الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وربما أكثر من هذا أيضًا طوال القرون التي تلت ظهورها في المحيط العربي، صحيح أن حكاية مجنون ليلى أو ليلى والمجنون أعيد إليها الاعتبار عربيًّا في القرن العشرين، فحولت مثلًا إلى مغناة رائعة لحنها وغناها محمد عبد الوهاب وأسمهان في صيغة اشتغل عليها أحمد شوقي، مازجًا أشعارًا حديثة بالأشعار القديمة المنسوبة إلى قيس بن الملوح المعروف بالمجنون، كما حولت إلى مسرحيات وأفلام سينمائية، كان منها فيلم تونسي "الطيب الوحيشي"، إضافة إلى استلهامها في أعمال أدبية حديثة عدة، ولكن في المقابل ظل الإهمال من نصيب هذا العمل القديم المتميز في العالم المعرفي في وقت كان العالم كله يستلهمه أو يؤممه، أو يصيغ على منواله أعمالًا لا تقترب منه، أو تدنو بحسب الظروف وبحسب الثقافات، ومن هنا مثلًا نجد مخرجًا أرمينيًّا جورجيًّا مثل "بارجانوف" يحقق أكثر من فيلم تلوح من خلاله الحكاية نفسها عاشق غريب مثلًا.
ليلى والمجنون في الأدب الفارسي
بل إننا لو تبحرنا في آداب شعوب عدة لن يفوتنا أن نرى الحكاية نفسها تتكرر لاسيما في مناطق وسط آسيا، التي نعرف أنها تأثرت كثير بالحضارة العربية، وأثرت فيها ثم يمضي العريس قائلًا: وفي هذا السياق تحديدًا يكون لافتًا أن نذكر أن الثقافة الفارسية بالتحديد، وعلى بعض كبار شعرائها وكتابها كانت من أكثر ثقافات العالم اهتمامًا بهذه الحكاية شعرًا ورواية ورسمًا؛ حتى إلى درجة يمكن معها القول: إن فارس كانت هي لا الثقافة العربية المكان الذي حفظ الحكاية على مر العصور، ومن دون إنكار لأصولها العربية على أية حال.
وإذ نذكر فارس وثقافتها في هذا المجال يصبح لا بد لنا من أن نتوقف عند اثنين من كبار الشعراء الفرس، اهتمامًا بحكاية ليلى والمجنون، وهما نظامي وجامي،
الأول: خلال القرن الثاني عشر والثاني: خلال القرن الخامس عشر، كما يصبح لا بد لنا من التوقف عند عدد من كبار رسامي المنمنات الفارسية من الذين أنفقوا وجهدًا كبيرًا؛ لتحقيق رسوم رائعة تصور بعض فصول الحكاية.
ومن أبررزهم أغا ميرك، ومير سيد علي، وميرزا علي، والشيخ محمد، وإن بقيت رسوم أغا ميرك الأجمل، إذ ارتبطت بالصيغة التي كتبها نظامي للحكاية.
وإضافة إلى ما تقدم يفصل الكاتب الأمر قائلًا: إن الباحثين يذكرون أن نظامي وجامي اشتغلا على الحكاية نفسها من ناحية الأحداث، ولكن ثمة فارقًا كبيرًا بين عمل الأول وعمل الثاني، ذلك أن نظامي المتوفى في سنة ألف ومائتين واثنتين أعاد صوغ الحكاية كما هي، أي: أنه ركز على أحداثها الظاهرة وبُعدها العاطفي، واقفًا مع حق الإنسان في الحب مدينًا للأهل الذين سعوا بكل جهدهم؛ كي يحولوا دون تحقيق اللقاء بين الحبيبين.
أما جامي فإنه استخدم الحكاية في صورة رمزية خالصة؛ كي يتحدث من خلالها عن الحب الإلهي بصيغة صوفية، حيث إن العاشقين يمثلان هنا بالنسبة إليه ذلك الحب السامي الذي تتفانى من خلاله الروح لكي تذوب في الذات العليا، والحال أن هذين البعدين المختلفين الذين أسبغا على الحكاية نفسها في الثقافة الفارسية، إنما يعبران خير تعبير عن المزاج العام الذي كان يعتمل في فارس كل حقبة من الحقبتين اللتين عاش في أولاهما نظامي فيما عاش جامي في ثانيتهما، ففي عصر نظامي كان شيء من الفكر المادي الدنيوي يسيطر أيام ازدهار الأوضاع الاقتصادية، وبدء ظهور النزعات الإنسانية، وصولًا إلى انتشار الدعوات الواقعية، التي تتعاطى مع شئون الحياة الدنيا،
أما في عصر جامي، فكان ثمة نقوص في اتجاه الغيبيات والصوفية، كرد على ما انتاب الأمة من تفكك وعلى ذلك الغرض السابق في الشهوات والدنيويات.
