الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما بالنسبة لتأليف أحمد شوقي أمير الشعراء مسرحيته (مصرع كليوباترا)، فتتحدث الممثلة المصرية المعروفة فاطمة رشدي في مذكراتها عن الظروف التي أحاطت بتأليفها، فقالت: ذات ليلة بين فصول إحدى المسرحيات طرق باب مقصورتي عزيز عيد، ودخل علي ومعه أحمد شوقي أمير الشعراء، وقدمه إلي وكانت أول مرة أتعرف فيها بشوقي، وجلس معي فترة في مقصورتي، وقال لي: إنه يتابع مسرحياتي الواحدة بعد الأخرى، وإنه معجب بي وبفني كل الإعجاب، وقال في النهاية وهو يصافحني: سأهديك هدية عظيمة تستحقينها ولم تغب عني طويلًا هدية أمير الشعراء، وكانت هدية عظيمة وعظيمة جدًّا، كانت معجزة ومثلت دور كليوباترا أحد أدوار عمري الخالدة، وجاءني شوقي بمحمد عبد الوهاب؛ ليغني في مسرحيته أنا أنطونيو أنطونيو أنا لحنه الخالد، وقررت له أجرًا في كل ليلة عشرة جنيهات، فلما مثلنا المسرحية في الأوبرا توقف وساومني أن أرفع أجره كل ليلة إلى ثلاثين جنيهًا بدون فصال، واضطررت إلى مداراته والموافقة حتى ينتهي موسم الأوبرا.
(مسرحية كيلوباترا) بين شكسبير وأحمد شوقي
لسوف نقف عند مسرحية شكسبير بالذات من بين المسرحيات التي ألفت عن كليوباترا في الآداب الأخرى غير العربية، ونقارن بينها وبين مسرحية أمير الشعراء أحمد شوقي.
وإذا شرعنا في المقارنة بين المسرحيتين، نجد أن كلتا المسرحيتين قد بدأت أحداثها في غرفة من غرفات قصر كليوباترا، فأما لدن شكسبير فهي غرفة مجهلة لم تحدد، إذ يقول: ألكسندريا رووم إن كليوباترا إز بالاس، وهذا كل ما هنالك، وأما لدن شوقي فهي المكتبة تحديدًا ولا فرق يذكر بين المكانين، كما هو بين لا يحتاج إلى توضيح، فهل هذا الأمر تم عفوًا؟ أم هل تأثر شوقي بمسرحية شكسبير التي كان قد قرأها قبل أن يؤلف مسرحيته هو، فكان أن بدأ مسرحيته على هذا النحو؟
وقد وصفت كليوباترا في النظرات التحليلية التي ذيلت بها مسرحية (مصرع كليوباترا) لأحمد شوقي بالملكة المصرية المظلومة، مؤكدًا كاتبها أنها اكتسبت مصريتها من واقع حكم أسرتها لأرض الكنانة ثلاثة قرون، هي عمر الدولة البطلمية، التي وفدت إلينا من اليونان واحتلت بلادنا.
كذلك انبرى كاتب النظرات يدافع عن كليوباترا أيما دفاع، إذ نعتها بالوفاء والإخلاص لمصر، ورد ما اتهمها به مؤرخو اليونان في عرضها وحكمتها، واصفين إياها بأنها حية النيل العجوز، مبينًا أنه إذا كان شوقي قد أخذ على عاتقه مهمة كتابة مسرحية تنصف هذه المصرية المضطهدة، ويثبت لها سمو الغاية ونبالة القصد على حد تعبيره، فهذا أمر طبيعي استوحى فيه المنطق، واتجاه البحث العلمي الذي يكشف كل يوم من أمر كليوباترا شيئًا جديدًا ينسخ ما كان متعارفًا من قبل، والواقع الذي نعرفه ولا نعرف سوه حتى الآن على الأقل، هو أن كليوباترا كانت امرأة لعوبًا حسبما رأينا من ترجمتها الآنفة فضلًا عن أنها ليست مصرية أبدًا، فكيف يقلب شوقي حقائق التاريخ، ويسيرها مصرية طاهرة الذيل، لقد أطلق للسان في المسرحية العنان، فوصف الشعب المصري بأنه شعب ثرثار رعديد يسمع كلام حاكميه، ولا يفكر يومًا في الثورة عليهم، بل يخرج للهتاف بحياتهم والتصفيق لهم مهما استبدوا به، وأجحفوا بحقوقه وساموه سوء العذاب.
