المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تعريف النموذج لغة واصطلاحا - الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مفهوم الأدب المقارن من خلال المعالم التاريخية والرؤى النقدية

- ‌نشأة مفهوم الأدب المقارن، وما يشمله

- ‌مفهوم الأدب المقارن من خلال الرؤى النقدية

- ‌هل يعد نشوء علم الأدب المقارن في القرن التاسع عشر مفارقةً

- ‌الدرس: 2 بحوث الأدب المقارن ومجالاته

- ‌(بحوث الأدب المقارن

- ‌دراسة جوانب التأثر والتأثير في النماذج الاجتماعية والإنسانية

- ‌الشروط التي يجب توافرها فيمن يبحث في الأدب المقارن

- ‌موضوع الترجمة والمترجمين وكتب الرحلات في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 3 العلاقات الأدبية العالمية ظاهرة تاريخية

- ‌معنى العالمية، وارتباطها بالأدب المقارن

- ‌ما ينبغي أن يصنعه المقارن الأدبي في ضوء الاعتبارات

- ‌خصوصية الأدب القومي، وعلاقة ذلك بالأدب المقارن

- ‌الشعر والقصص

- ‌الدرس: 4 مباحث ومشكلات في ساحة الأدب المقارن في العالم العربي

- ‌دراسة كتاب (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي مقدمة وتطبيق)

- ‌طول القصائد وقصرها بين الشعر العربي ونظيره الفارسي

- ‌التأثر والتأثير الذي تشترطه المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن

- ‌الدرس: 5 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌تعريف الملحمة، وملحمة المهابهاراتا الهندية

- ‌ملحمة "الإلياذة" وملحمة "الأوديسا

- ‌ملحمة (الإنياذة) وملحمة (الكوميديا الإلهية) و (رسالة الغفران)

- ‌هل يوجد في الأدب العربي ما يسمى بالملاحم

- ‌الدرس: 6 الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية

- ‌التعريف بأحمد شوقي، وبمسرحياته، وتحليلها

- ‌مآخذ النقاد على إبداعات شوقي

- ‌الدرس: 7 مسرحية كليوباترا بين شوقي والآداب العالمية

- ‌قصة مسرحية كيلوباترا، وظروف تأليف شوقي لها

- ‌(مسرحية كيلوباترا) بين شكسبير وأحمد شوقي

- ‌الدرس: 8 ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب العربي

- ‌ليلى والمجنون في الأدب الفارسي

- ‌ليلى والمجنون في الآداب الإسلامية الأخرى

- ‌الدرس: 9 عزيز أباظة ومسرحه الشعري

- ‌حياة عزيز أباظة، وما ألفه من مسرحيات

- ‌مسرح عزيز أباظة الشعري، وآراء النقاد في مسرحياته

- ‌المقارنة بين مسرحية أباظة وما يناظرها في المسرح الأوربي

- ‌الدرس: 10 قصص الحيوان

- ‌مفهوم قصة الحيوان

- ‌كتاب (كليلة ودمنة) وأثره في الأدب العربي والآداب العالمية

- ‌جهد لافونتين في فن الخرافة، وصياغة أحمد شوقي لقصص الخرافات

- ‌الدرس: 11 أجناس الأدب النثرية

- ‌القصة، والملحمة

- ‌المقامة، وتأثيرها في الأدب الأوربي

- ‌الدرس: 12 تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزوابع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي

- ‌تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)

- ‌قصة (حي بن يقظان) وتأثيرها في الأدب العالمي

- ‌أوجه الاتفاق والتباين بين قصة (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو)

- ‌الدرس: 13 التاريخ ذو الطابع الأدبي

- ‌تعريف علم التاريخ، وأهم الأمور التي يهتم بها

- ‌منهج كتابة التاريخ الإسلامي

- ‌الدرس: 14 الصياغة الفنية التابعة للأجناس الأدبية

- ‌الصياغة الفنية للموشحات والأزجال

- ‌التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية وأهميتها في الدراسات الأدبية المقارنة

- ‌الدرس: 15 المواقف الأدبية

- ‌تعريف مصطلح "موقف" لغة واصطلاحًا

- ‌مثال في باب الموازنات الأدبية لا المقارنات، للتمييز بين الموقف والموضوع

- ‌الدكتور محمد غنيمي هلال يوضح معنى الموقف بصورة أوسع

- ‌خلاصة الموضوع عند غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن)

- ‌الدرس: 16 المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس" و"أديب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "عطيل" و"عدو الشعب