وإذا كان العملان قد لاقيا رواجًا واستحسانًا لدى أجيال متعاقبة من القراء في بلاد الشرق، فإن ما يجب لفت النظر إليه هنا هو أن التعامل العام معهما كان واحدًا، حيث إن البعد الصوفي السماوي لقصيدة جامعي ظل بعيدًا من تفسير القراء العاديين، ومن هنا تم التعامل معها دائمًا من منطلق شعبي كتطوير لغوي لا أكثر لقصيدة نظامي، ذلك أن لغة الشعر كانت تطورت حقًّا خلال المائتي عام التي تفصل بين زمن الأول وزمن الثاني، ومع ذلك لن يغيب عن بالنا هنا أن القصيدة التي كتبها نظامي حظيت دائمًا بالشهرة الأكبر، وبقبول أعم لدى القراء الفرس.
ونظامي اكتفى كما أشرنا بصوغ الحكاية كما هي في التراث العربي القديم، الشاعر الجاهلي قيس بن الملوح الذي سيلقب لاحقًا بالمجنون يعيش حبًّا رائعًا مع حبيبته البدوية مثله ليلى، وهو هنا عند نظامي ابن ملك من ملوك الجزيرة العربية، لكن انتماءه الملكي لم يسهل عليها الحصول على يدها ذلك أن أهل ليلى كانوا يعيشون عداوة حادة مع أهل قيس؛ لذلك يرفضون تزويجه ابنتهم، فيجن قيس ويشعر بإحباط وألم شديدين يدفعانه إلى محاولة اختطاف ليلى بالقوة، غير أن محاولته تفشل فلا يكون كما حال الشنفرَى وغيره من الشعراء الصعاليك، إلا أن يتوجه إلى الصحراء؛ ليعيش فيها وحيدًا مع حيواناتها الضارية، التي ستكون أكثر حنوًا عليه من البشر، ومع مناخاتها المتقلبة التي سيمكنه احتمالها أكثر من احتماله غلاظة البشر.
في تلك الأثناء تكون ليلى تزوجت من شخص آخر، غير أنها أبدًا لم تنس حبها لقيس، بل إنه صار يحدث لها بين الحين والآخر أن تهرب سرًّا إلى الصحراء،
حيث توافي حبيبها في وحدته ووحشته، ولاحقًا حين يموت زوجها توافيه الصحراء؛ لتتحد حياته بحياتها نهائيًّا، ويتزوجان هناك، لكن ليلى سرعان ما تموت فلا يكون منه إلا أن يلحق بها إلى القبر، حيث يوحد الموت والشجر بينهما، كما ستكون حال روميو وجولييت بعد ذلك بقرون عدة.
قصيدة نظامي هذه تعتبر إذن من عيون الأدب الفارسي، ولكن في الوقت نفسه لا تقل عنها أهمية تلك الرسوم الرائعة التي أعطت فنًّا المنمنمات الفارسية ألقى هو جماله عبر العصور، ولا تزال محفوظة حتى يومنا هذا، كدليل حي على ارتباط فن الرسم بالفنون الأدبية في الحضارة الإسلامية ليس بالضرورة العربية التي لطالما اعترض بعض مفكريها المعاصرين على أن تشمل إبداعاتها رسم الأشخاص، ومع هذا لم تخل بدورها من رسوم عرفت طريقها إلى العيون والعقول، وحفظت عبر التاريخ حتى من دون أن تصل إلى روعة إبداعات الرسوم المنمنمات الفارسية والمغولية، التي لا شك في أن العدد الأكبر منها يمكن اعتباره دائمًا تحفًا فنية، تضاهي أروع ما أنتجته الإنسانية من لوحات غرامية رومانتيكية.
انتهى كلام الكاتب.
