الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ليلى والمجنون في الآداب الإسلامية الأخرى
ثم يمضي موضحًا أن الأمر لم يقتصر على الأدب الفارسي، بل تجاوزه إلى سواه من الآداب الإسلامية الأخرى، فيقول:
أما الآداب الإسلامية الأخرى: الأدب التركي الإسلامي على سبيل المثال، فقد حاولت في بداية الأمر أن تقلد الفرس في نظم كبار شعرائهم لهذه القصة، إلا أن هذا التقليد لم يحجب روح الإبداع عن هؤلاء، فلقد حاول بعض الأتراك أن يجدد في القصة من حيث الشكل والمضمون، كما أن ما نظموه في ليلى والمجنون لا يعد قليلًا، أضف إلى ذلك أنه كان يتسم بالمقدرة على نسج تلك القصة، وتصويرها في شكل أدبي متقن، ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل وقفت قصة ليلى والمجنون عند حدود المبدعين من العرب والفرس والترك؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تنطلق من عمق الثقافة الإسلامية واتساع آدابها، وأعتقد أنه إذا ما خرجنا عن دائرة الآداب الإسلامية الثلاث العربية والفارسية والتركية، فسوف نتعرض لآداب إسلامية أخرى تزيد من الثقافة الإسلامية عمقًا، وتعطينا القدرة على فهم المجتمعات الإسلامية المتعددة.
ولعل الأدب الكردي الإسلامي من الآداب الإسلامية الكثيرة لا بد أنه يكتنه بداخله قصة ليلى والمجنون وغيرها من القصص المنسية؛ نظرًا للظروف السياسية، أو لربما لعدم معرفة بعض الدارسين لمثل هذه الثقافات المهمة، التي ما يلبث أن يتركها الباحثون المسلمون؛ حتى ينقض عليها باحثو الغرب؛ ليظهروا لأصحاب هذه الثقافات والآداب المنسية تناسي ذويهم من المسلمين لهم، أو ربما يظهرون لهم احتقار ذويهم لهم ولثقافاتهم، وقد ذكر الباحث في أحد هوامش بعض الأسماء الإسلامية، التي اهتمت بتلك الحكاية فقال: من الذين نظموا ليلى والمجنون من الفرس والترك نظام الكنجوي، وخسرو الدهلوي وعلي شيرنوائي وأحمدي، وغيرهم من كبار شعراء الفرس والترك.
وبالنسبة إلى الدوافع التي حدت به إلى وضع هذه الدراسة يقول: من هذا المنطلق كان اختياري لهذا الموضوع لأظهر أمام الباحثين طريقًا نسيه بعض الباحثين أو تناسوه، وهو طريق البحث في الأدب الكردي الإسلامي، ومن خلال قصة كبرى يعرفها جل الباحثين، فقد آثرت أن أبين مدى التقارب الشديد بين الترك والكرد على الرغم من وجود فجوات كثيرة بينهم، وذلك على الصعيد السياسي ثم يبين المنهج الذي سيتبعه في هذه الدراسة قائلًا: وقد آثرت كذلك أن أجعل هذه الدراسة بين أميرين كبيرين هما: أمير الشعر التركي فضول البغدادي في منظومته "ليلى والمجنون"، وأمير الشعر الكردي أحمدي خاني في منظومته "ميم وزيم"، إلا أنني فضلت تناول الموضوع من وجهة نظر نقدية حدثية، فعمدت إلى اختيار نظرية التناص السردي كأسلوب جديد لنقد العمل الأدبي؛ ولأن تطبيق هذه النظرية على ذلك العمل يمنح الدراسة نوعًا من الجدة والتنوع؛ لأن موضوع ليلى والمجنون درس كثيرًا من قبل الباحثين، وأحسب أنه إذا ما تم التعارض له فأجدر بنا أن نجدد في دراسته.
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه العجالة الانتشار الواسع لقصة المجنون في الآداب الإسلامية، والصور والمعاني الغنية المختلفة التي اكتسبتها في تلك الآداب، وكذلك المناهج النقدية التي تمت دراستها من خلالها، وإن الإنسان ليستغرب من تلك المفارقة العجيبة التي تحيط بهذه الحكاية، إذ بينما يشكك في حقيقتها التاريخية نفر من الباحثين نراها وقد تمردت على هذا الإنكار والتشكيك، وانطلقت بكل عنفوان تكتسح الحدود بين الآداب الإسلامية وغير الإسلامية أيضًا، غير مبالية بشيء مما يجعلنا نتساءل: وماذا لو لم تكن تلك الحكاية محل تشكيك وإنكار؟ أتراها كانت تكون أقوى اكتساحًا، وأوسع انتشارًا واندياحًا، أم تراها لم تكن لتحظى بكل هذا الشيوع الذي لاقته، والعشق الذي احتازته؟ ألا إن هذا من عجائب الأقدار.