ولم نجد في ذلك ما يقدح في وطنيته، إذ ليس مطلوبًا من الأديب أن يزيف حقائق الأمور، فيرسم لشعبه صورة براقة نظيفة في الوقت الذي ليست صورته الحقيقية براقة ولا نظيفة، فكيف إذن انقلبت الأمور على يدي شوقي بالنسبة إلى كليوباترا، فحرص على تطهيرها وتصويرها في أبهى حلة وأنقاها وهي ليست كذلك؟
ترى هل السبب في هذا يرجع إلى أن في عروق شوقي أيضًا شيئًا من الدم اليوناني، وأنه ليس مصريًّا بالجنس، بل بإقامة أسرته فيها زمنًا، مثلما هو الوضع في حالة كليوباترا؟ يقول كاتب النظرات التحليلية في نهاية المسرحية: ما فتئ المؤلف منذ مقطع الرواية إلى مقطعها يؤكد جنسية كليوباترا المصرية، وإن تحدرت من نبعة أجنبية، فقد كان الزمن الطويل الذي قضاه أجدادها في مصر، كما أسلفنا كافيًا لتمصيرها، وعبث أن نختار من الرواية قطعًا دون أخرى لإثبات هذه الجنسية، فالرواية كلها دليل متصل نسجل منه على سبيل المثال قولها:
أموت كما حييت لعرش مصر
…
وأبذل دونه عرش الجمال
وقولها:
موقف يعجب العلا كنت فيه
…
بنت مصر وكنت ملكة مصر
ثم قولًا آخر احتال فيه المؤلف على تبرير هذه الجنسية، متحاشيًا في هذا التبرير إلا مجرد التلميح من بعيد لدمها القديم، وذلك إذ يقول حابي لزنون:
أخي هذا أثيني
…
وخلي ذاك مقدوني
كلا الخلين ذو جد
…
بأرض النيل مدفون
فليس في هوى مصر
…
وفي طاعتها دوني
وتصور الرواية كل بطل من نواح ثلاث يستحسن أن نبحثها منفصلةً، الأولى من حيث هي امرأة، والثانية من حيث هي ملكة، والثالثة من حيث هي شخص سياسي.
هذا ما قاله كاتب الملاحظات النقدية التي ألحقت بمسرحية (مصرع كليوباترا)، لكن كيف فات شوقي أن ثمة فرقًا هائلًا بين البطالمة، الذين اقتحموا مصر بالقوة الغشوم محتلين، وحكموها مستبدين ولثرواتها مستنزفين، ولشعبها قاهرين؟
كيف فاته أن ثمة فرقًا هائلًا بينهم وبينه هو وأمثاله ممن أتوا إلى مصر بوصفهم أفرادًا، وامتزجوا بالمصريين امتزاجًا، وصاروا منهم بالطريق الطبيعي وبالرضا؟ ثم إن كليوباترا خاضت بركة من الدماء في سبيل التشبث بالسلطان، وقتلت أخاها وفرطت في عرضها واتبعت سبيل شهواتها، واستغلت جسدها من أجل الإيقاع بقادة روما في غرامها واحدًا وراء الآخر، غير عابئة بمبدأ أو قيمة، وما هكذا تخدم الأوطان، إن الأوطان إنما تخدم بالشرف والكرامة والعزة والعفة لا بإزالة العرض وابتذاله.
ثم إن البطالمة إنما كانوا يعملون على نشر الثقافة الإغريقية، ويقربون إليهم أبناء بلادهم الأصلية دون المصريين، وإلى القارئ ما كتبته "الموسوعة العربية العالمية" مثلًا في المادة الخاصة ببطليموس الأول مؤسس دولة البطالسة بمصر، أسس أسرة من الحكام الذين حكموا مصر بين عام ثلاثمائة وثلاثة وعشرين، وعام ثلاثين قبل الميلاد، وعرفت هذه الأسرة بالبطالسة، وقد حكم بطليموس الذي اتخذ لقب ملك مصر من سنة ثلاثمائة وخمس قبل الميلاد؛ حتى سنة مائتين وخمس وثمانين قبل الميلاد، وولد في مقدونيا وهي منطقة شمال اليونان، وصار قائدًا بارزًا في جيش الإسكندر الأكبر، وهو الملك المقدوني الذي أنشأ إمبراطورية ضمت مصر، وأغلب بلاد غرب آسيا وبعد موت الإسكندر عام ثلاثمائة وثلاثة وعشرين قبل الميلاد، استولى بطليموس على مصر، وبسط حكمه إلى جزيرة قبرص، وجنوب فلسطين وبرقة وهي مستعمرة إفريقية في شمال إفريقيا، وجند بطليموس المقيمين من الإغريق، والمقدونيين في جيشه وبحريته وإدارته، ومنح المستوطنين الأراضي وشجع على تنمية الثقافة الإغريقية.
وعلى العكس مما كتبه صاحب النظرات التحليلية الملحقة بمسرحية (مصرع كليوباترا)، يرى فتحي سعيد أن شوقي حين اختار كليوباتر موضوعًا لمسرحيته كان حريصًا على ألا يغضب ولي النعم أو جناب السلطان الأكبر، فكليوباترا سليلة البطالمة وليست بنت مصر، أما شكسبير فيصورها حسبما كتب صاحب المادة الخاصة بها في "الموسوعة المشباكية الحرة" المسماة بـ"الويكيبديا" يصورها امرأة مغرورة متصنعة تستثير الضيق والاحتقار متهالكة لا تعرف الوفاء، ولا ترعى العهود، فهي تخون أنطونيو في الحب وفي الحرب على السواء، إذ ما يأتيها رسول أوكتافيوس؛ ليبلغها رسالة ذلك الخصم أنطونيو، التي يطلب فيها منها أن تسلمه أنطونيو؛ حتى تنسى أنطونيو وتشرع في مغازلة الرسول، كما أنها قد تخلت عنه في ميدان القتال مرتين وانسحبت بسفنها تاركة إياه يواجه عدوه وحده، رغم ما كان بينهما من اتفاق بأن يحارباه معًا، وعزم أنطونيوس على أن ينتقم منها لتلك الخيانة، ويقتل تلك المصرية الدنسة كما جاء في المسرحية، إلا أنها تشيع أنها قد انتحرت وأن اسمه كان آخر ما تلفظت به، وذلك بغية استحثاثه على الإسراع إليها، والترامي على عتباتها بحبه القديم، إلا أن خطتها فشلت بانتحار أنطونيو؛ حُزنًا عليها.