- ‌المواقف الأدبية في مسرحيتي "فوست" و"أوديب

- ‌الدرس: 17 النماذج الأدبية

- ‌تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا

- ‌بعض النماذج الإنسانية المستمدة من الأدب العربي

- ‌الدرس: 18 بعض النماذج الإنسانية العربية

- ‌شخصية عنترة العبسي

- ‌شخصية مجنون ليلى

- ‌الدرس: 19 تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب

- ‌أمثلة تأثر الآداب المختلفة بعضها ببعض، مع توضيح عوامل التأتثر

- ‌دور الأدب في تسجيل مشاعر الأمة وآرائها

- ‌الدرس: 20 المصادر واتصالها بالأدب المقارن

- ‌النواحي الشخصية للكاتب، واكتشاف عناصر مقوماته وتكوينه

- ‌تتعدد أنواع البحوث في المصادر على حسب موضوعاتها

- ‌البحث عن مصادر الكاتب في الآداب المختلفة، وأمثلة على ذلك

- ‌تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة

- ‌الدرس: 21 المذاهب الأدبية بين الشرق والغرب - دراسة مقارنة

- ‌الكلاسيكية

- ‌الرومانسية

- ‌الواقعية

- ‌الرمزية

- ‌السريالية

- ‌الدرس: 22 الصلة بين الأدب العربي والآداب الأخرى

- ‌جنس الملحمة

- ‌فن المقامة

- ‌ألف ليلة وليلة والموشحات

- ‌الشعر الغنائي

- ‌بعض مظاهر التأثير والتأثر بين كل من الأدب العربي والآداب الأخرى

الفصل: ‌تعريف النموذج لغة واصطلاحا

بسم الله الرحيم الرحيم

الدرس السابع عشر

(النماذج الأدبية)

‌تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا

النماذج الأدبية.

والنماذج جمع نموذج، والنموذج هو: المثال الذي يعمل عليه الشيء، فهو إذن المرجع الذي يقاس عليه ما هو من جنسه.

فنموذج الكتاب مثلًا: هو الصورة الصحيحة لما ينبغي أن يكون عليه الكتاب، بحيث يرجع إليها كل من يريد تألف كتاب؛ ليرى كيفَ يُؤلف كتابه، وليس شرطًا أن يرجع إليه رجوعًا فعليًّا، بحيث يضعه أما عينيه ويتملاه في كل مرة يُفكر في تأليف كتاب، بل يمكن أن يرجع إليه اعتباريًّا، بمعنى أن يحفظ في ذهنه صورته، ويقيس عليها في عالم الفكر ما يريد قياسه، وهكذا.

ومن تلك النماذج نموذج "البخيل" أو نموذج "البغي المظلومة" التي تُعَدّ ضحية المجتمع وأوضاعه المنحرفة في رأي بعض الناس، ونموذج "البطل الأسطوري الإغريقي""برومستس" رمز العناء البشري الذي لا ينتهي، والذي كُلّما ظن صاحبه أنه قاب قوسين أو أدنى من التخلص منه، عاد فتجدد عذابه ليقاسيه من البداية، وكأنه لم ينل كفايته، وما فوق كفايته من العناء والمقاساة.

وهناك كذلك نموذج "يوسف" و"زليخة" اللذان يرمزان على الترتيب العِفّة والتّمَاسُك، والصّبر على ما يترتب على تلك العفة وهذا التماسك من معاناة شديدة، وإلى الشهوة والإغراء المندفع من جهة أخرى.

ولدينا أيضًا نموذج "شَهرزاد" رمز الذكاء الأنثوي، ورباطة الجأش والتحيل للخروج من المأزق الماثل العتيد دون أن تخسر صاحبته شيئًا، بل تكسب كل شيء وتنتصر على الشر والخطر الجائح.

ص: 453

وكذلك نموذج ليلى والمجنون رمز الحب المحروم، والعذاب الذي يصطليه المحب، ولا يُفَرّط رغم ذلك في محبوبه، بَل يَجِدُ نفسه في هذا الحرمان وذلك العذاب.

وهناك كذلك نماذج أدبية إنسانية، ومنها: نماذج الشعوب أو السلالات البشرية كالفرنسي والإنجليزي والمصري والمغربي، ونماذج المهن والوظائف والمراكز، مثل: الحَبر ومثل: القسيس، والشيخ، والعامل، والفلاح، والمعلم، والطبيب، والمحامي، والتاجر، وحفار القبور، والشرطي، والطاغية، والمخبر، والجاسوس، والبغي، واللص، وقاطع الطريق، والمرابي.

