثت له، وهي ذات صبغة هجائية للمجتمع ومن فيه، ويسافر فيها البطل المؤلف على غير منهج في سفره وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل يتنقل بين طبقاته ليكسب قوته ويحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكمًا تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية، فكل من يعارضه فهو خبيث ومن يمنحه الإحسان خير، وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها "حياة لاسريو دوتورنس وحظوظه ومحنه" وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة، وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقعًا لا مثالية فيه ولا أمل.

ثم ينتقل الأستاذ الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا، ألا وهي قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة فيقول: ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر وبين المقامة العربية كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني ثم الحريري، ولم تبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكن الأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عُرفت في الأدب العربي في أسبانيا، ومن كتاب العرب الأسبانيين يقصد الأندلسيين بطبيعة الحال من ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مثل ابن القصير الفقيه ومثل أبو طاهر محمد بن يوسف السراقوسطي، وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الأسبانيين من أشهرهم عقيل بن عطية المتوفى عامة 1211 ميلادية ثم أبو العباس أحمد الشريشع المتوفى عام 1222 ثم إن مقامات الحريري ترجمت إلى اللغة العبرية، ترجمها سالمون بن ساقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحارثي وظهرت ترجمته عام 1205 ميلادية، وقد كانت هذه المقامات رائجة كل الرواج

ص: 612

لا بين العرب فحسب بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا؛ ولهذا ترجموها إلى لغتهم.

وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في أدب العرب في الأندلس وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الأسبان وقصاصهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الأندلسي، وقد آثر كتاب الأسبان أن ينحو منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرا في كتاب القصة في الآداب الأوروبية الأخرى.

ولا يكتفي الدكتور هلال بذلك بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه من شواهد قوية مقنعة- إلى خارج الأدب الأسباني فيقول: وممن تأثر بهم -أي بالأدباء الأسبان المتأثرين بالمقامات العربية في الأدب الفارسي- شارل سوريل في قصته "تاريخ فرنسيون الحقيقي الهازل" وقد نشرها في باريس عام ألف وستمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا وهي على لسان شخصية فرانسيون يهجو فيها العادات والتقاليد بواسطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى، وقد كانت هذه القصة وأمثالها أصلا لما سلكه الكاتب الفرنسي لوثاج في قصته "جانبلا" التي ظهرت طبعتها الكاملة بفرنسا عام 1747 ميلادية، وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سُميت القصة باسمه، كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر بوتيه في قصته التي عنوانها "موت الحب""مورد دامور" التي

ص: 613

ظهرت في باريس عام ألف وستمائة وستة عشر للميلاد، وفيها يصور حبّا ماديّا بين راع نفعي غليظ الطبع وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه.

ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه بهذا الجهد المشترك لكُتّاب القصص في الآداب المختلفة قضي على قصص الرعاة كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف واتخذت حوادث الحياة العادية مادة خصبة لموضوعاتها.

وهناك كذلك من الباحثين من يثير تأثير المقامة في "الكوميديا الإلهية" لدانتي إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك، وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الأسباني بلاثليوث في كتابه (المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية) وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا، وازن فيها المؤلف بين قصيدة دانتي من جهة وبين الكتب الإسلامية والعربية كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين ولاسيما كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي و (رسالة الغفران) للمعري وقصص الإسراء والمعراج - وانتهى المؤلف من دراسة كل هذا إلى القول: بأن دانتي كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في الكوميديا الإلهية مما يتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهد الجنة والنار، ونشير إلى أنه وظف هذه المعاني الدينية وفق تصوره؛ إذ يقول الدكتور نذير طعمة: لقد تأثر دانتي بمعمارية المعراج فأفرغها من مضامينها الإسلامية وملأها بمضامين ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده.

