الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة
والنوع الأخير من دراسات المصادر هو ما يكون أدب شعب ما، وبيان وجوه تأثره بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة، كما فعل الباحثان "توكر" و"مجنوس" في شرح علاقات الأدب الإنجليزي بالآداب الأخرى، وكما فعل دو بي في بحثه علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني.
ومِثلُ هذه الدراسات كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: قد تفقد شيئًا من الضبط، والتحديد والدقة، لسعة أطراف البحث فيها، وإلى حاجتها إلى اطلاع وإلى ثقافة قد يعي بهما مجهود باحث بمفرده؛ ولكنها حتى في رسم الخطوط الكبيرة في التأثير بوجه عام ذات أهمية كبيرة للباحثين ودارسي الأدب.
ثم إن الآداب المختلفة لا تتعرض للتأثير بآداب أجنبية بنسبة واحدة في كل العصور، فقد يبقى الأدب القومي لدولة ما مقطوع الصلة بغيره في عصر ما، ثم يجدد صلاته بالآداب المختلفة على حسب أحوال العصر لكل دولة، وتبعًا لنشاط رجالها الفكري والسياسي.
لقد ظل الأدب الفرنسي مثلًا يستمد من الآداب القديمة اللاتينية واليونانية، ومع ذلك طغى عليه في القرن السادس عشر تأثير الأدب الإيطالي حتى غلب على كل تأثير سواه، وقد اتسم القرن السابع عشر في فرنسا بغلبة تأثير الأدب الإسباني عليه، ولما جاء القرن الثامن عشر التجأ أدباؤه وجهة الأدب الإنجليزي أولًا، ثم وجهة الأدب الألماني في النصف الثاني من ذلك القرن وفي أوائل القرن التاسع عشر، أما في أواخره، فقد ظهر تأثير الأدب الروسي والأدب الأمريكي وبخاصة في مؤلفي القصص والمسارح.
ويُجمل الدكتور محمد غنيمي هلال مظاهر التأثر والتأثير العامة المتبادلة بين الأدبين العربي والفارسي، فيقول: إن أول مظهر لهذا التأثير يتمثل في الترجمة؛ سواء من الإيرانية القديمة للعربية منذ العباسيين، أو من العربية الفارسية بعد الفتح الإسلامي، على أن الترجمة من العربية إلى الفارسية كانت أعمق أثرًا في أدب الفرس بعد الفتح، إذ بفضلها وجد النثر الفارسي وتطور، واتبع في تطوره نفس المراحل التي مر بها النثر العربي.
وعلى رغم صعوبة تحديد نشأة النثر الفارسي بعد الإسلام؛ فإن أقدم ما وصل إلينا منه يرجع إلى عصر الدولة السامانية في أواخر القرن التاسع إلى أوائل القرن الحادي عشر، وقد اعتمد في نشأته على أصول عربية، مثل ترجمة (تفسير الطبري)، و (تاريخ الطبري).
ومن المقطوع به أن اللغة الفارسية ظلت حتى بعد الفتح الإسلامي لغة الكلام وكانت تنظم بها الأغاني والأقاصيص الشعبية ولكنها ارتقت إلى المكانة الأدبية بفضل احتذائها اللغة العربية في صورة الترجمة، ولا بد أن تكون هذه الترجمة قد سبقتها جهود عديدة لإغناء تلك اللغة، تمهيدًا لصعودها إلى المكانة الأدبية، ومن هذه الجهود ما اعتمد قطعًا على شروح النصوص القرآنية والدينية أول العهد بالإسلام، وهي نصوص تتناول كثيرًا من شئون الحياة السياسية والمدنية.
وسند ذلك ما يحيكه المؤلف الفارسي أبو جعفر المرشخي في كتابه (تاريخ بُخارى)، عن أهل تلك المدينة من أنهم كانوا في أول العهد بالإسلام يقرؤون القرآن في ترجمته الفارسية، وكانت تلك القراءة تتبع حتمًا شروطًا وتعليقات لفهم معاني النصوص الأصلية، ولا يتأثر ذلك بدون إدخال كثير من الألفاظ العربية والمعاني التجريدية والصور الدينية، مما ترتب عليه حتمًا إغناء تلك المواد في أول عهدها بممارسات مثل تلك الموضوعات.
ويظهر ذلك الجهد واضحًا في ترجمة الوزير الساماني أبي علي محمد البلعمي لتاريخ الطبري في أواخر القرن العاشر الميلادي، متصرفًا على حسب حاجته وما يراه، ولا أدل على ذلك من قول البلعمي في مقدمته لترجمته الكتاب إلى الفارسية، إذ قال: لما وجدت ذلك الكتاب يحتوي على كثير من الحكم والأمثال، وعلى شرح آيات قرآنية وأشعار جميلة، وعلى سير الأنبياء والملوك، اجتهدت في ترجمته إلى اللغة الفارسية طالبًا من الله العون.
