الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو نروي رمال الصحراء
ثم هي ليلة وضحاها
فإذا الزوبعة تذهب بنا
فنأخذ معنا كل أحلامنا وأمانينا
ونحن على قدم من الهاوية أو أقل
ما زلنا نؤسس ونبني ونقيم
فما أسخفنا لا نجعل أيامنا ابتسامة
ونقيم علينا رب
لا يعرف كيف يجعلنا نبتسم حتى لأنفسنا
فنحن هنا أمام شيء فيه شفافية وفيه شيء من غموض ومن إيحاء، وفيه كذلك شيء مما يسمى بتراسل الحواس عند الرمزيين، فقد وصف الفكر بالاخضرار وجعل العواطف من عمل الربيع وصاغ القلوب من ندى الفجر.
السريالية
أما السريالية، فكما جاء في المادة المخصصة لها في الموسوعة العربية العالمية: هي مذهب في الفن والأدب أسسه في باريس عام أربعة وعشرين وتسعمائة وألف الشاعر الفرنسي أندريه بريتو، ويحاول أصحاب ذلك المذهب أن يكشفوا عن واقع جديد يتجاوز الواقع الفعلي، وهذا واضح من مدلول المصطلح ذاته؛ إذ هو كلمة تعني ما فوق الواقعية، وهم يدّعون أنهم يصنعون أشكالًا وصورًا، لا
بوعي وتفكير بل بإحساس فطري خالص وعن طريق المصادفة، وباستخدام هذا المنهج نراهم يزعمون أن بإمكانهم صنع عالم في مجال الفن والأدب أكثر جمالًا من العالم الحقيقي.
ويقول الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب ومذاهبه): إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى تضافرت الفلسفة الفرويدية مع المحنة الإنسانية العاتية التي أصابت البشر بويلات الحرب، فتصدعت القيم الإنسانية وهانت الحياة على الإنسان بعدما رأى الفساد يتربص به في كل مكان، ونشأت رغبة جارفة للتحلل من الأخلاق وانتهاب اللذات قبل أن تفنى الحياة وتمضي إلى العدم، وسادت نزعة تحرير الغرائز المكبوتة في النفس البشرية والرغبة في إشباعها إشباعًا حرًّا طليقًا لا يخضع لأي قيد ولا تردعه أية مواضعة من مواضعات المجتمع، ولم تقتصر هذه النزعات على الحياة، بل امتدت إلى الفن والأدب اللذين يصدران عن هذا النوع من الحياة؛ مما أدى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية -أي مذهب ما فوق الواقعية- وهو المذهب الذي يريد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية؛ زاعمًا أن فوق واقعنا هذا أو خلفه واقعًا آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعًا وهو واقع اللاوعي واقع المكبوتات في داخل الإنسان.
وإلى تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوتاته وتسجيلها في الأدب والفن وجه السرياليون جهودهم، وإن كان لابد من القول: بأن هذا الواقع الدفين كثيرًا ما ينتهي إلى ما يشبه هذيان الحواس، وبخاصة عندما يلجأ السرياليون إلى الطرق المصطنعة كالأفيون وغيره لإطلاق المكبوتات التي تعشش في أعماق
النفس، ثم عندما يحاولون تسجيل هذه المكبوتات في لوحات أو قصص أو مسرحيات غامضة مضطربة أو هاذية محمومة ربما لا يدركون هم أنفسهم لها معنى أو يحددون لها هدفًا وهي بالرموز والأحاجي أشبه منها بالأدب والفن مهما حاولوا أن يجعلوا من هذه الحمى مذهبًا أدبيّا أو فنيّا ومهما حاولوا تسويغ بعض اتجاهاته مثل تركهم مسرحياتهم أو قصصهم أحيانا بدون خاتمة بدعوى أنهم لا يقصدون غير الإثارة والإيحاء تاركين للقارئ أو المشاهد مهمة تصور الخاتمة التي يريدها حسبما ترسمها قواه النفسية المثارة أو المطلقة من كبتها.
والواقع أن مثل هذه السرياليات قد انتشرت في كثير من نصوص الشعر الذي يكتبه الحداثيون في الفترة الأخيرة، ويشيع فيه الاستغلاق، لقد صار الشعر على أيديهم فاقدًا للمعنى والوزن والقافية، واقترب في حالات كثيرة من الهلوسات والبهلوانيات، وهم في هذا إنما يقلدون بعض الشعراء الغربيين كعادتهم فيما يأتون وفيما يدعون، وهو سلوك كثير من المهزومين عسكريّا وسياسيّا واقتصاديّا، والمهزومين قبل هذا هزيمة نفسية وهي الهزيمة الفاصلة والحاسمة، فإذا اعترضت بأن هذا ليس بشعر؟! أجابوك بأن الشعر لم يخلق ليقول شيئًا؛ بل يلعب الشعر بالكلمات وحسب، ومع هذا تراهم مغرمين غرامًا عجيبًا بإذاعة شعرهم، كما تراهم يتهافتون أشد التهافت ليكتبوا عنه وعنهم، وكثيرا ما نرى أولئك النقاد الخصوم الذين يزعمون أن لغة الشعر ليست التوصيل ولا التفصيل وهم يسحرون ويتصببون عرقًا في تفسير ما يقصده الشعر من معنى، وهذا أكبر دليل على عظم التدليس الذي ينتهجه الفريقان كلاهما في حديثهم عن فن الشعر.
أما في نصوص هذا الصنف من الشعراء التي ما زالت تقول شيئًا مفهومًا، فقد انحدرت في كثير من الأحيان إلى العدوان على قيمنا الخلقية والدينية التي نعتز بها كل الاعتزاز.
وهذا مثال على ما نقول وهو لأدونيس:
كنت في غرفتي البائسة في باريس
أحاول أن أجلس بلادي على ركبتي
لا لكي أعالجها كما فعل رامبو مع الجمال
بل لكي أتنشق رائحة خريف يستسر فيها
ولكي أقارنه بوجه الشاعر
وربما لكي أعلن حقوقا أخرى للإنسان
لا أزال أتردد في الجهل بها
طرق على الباب
لا سلاح لا شيء غير الكتب لا سلاح
من قال الحروف لا تحمل سلاحا
الواقع يشق جدل ماركس
وهي طبقة غيمة ضالة
وها هو الخيال يوشوشنا
أأشك في أننا آخر الأفق النباتي
وظني أنني حجارة تلقى في الماء رجمًا لشياطين التراب
غير أنني لا أزال منذ ما قبل الحادي عشر من أيول سنة ألفين وواحدة قبل الميلاد
أتعلم كيف ألون حبري بالرفت
وكيف أضع حيضي من النبوءات في جمعية الهواة
تحملها يمامة عاشقة
أذكر لم تكن القناديل تغار من الكواكب
كان الضوء صديقا لكل شيء
وكانت الألوهة بشرة الكون
ما أحوج شيخوخة كلامي إلى طفولة الأبجدية
إلى ذلك الوقت يجلس الموت باكيا
يمسح دموعه بأجساد الموتى.
وهنا نأتي إلى نهاية الدرس.
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.