ص: 614

وهذا يقودونا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي:

فقد ذكر بير كاكيا أن الفن الروائي لم يجد متنفسًا له سوى في المقامة، وهي كلمة ترجمت إلى الإنجليزية بلفظة as samply وإلى الفرنسية بلفظة seyuns بما يفيد أنه يمكن قراءته في جلسة واحدة، وينقل بهذا الصدد الدكتور محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي أرست رينان إعجابه الشديد بالمقامة التي آثارها على مجموعة بلزاك الأدبية؛ بحيث إن الحريري قاد شحذه في خمسين موقفًا مختلفا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات؛ لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي على فكرة المقامات، وأرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشرية وأشير هنا إلى مجموعة بلزاك المسماة بهذا الاسم، فلم يعرفوا -كما يقول رينان- كيف يجعلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، كأنه يحقر أعمال بلزاك إلى جانب مقامات الحريري. أما بلزاك فقد نقصته شخصية أبي زايد التي لا تكاد تلمسها حتى تفلت.

وننهي حديثنا عن المقامة بالإشارة إلى أن التراث العربي الإسلامي ليس هو الوحيد الذي أثّر في فن السردي بأسبانيا، بل هناك تأثيرات مسيحية لا يمكن القفز عنها وتجاهلها، ويؤكد هذه الحقيقة عبد العزيز الأهواني بقوله: وحين تتجاوز الألفاظ إلى الأخبار والقصص سنجد في كتب التاريخ الأندلسي أمثال قصة "البيت المقفل في طليطلة" وكيف أمر الهزلي آخر ملوك القوط بفتحه، فكان نذيرًا بدخول العرب إلى أسبانيا وقصة "بنت ليان" صاحب سبتة مع ذلك المكان وكيف غرز التاريخ - وكلها قصص أخذت بغير شذا من التاريخ الشعبي المسيحي.

أما بالنسبة إلى المسرح:

فقد عرفته العربية بدءً من دخول الفرنسية مصر في أواخر القرن الثامن عشر؛ إذ أقاموا بعض المسارح الخشبية للترويح عن جنودهم وضباطهم وكان بعض

ص: 615

المصريين يستبقون النظر من خلال الأخصة التي بين الألواح، وإن كان ذلك كله قد انقضى بخروج أولئك المحتلين من مصر أول القرن التاسع عشر، ويقول ماريخول: إن مارون النقاش الشامي هو مؤسس المسرح العربي، وربما سبقه يعقوب صنوع الملقب بأبو نظارة إلى هذا، وكان مارون قد زار إيطاليا واطلع على فن التمثيل هناك، فأعجب به إلى حد بعيد، وفكر في نقله إلى بلاده، ومن بين رواة هذا الفن في مصر سليم النقاش الذي أنشأ مسرحا في الإسكندرية عام ألف وثمانمائة وستة وسبعين، وتلا ذلك ظهور فرق شامية أخرى منها فرقة أبو خليل القباني وفرقة يوسف خياط وفرقة إسكندر فرح ثم ظهرت فرق مصرية صميمة كفرقة سلامة حجازي وفرقة جورج أبيض وفرقة محمود تيمور وفرقة عبد الرحمن رشدي وفرقة نجيب الريحاني وفرقة يوسف وهبي وفرقة فاطمة رشدي، ثم أنشا معهد التمثيل بالقاهرة في أوائل الثلاثينات من ذلك القرن وبعدها بعدة سنوات تكررت الفكرة القومية، ثم تتابع المطر واستمر مريره في أرض الكنانة وفي بلاد العروبة كلها تقريب.

وقد بدأت الكتابة المسرحية أولًا باستيحاء المسرح الفرنسي والإيطالي والأخذ عنهما، مع إجراء بعض التعديلات التي تتقارب وذوق الجمهور وثقافته، كما ظهرت بعض الأعمال المسرحية المؤلفة مع وضوح تأثرها بالأسلوب الأوروبي في رسم الشخصيات وتطور الأحداث وغير ذلك من أساليب الكتابة المسرحية، وقد استمرت هذه البدايات هكذا إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، ومن هذه المسرحيات مسرحية "السِّيد" لكورنيه التي ترجمها محمد عثمان جلال، وقدمها للمسرح تحت عنوان "السِّيد" أو "السَّيِّّد" ثم تناولها شاكر عزار بعنوان "تنازع الشرف والغرام" ثم عالجها نجيب حداد بطريقته وسماها "غرام وانتقام" ثم توالت ترجماتها فيما بعد عشرات المرات، ثم جاء الاقتباس عن اللغة الإنجليزية متأخرًا؛ حيث احتلت مسرحية شكسبير مكان الصدارة في هذا المجال، وكانت

ص: 616

أولى مسرحياته التي قُدمت على خشبة المسرح العربي هي "روميو وجوليت" عام 1891 ثم "هملت" عام 1905 ثم "عطيل" سنة 1908 ثم كثر المؤلفون المسرحيون العرب تباعًا.

