الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(التاريخ ذو الطابع الأدبي)
تعريف علم التاريخ، وأهم الأمور التي يهتم بها
فعلى الله نتوكل ونبدأ فنقول:
علم التاريخ كما تقول المادة المخصصة له في (الموسوعة العربية العالمية) هو: أحدُ العلوم الاجتماعية التي تعنى بدراسة الماضي البشري، ويقوم المؤرخون بدراسة الوثائق عن الحوادث الماضية، وإعداد وثائق جديدة تستند إلى أبحاثهم. وقد درس المؤرخون كافة مظاهر الحياة الإنسانية الماضية، والأحوال الاجتماعية والثقافية، تمامًا مثلما درسوا الحوادث السياسية والاقتصادية، وهم يخرجون من ذلك كله بتفسيرات متعددة للماضي.
ويقولُ كاتب المادة: "إن المؤرخين ظلوا حتى القرن العشرين يعنون في المقام الأول بالأحداث السياسية، وكانت كتاباتهم مقصورة على الدبلوماسية والحروب وشئون الدولة. أما الآن -فكما يقول- يدرسون إلى جانب هذا طائفة من المواضيع الأخرى؛ فينظر بعضهم في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، ويتقصى آخرون تطور الحضارات والفنون أو العناصر الأخرى للحضارة". هذا ما قاله الكاتب؛ لكنّ هذا الحكم يحتاج -فيما يبدو لي- إلى مراجعة إذ ترك لنا القدماء ومنهم أسلافنا العرب كثيرًا من الكتابات التي تصف لنا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وإن لم يكن من عادة أصحابها أن يسموها تاريخًا، فه ذ اهو السبب فيما كتبه كاتب المادة.
وتمثيلًا لذلك نشير إلى كتاب (تجارب الأمم) لـ "مسكويه" وهو مؤرخ إسلامي، وقد عالج في كتابه ضمن ما عالج الحالة الاقتصادية والحربية للدولة، والأوضاع الاجتماعية للشعوب، وكذلك كتاب (إغاثة الأمة بكشف الغمة) للمقريزي، هذا الكتاب الذي قال فيه الدكتور نجمان ياسين في مقال له بعنوان "التفكير الاجتماعي
والاقتصادي في كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي" وهو منشور في موقع "التراث العربي": "إنه في الأساس يدرس المجاعات والكوارث الطبيعية والاجتماعية التي حلت بمصر، منذ العصور القديمة حتى عصر المقريزي نفسه، حين برزت فيه سنوات الجدب والقحط، ونقص المياه والآفات الطبيعية".
وهذا يعني أن جانب المعاناة والمعايشة للمشكلة متوفرة فيه، فإذا علمنا أنه يتوفر على جانب العلم والمعرفة بطبيعة ما يحدث، أدركنا مدى الأصالة في كتابه هذا. وابتداء يقرر المقريزي أن هذه المجاعات والمحن مرتبطة بأسباب مشخصة، وأنها ليست قدرًا لا يمكن الفكاك منه، إذ يرفض الاستسلام للجبرية ويأخذ بمبدأ السببية، مقررًا أن ما تحدثه الطبيعة يمكن أن يتجاوزه الإنسان الذي بمقدوره تحاشي المجاعات أو الكارثة الطبيعية، بالتخطيط والتّصرف المستند إلى معرفة الأسباب والدوافع. وكثير من كتب التاريخ الإسلامي لا تقتصر على أخبار الحكام وحدها، ولا على الأحوال السياسية فقط؛ بل تتناول أمورًا كثيرة من حياة الشعب بجوانبها المختلفة، وتحتاج دراسة التاريخ -كما يقول كاتب المادة المذكورة- إلى العديد من العمليات، ويَتَّبِعُ مُعظم المؤرخين بعض الخطوات الرئيسية في أعمالهم.