ونماذج الأخلاق: كالرجل الفظ، والرجل "الجنتل مان"، والمخنث. ونماذج المشوهين مثل: الأعمى، والمجنون، والمعتوه، والأحدب، والكسيح، والمقامر، والسكير، ومدمن المخدرات.

والدارس المُقَارِن يدرس هذه الشخصيات في مختلف الآداب، ويتأتى ذلك عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رآها الأدباء في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض، أو رَدّ بعضهم على بعض، من ذلك "الفلاح" الذي تناوله عددٌ كبير من الأدباء، وصوروا حياته وأعماله وآلامه ومعاناته.

وقد تأثر الكثير من الأدباء المصريين والعرب بالأدب الروسي في تصويره للفلاح المصري، كذلك يمكن أن ندرس جوانب التأثير والتأثر بين الكتاب الذين تناولوا شخصية "البغي" إذ اختلفت صورتها باختلاف الكتاب؛ فبعضهم عدّها امرأة فاضلة بل قدمها في صورة ملاك يعطي دون أي مقابل، مما لا يفعله الكثير ممن يتشدقون بالأخلاق

ص: 454

الفاضلة، ولعل خير مثال على ذلك مسرحية "غادة الكاميليا" للكاتب الفرنسي "أليكسندر دوماس" التي عرّبها المنفلوطي بعنوان الضحية، وضمنها كتابه (العبرات).

وكذلك شخصية "نور" في رواية اللص والكلاب، وشخصية "لولا" في "السمان والخريف" لنجيب محفوظ. كذلك صور بعض الكتاب المومس في صورة ضحية مغلوبة على أمرها، ولا ذنب لها في سقوطها، بل المسئول عن ذلك هو المجتمع، الذي قد يكون دفعها إلى الرذيلة أو الهاوية دفعًا، وبعض ثالث عدها آفة اجتماعية لا سبيل إلى إصلاحها، بل هي خطر داهم على المجتمع الذي تعيش فيه.

وكان لمسرحية "غادة الكاميليا" أثر كبير على الكتاب العرب، الذين تناولوا شخصية المومس الفاضلة، ومنهم نجيب حداد الذي قلد الرواية الفرنسية شكلًا وموضوعًا، وخاصة في "إيفون مونار" أو حواء الجديدة التي تدور حول فكرة رد اعتبار العاهرة، وليس نجيب حداد بالغريب عن الرواية الفرنسية؛ فقد قرأها وترجم جزءًا منها، وبذلك يُعَد أول من تطرق لموضوع الدفاع عن البغي في الأدب العربي الحديث.

ويقول الدكتور محمد غنمي هلال في كتابه (الأدب المُقارن) إن الكاتب قد يَقُوم بتصوير نَموذج لإنسانٍ تَتمثّل فيه مجموعة من الفضائل، أو من العواطف المختلفة التي كانت من قبل في عالم التجريد، أو مُتفرقة في مختلف الأشخاص، وينفث الكاتب في نموذج من الفتنة ما يخلق من في الأدب مثالًا ينبض بالحياة، وطبيعي -كما يقول الدكتور هلال- أنّ الأدب المقارن لا يحفل بدراسة هذه النماذج إلا إذا صارت عالمية؛ فانتقلت من أدب إلى آخر، وقد تحتفظ في انتقالها ببعض

ص: 455

خصائص كانت لها في الأدب الذي نشأت فيه، وتكتسب مع ذلك خصائص أخرى تبعد بها قليلًا أو كثيرًا عن منشأها الأول.

ويقول الدكتور هلال، عن النماذج الإنسانية العامة: إن الباحث عندما يدرسها يتعرض للكشف عن الوسائل الفنية، التي صور بها الكتاب في آداب المختلفة نموذجًا إنسانيًّا عامًّا في المسرحيات أو القصص، أو الشعر، ومثل هذه النماذج لا تعد في الأدب المقارن إلا إذا انتقلت تاريخيًّا من أدب إلى أدب.

ومن هذه النماذج الإنسانية العامة نموذج "البخيل" ويبدو أن الشاعر "ميناندر" كانت له مسرحية في ذلك النموذج لم تصل إلينا، حاكاها الشاعر الرُّوماني "بلوتس" في مسرحيته بعنوان "اللوراليا" أو وعاء الذهب، وبها تأثر "موليير" في مسرحيته الشهيرة "البخيل" التي يصور فيها المسرحي الفرنسي شخصية "أرباجون" نموذج الإنسانية للبخل، وتعمق في تصويره أكثر مما فعل "بلوتوس".