فإذا قلبنا الصفحة لدراسة تأثير الأدب الغربي على الأدب العربي:

فإننا نقول: ظهر مع النصف الأول من القرن العشرين جيل جديد اتصل بالثقافة الأوروبية والإنجليزية منها بوجه خاص اتصالا أعمق من اتصال الجيل الأول، ومن ثم اختلفت رؤيتهم لمهمة الشعر عن تلك التي كانت الجيل السابق، فعابوا على من سبقهم معالجتهم للموضوعات التقليدية التي لا يتجاوزونها، أما جيلهم فيرى أن الشعر تعبير ورصد لحركة الكون وأثرها في الذات الشاعرة، وهو تعبير عن نفس معناها الإنساني العام وتعبير عن الطبيعة وأسرارها وتصوير للعواطف الإنسانية التي تثور بها نفس الشاعر، التف هذا الجيل حول حركة نقدية عرفت بجماعة "الديوان" وكان أشهر روادها عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وإبراهيم عبد القادر المازني.

وأخذ تأثير الأدب الغربي عن الأدب العربي يزداد وضوحا منذ الثلاثينيات من القرن العشرين حين ظهرت مدرسة نقدية شعرية عرفت باسم جماعة "أبوللو" التي أسسها أحمد زكي أبو شادي، وكان الشاعر علي محمود طه من أبرز أعضائها، هذه الجماعة كانت أكثر مناداة بتطوير القصيدة العربية لمدرسة "الإحياء" ومدرسة "الديوان"، ويُرجع ذلك إلى تأثرها بالمذهب الرومانسي في الشعر الغربي كما تأثروا بشعراء المهجر أمثال إيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة، وقد تركت مدرسة "أبوللو" أثرًا لا يُنكر في عدد من

ص: 617

شعراء العالم العربي، فتأثر بها أبو القاسم الشابي من تونس والتيجاني يوسف بشير من السودان وحسن القرشي من المملكة العربية السعودية وإلياس أبو شبكة من لبنان وغيرهم.

وعلى يد هذه المدرسة أضحت القصيدة العربية تمتاز بسهولة في التعبير وبساطة في اللغة وتدفق في الموسيقى، كما غلب على موضوعاتها التأمل والامتزاج بالطبيعة وشعر الحب والغناء بالمشاعر مع نزعة الألم والشكوى.

ويمثل الشعر العربي في المهجر امتدادًا لهذا الاتجاه الرومانسي في الشعر الحديث؛ فقد قامت في المهجر الأمريكي الشمالي الرابطة القلمية، وفي الجنوبي العصبة الأندلسية، وظل شعرهم مثقلا بهموم الوطن والمناجاة الفكرية والنفسية والتهويمات الصوفية، ومن أشهر شعرائهم إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وإلياس فرحات ورشيد أيوب، أما في الأربعينيات من القرن العشرين فقد أخذت القصيدة العربية شكلها الذي استقرت عليه فيه قوالب الشعر الحر، وكان من فرسان القصيدة الحديثة صلاح عبد الصبور في مصر ونازك الملائكة والسياب والبياتي في العراق ونزار قباني في سوريا ومحمد المهدي المجذوب والفيتوري في السودان ويكتب الشاعران أدونيس ومحمود درويش ألوانًا من الشعر تختلف اختلافًا كبيرًا عمن كانت عليه بدايات تطور القصيدة العربية في العصر الحديث، وإذا بالمسافة تبتعد تمامًا بين البارودي وشوقي وبين بولند الحيدري ويوسف خان ونظير العظمة وأضرابهم.