أما في مسرحية شوقي فالمسئول عن إشاعة انتحارها هو الطبيب، وليس كليوباترا وقد أراد أمير الشعراء إبراءها من تهمة دفع أنطونيو إلى الانتحار، يقول صاحب (النظرات التحليلية): إن كليوباترا هي المسئولة أمام التاريخ عن انتحار أنطونيوس، بينما يبرئها المؤلف من هذه التهمة، ويخلق شخصية خيالية يلقي عليها هذه التبعة هي شخصية الطبيب أوليمبوس، ونرى ذلك حيث تتساءل كليوباترا في لوعةٍ ولهفةٍ: مَن نعاني كذبًا من قالها لك؟ وإذ يجيبها أنطونيوس: أوليمبوس النذل الخؤون، وحيث نسمع أوليمبوس في الفصل الثاني من الرواية
مهددًا ناقمًا: أوروس أنطونيو حسابكما غدًا، روما الأبية لم تنم عن ثأرها. وحيث نلمس مكمن الحيلة بين هذه النقمة وذلك الانتقام.
ولقد أشرنا من قبل إلى ما كتبه صاحب (النظرات التحليلية) الملحقة بمسرحية شوقي من أن الصورة السيئة، التي اشتهرت لكليوباترا سببها ما كتبه المؤلفون الرومان عنها بعد هزيمتها، وبالذات بلوتارك، ويا ويل التاريخ من أقلام المنتصرين. ومعروف أن شكسبير إنما اعتمد في صياغة مسرحيته على ما كتبه بلوتارك عن كليوباترا في كتابه Lies of the Rappel Grecian and Roman together Cumbered وهذا هو السبب في اختلاف النظرتين إلى تلك المرأة، فقد أراد شوقي أن يقدم للقراء والمشاهدين كليوباترا الأخرى، غير التي كتب عنها "بلوتارك" وأمثاله من المؤلفين الرومان، فرسم صورة ملكة مصرية تحب بلادها، وتعمل بكل سبيل لمصلحتها، وتضحي بنفسها في سبيل رفعتها، وهنا لا يستند في هذا الموقف إلى شيء سوى رغبته في تقديم صورة مغايرة للملكة البطليموسية، إذ ليس فيما بين أيدينا من الكتابات التاريخية ما يقول شيئًا من هذا، ولو على سبيل التلميح.
أما شكسبير فلم تشغله مسألة الدفاع عن كليوباترا على الإطلاق، بل رأيناه يرسم لها صورة امرأة غادرة لا تبالي بمبدأ أو تحترم قيمة، وقد علق الدكتور محمد غنيمي هلال على موقف كتاب الغرب الزاري على كليوباترا، عازيًا إياهم إلى أنهم كانوا يرون فيها صورة للعقلية الشرقية في نظرهم، في ميلها إلى لذة العيش ومتاعه، والانتصار بالخديعة لا الجهد، وسلوك سبل المكر والحيلة، وأنهم طالما هاجموا الشرق فيها وهاجموا مصر في القديم.
والعجيب أنها لم تكن مصرية بل لم تكن شرقية البتة، إذ كانت من بلاد اليونان كما قلنا، فهي إذن أوربية صرفة، وكان ينبغي أن يضع هؤلاء المؤرخون هذا الأمر في حسبانهم، لكنهم إنما كانوا يريدون الزراية على الشرق، وكأنهم طوال تاريخهم ناس متحضرون وراقون، وكأن الشرق كان على الدوام متخلفًا منحطًّا، وذلك رغم أنهم إلى ما قبل عدة قرون فقط كانوا في غاية التخلف والتوحش والانحطاط، في الوقت الذي كنا فيه سادة لهم في مختلف مناحي الحضارة.
ولقد سماها أنطونيو بالمصرية، إذ قال: إن هذه المصرية القذرة قد خانتني " This Faull Egyptian has Betrayed me" لكن دون أن يدل هذا بالضرورة على أنها مصرية بالمعنى الذي قصده شوقي، إذ قد يكون كل المقصود هنا هو الإشارة إلى أنها تعيش في مصر، وتحكم المصريين لا أنها تنتمي إليهم، ولقد عرفنا شكسبير بها في بداية المسرحية فقال: ملكة مصر: " Cleopatra Queen of Egypt" كما أنها هي أيضًا تسمي نفسها ملكة مصر: " Egyptien Queen " وعلى نفس الشاكلة نسمع ألكسس يناديها بعاهلة مصر: Sov Of Egypt وهذا كل ما نجده لدى شكسبير فيما يخص مسألة مصريتها أو عدمها.