وتوالت بعد ذلك المسرحيات في الآداب الأوربية، تصور نموذج البخيل وأشهرها مسرحية الشاعر الإيطالي "جولدوني" وعنوانها:"البخيل" وهي ملهاة من فصل واحد، وفيها يرفض "البخيل""أنبوجيو" تزويج ابنة زوجته ممن تحبه بخلًا بجهازها، فيقبل الفتى زواجها دون مال، على شرط أن يوصي "أنبوجيو" لها بكل ما يملك.

ص: 456

وللمؤلف ملهاة أخرى عنوانها: "البخيل المتبرج" وفيها يُصور نموذج البخيل الذي يظهر بمظهر المسرف، ليفوز بزيجة غنية فيبوء بالفشل، ولنفس المؤلف ملهاة ثالثة بعنوان:"البخيل الغيور" وفيها يسبب البخيل آلامًا جسيمة لامرأته الفاضلة التي يحبها، ويكتشف أن حب المال سبب بؤسه، ولكنه لا يستطيع أن يقلع عن آفته التي يشقى بها.

ومن النماذج الإنسانية العامة التي ذكرها الدكتور هلال كذلك نموذج الشخص الآثم في سلوكه حين يخلص في حبه؛ فيكون حبه بمثابة التكفير عن سيئاته السالفة، إذ يُصْبِح ذلك الحب سبيلًا لإظهار الفَضَائِل التي طغت عليها شرور المجتمع، ونظمه الظالمة، وتِلك قضية "رومانتيكية" عامة يقصد "الرومانتيكي" بها إعذار الفرد فيما يرتبك من آثام، إذا دفعته شرور المجتمع إلى ارتكابها.

وقد بَلَغ النّموذج ذورته الفنية لدى "الإسكندر دوما" الابن في قصته "غادة الكاميليا" ثم في مسرحيته التي تحمل نفس الاسم؛ فصار نموذجًا أوربيًّا عامًّا، حاكاه المؤلفون في المسرحيات التمثيلية، والمسرحيات الغنائية.

وقد ظلت القضية رومانتيكة في مسرحية "الإسكندر دوما" السابقة، على الرغم من طابعها الواقعي في تصوير العادات والتقاليد، وفي التعمق في جوانب الواقع الأليم، وفي الشعر الغنائي كذلك نماذج لبغايا تستثيره العطف؛ لأنهن سقطن ضحايا البؤس والفقر كما يقول "ألفريد ديموسيه" يصف بؤس واحدة من هؤلاء: "أيها الفقر أيها الفقر، انظر لقد أقامت الصلاة قبل نومها هذا المساء، وما ادعت يا إلهي العظيم، وهذه هي تحت ستائر العار، في هذا المأوى المفزع، وفي سرير الضعف تعطي أمها حين تعود إلى مسكنها ما كسبته هناك، ولا ترثين لها أنتن

ص: 457

يا نساء المجتمعات، أنتن في سرور الحياة ترتعن أعظم ارتياع من كل من ليسوا في السرور والثراء مثلكن، ولا ترثين لها أنتن يا ربات الأسر

إلى آخره".

وإلى شعرنا الحديث انتقلت النزعة "الرومانتيكية" في تقديم البغايا في صور ضحايا المجتمع، وأنهن أهل للعطف والرثاء، ومن شعرائنا المتأثرين بهذه النزعة: صالح جودت في قصدية "الهيكل المستباح" وفيها يرى المجتمع الظالم في نظمها قد ألجأ هذه المسكينة إلى سلوك ذلك الطريق الوعر الشائك، فهي تعاني ما كان يعانيه من قبل الأرقاء في سوق الأعراض المستباحة، يتردد لصوص الشرف على مخدعها، ثم يمضون دون عقاب: "كم سروق نال منها جانبًا ومضى

ما أعجب اللص الطريق".

أما النماذج البشرية المأخوذة من الأساطير القديمة، وهي لون آخر من النماذج البشرية في الآداب العالمية؛ فيقول الدكتور هلال: إن الكاتب يختار منها ما يتسع للتأويل الخصب، وما تحول معناه إلى رمز فلسفي أو اجتماعي، وتتنوع هذه المعاني عادة على حسب العصور المختلفة، وما تتطلبه من كتابها من آراء ومثل. وقد كثرت المسرحيات في شخصية "أوديبوس" في مختلف الآداب على توال العصور.