ومن عجائب الأقدار أيضًا أن أحدًا من العرب قبل العصر الحديث لم يحاول أن يستلهمها في عمل أدبي، إلى أن جاء عصرنا الحالي فوجدنا الأمر يأخذ منحًى جديدًا، فهناك كتاب مسرحيون اتخذوا من حياته وشخصيته وأخباره موضوعًا لأعمالهم مثل: إبراهيم الأحدب وسليم البستاني وأبو خليل القباني، وإن لم يكن هناك ما يدل على أن تلك الأعمال قد طبعت، ووضعت بين أيدي القراء في كتب، وكذلك محمد منذر خير الله الذي وضع مسرحية اسمها رواية مجنون ليلى مثلت على خشبة المسرح، وطبعت عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين، ثم عندنا أحمد شوقي الذي ألف مسرحية (مجنون ليلى)، وتقيد فيها إلى حد بعيد بالروايات القديمة عن قيس وليلى واقتبس كثيرًا من عبارات تلك الروايات، ومن عبارات شعر المجنون مع شيء من التحويل الشفاف، ولدينا كذلك مسرحية لصلاح عبد الصبور اسمها (ليلى والمجنون)، وهي تجري في بيئة عصرية، إذ تقع حوادثها في مبنى صحيفة من الصحف القاهرية تشتغل فيها ليلى كاتبة، فهي إذن ليلى أخرى غير تلك الراعية البدوية من بدو نجد في بلاد العرب في عصر بني أمية.
وفي المسرحية تقوم ليلى وبعض زملائها بتمثيل مسرحية (ليلى والمجنون) لأحمد شوقي، كنوع من دفع الملل من خلال القيام بشيء يختلف عما يفعلونه كل يوم، وإن لم ينطقوا في المسرحية من شعر أمير الشعراء إلا بعض الأبيات القليلة، وتنتهي المسرحية برسالة من سعيد حبيب ليلى من خلف القضبان عبارة عن ترنيمة للعام الجديد، يأمل فيها أن يختفي جيله الذي يكتفي بالكلام والنضال الشفوي ضد الفساد، ويأتي بدلًا منه جيل جديد يعمل ويحمل السيف.
يا سيدنا القادم من بعدي، أنا أصغر من ينتظرك في شوق محموم لا مهنة لي، إذ إني الآن نزيل السجن، متهمًا بالنظر إلى المستقبل لكني أكتب لك باسم
الفلاحين، وباسم الملاحين باسم الحدادين، وباسم الحلاقين والحَمارة والبحارة والعمال وأصحاب الأعمال والأعيان وكتاب الديوان والبوابين وصبيان البقالين، وباسم الشعراء وباسم الخفراء والأهرام وباب النصر والقناطير الخيرية وعبد الله النديم وتوفيق الحكيم وألمظ وشجرة الدر وكتاب الموتى ونشيد بلادي بلادي، نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة، فالصبر تبدد واليأس تمدد، إما أن تدركنا الآن أو لم تدركنا بعد، حاشية: لا تنسى أن تحمل سيفك.
بل إنه لا يمكن النظر إلى ليلى في المسرحية على أنها رمز لمصر طبقًا لما قاله الدكتور حسين علي محمد، الذي كتب أن المسرح الشعري العربي قد ظهر منذ أواخر الخمسينيات في ثوب جديد هو شكل الشعر التفعيلي، وأصبحت المرأة في هذا المسرح تقوم بدور رمزي، ثم يمضي مريدًا أسماء بعض بطلات المسرحيات، التي من هذا النوع، ومنها شخصية ليلى في مسرحية عبد الصبور (ليلى والمجنون) قائلًا: إن الشاعر قد جعل منها رمزًا لمصر، أما مفاجأة حبيبها سعيد لها في بيت الجاسوس، فتأويلها حسبما يقول ذلك الناقد هو سقوط مصر فريسة للحكم البوليسي.
ثم يختم الناقد كلامه في هذه النقطة قائلًا: إن ميزة مسرح صلاح عبد الصبور تتمثل في أنه لا يضحي بصورة المرأة الحقيقية التي هي من لحم ودم ومشاعر من أجل رمز، بل يمكننا أن نقرأ مسرحياته، فنلاحظ دائمًا العناية الكاملة بصورة المرأة. يقصد الناقد أن يقول: إن مسرحية عبد الصبور يمكن أن تقرأ على الوجهين يمكن قراءتها على أنها مسرحية حقيقية، كما يمكن في ذات الوقت قراءتها بوصفها مسرحية رمزية تمثل ليلى فيها دور الوطن، ولا يجد القارئ في الحالتين أي خلل في بنائها، ولا في تصوير شخصية بطلتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.