وبهذه الترجمة تحقق للغة الفارسية أسلوب الأدب النثري كما قال الدكتور هلال، وأسلوب بلعمي في ترجمته سهل خال من الحلية اللفظية إلا ما ندر من سرش وإلا ما يذكر أحيانًا من جمل أو من مفردات تتوالى على معنًا واحد، محاكاة للأسلوب العربي.
ونسبة الألفاظ العربية في هذه الترجمة ضئيلة تتفاوت ما بين ثلاث في المائة وخمسة وعشرين في المائة، وتكثر في الاصطلاحات والتعبيرات الدينية والكلمات التجريدية، وقلما تكون الألفاظ العربية في هذه الترجمة أسماء لأشياء محسة.
وبالترجمة أيضًا ظهر النثر الفني الفارسي، وذلك بترجمة أبي المعالي نصر الله لـ"كليلة ودمنة" من العربية لابن المقفع إلى الفارسية، حوالي عام خمسمائة وتسعة وثلاثين هجرية، وقد تصرف أبو المعالي في ترجمته تصرفًا خلق في لغته النثر الفني بخصائصه العربية.
وقد وصل هذا التأثير العربي أقصاه في العناية بالحلية اللفظية والسجع، بترجمة "الجربذقاني" كتاب (يمين الدولة) لأبي نصر محمد بن عبد الجبار العتبي إلى الفارسية عام أربعمائة واثنين وثمانين للهجرة.
وزادت نسبة الألفاظ العربية في الأصول فتراوحت في هذه المرحلة ما بين ثمانين وخمسين في المائة، حتى كادت تكون الكلمات عربية مرتبة على حسب قواعد النحو الفارسي، بل إن النحو نفسه لم يسلم من التأثير العربي، ومظهر ذلك حذف الفعل في بعض الجمل الفارسي أو تقديمه أو خلق الفعل المبني للمجهول على غرار ما في العربية وكذلك استعمال الحال كما في النحو العربي. وقد تم ذلك كله بفضل من يجيدون اللسانين العربي والفارسية.
وبفضل الترجمة على اختلاف صورها، تبادلت اللغتان التأثيرات فيما بينهما سواء في الأدب النثري أو التاريخ، أو المقامة، أو القصة على لسان الحيوان كما هو معروف.
ومن ذلك أيضًا أدب الحكمة والسلوك وهي حكم الملوك أو وصايا العظماء، أو حكايات خلقية عامة تمت بصلة إلى السياسة، وقد كثرت الكتب في هذه الموضوعات في الأدب العربي في العصر العباسي ومتأثرة بأدب النصائح الإيرانية، وكان هذا الضرب من الأدب قد لقي رواجًا كبيرًا في اللغة "البهلوية" في آخر العصر "الساساني".
وقد تكون لذلك صلة بنبوغ كثير من مسلمي إيران في القصص والمواعظ العربية ممن كانوا يجيدون اللغتين فيما يروي الجاحظ، مثل: الخطباء القاصين من أسرة الرقاشي، وكانوا خطباء الأكاسرة، ثم نبغوا في العربية نبوغهم في الفارسية، ومثل موسى الأسواري.
ولا شك أن هؤلاء كانوا ينتفعون في قصصهم ومواعظهم بثقافتهم الإيرانية؛ مما سوغ قول بعض متقدمي المسلمين من ذوي الميول الإيرانية فيما يروي الجاحظ: "من احتاج إلى العقل والأدب والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والألفاظ الكريمة
والمعاني الشريفة فلينظر إلى سير الملوك". أي كتب تاريخ الملوك الإيرانية وكتب "الشاهنامه" وهي تفيض بهذه الحكايات والنصائح ذات الطابع التاريخي، مما جعل بلعمي يعتقد أن الأخلاق هي لب التاريخ وجوهره، ومثالها ما كان في كتاب (التاج) لابن المقفع، وهو مفقود الآن، وقد بقيت لنا منه شواهد ساقها ابن قتيبة في عيون الآخبار في مواضع متفرقة كما بقي لنا منه شاهدان آخران في كتاب (تاريخ البيهقي) كما يذكر الأستاذ الدكتور محمد غنيمي هلال.
وكثير من هذه النصائح كان يساق في صورة توقيعات، وهي العبارات والجمل التي كان يُذيل بها الخلفاء والوزراء، ما يرفع إليهم من رقاع، فكانوا يوقعون عليها بإمضائها أو بإهمالها ومن هنا جاءت كلمت توقيع، وهي أن يكتب الشخص منا اسمه تحت الوثيقة أو تحت الرسالة أو ما إلى ذلك. ولكن التوقيعات في العصر العباسي لم تكن تقتصر على أن يكتب الخليفة أو الوزير اسمه أو يضع إمضاءه تحت الرسالة، وإنما يوقعها بمعنى يكتب تحتها عبارة أو جملة تُفيد موقفه مما جاء فيها.