ومع هذا، فإنه لمن الغريب في مسرحية الشاعر الإنجليزي أن كليوباترا التي قدمت لنا بوصفها امرأة لا تبالي بأية قيمة كريمة تؤثر أن تقتل نفسها على أن تستسلم لأوكتافيو؛ كي لا يذلها بعرضها أسيرة في موكبه الانتصاري في روما، ولكن أغرب منه كثيرًا أن يصورها شكسبير في موتها سعيدةً، رغم أنها ماتت في المسرحية بلدغة صل مصري، فهل يمكن أن يستعلي المنتحر بهذه السهولة على آلام السم البشعة، التي لا تحتمل ويميت ميتة نشوى، كما جاء في مسرحية
شكسبير، فضلًا عن أن يكون ذلك المنتحر هو كليوباترا الملكة المترفة التي لم تتعود تحمل الآلام قط، وهو ما صنعه شوقي أيضًا، فقد أنطقها عقب لدغ الأفعى لها في صدرها بالأبيات التالية، التي تخاطب فيها وصيفتيها اللتين كانتا حاضرتين تنفيذ الانتحار، والتي تشف عن فرح خالص لا شائبة من ألم فيه:
يا ابنتي ودي هلما، زيناني للمنيه
غللاني طيباني بالأفاويه الزكيه
ألبساني حلة تعجب أنطونيو سنيه
من ثياب كنت فيها أتلقاه صبيه
ناولاني التاج تاج الشمس في ملك البريه
وانثرا بين يدي عرش الرياحين البهيه
ويؤكد هذا ما قاله أنوبيس حين رآها عقب موتها بسم الصِّل:
جبين مشرق الغرة ووجه ضاحك النضره
…
وعينان كأن الموت في جفنيهما كسره
وهذا فم تبدو المنايا عنه مفتره
…
ولكن قيصر ادن انظر هنا السر هنا العبره
فبين السحر والنحر كمثل الخدش من إبره
…
مكان الناب من صل شديد البأس والشره
فهل هذا كله توارد خواطر، أم هل تأثر شوقي بمسرحية نظيره الإنجليزي؟
فإذا عدنا إلى ما أراد شوقي إقناعنا به من أن كليوباترا إنما كان يحركها حبها لمصر لا رغبتها في الرجال، والعبث بألبابهم، رأينا أمير الشعراء العرب لا يعد تركها لأنطونيو في المعركة يواجه غريميه وحده خيانةً وغدرًا، بل سياسة تستهدف مصلحة مصر، وهذا ما كتبه صاحب (النظرات التحليلية) في ذلك الموضوع.
وكانت كليوباترا أثيرة عواطف ثلاث:
الأولى: حبها لمصر وحرصها على مستقبل تاجها، وقد رأينا أن الرواية ملأى بدلائل هذا الحب والحرص، حينما تكلمنا عن جنسية كليوباترا.
الثانية: حبها لأنطونيوس، ومن العبث أن نستشهد على هذا الحب بنجواها الغرامية المتصلة وحدها، كلما جمع المجال بينها وبين أنطونيوس، فلقد تتهم هذه
النجوى بشيء من المبالغة والرياء، وخير أن نقصر هذا الاستشهاد على حديثها عنه في غيبته، إذ تقول: علم الله قد خذلت حبيبي، وإذ تقول في موقف آخر: هو أنطونيوس زخري وطريفي وتليدي، وعلى الوفاء له بعد موته وقد أسلفنا عليه الدليل، ومهما يكن من اتقاد هذه العاطفة في قلبها، فقد كانت هذه العاطفة لديها كما قلنا عاطفة ثانوية كلما تعارضت مع حبها لمصر.
ففي سبيل وطنها كانت مستعدة للتضحية بكل شيء، وكانت تعتقد حقيقةً أن المجد لا يسأل عن صاحبة ولا ولد، وكانت مخلصة حينما استنهضت حماسة أنطونيو بهذه الكلمة الجامعة عد ظافرًا أو لا تعد، وهي في استعدادها للتضحية بغرامها في سبيل سياسة بلادها، قولها عقب فرارها من أكتيوم:
علم الله قد خذلت حبيبي
…
وأبا صبيتي وعوني وذخري
والذي ضيع العروش وضحى
…
في سبيلي بألف قطر وقطر
موقف يعجب العلا كنت فيه
…
بنت مصر وكنت ملكة مصر
الثالثة: بغضها لروما وإشفاقها من طغيان سلطانها المكين، ويبدو هذا البغض في عدة مواقع منها قولها: لا تسيروا على ولائم روما سرفًا في الفسوق واستهتارًا.
ومنها قول أحد القواد الرومان لزميل له: أتسمع ما تقول عدو روما، أتسمع ما تقول عدو روما؟ وقولها:
دعوا روما ولا تجروا لها ذكرًا
…
.....................................