ونبدأ بمدرسة "الديوان" وهي حركة تجديدية في الشعر العربي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين على يد عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري الذين

ص: 618

كانوا متأثرين بالرومانسية في الأدب الإنجليزي، ولديهم في ذلك الوقت اعتزاز شديد بالثقافة العربية، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى كتب ألفه العقاد والمازني وضعا فيه مبادئ مدرستهم واسمه (الديوان في الأدب والنقد)، وقد نهجت هذه المدرسة النهج الرومانسي في شعرها، ومن أبرز سماتها الدعوة إلى التجديد الشريف الموضوعات ووجوب تعبير الشاعر عن ذاته بعيدًا عن التقاليد الجامدة والاستفادة من الأدب الغربي إلى جانب الشعر العربي القديم والاتجاه إلى الشعر الوجداني والوحدة للموضوعية للقصيدة، وهناك وجه شبه قوي بين مدرسة "الديوان" والرومانسيين الإنجليز فقد تحدث ويلز ورث مثلا عن العملية الشعرية فقال: لقد قلت: إن الشعر انسياب تلقائي للمشاعر القوية، ويؤكد هذا التحليل مبدأين أساسيين في مذهب الرومانسية أولهما: أن الشعر حقّا تعبير عن النفس ومشاعرها، ثانيهما: أن هذا التعبير مطبوع لا تكلف فيه، وهي نفس الرؤية التي يراها شكري تقريبًا في كلامه عن الانفعال العصبي الذي يسبق عملية الشعر، وإن عبارته التي يصف فيها الشعر بأنها تدفق الأساليب كالسيل تدل على أهمية الطبع في التعبير الشعري الرومانسي، وعند جماعة الديوان.

فالعواطف في نظر جماعة الديوان والرومانسيين الإنجليز هي المنفذ الوحيد الذي يطل منه الشعر على العالم الخارجي وشئونه، ولا العقاد أن الشعر يطلعك على ما لم تستطع الوصول إليه من أسرار تكمن وراء مظاهر الأشياء ويتغلغل

ص: 619

بك إلى اللباب ويكشف عن جوهر ما في الحياة، كما أن الشعر لا يعد شعرًا ما لم يعبر عن ذات الإنسان وأدق أحاسيسه ومشاعره تعبيرًا صادقًا لا تكلف فيه ولا تصنع.

وقد عكف أعضاء مدرسة الديوان على الأدب الإنجليزي، فوجدنا في أشعارهم تأثرًا بقصائد متعددة من شيلي وهون وأدسون وكارلايل وغيرهم من شعراء ديوان الذخيرة الذهبية جولدن تريجيري، لقد كان اتصال الغرب بالعرب سببًا من أسباب انتشار موجة الرومانسية في تلك الفترة، وكانت مطالعة كتاب (المختارات الشعرية الإنجليزية) المعروف بجولدن تريجيري والاهتمام بالناقد الإنجليزي ويليام هزلت من المؤثرات الواضحة في شعرائها.

لقد كان شكري الذي يعده بعض مؤرخي الأدب العربي الحديث مؤسس هذا الاتجاه متأثرًا منذ زمن دراسته في إنجلترا ما بين 1909 و1912 وعلى وجه الخصوص شيلي وبايرون وكيلث ويلز ورث، وبعد عودته التقى بالعقاد والمازني وأطلعهما على إبداعات الأدب الإنجليزي؛ مما أثر تأثيرًا شديدًا على التوجه الشعري الجديد عند زميليه، فالتزما مفاهيم الشعر والنقد الإنجليزي ودافعا عنها بشدة، حتى لقد لاحظ بعض النقاد أن المعاني التي صدرت على النقاد والمازني في بعض أشعارهما هي نفس المعاني التي يجدها القارئ في عدد من المختارات الشعرية في كتاب (الذخيرة الذهبية) الذي وضعه مارجريف أستاذ الشعر في جامعة أوكسفورد.