لكن لي تعليقًا سريعًا على وصفه للمجنون بأنه شاعر جاهلي، وهو وصف غير صحيح، إذ المجنون إنما ينتمي كما رأينا إلى عصر الأموي لا الجاهلي، ولا حتى إلى عصر صدر الإسلام، وفي مكان خاص بالشاعر الفارسي نظامي تلقي "الموسوعة المشباكية الحرة الويكيبيديا" بعض الضوء على حياة ذلك الشاعر وإبداعاته، فتذكر أنه ولد عام 570 للهجرة في الكنجة بإيران القديمة وتقع حاليًا في أذربيجان وأمه كردية، وقد عاش شاعرنا خلال فترة حكم السلاجفة، وتزوج ثلاث مرات وأنجب ولدًا واحدًا اسمه محمد، ثم توفي عام ستمائة وأربعة عشر للهجرة، ويعترف النقاد والشعراء وكتاب التراجم
من الفرس وغيرهم على السواء بمكانة نظامي الشعرية، ومن بينهم عوفي وحمد الله المستوفي، ودولة شاه سمرقندي، ولطفي علي بك، وسعدي، وحافظ، وجامي، وعصمت البخاري، ومن أشهر مؤلفاته:(بنج غنج) ومعناها الكنوز الخمسة و (مخزن الأسرار) و (خسرو وشرين) و (هفتبيكر) أي: العروش السبعة و (إسكندر نامه)، ومعناه كتاب الإسكندر المقدوني، و (ديوان فان) للنظامي، وكذلك (ليلى والمجنون).
وهذه القصة لا تحدث وقائعها في إيران بل تقع في بلاد العرب، وهي لا تمثل شخصية ملكية، بل تمثل شخصين عاديين من عرب الصحراء البطل وحبيبته، لكن نظامي استطاع أن يصبغها بالصبغة الفارسية، وقد اختار لها وزن الهزج المسدس الأحدب المقبوض المحذوف، وتشتمل على أكثر من أربعة آلاف بيت.
وفي موقع Iran Saga History Iran Saga History ، art and culture نجد مقالًا عنوانه: the lenged of lila and magnon، جاء فيه: أن هذه القصة العاطفية الرومانسية يمكن أن تعود في صورتها الأصلية إلى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وأن مضمون القصة حسبما أمكن استخلاصه من النسخ المختلفة هو مضمون بسيط نسبيًّا، وإن كان هناك منذ البداية نسختان مختلفتان، فأما في الأولى فلدينا شاب وفتاة كانا يقضيان وقتهما معًا يرعيان الغنم، وأما في الأخرى فنرى المجنون واسمه في الحقيقة قيس كما تقول الروايات، يقابل ليلى مصادفةً في جمع من الفتيات مقابلةً كان لها تأثير مدمر عليه، ويسارع إلى نحر ناقته لإطعامهن، وتقع ليلى في غرامه من أول نظرة، ويتقدم لطلب يدها من أبيها إلا أنها كانت مخطوبة من قبل، مما فقد معه قيس عقله فانطلق هائمًا على وجهه شبه عار يعيش بين الحيوانات البرية، رافضًا ما يقدم له من طعام، وعبثًا
يحاول أبوه أن ينسيه ليلى، إذ أخذه معه إلى الحج إلا أن جنونه لا ينقص بل يزيد.
ومع هذا كانت تمر به لحظات من الصفاء ينظم فيها أشعاره العاطفية، ثم يموت وحيدًا ولكن بعدما يقابل ليلى مرة أخرى، ثم يمضي كاتب المادة قائلًا: إن من الصعب معرفة أصل تلك القصة، إذ يظن أنه من الممكن إرجاعها إلى حكاية شاب من قبيلة بني أمية يلقب بالمجنون، نظم بعض الأشعار التي يتغنى فيها بحبه لابنة عمه، إلا أن القصة بهذا الشكل تبدو منفصلة عن سياقها، كما أن الشاعر يظل مجهولًا، ومع هذا فكون القصة تشتمل على اسم نوفل بن مساحق هذه الكلمة المدينة يوحي بأن القصة الأخيرة قد ظهرت على صفحة الوجوه في تلك الفترة تقريبًا، أما ناظم تلك الأشعار أو بالأحرى ناظموها، وكذلك مؤلفو الأخبار المتعلقة بها، فسوف يظلون دائمًا مجهولين، وهو ما يزيد من غموض القصة وحيرة الباحثين فيها.