وقولها:
حبرا أعندك سحر يشل طاغوت روما
…
ويجعل الناس فيها حجارة ورسوما
وقولها في موقف مفاضلة بين ألوان الشراب:
جنان مصر لا جنان الروم
…
....................................
ثم شعور الناس جميعًا حتى خصومها بذلك البغض، وفي ذلك يقول حابي لزينون قبل أن ينزل عن رأيه فيها:
ولم يبق على الود لروما غير زينون
…
.....................................
وإشباعًا لهذه العواطف جميعًا رسمت كليوباترا لنفسها ثلاث غايات:
الأولى: أن تستخلص الشرق لنفسها مستقلًّا عن كل نفوذ.
الثانية: أن تضعف قوى روما ما استطاعت مع المحافظة على قواها هي.
الثالثة: أن تعكس الآية السياسية الموجودة يومئذٍ؛ فتسود روما من خلال سيادة قيصر ضعيف تضمن أن يخضع لفتنة جمالها دائمًا، كما تضمن أن يخشى قوة بأسها ثانيًا، وكل هذه الشروط كانت تجتمع في أنطونيوس، وتحمل كليوباترا غايتها الأولى والثالثة في قولها لأنطونيوس:
أنت لروما في غد وقيصرون بعد غد
…
وشرق سلطان الذي إكليله لي انعقد
ثم تبسط غايتها الثالثة، إذ تقول:
قلت: روما تصدعت فترى شطرًا
…
من القوم في عداوة شطر
وتبينت أن روما إذا زالت
…
عن البحر لم يسد فيه غيري
والوسيلة التي ظنتها كليوباترا كفيلة بتحقيق هذه الغايات أن تقف من القيصرين المتحاربين موقف الحياد، فقد كانت تؤمن بتكافؤ قواهما الحربية؛ لأنهما تقاسما الفلك والجيش، وبات كلاهما شطرًا من القوم في عداوة شطر.
وقد أثبت تداول النص بينهما قبل المعركة الفاصلة صدق هذا اليقين، وقدرت كليوباترا أن حيادها هذا يكفل لها الاحتفاظ بقواها في البر والبحر، بينما ينهك
القتال قوى القيصرين المنتصر هو المخذول؛ حتى إذا قرت الحرب بينهما وظهرت بجيشها وأسطولها؛ لتجهز على أوكتافيوس إذا ظفر وهو متعب منهوك؛ ولتحيي أنطونيوس إذا كان هو الظافر تحية القوي للضعيف، لا تحية التابع إلى المتبوع، لكن الحياد الصريح كان معناه المحتوم أن تفقد أنطونيوس، وأن تفقد كل أمل في هواه، وأن ينهار بفقدان هذه الأمل صرح أمانيها جميعًا، فاصطنعت كليوباترا لنفسها حيادًا مقنعًا تتظاهر فيه بالقيام بنصيبها من أعمال الحرب إلى جانب أنطونيوس؛ حتى إذا نشبت المعركة فرت بجيشها أو أسطولها تاركة لفرار أنطونيوس القوي مهمة التماس الأعذار لضعفها، وفرارها من حومة القتال ناطقة على لسانه:
فقلت: انسحبت ضعفًا، وقال الناس: بل غدرًا
…
ولو كان لهم قلب كقلبي التمسوا العذرا
ومهمة أخرى هي إلقاء تبعة الغدر والخيانة على من يشاء من قوادها:
فيا قائد الأسطول هل من مكيدة
…
تدبر لي خلف الشراع وما أدري
وما من شك أنها مهمات يسيرة إزاء مهمة الاعتذار لخيانتها السافرة، لو أنها وقفت منه موقف الحياد الصريح، وما من شك كذلك أن هذه المهمات قد أداها غرام أنطونيوس بنجاح، فقد عفا عن ضعف حبيبته مرتين ومات راضيًا عنها كل الرضا.