أولًا: يتمُّ اختيار قضية أو شخص ينتمي لفترة معينة من الماضي للدراسة. ثانيًا: قراءة الكثير من المصادر المادية، أي: كل شيء دُوِّن حول الموضوع، وهو ما يعرف بعملية جمع المعلومات من المصادر المختلفة، وتفسر بعد ذلك المعلومات التي تم جمعها. وأخيرًا تدوين حكاية تاريخية أو ترجمة شخصية،
ويَستخدم المؤرخون في أبحاثهم نوعين رئيسيين من المصادر: مصادر أولية، ومصادر ثانوية. وتتكون المصادر الأولية من الوثائق والسجلات الأخرى عن الفترة الجاري دراستها، بما في ذلك: الكتب، واليوميات، والرسائل، والسجلات الحكومية. وتم استخدام الأفلام وأشرطة التسجيل بوصفها مصادر أولية للحوادث منذ بداية القرن العشرين. وتتكون المصادر الثانوية من المواد التي يتم إعدادها فيما بعد من قبل دارسي المصادر الأولية، ويختار المُؤرِّخُون الوثائق التي تُظهر بدقة الحقائق التي يرغبون في معرفتها، لهذا فهم يفضلون المصادر الأولية على الثانوية، والتقارير السرية على العلنية.
ويستخدم المؤرخون الذين يدرسون وقائع حديثة نموذجًا خاصًّا من المصادر، إذ يعتمدون على مقابلة المشاركين في صنع الحوادث، وتدوين شهاداتهم الشفوية، وبذلك يُكَمِّل التاريخ الشفوي التاريخ الوثائقي المكتوب. وتعتبر نُدرة المصادر إحدى المُعضلات الكبيرة للمؤرخين الذين تشبه أعمالهم في بعض الأحيان الاكتشافات، فهناك العديد من الأعمال والأفكار لأفراد عاديين لم تسجل ولم تدون البتة، كما أن كثيرًا مما قد دون قد فقد أو أتلف بمرور الزمن، وكذلك على المؤرخين الاعتماد على كتابات القلة من المؤلفين أصبح بعضها قطعًا متفرقة هنا وهناك. ويُحَلّل المؤرخون الوثائق التي عليهم العمل بها، لتحديد ما يمكن الاعتماد عليه منها، وتَتِمّ مقارنة الوثائق بمصادر أخرى منعًا لوقوع أي خطأ في تسلسل الأحداث، أو اختلاف في أسلوب الكتابة. وعليهم أيضًا التأكد من أمانة كاتب الوثيقة الذي يتعاملون معه.
وتُعَدّ الحَقائق التاريخية الرئيسية معطيات عامة، تعتمد من قبل جميع المؤرخين؛ لكونها غير مشكوك فيها، ومع ذلك يختلف المؤرخون في الغالب حول معاني تلك الحقائق، ويحاولون أن يكونوا محايدين قدر الإمكان. لكن قد تؤثر معتقداتهم والأحكام المسبقة في تفسيراتهم. فعلى سبيل المثال قد تحمل الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والدينية مؤرخًا ما على رفض ما يعتقده الآخرون أمرًا عاديًّا أو مسلمًا به، ويحدد هذا الحكم بالمقابل ما يقبله المؤرخون شهادة موثوقا بها، أو دليلًا لتفسير الحوادث. وفي نهاية المطاف يُعِدّ المؤرخون بيانات مدونة عن الحوادث، وكتابة التاريخ جزء من ميدان يُدعى التأريخ، ويقال: إنّ أقدم تاريخ مدون في العالم قد جاءنا من الصين، وقد اكتشف علماء الآثار وثائق عن التاريخ الصيني المكتوب قبل ألف سنة قبل الميلاد، كان "سيما كيان" أول مؤرخ صيني كبير دون معظم أحداث التاريخ الصيني المبكر.
أما بالنسبة إلى كتابة التاريخ الغربي؛ فيقولون: إنها بدأت في اليونان القديمة، وكان أول المؤرخين الإغريق هو "هيرودت" الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب الكثير عن الحروب التي دارت بين الإغريق والفرس، وكان لدى "هيرودت" الذي يدعى أبا التاريخ القليل من الوثائق الإغريقية، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية لهذا اعتمد بشكل رئيسي في سرده على الشهادات الشفوية والتقليدية، وأضاف إليها تفاصيل خيالية؛ لتصبح أكثر حيوية. غير أن المؤرخين الغربيين يؤكدون دقة كتاباته من الناحية الأساسية، وأكثر خلفاء "هيرودت" شهرة في ميدان التأريخ هو "ثيور ديسيدس" الذي اعتمد الدقة والنقد في كتاباته، ويعد كتابه عن تاريخ الحرب "البلوبونيزية" زاخرًا بمعلومات دقيقة