ويرجع تأثر مدرسة الديوان بالرومانسية الغربية إلى إجادتهم اللغة الإنجليزية التي أفادتهم كثيرًا في دراسة الشعر الإنجليزي وخاصة شعر كل من بيرون وشيلي وويلز ويرث، الأمر الذي فتح أمامهم المفهوم الجديد للشعر.

ص: 620

ومن مظاهر تأثر مدرسة الديوان بالرومانسية الإنجليزية: مهاجمتهم لشوقي وحافظ وغيرهما باعتبار أشعارهم ضربًا من التقيد بأغلال الماضي في الفكر والأسلوب والموضوعات، وهناك تعريفهم لفن الشعر إذ هو انعكاس لما في النفس من مشاعر وأحاسيس لا تكلف فيه، علاوة على ما رسموه للشعر من غايات وأهداف، فالرومانسيون يرون أن من أهداف الشعر الكشف عن مظاهر الجمال في الوجود الإنساني وعن الحقيقة في أعمق صورها، وهو ما كانت تقوله مدرسة الديوان، ثم ينتقل الكاتب بنا إلى شعراء المهجر، فيقول: إن جبران خليل جبران كان نزّاعًا إلى الغرب الأوروبي حتى لقد حكى عنه بعض من يعرف أنه كان كلما انتهره وهو صغير يقول له: ما لك وما لي أنا إيطالي، كما كان يقص على أصدقائه أنه بلغ من الهيام بالأدب الإنجليزي أن تكررت رؤيته في المنام لكتث وشيلي وشكسبير، وإلى جانب هذا فقد تأثر بوليم بليك الأمريكاني إلى مدى بعيد، كما كان يحاكي في قصائده النثرية قصائد الشعر الأمريكي ولت ويتمن؛ مبتكرا فنًّا شعريًّا سماه فري فيرث، أما أمين الريحاني فقد عرف كما يقول دكتور المواسي بترجمته عددا من القصائد لشعراء أمريكيين من أبرزهم ولت ويتمن الذي اتخذه رائدًا له في الخروج عن الأساليب المتداولة، فتابعه وأدخلا في اللغة العربية ما اصطلح عليه باسم الشعر المنثور حسبما كتب في مقدمة ديوانه هتاف الأودية.

ومن مظاهر تأثر الأدب العربي بالآداب الأخرى: شعر بدر شاكر السياب الشاعر العراقي المعروف، الذي درس الإنجليزية في بغداد دراسة متخصصة واتسم شعره

ص: 621

في الفترة الأولى بالرومانسية وكان ينظم الشعر مع تنويع القافية، وفي سنة 1947 أصدر ديوانه "أعاصير" الذي حافظ فيه على الشكل العمودي مع الاهتمام بالقضايا الإنسانية، ثم ظهر تأثره بالشعر t s إليوت في ديوان "أزهار وأساطير"، وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر وفي بداية الخمسينيات قصر السياب كل شعره على هذا الشكل الجديد، ومن سمات شعره ما نلاحظه من استخدام واسع للأساطير البابلية والإغريقية، وقد ذكر بعضهم أنه عقب الحرب العالمية الثانية تعرفت مجموعة مثقفي العراق على نماذج متنوعة من الشعر الإنجليزي وأساليبه وأبنيته، وخصوصًا شعر تومس إيليوت صاحب قصيدة "أرض الخراب" وإديث ستوِل وجيل أودن روبرت فروست وولت ويتمن صاحب أهم مجموعة في تاريخ الشعر الأمريكي "أوراق العشب"، وقد تركت هذه النماذج الشعرية تأثيرًا عميقًا في نفوس الشعراء الشباب، وجعلتهم ينفتحون على أفق فني لما يعهدوه وهكذا كتب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي قصائدهم بشكل الشعر الحر، الذي انتقل بعدها من العراق إلى مصر فكتب به مجموعة من الشعراء المصريين منهم صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي؛ لذا انتشرت القصيدة الحرة في الوطن العربي وتصير كتابتها أمرًا مألوفًا بين الشعراء.

وإلى هنا نأتي إلى آخر دروس الأدب المقارن لطلاب مرحلة الماجستير، فأستودعكم الله متمنيًا لكم كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص: 622