الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزواب ع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي)
تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)
تأثير (رسالة الغفران) ورسالة (التوابع والزوابع) في الأدب العالمي:
رسالة الغفران التي أبدعها قلم أبو العلاء المعري الشاعر العباسي المشهور: وهي رحلة خيالية كتبها صاحبها في القرن الخامس الهجري، ردًّا على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ، والفكر، والتصوف، والأدب، والنحو، والسيرة النبوية، والزندقة. وقد أتي رد أبي العلاء على ابن القارح في شقين:
الشق الأول: هو الشق الخيالي، وفيه يتصور المعري ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر على غرار الأدب الخاص بالمعراج النبوي.
والشق الثاني: ينطوي على رد أبي العلاء المعري على المسائل التي تؤرق ابن القارح.
ورغم أهمية ما كتبه أبو العلاء في تبيين موقفه من القضايا المطروحة في المعارف والفنون والعلوم؛ فإن الشِّق الأول الذي هو عبارة عن رحلة خيالية، هو الشق الذي كُتب له الخلود.
وتنقسم رحلة ابن القارح إلى العالم الآخر إلى ثلاث مراحل: الصعود إلى السماء، ثم زيادة الجحيم، ثم التحول إلى الجنة. وقد استفاد المعري من أدب الإسراء والمعراج، ومصادره الأولى في القرآن والتفسير والحديث الشريف، في إطار الرحلة ومضمونها وتفاصيلها. وخلال هذه الرحلة بمراحلها الثلاث يلتقي ابن القارح بشخصيات متعددة من الشعراء والأدباء والنقاد والمفكرين؛ فيُحاورهم مثيرًا معهم طائفة من القضايا الفكرية والأدبية والنقدية والدينية.
ور (سالة الغفران) بما فيها من قصص وحبكة وحوار ورسم شخصيات، أشبه برواية تحاور فيها ابن القارح مع عدد من الشعراء في طائفة من المسائل العلمية والدينية، وفي الرسالة تخيلات علائية عن آدم، وإبليس، والعفاريت، والملائكة. فضلًا عن تخيلاته عن الشعراء، وبعد فترة طويلة من ظهور (رسالة الغفران) ظهرت (الكوميديا الإلهية) لـ"دانتي" و (الفردوس المفقود) لـ"بيلتون". وقد عثر مستشرق إسباني معاصر على مخطوطتين لترجمتين لقصة المعراج، خَلَص منهما إلى نظرية تثبت أن دانتي قد بنا كوميدياه الإلهية على أصول إسلامية من بينها (رسالة الغفران) و"قصة المعراج".
وهناك أيضًا تَشَابُهٌ كبيرٌ بين رسالة الغفران، ورسالة (التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي؛ فكلتاهما تعرض القضايا الأدبية بأسلوب قصصي، وكلتاهما اتخذت مسرحها خارج هذا العالم الأرضي، وكان المؤلفان متعاصرين.
و (التوابع والزوابع) قصة خيالية تحكي رحلة في عالم الجن يلتقي البطل خلالها بشياطين الكتاب، فيحاورهم ويحاورونه ويخلصوا بذلك إلى سمات نقدية وأدبية محدودة. وتتخذ رحلة بطل (التوابع والزوابع) مسارًا تاريخيًّا في لقائه بتوابع الشعراء في مجلس الأول ابتداءً من العصر الجاهلي والأموي والعباسي؛ فيحاور عددًا من توابع الفحول، كامرئ القيس، وطرفه، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، والمتنبي.
وهو يُوفق بين البُعد الجسمي والفكري؛ ليستخرج نفسية الشاعر وذاته، فيرسم له صورة قلمية في ضوء ما ورد من أخبار.
وفي المجلس الثاني وهو مجلس الكتاب يقدم ابن شهيد رؤية جديدة، وهي أن للكتاب شياطين كما للشعراء شياطين. ويبدأ بالجاحظ، ويحاور عبد الحميد الكاتب وبديع الزمان، ويسجلهم في قضايا تتصل بالسجع وبالمزاوجة، وبالأساليب والبيان، ويخلص إلى انتزاع شهادات بإجازتهم له، وتفوقه عليهم.
أما المجلس الثالث فيُبين ابن شهيد من خلاله طائفة من القضايا النقدية التي كانت تشغل ذوق العصر، وفي المجلس الأخير ينتقل ابن شهيد وتابعه إلى أرض بها حيوانات من الجن، حيث يحكم في قطعتين شعرتين غزلتين لبغل محب وحمار عاشق، وتنتهي الرسالة بحوار بن الشهيد مع الإوزة، التي يرى أنها تابعة لبعض شهود اللغة، وأرادت أن تُناظره في النحو وغريب اللغة؛ فأعرض عنها وزجرها لسخفها وحماقتها.