ومن هذه الشخصيات كذلك نموذج "بج ماليون" وهو فنان قبرص هام بجمال تمثال من صنعه؛ فرجا "أفروديت" أن يتزوج من امرأة تشبه التمثال ففعلت أكثر من ذلك، إذ وهبت التمثال نفسه الحياة عقابًا له على إعراضه عن الزواج، ويرمز هذا إلى هيام الفنان بخلقه الفني، وأول من تحدث عنه في الأدب هو

ص: 458

"أوفيت" الروماني في قصصه عن المسخ، ثم تناوله الشعراء والكتاب مختلفي الآداب، وخاصة من بريطانيا منذ الشاعر الإنجليزي "جون مارستون" في قصيدته:"نفخ الروح في صورة بج ماليون" ثم في ملهاة "وليام جولبرت" التي عنوانها "بج ماليون" وقد نشرت لأول مرة عام ألف وتسعمائة واثني عشر في لندن.

وتأثر الأستاذ توفيق الحكيم بالأسطورة اليونانية، وأول ما لفت نظره إليها كما يحكي هو لوحة شاهدها في متحف اللوفر بباريس، ثم عاد تذكيره بها فيلم عرض في القاهرة عن "بج ماليون" على حسب مسرحية "برنانتشو".

وفي المسرحية نرى جلالتها وهي رمز للخلق الفني الذي يهيم به خالقه أولًا، لا تلبث بعد أن ينفث فيه الإله الروح، أن تصبح رمزًا للمرأة في غرائزها الحيوية، التي تدفع إلى تفضيل الرجل على الفنان مشتغل عنها بفنه؛ فتهرب مع "مرسيس" المدلل المعجب بنفسه، ثم تثوب إلى رشدها، وتفيء إلى زوجها الفنان "بج ماليون" تستغفره عما فعلت، وتقر بعظمته التي تفوق -استغفر الله- عظمة الآلهة؛ لأنهم يخلقون الناس المشوبين بأنواع الضعف والقبح؛ في حين يخلق هو الجمال الخالد، وتقوم على خدمته كما تفعل الزوجات.

ولكن "بج ماليون" الفنان ينفر منها حين يراها تزاول أعمال البيت، وتحمل المكنسة؛ فتبعد بعملها عن شغلتها المثالية التي سمت بها في ذهنه، حين كانت تمثل الجمال الخالص، ويثور الفنان على رؤية المرأة في صورتها الواقعية؛ فيدعو الإله أن يَرُدّها تمثالًا عاجيًّا كما كانت، ثم ينهال عليها بالمكنسة، وأكبر الظن أن "بج ماليون" لم يُحطم تماثله لخيبة أمله المزعومة في المرأة فحسب، بل انتقامًا كذلك من التمثال الذي حرك بجماله غرائز الحياة في نفسه، فجعله يشتهي المرأة.

ص: 459

ومن أهم هذه النماذج التي صدرت عن الأساطير اليونانية نموذج "برومسيوس" أو الفطن الذكي، وأصله في الأساطير اليونانية إله من آلهة النار، وهب الناس النار على الرغم من "سايوس" كبير الآلهة، فأقصي عن مملكة السماء وخلفه فيها "يفستوس" الذي فوض إليه أمر عقابه على جبل القوقاز، حيث صلب.

ويتحدث عنه "هزل" في قصيدته "الأعمال والأيام" على أنه الرحيم الذي يرعى الناس، ويرى فيه أفلاطون في " بيتاجواس " أو "فيثاغورث" أنه أب لكل الأجناس البشرية، وفي هذا تقرب شخصيته من آدم أبي البشر في الديانات السماوية.

وأقدم من عالج الموضوع في المسرحيات الشاعر اليوناني "أسخيدوس" في مسرحيته "بروسيوس" في القيد و"جوميوس" الطليق وفيهما يفخر بما فعله من خير في سبيل إسعاد جنس البشر المسكين البائس، ويأبى الخضوع "لذي زايوس" ورسله. ومن أشهر من عالجوا الموضوع بعده "جوته" في مسرحيته التي لم تكتمل وعنوانها:"برومسيور".

ومن أحدث من تناولوا تصوير الشخصية "برومسيوس" وحوروا فيها تحويرًا كبيرًا "أندريه جيد" في ملهاته الهجائية عن "برومسيوس" وفيها ترى "برمسيوس" رجلًا عصريًّا على منضدة في قهوة في باريس، بجانب "كوكليه" و"داموكليه" وأحد هذين الضحية لثري من أرباب المصارف المالية، غامضٌ في سلوكه، واسمه "زايوس" والآخر مدين "لزايوس" بالجميل.