ونستطيع استخلاص هذه الخطة التي اتخذتها كليوباترا من أربعة مواضع:
الأول: في موقف كليوباترا من حاشيتها بعد وقعة أكتيوم تبرر فرارها في هذه الأبيات:
قلت روما تصدعت فترى
…
شطرًا من القوم في عداوة شطر
بطلها تقاسم الفلك والجيش
…
وشب الوغى ببحر وبر
فتأملت حالتي مليًّا
…
وتدبرت أمر صحوي وسكري
وتبينت أن روما إذا زالت
…
عن البحر لم يسد فيه غيري
كنت في عاصف سللت
…
شراعي منه فانسلت البوارج إثري
خلصت من رحى القتال ومما
…
يلحق السفن من دمار وأسر
الثاني: في قول أنطونيوس:
أسطولها إلى مراسيه أوى
…
وجيشها ألقى السلاح ونجا
ولقد كانت كليوباترا في مسرحية شوقي تتوقع ما سوف يقال عنها بعد مماتها، وهي تذكر ذلك تفصيلًا وفي وضوح تام يخلو من أية غمغمة تقول في أواخر المسرحية:
أراني لم يحسن إلي معاصري
…
ولم أجد الإنصاف عند لدات
فكيف إذا ما غيب الموت زادتي
…
وبدد أنصاري وفض حُماتي؟
كأني بعدي بالأحاديث سُلطت
…
على سيرتي أوكلت بحياتي
وبالجيل بعد الجيل يروي زخارفًا
…
فمن زور أخبار وإفك رواتي
يقولون: أنثى أفنت العرش بالهوى
…
بهيمية اللذات والشهوات
فدًى لغرام بالرجال وحسنهم
…
غرام الغواني أو هوى الملكات
فليس الغلام البارع الحسن فتنتي
…
ولا الرائع الأجلاد والعضلات
ولم يستثر وجدي من الروم فتية
…
جنون العذارَى فتنة الخفرات
ولكن لغصن من بني مصر مائل
…
يطير إليه قلب كل فتاة
يموتون بي عشقًا ويشقون بالهوى
…
فكم من حياة في يدي وممات
ولكن عشقت العبقرية طفلةً
…
وفي الغافلات البله من سنوات
كلفت بكهل أحرز الأرض سيفه
…
وحِيزت له الدنيا من الجنبات
إذا هب من غرب البلاد تلفتت
…
بلاد بأقصى الشرق منذعرات
تعثر حظي بعد طول سلامة
…
وأقلع نَجمي بعد طول ثبات
ومن يمشي في ورد الأمور وشوكها
…
يعد الخطى أو يحسب العثرات
كذلك من الغريب أيضًا بعد موتها أن ينقلب أوكتافيو، الذي كان قد أغراها من قبل بالتخلي عن أنطونيو في الحرب، وإسلامه إياها له، فيمجدها هي وأنطونيو، ويأمر بدفنهما في قبر واحد قائلًا: إنه ليس ثمة قبر في الدنيا يضم مثل هذين الحبيبين، فضلًا عن أن يتم الدفن بمراسم رسمية تكريمية، كما هو الأمر في المسرحية الشكسبيرية، وبالمثل نرى أوكتافيو في مسرحية شوقي يغير موقفه من أنطونيو فور تحققه من موته، ويشرع في تمجيده ويوصيه بكل كريم من الفعال، كما هو الحال في المشهد التالي حين جرى على كيلو باترا، وجرى الحديث بينهما على هذا النحو:
أوكتافيوس:
سلام ملكة الوادي
…
سلام كاهن الملك
يقول الناس: أنطونيو
…
هنا لم يبتعد عنك
كليوباترا:
نعم لم نفترق بعد
…
وإن أمعن في تركي
وهذا الجسد الفاني
…
جلاء الريب والشك
أوكتافيوس:
إذًا قد قضي الأمر
…
وصار الليث للهُلك
كليوباترا لا تخشي
…
فلن آخذه منك
كليوباترا:
أِبِي تهزأ أم بالميت
…
أم بالموقف الضنك؟
إن استطعتَ على مالك
…
من بطش ومن فتك
وما حولك من خيل
…
وما تحتك من فُلك
فخذه من يد الموت
…
ومن عاجزة تبكي
يدنو الجندي من جنود أوكتافيوس ليتحقق موت أنطونيوس.
كليوباتر:
مكانَك يا عبد لا تهتكن
…
على سيد الهالكين القناع
تريد لتكشف عنه الغطاء
…
عسى تحته حيلة أو خداع
عبثت به وهو تحت الطيالس
…
ملقى السلاح قليل الدفاع
ولم تحتشم بُقعًا من دم
…
عليهن تحسن مصر البقاع
رويدك ما الموت مستبعد
…
ولا هو مستغرب من شجاع
وإن التماوت فعل الثعالب
…
ليس التماوت فعل السباع
أوكتافيو:
أناتك سيدتي إنه فتى
…
طاهر القلب حر الطباع
أراد ليحتاط لي جهده
…
ويخلص في خدمتي ما استطاع
تنح أخا الجند ما أنت والميت
…
لا يقرب الشمس إلا شعاع
أتأذن سيدتي أن أطيف
…
بخدن الصدام رفيق الصراع
ومن كنت تحت القنا ظله
…
ومن كان ظلي تحت الشراع
وكنا نشيد ضروم الفخارَى
…
ونجري لها الغار من كل قاع
ونأتي القناع فنحتلها
…
وإن بعُدت كالنجوم القلاع
ونركز في السهل أرماح روما
…
ونطلع أعلامها في اليفاع
بإذنك كليوباترا:
قيصر لا إذن لي
…
أيأمر وينهى مَن لا يطاع
فصار بجسمانه كيف شئت
…
فليس له اليوم منك امتناع
وما جثة الليث إلا لقى
…
إذا الناب طاحت أو ظفر ضاع
يتقدم أوكتافيوس، ويرفع القناع عن وجه أنطونيو:
أوكتافيوس:
لقد حسم الموت ما بيننا
…
وغض اللجاج وفض النزاع
فبحقي اليوم بل واجب
…
علي أقدسه أن يضاع
أقبل ما قبل الغار منك
…
وأهتف أنطونيوس الوداع
ومرة أخرى: هل كان هذا توارد خواطر بين الشاعرين الكبيرين، أم هل كان شوقي يجري في أعقاب الشاعر الإنجليزي الذي قرأ مسرحيته قبل أن يضع هو (مصرع كليوباترا)؟
وبالإضافة إلى هذه الملاحظات التي قمنا بها يذكر الدكتور محمد غنيمي هلال ملاحظات أخرى، منها أن شوقي في مشهد الوليمة، وهو يشغل معظم الفصل الثاني من مسرحيته قد تأثر بشكسبير، الذي جعل جوها كله مرحًا وشرابًا ورقصًا، وإن اختلف زمان الوليمة، ومكانها بين المسرحيتين، فعلى حين نجدها في مسرحية شكسبير مصنوعة في إيطاليا فوق ظهر سفينة، فإنها في مسرحية شوقي قد صنعت في الإسكندرية في قصر كليوباترا، كذلك نسمع أحد الجنود الرومان ينال من الملكة واصفًا إياها بالبغي، لما تلفظت من إهانة لروما، وهو ما نجده أيضًا في مسرحة الشاعر الإنجليزي، إذ يدعوها أحدهم في الفصل السادس والسابع من
تلك المسرحية بغيًّا، وللوليمة كما ذكر الدكتور هلال أصل فيما سجله قلم بلوتراك في كتابه المعروف.