ومن أهم سمات أسلوب ابن الشهيد القصصي: حظه من الخيال؛ فخياله قوي خلاق، تحفه طائفة من الصورة الدقيقة الوصف، معناة بتصفية الأخلاق والأشكال في إطار من تحليل نفسي، وقد اهتم بالأوصاف الدقيقة، وكأنه دون أن يشعر يُعَوّض عن ضعف حاسة السمع لديه؛ فهو يكثر من الصور المتحركة والمسموعة.
كما كان عنصر التشويق أداة من أدوات أسلوبه، بجانب الاستطراد الذي يقتضيه السياق القصصي؛ فضلًا عن ظاهرتي الحوار الداخلي والمباشر،
وتزخر الرسالة بروح الفكاهة والإضحاك، بما يضع ابن الشهيد في مكانة بارزة من السخرية والطرافة. ومن المُرَجّح أنّ ابن شُهَيدٍ استوحى موضوع الرسالة متأثرًا بقصة الإسراء والمعراج، كما تأثر بها أيضًا الإيطالي "دانتي" في رسالته (الكوميديا الإلهية) وهذا باب طويل في الأدب المقارن.
ويماثل (التوابع والزوابع)(رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري في المشرق؛ فالكاتبان يلتقيان معًا في الخيال والأوصاف والسخرية والإضحاك، ولكنهما يختلفان في اللغة؛ فلغة المعري لا تخلو من تعقيد، وإغراء، وسجع ملتزم، ولغة ابن شهيد سلسة طيعة بعيدة عن التكلف والصنعة، تزاوج تارةً، وتسجع أخرى، وتسترسل ثالثة؛ ففيها لكل مقام مقال.
وهُنا يَنبغي أن نقول كلمة عن (الكوميديا الإلهية)؛ فهي ملحمة شعرية طويلة للشاعر الإيطالي "دانتي ألجري" عُرفت في الأدب العالمي بهذا الاسم، وقد بدأها "دانتي" عام ألف وثلاثمائة وثمانية، وانتهي منها عام ألف وثلاثمائة وواحد وعشرين، وموضوعها الرئيسي هو الحياة بعد الموت، و"دانتي" هو الشخصية الرئيسية فيها، وتنقسم إلى الجحيم المطر والجنة أو الفردوس، وقد أطلق عليها "دانتي"(الكوميديا) لأنها انتهت نهاية سعيدة، ثم أضافت إليها الأجيال اللاحقة صفة الإلهية.
وقسم "دانتي" الأقسام الثلاثة في القصيدة إلى أجزاء أخرى تسمى الأجزاء الداخلية، ويضم كل من قسمي المطر والفردوس ثلاثة وثلاثين جزءًا، أما
الجحيمُ فيضم أربعة وثلاثين جزءًا، وتتميز جميع الأجزاء بالإيقاع القوي؛ نظرًا لمقاطعها الموشحية في ذات الثلاثة.
وتبدأ القصة بـ"دانتي" المفقود في غابة مظلمة، ويمثل ذلك عنده إحساسه بتفاهة حياته، والشر الذي كان يراه في مجتمعه، وفي يوم جمعة صحوة، وبعد ليلة من التجوال المؤلم، يتقابل مع الشاعر الألماني "فرجيل" الذي يعده بأن يُخْرِجه من تلك الغابة، ويَقُوده إلى رحلة في العالم الآخر، ويَدْخُلان الجحيم، حيثُ يريان جموعًا من الأفراد يعانون العذاب الذي تصبه فوق رءوسهم الوحوش الخرافية، والشياطين والمخلوقات الأخرى عقابًا على خطاياهم. والملعونون المعذبون هؤلاء شخصيات تاريخية معروفة جيدًا.
ويُغادر كل من "دانتي"، و"فرجيل" الجحيم ويصلان إلى جبل المطهر، ومن هناك يتسلقان إلى الشرفات المضيئة، فيها الموتى الذين لهم الخلاص، يبحثون عن الغفران من الخطايا التي اقترفوها على الأرض، ويملأ جو من الأمان والأمل ذلك المكان الخاص بالتطهر، على عكس المعاناة الكبيرة واليأس اللذين مر بهما في الجحيم، وعند وصولهما إلى الجنة الأرضية على قمة جبل المطهر يُرسل "فرجيل" بـ"دانتي" إلى مرشدة جديدة هي "فياترس".
وتعد هذه الملحمة من نواح عدة قصيدة حب تمتدح جمال "فياترس" الأخلاقي، وقدرتها على وصول بـ"دانتي" إلى رؤية الخير الأعظم، إذ إنها تقوده خلال طبقات السماوات العشر؛ حيث يلتقي بأرواح المباركين، ويقفُ "دانتي" في بهجة ونشوة، ويتفهم في النهاية الحقيقة النهائية للحياة وما يعنيه الكون.