وفي أدبنا العربي صدى لهذه الشخصية بالشعر الغنائي إذ يتخذه المرحوم أبو القاسم الشابي في ديوانه "أغاني الحياة" رمزًا للشاعر المتعالي بآلامه، الصُّلب الذي لا يلين:

ص: 460

سأعيش رغم الداء والإعياء

كالنسر فوق القمة الشماء

أما النماذج الدينية المصدر؛ فهي المأخوذة عن الكتب المقدسة، وغالبًا ما يَبْعُد بها الكتاب أو الشعراء قليلًا أو كثيرًا عن مصادرها، وطبيعي أننا لا نحفل هُنا إلا بالشخصيات العالمية، أي: التي انتقلت من أدب أمة إلى أدب أمة أخرى، كي تجد طريقها إلى الدراسات المقارنة.

ومن النماذج التي كان لها حظ كبير في الأدب الحديث شخصية "الشيطان" وقد ابتعدت هذه الشخصية كثيرًا عن مصدرها الديني -كما يقول الدكتور هلال- حين انتقلت إلى ميدان الأدب وخاصة على يد "الرومانتيكيين" ورائد "الرومانتيكيين" الأول في هذا الباب هو الشاعر الإنجليزي "ميلتون".

ويرى المحاضر الذي يحدثكم الآن: أنّ شخصية الشيطان في الآداب العالمية إنما تدين في وجودها للقرآن، فهو الكتاب الوحيد الذي حكا قصته وعصيانه وتمرده، والحجاج الذي ظهر بين الله سبحانه وبينه وظهر فيه كبره وغطرسته وكراهيته للجنس البشري، وأمر الله له بترك المنزلة التي كان فيها، وإبعاده إياه عن رحمته ولطفه.

ويضيف الدكتور هلال: أنّ السمات الشيطان في أدب "الرومانتيكين" جميعًا واضحة، إذ صوروه في صورة المتمرد الذي طرد قهرًا من عالم الخير، فدفعه اليأس إلى الإدمان على الشر، والشيطان عند "فيكتور هيجو" يمثل الإنسانية الطريدة البعيدة من الله، وينحصر كل عذابه في حبه لمن يبغضه، وفي أن الله هو النور والحب يفيض نوره على كل المخلوقات خيرًا ورحمة ونورًا. ويحسد بني آدم لأن في عيونهم الأمل، وفي قلوبهم الحب.

ص: 461

ولكن ما يسببه الشيطان من صراع بين الخير والشر، هو أساس ما يظفر به الإنسان من حرية وفوز، حتى ينتصر في الزمن البعيد الخير انتصارًا تامًّا، ويَظَلُّ النّهارُ لا ليل له؛ فيحمي ما في الشيطان من شر، ويُسامحه الله؛ ليُبعَثَ من جديد ملكًا سماويًّا.

ويتَجَلّى تأثير "الرومانتيكيين" العام في حديثهم عن الشيطان وتصويرهم إياه بالسمات التي ذكرناها، يتجلى تأثيرهم في قصيدة العقاد التي عنوانها:"ترجمة شيطان" وهي قصة شيطان ناشئ سئم حياة الشياطين، وتاب عن صناعة الإغواء لهوان الناس عليه، وتشابه الصالحين والظالمين عنده؛ فقبل الله هذه التوبة وأدخله الجنة، ومثل آخر لهذه الشخصيات الدينية يتمثل في قابيل أول قاتل على وجه الأرض، ومثال الساخط المتمرد الضائق الزرع بما لا يعرف له كنهًا في مسائل الخير والشر، ووجود الخلق.

وهو كذلك في أدب "الرومانتكيين" كما في مسرحية "بايون" التي عنوانها قابيل، وقد تأثر به الشاعر الفرنسي "البرناسي""لوكون ديليل" ثم الشاعر الرنجي "بودلير" وقد عَبّر عن مظاهر حيرة الإنسان، وثورته على ما يراه ظلمًا.