والتوقيعات بهذا النحو من تقاليد الفرس القدماء، ومن ذلك ما يرويه ابن قتيبة من أن "آنوشروان" كان إذا ولَّى رجلًا أمر الكتاب أن يترك في العهد موضع أربعة أسطر؛ ليوقع فيه بخطه، فإذا أوتي بالعهد وقع فيه مثلًا:"أسِسْ خيار الناس بالمحبة، وامزج العامة الرغبة بالرهبة، سُس سفلة الناس بالإخافة". وعلى هذا النحو جرت عادت حكام العرب في توقيعاتهم، وهم متأثرون في ذلك بحكام إيران. ومن حكام العرب من نقل بعض هذه التوقيعات الإيرانية فترجمها كما هي إلى العربية.
وفي الرسالة "المعزولة إلى تنس رئيس الكهنة في عهد "أردشير" طائفة من هذه النصائح تذكر بناظرتها في الأدب العربي مما عزي إلى "بزرج هر"
ومن هذه النصائح الباقية من الأدب الدهلوي النصائح المعزوة إلى "آزرباز مهر سندان" رئيس الكهنة رعاية الشهبور الثاني في القرن الرابع الميلادي، وكذلك نصائح الحكيم "أشنر"، وهو شخصية أسطورية قديمة، ثم نصائح الخسرو الأول.
وكتاب ابن مسكويه في العربية صورة لهذه النصائح والوصايا الإيرانية، ولا شك أن لهذه النصائح صلة بالكتب العربية المؤلفة في المواعظ والآداب والحكم التي أوردها النديم في الفهرست.
وقد أثر الأدب الإيراني القديم والأدب العربي معًا في أدب الحكمة عند الفرس بعد الفتح، مما نراه في بعض أشعار "الشاهنامه" للفردوسي وفي "قابوس نامه" الذي ألفه "كيكاوس بن إسكندر بن وشم كير" المعروف بعنصر المعالي، وسياسة ناما لنظام الملك، وما إليها وإنما راج هذا الجنس الأدبي لدى العرب بتأثير الإيرانيين القدماء ثم لدى الفرس من المسلمين فيما بعد؛ لأن النصائح فيه عملية غير فلسفية ولها مساس بشئون الحياة اليومية، فهي أقرب إلى طبيعة العرب الأولى التي كانت لا تميل فطريًّا إلى التعمق في النظريات.
ثم إن هذه الحكم مسوقة في أصلها مباشرة من غير قرائن مسرحية أو ملحمية طويلة، وهذا طابع شرقي للحكم ومخالف للطابع اليوناني، وهذا مما يضعف احتمال تأثير اليونانيين في هذا الجنس الأدبي.
وأما الرسائل الديوانية والرسائل الإخوانية بأسلوبهما الأدبي وتقاليدهما؛ فتأثير العربية فيهما أوضح وأظهر، كما يتضح ذلك بالنظر إلى الرسائل التي جمعها وألفها بهاء الدين محمد بن مؤيد البغدادي المتوفى أواخر القرن السادس الهجري في كتابه المسمى (التوسل إلى الترسل) تلك هي أهم الأجناس الأدبية النثرية.
أما أجناس الأدب الشعري: فمنها ما يخص الحوار، والوقوف على الأطلال، وكذلك ما يخص أوزان الشعر، ويكتفي الدكتور محمد غنيمي هلال بأن يضيف أن القصيدة الغنائية في الفارسية سارت على نظام تتطورها في العربية؛ فكان الغزل فيها تابعًا للمدح، ثم صار الغزل جنس أدبيًّا مستقلًّا، ثم وُجد الغزل الصوفي.
والشعر القصصي في القصص الطويلة انفردت به الفارسية بوصفه جنسًا أدبيًّا مستقلًا؛ ولكن الأدب العربي أثر فيه في موضوعاته الدينية، كقصة "يوسف وزليخة"، أو موضوعاته الفلسفية الدينية كقصة "ليلى والمجنون"، أو في التيارات الفكرية الفلسفية التي غزته بتأثير الدين الإسلامي.
ومعلوم أن أدبنا الحديث اتصل بالآداب الكبرى العالمية وتأثر بها صنوف من التأثير، وينبغي للباحثين أن يقبلوا على دراسة هذه الألوان، وهو باب يجب على الدراسين المقارنين أن يقتحموه وأن يتخذوا من ميادينه موضوعات لدراساتهم المقارنية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.