وتذهب جماعةُ مؤرخي الأدب والنقاد إلى أن "دانتي" تأثر في هذا العمل بقصة الإسراء والمعراج، ورُبّما أيضًا بـ (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وأخذ
الفكرة والمنهج عنه، لكن للدكتور محمد غنيمي هلال رأيًا مختلفًا، إذ رغم تأكيده أن بين (رسالة الغفران) و (الكوميديا الإلهية) تشابهًا حقيقيًّا؛ فإنه يُورد احتمال أن يكون العملان كلاهما قد أفاد من حكاية الإسراء والمعراج، كما ورد في الأحاديث النبوية الغير الموثوق بها على حد تعبيره.
وفي هذه الحالة يكون أبو العلاء -كما يقول الدكتور هلال- قد أفاد من التراث الإسلامي قبل "دانتي"، وهذا كل ما هناك؛ فإنه لا يطرح احتمالًا آخر وهو أن يكون أبو العلاء قد استوحى رسالته من حكاية رحلة "الموبل زرادشتي أرده ويراف" إلى الجحيم والأعراف والجنة، بل لا يَستبعد أن يكون المصدر فارسي أصلًا، لما سار بين المسلمين من حكايات خرافية عن الإسراء والمعراج.
والملاحظ أن الدكتور هلال لم يورد المرجع الذي استند إليه في القول بهذا الرأي الذي أستبعده تمام الاستبعاد، إذا لو كان الأمر كذلك لما سكت العلماء المسلمون على تأثر أبي العلاء "بموبدن زرادشتي" في أمر ديني شديد الحساسية كأمر الآخرة، كما أنّ الفرس لم يكن يفلتوا هذه الفرصة ليلقوا الضوء على مجد من أمجادهم الأدبية، قد رأينا ابن الأثير مثلًا في درس سابق، يُفَضِّل الشعر الفارسي على نظيره العربي، من ناحية أنه يستوعب القصص الطوال جدًّا، دونَ أن يظهر على الشعر كلال أو ملال، على حين لا تزيدُ القَصيدة العربية على بضع عشرة من الأبيات، في مُقابل الآلاف منها في الملاحم الفارسية.
ولم يسكت الجانب الآخر على هذا التفضيل، فرأينا كيف انبرى صلاح الدين الصفدي، يُفَنِّد كل ما قاله ابن الأثير، وموردًا من الشواهد ما يرى أنه كفيل بنفس هذا الحكم، الذي يراه مجحفًا أشد الإجحاف بالقريحة العربية، بل يراه نهجًا شعوبيًّا لا يصح الصمت إيذاءه. ثم قبل ذلك وبعده فإن المواد -على الأقل
المواد الأساسية- التي استعان بها أبو العلاء المعري في إبداعه (رسالة الغفران) هي مواد إسلامية تمامًا، إذ هي مستقاة من القرآن والحديث العقيدة الإسلامية بكل ما فيها من خطوط عامة، وكثير من التفاصيل الدقيقة، مع مَزجِها بما لديه من خيال وثّاب، وسُخرية راقية، ومعرفة واسعة عميقة، ولغة فحلة.
ثم قَبل هذا أين كان ذلك الكتاب الذي يتحدث عنه الدكتور هلال؟ هل ترجم إلى العربية حتى يمكن القول باحتمال إطلاع العرب عليه؟ أم هل كان أبو العلاء يتقن لغة فارس التي كتب بها ذلك الكتاب؟ بل هل جاء ذكر الكتاب في تراثنا العربي قط؟! فمَن ذكره يا ترى؟ وفي أي سياق؟ واضح أن الدُّكتور هلال قد ألقى كلمته دون احتياط على الإطلاق، ولم يُفكر لا في العواقب ولا في المصادر، وهو ذات الموقف الذي اتخذه لويس عوض من أبي العلاء ذاته حين زعم تدليسًا أنه متأثر في رسالته الغفرانية براهب قابله ذات مرة في دير الفاروس بحلب.
وإذا كان مثل لويس عوض الذي لم يكن يُبالي بمنهجية ولا علمية في سبيل نشر دعواه المريبة، يقدم على اختراع تلك الدعاوى؛ لقد كان أحرى بهلال أن يكون أكثر رصانةً واحتراسًا. ويزيد الأمر سوءًا وتعقيدًا وغرابة أنّ هلالًا لم يجشم نفسه تعريفنا برحلة "المومت الزرادشتية" هذه بل اكتفى بالقول بأنها رحلة إلى الجحيم والأعراف والجنة، تُرى هل هذا يَكفي في السياق الذي نحن فيه؟
أما (الفِرْدَوس المفقود): فهي من إبداع الشاعر الإنجليزي الذي كان يعيش في القرن السابع عشر "جون ميلتون" وهو شاعر وكاتب سياسي بريطاني، ويُعدّها الكثير من أجمل ملاحم اللغة الإنجليزية، وقد ألف أيضًا:(الفردوس المُسْتردّ)