وإلى جانِب النماذج التي مرت هناك نماذج مصدرها أساطير شعبية، وكالعادة نرى الأدب المقارن لا يُعالِجُها إلا إذا كانت عالمية؛ فيتناولها كبار الكتاب في مختلف الآداب، وإلّا فإن الأدب المقارَن سَوفَ يَتخلى عنها للباحثين في الأدب الشعبي، والتقاليد الشعبية؛ فشخصية جحا -كما يرى الدكتور هلال- لم ترقَ

ص: 462

عندنا إلى مرتبة أدبية عالمية، في حين صار شخصية شهرزاد كذلك، ولكني أخالفه في هذا الأمر مخالفة شديدة على ما سوف يتضح فيما بعد.

ومن النماذج الإنسانية العامة كذلك: نموذج "فاوست" التي يتحدث عنها الدكتور هلال قائلًا: إنّ الأصلَ في شخصية "فاوست" أسطورة شعبية ألمانية، موجزها أن عالمًا كيميائيًّا يسمى "فاوست" ولد في أواخر القرن الخامس عشر وكان سكيرًا كسولًا، حياته غامضة عجيبة، على الرغم من وجوده تاريخيًّا، فقد حاكت الأساطير الشعبية كثيرًا من القصص غير المعقولة حوله، فزعمت أنه كانت له صلة قرابة بالشياطين، وأنه كان ساحرًا وله قدرة على مخاطبة الموتى، وقد وقع بدمه عقدًا مع الشيطان عاهده فيه أن يطيعه بشرط أن يرجع له الشيطان شبابه.

وقد كانت حياته الغامضة العجيبة، وموته المبكر من العوامل في ميلاد هذه الأساطير، تحكي بعض هذه الأساطير أن "فاوست" مات طريدًا من رحمة الله، وهي الأسطورة التي أخذ بها الشاعر الإنجليزي "مارلو" المعاصر "شكسبير" في مأساته التي صدرت عام ألف وستمائة وأربعة.

ولأسطورة "فاوست" نظير في أسطورة شرقية بطلها يسمى "توفيل" وقع عقدًا مع الشيطان ليُعيده إلى رتبة كنسية كان قد فصل منها، ولكنه لا يلبث أن يندم ويصلي أربعين يومًا وليلة؛ فتقبل توبته.

وقديمًا ارتقى الفردوسي بشخصية "رستم" إلى المكانة الأدبية "للشاهنامة" فقد صوره مخلصًا لوطنه لا تستهويه المطامع، له من آيات بطولته ما صار به مثلًا بين

ص: 463

معاصريه، ثُمّ يسوقه القدر أخيرًا إلى أن يلقى ابنه "صهرف" على غير علم منه في مبارزة حربية بينهما، وقد صور الفردوسي هذه المبارزة تصويرًا رائعًا.

ومن أبرز الشخصيات التي لقيت حظًّا فريدًا في الأدب شخصية "دونجوان" وقد مثلت اتجاهات مختلفة من حب طائش، إلى انصراف لمتع الحياة إلى قلق، ويطيل بنا الكلام لو فصلنا الكلام في ذلك، بل يضيق نطاق كلامنا عن سرد كل المسرحيات والقصص والأشعار التي كتبت عنه في مختلف الآداب الأوربية.

وقد كان دنجوان شقيًّا، يرجع شقاؤه إلى أنه جمع كثيرًا من الصفات التي يحسد عليها بوصفه رجلًا، وبها اندفع في طريق الشهوات، ولكنه كان يحتقر هذه الشهوات، ولا يجد سعادته في الانغماس فيها، فهو حائر لا يقر على قرار ولا يرضى عن نفسه.

وأما "موليير" فيصور "دونجوان" خداعًا للنساء؛ لكنه مع ذلك يحب الخير ويتصدق على الناس بالرغم من سخريته من المجتمع، وأما "جولدوني" فإن بطله داعر مستهتر لا يقيم للأخلاق وزنًا، ويرقى "بايون" بقيمة ذلك البطل، ويجعله حامل فلسفة؛ فهو ضد رياء المجتمع وتقاليده الظالمة، وداعية إلى الحب البريء الطليق. وهكذا تطور الموضوع تبعًا لاتجاهات الكتاب الذين عالجوه، وتبعًا لفلسفتهم في الحياة وميولهم الخلقية، والنزعات السائدة في عصرهم، ويسهل تأويل هذه الشخصيات مأخوذ من أساطير شعبية.

وإلى جانب ما مر عندنا أن النماذج المأخوذة عن شخصيات تاريخية، وذلك حين تدخل نطاق الأدب على يد العباقرة؛ فتصبح قوالب أفكار عامة اجتماعية وفلسفية، ونُشير هُنا مثلًا إلى شخصية ليلى وشخصية المجنون في الأدبين العربي والفارسي.