هذا ما قاله الكاتب.
ومن الواضح أنه قد وقع في بعض الأخطاء التاريخية الساذجة، إذ جعل قيسًا من قبيلة أمية، على حين أن ارتباطه بالأمويين يقتصر على أنه كان يعيش في عصرهم ليس إلا، أما هو وحبيبته فكانا من بني عامر، ثم هناك شيء آخر وهو أن الكاتب يعود بالقصة إلى ما قبل ذلك قائلًا: إن الحلقة الخاصة بقيس هي آخر الحلقات، وهو ما لم يسق أي دليل عليه.
ثم يتتبع كاتب المقال رحلة القصة خارج الأدب العربي قائلًا: إن أشعار المجنون وأخباره قد انتقلت إلى الأدب الفارسي، وأصبحت جزءًا منه، حيث استعملت تلك الأشعار والأخبار على أنحاء مختلفة، بل إن بعض الأعمال النثرية الفارسية تحتوي على أشعار لقيس، وفي عام ألف ومائة وثمانية وثمانين يقوم نظامي الكنجوي بنظم قصة ليلى والمجنون في آلاف الأبيات، ويصرح الشاعر الفارسي
في مقدمة القصيدة بأنه كان في البداية مترددًا في القيام بهذا العمل، إذ كان يشك في أن تكون تلك القصة التي مِحورها الجنون والهيام على الوجه في البرية صالحة للبلاط الملكي، والمقصود أن حاكم أذربيجان كلفه بنظمها فخشي ألا تسعفه القصة الأصلية في القيام بالمراد، ولا ينجح في مهمته، وإن كان المقال نفسه لا يشير إلى ذلك، بل ذكره مقال " lila and magnon " في "إنسيكلوبيديا إيرانيكا"، إذ جاء فيه:" أن نظامي كومبوز هز رومانس آز ريكوست أوف زا رولار أوف أذربيجان ".
كما يوضح الكاتب الأول ما قام به نظامي من جهد؛ كي يجعل من أخبار المجنون المتناثرة بناءً متماسكًا لقصة عاطفية فارسية، تختلف بعض الشيء عن القصة الأصلية، إذ تتحول البيئة البدوية إلى أخرى حضارية تلائم الشاعر وجمهوره، فمثلًا نرى الحبيبين يتعارفان في مكتب -أي: كتاب- كما أن نوفلًا المذكور يظهر في قصيدة نظامي وكأنه أمير فارسي لا وال عربي، فضلًا عن أنه لا يقتصر على التدخل السلمي لإتمام الخطبة المرفوضة من قبل والد الفتاة، بل يعلن الحرب على قبيلتها كلها معلنًا أنه لا بد من زواج الحبيبين، ورغم هزيمة القبيلة يصر والد ليلى على الرفض قائلًا: إنه يؤثر أن يقتلها على أن يزوجها للشاب الذي فضحها في العالمين.
وهنا يتبين للأمير أنه لا يمكن عمل أي شيء آخر، فيكف عن محاولاته وتنتهي القصة عند نظامي بأن تموت ليلى كَمَدًا على حرمانها من حبيب القلب، كذلك تتميز قصيدة نظامي بما تحويه من مناظر طبيعية توائم المواقف العاطفية المختلفة، ففي الربيع نرى ليلى في عز شبابها جالسةً تحت ظلال النخيل، على حين يتمهل الشاعر في وصف سواد الليل، عند حديثه عما حاق بالمجنون من يأس وهكذا.