أما شوقي فقد اختصر جغرافية مسرحيته على مصر وحدها، وبالتحديد على الإسكندرية وأرباضها، ولا أظن السبب في هذا تمسك شوقي بوحدة المكان المقننة في المسرح الكلاسيكي، كما يقول بعض من كتبوا عن هذه المسرحية، إذ إنه لم يتقيد في أي من مسرحياته عمومًا بالوحدات الثلاث على ما هو معروف، ولو كان يتقيد بهذه الوحدات لحصر أحداث مسرحيته هذه في أربع وعشرين ساعة، ولكنه مطها أطول من ذلك، فغطت الأيام التي تشمل وقعة أكتيوم البحرية بين أنطونيو وكليوباترا، وبين أوكتافيو وما تلَا ذلك وصولًا إلى انتحارها.
هناك أيضًا المناظر التي أبدع فيها شوقي شعرًا يمكن تحويله إلى قصائد غنائية شديدة مستقلة إذا أحببنا، وهو ما فعله في بعض الأحيان المطرب محمد عبد الوهاب، فمن ذلك قول كليوباترا مثلًا في وصف معركة أكتيوم:
شيرميون اهدئي فما أنت إلا
…
ملك صيغ من حنان وبِر
أنت لي خادم ولكن كأنا في
…
الملمات أهل قربى وصهر
إنما الخادم الوفي من الأهل
…
وأدنى في حال عسر ويسر
اسمعي الآن كيف كان بلائي
…
انظري كيف في الشدائد صبري
أيها السادة اسمعوا خبر الحرب
…
وأمر القتال فيها وأمري
واقتحام العُباب والبحر يطغى
…
والجواري به على الدم تجري
بين أنطونيو وأوكتافا يوم عبقري
…
يسير في كل عصر
أخذت فيه كل ذات شراع
…
أهبة الحرب واستعدت لشر
لا ترى في المجال غير سبوح
…
مقبل مدبر مكر مفر
وترى الفلك في مطاردة الفلك
…
كنسر أراد شرًّا بنسر
وترى الدخان في جنبات الجو
…
جنحًا من ظلمة الليل يسري
ودوي الرياح في كل لج
…
هزج الرعد أو صياح الهزبر
وترى الماء منه عود سرير
…
لغريق ومنه أحناء قبري
يغسل الجرح شر من غسل
…
الجرح ويأس من الحياة ويبري
كنت في مركبي وبين جنودي
…
أزن الحرب والأمور بفكري
قلت روما تصدعت فترى شطرًا
…
من القوم في عداوة شطري
بطلها تقاسم الفلك والجيش
…
وشب الوغى ببحر وبر
وإذا فرق الرعاة اختلاف
…
علموا هارب الذئاب التجري
فتأملت حالتي مليًّا
…
وتدبرت أمر صحوي وسكري
وتبينت أن روما إذا زالت عن
…
البحر لم يسد فيه غيري
كنت في عاصف سللت شراعي
…
منه فانسلت البوارج إثري
خلصت من رحى القتال
…
ومما يلحق السفن من دمار وأسر
فنسيت الهوى ونصرة أنطونيوس
…
حتى غدرته شر غدر
علم الله قد خذلت حبيبي
…
وأبا صبيتي وعوني وذخري
والذي ضيع العروش وضحى
…
في سبيلي بألف قطر وقطري
موقف يعجب العلا كنت فيه
…
بنت مصر وكنت ملكة مصر
ومنه كذلك غناء إياس على لسانها بالأبيات العبقرية التالية:
أنا أنطونيو وأنطونيو أنا
…
ما لروحينا عن الحب غنى
غننا في الشوق أو غنِّ بنا
…
نحن في الحب حديث بعدنا
رجعت عن شجونا الريح الحنون
…
وبعينينا بكى المزن الهتون
وبعثنا من نفاثات الشجون
…
في حواشي الليل برقًا وسن ا
خبري يا كأس واشهد يا وتر
…
واروِ يا ليل وحدث يا سحر
هل جنينا من ربى الأنس السمر
…
ورشفنا من دواليها المنى
الحياة الحب والحب الحياة
…
ومن سرحتها سر النواة
وعلى صحرائها مرت يداه
…
فجرت ماء وظلًّا وجن ا
نحن شعر وأغاني غدا
…
بهوانا راكب البيد حدَا
وبنا الملاح في اليم شدا
…
وبكى الطير وغنى موهنا
من يكن في الحب ضحى بالكرى
…
أو بمسفوح من الدمع جرى
نحن قربنا له ملك الثرى
…
ولقينا الموت فيه هينا
في الهوى لم نأل جهد المؤثر
…
وذهبنا مثلًا في الأعصر
هو أعطى الحب تاج قيصري
…
لم لا أعطي الهوى تاجي منَى
أما مسرحية شكسبير فتخلو من مثل تلك القصائد الغناية، بل إن المسرحية كلها قد صيغت بأسلوب الشعر المرسل، أي: الشعر الموزون غير المقفى.