ص: 464

ومن الشخصيات التاريخية التي لقيت حظًّا فريدًا في الأدب شخصية "كليوباترا" فقد اهتم بها الكتاب والشعراء منذ العصور القديمة، وجعلوا منها مادة خصبة لأفكارهم وخيالهم، لأنها عاشت في فترة تاريخية خطيرة، وكان صراعها مع "اكتافيوس" متعاونة مع "أنطونيوس" متمثلًا لصراع حاسم؛ فكلا الفريقين لو انتصر لساد العالم، فكان هذا الصراع صراعًا بين الشرق والغرب، ولعبت فيه "كليوباترا" دورًا كبيرًا بجمالها.

ومن أشهر المسرحيات الفرنسية في الموضوع مسرحية: "لاشا بيل" وموضوعها موت كليوباترا، ثم مسرحية "كليوباترا" لـ"مار مونتل" ومسرحية أخرى بنفس العنوان لـ"ألكسندر سوميه" وقد مثلت على مسرح "الأدني" عام ألف وثمانمائة وأربعة وعشرين، وأكثر من صوروا هذه الشخصية في تلك الآداب، كانوا يرون في كليوباترا صورة للعقلية الشرقية في نظرهم، في مَيْلِها إلى لذة العيش ومتاعه، والانتصار بالخديعة لا بالجهد، وسلوك سبيل المكر والحيلة.

وطالما هاجموا الشرق فيها، وهاجموا المصرف القديم، وقد أراد شوقي أن يرد عليهم بالدفاع عن "كليوباترا" في مسرحيته "مصرع كليوباترا" التي سبق أن درسناها معًا، لا بوصفها ملكة بل بوصفها مصرية شرقية، فقد قدمها في صورة مخلصة لوطنها، تُؤثره على حبيبها وتحيا وتموت بمجد مصر، وهو ما خلفناه فيه؛ لأنها أولًا لم تكن مصرية، ولأنّها هي وأسرتها لم يكونوا بالحكام العادلين الذين يعاملون المصريين معاملة إنسانية، أو يهتمون بخيلهم ورفاهيتهم.

ونذكر أيضًا شخصية أول فيلسوفة مصرية "هيباتيا" التي شغلت الآداب الأوربية في عصور مُختلفة، وقد عاشت تلك الفيلسوفة في القرن الرابع الميلادي، في مدينة الإسكندرية،

ص: 465

وهي إغريقية الأصل، مصرية المولد والمنشأ، وكَانت رئيسة جامعة الإسكندرية القديمة، ومثال الكمال في جمالها وعلمها وخلقها، حتى ليقول عنها الفيلسوف "ددرو": إن الطبيعة لم تهب إنسانًا من العقل والحكمة والخلق ما وهبته لتلك الفتاة".

وكان موضوع "هيباتيا" منذ القديم مثارًا لدى المفكرين والمؤرخين ورجال الدين، ولكنه دخل ميدان الأدب للبحث منذ القرن الثامن عشر على يد "ددرو" و"فولتير" في فرنسا و"تولن" في إنجلترا، وقد ظفرت "هيباتيا" بتلك الحظوة لدى الأدباء على اختلاف نزعاتهم؛ لما كانت عليه من كمال الخلق، ونصيبها البشع على يد المسيحيين، ثم لعصرها التي عاشت فيه ذلك العصر الحافل بتلك المتناقضات.

لهذه الأسباب مجتمعة شتغلت "هيباتيا" المُفكرين والأدباء حتى القرن العشرين، وقد اختلفت ميول هؤلاء الكتاب في معالجة موضوعها، تبعًا لاختلاف طبائع الشعوب التي ينتمون إليها، ثم استجابتة منهم لنزعاتهم وميولهم الخاصة، فمنهم من حمل على رجال المسيحية، دون أن يحمل على المسيحية نفسها، بل فضلها على الفلسفية "الهيلينية" ونحا أكثر الكتاب غير هذا المنحى، فأثاروا مشكلات الدين، وصراعهم مع الفلسفة والعقل، وانتصروا للفلسفية اليونانية والهندية ضد المسيحية.

وقد رمى هؤلاء الكتاب جميعًا على اختلاف ميولهم ونزعاتهم إلى غاية واحدة هي: "البحث عن طريق تحرير الإنسانية وسعادتها، ونشر عدالة بين جميع أفرادها، مما تهدف إليه دائمًا ولا تصل إليه".

ص: 466