كذلك فإن قصة نظامي ليست قصة فقط بل تضيف إلى الحكاية غاية تعليمية، ففيها كلام عن الزهد وتفاهة الدنيا والموت والحب والتصوف، وينهي الكاتب مقاله بالإشارة
إلى أن ما صنعه نظامي إنما يمثل الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الأعمال التي تقلدها لا في الفارسية فحسب، بل في لغات المنطقة كلها، وإن كانت الأعمال ذات القيمة منها قليلة، ومن هذه الأعمال (ليلى والمجنون) للأمير خسرو دهلوي، عام ألف ومائتين وتسعة وتسعين، وقصيدة الجامي سنة ألف وأربعمائة وأربع وثمانين، إلى جانب قصيدتي "هاتفي" و"مكتبي"، ويضيف كاتب مادة " lila and magnon " في "إنسيكلوبيديا إيرانيكا" أن شخصيات القصة الفارسية التي أبدع نظامي كلها شخصيات أرستقراطية مَثَلها في ذلك مثل شخصيات أمثالها من القصص العاطفية في الأدب الفارسي، بالإضافة إلى بعض العناصر الفارسية الأخرى، كالملك الذي كان يرغب في أن يكون له وريث، وكشعر الطبيعة الذي يتغنى بالشروق والغروب والبساتين، وكالزاهد الذي كان يعيش في كهف، وكملك مَرْو وكِلابة وكابتهالات المجنون إلى الله والأجرام السماوية، وأحاديثه التعليمية ما عد من شخصيات القصة إلى آخره.
كذلك يذكر كاتب المقال أن المجنون لدى نظامي مثلما هو من أصل عربي شاعر عذري بارع، بل لقد نظم على لسانه الأشعار الغزلية، وإن كان قد وشى تلك الأشعار بلمسة صوفية واضحة، فلم يعد الحب عند قيس حبًّا أرضيًّا صافيًا، بل حبًّا روحيًّا أرضيًّا معًا، مع ميل كِفة الميزان ناحية الضرب الأول، وبالمثل يشير الكاتب إلى التأثير الذي أضافته قصة نظامي إلى حكايات المجنون، إذ اندفع عدد من الشعراء الفرس والكرد والترك والباشتو إلى تقليد نظامي في نظم القصائد، التي تروي حكايته هو وليلى حتى وسط القصائد الفارسية وحدها، التي تنسج على منوال قصيدة نظامي نحو ستين، وكلها على نفس البحر الذي نظم عليه نظامي قصيدته إلى جانب تأثرها بها في عدد من العناصر الأخرى، كالحديث عن حلية الخمر في دين الحب، ومما تناوله الكاتب أيضًا ترجمة قصيدة نظامي إلى عدد غير قليل من اللغات الأخرى.
هذا، وقد رأينا أن أثر قصة ليلى والمجنون لا يختص على الأدب الفارسي وهو ما يزيده إيضاحًا ما كتبه خالد محمد أبو الحسن في دراسة له على المشباك -أي: الإنترنت- بعنوان: "التناص السردي في ليلى والمجنون لفضول البغدادي"، وميموزين لأحمدي خان يقول فيها: لا شك أن قصة ليلى والمجنون نالت اهتمامًا بالغًا من شعراء الإسلام على اختلاف لغاتهم، ولئن كان تناول موضوعها قد اختلف من شاعر إلى آخر، فإن ذلك يجعل موضوعها أكثر إثارة، والجدير بالذكر أن هذا الموضوع لاقى اهتمامًا كبيرًا أيضًا من الكتاب والباحثين، وتنبع أهميته من كونه موضوعًا يربط بين جُل الآداب الإسلامية، ولعل القواسم المشتركة بين الآداب الإسلامية التي انبثقت من التمازج المشترك بين هذه الشعوب منذ العصور التاريخية القديمة، ثم ازدادت إحكامًا وارتقاء حضارية بعد الإسلام، لعلها أوجدت لنا أرضًا خصبةً من الحوار الأدبي المتضامن لإثارة قضية صوفية كبرى هي قضية العشق الإلهي.
وتعتبر قصة عشق قيس بن الملوح مجنون بني عامر لليلى العامرية التي بدأت عند العرب في شكل الحب العذري، أعظم قصص الحب في الآداب الإسلامية، وإن اختلف مضمونها من أدب لآخر، وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرة تناقلها الناس، فإنها لقيت لدى أدباء إيران على سبيل المثال رواجًا لا نظيرَ له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل بعد أن كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب والمعاناة والعشق، ومن ثم كان الحب العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الفارسي، وهذا ما ظهر في صنيع نظامي، هكذا أدى العشق العذري والحرمان فيه إلى إثارة خيال المتصوفة، وأوقد ذاكرته فأبدعت أفكارًا شتى دخلت العرفان الصوفي الفارسي من الباب الواسع، ومن ثم أخذت تتنقل إلى الأدب العربي، فنتج عنها قواسم مشتركة فنًّا وفكرًا.