وقد كتب الناقد الإنجليزي "وليم هازلت" عن المسرحية قائلًا: this a very novel play though not in the first class of Shakespeare's productions is stands next to them and is we think the finest of his historical plays that is of those in which he might poetry organ of history 16: 37 - 37:53 إلا أن الدكتور جمال الدين الرمادي قد ترجم حكم "هازلت" هذا على المسرحية الشكسبيرية على النحو التالي: إن مسرحية شكسبير (أنطونيو وكليوباترا)، لتعد في المرتبة الأولى من إنتاج شكسبير، رغم أن الناقد الإنجليزي لم يقل كذلك، بل قال كما هو بين
تمامًا من النص الإنجليزي الذي أمامنا: إنها وإن لم تأتِ في المرتبة الأولى بين مسرحيات الشاعر تجيء تاليةً لها، لكن الدكتور ماضي سها فيما يبدو، ولم يتحرز تحرز "هازلت".
وبتلك المناسبة نشير إلى ما يذكره التاريخ من أن أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، قد حاول أن ينال من اللغة العربية أمام طلبته المصرية قائلًا: إن هذه اللغة تعجز عن كتابة المسرحية الشعرية؛ لِمَا يلتزم بها شعرها من قيود الوزن والقافية، فما كان من الطالب علي أحمد باكثير الحضرمي الأصل، إلا أن أتاه في اليوم التالي وقد ترجم في أسلوب شعري ولكن دون التقيد بالوزن والقافية على النحو القديم، بل بطريقة ما صار يسمى بعد ذلك بالشعر الجديد أو شعر التفعيلة، ترجم بعض مشاهد من المسرحية التي كانوا يدرسونها آنذاك مع هذا الأستاذ لوليم شكسبير.
وفي هذا السياق لا ينبغي أن يفوتنا دلالة العنوان في كل من المسرحيتين، فمسرحية شوقي تسمى (مصرع كليوباترا)، أما شكسبير فأعطى المسرحية عنوان (أنطونيو وكليوباترا)، وواضح أن التركيز في مسرحية شوقي على كليوباترا، وهذا صحيح، إذ المسرحية تدور حول تلك المرأة، التي لعبت أو أرادت أن تلعب بألباب ثلاثة من قادة روما الكبار، أما باقي أبطال المسرحية فيأتون في المركز الثاني على عكس مسرحية شكسبير، إذ كان تركيزها على أنطونيو، الذي أتى اسمه في العنوان قبل اسم كليوباترا، علاوةً على أنه وحده الذي ورد ذكره في المسرحية من بين مَن أوقعت كليوباترا، أو أرادت أن توقعهم في عشقها.
وبالمناسبة فقد حُوِّلت مسرحية شكسبير إلى فيلم مرارًا متعددةً، طبقًا لما أوردته المادة الخاصة بتلك المسرحية في النسخة الفرنسية من "الموسوعة المشباكية الحرة الويكيبديا"، أما مسرحية شوقي فلم يتفق لها شيء من هذا، بل إنها لم تعد تمثل على خشبة المسرح أصلًا، وصارت حبيسة الكتاب لا تبرحه.
ولقد لاحظت في (مصرع كليوباترا) أن أنوبيس الكاهن يحلف بإيزيس بوصفها إلهة يقسم باسمها، وهو ما لاحظته أصلًا في مسرحية شكسبر، إذ كان يتم القسم فيها بإيزيس كذلك، فهل كان تم ذلك عند شوقي عفوًا وتوارد خواطر ليس إلا، أم هل أخذها عن شكسبير حتى لو كان تأثرًا دون قصد واعٍ؟
من الصعب علي أن أتصور شوقي لا يخطر على باله من آلهة مصر القديمة إلا إيزيس، وبالذات بالنسبة لعصر كليوباترا غير المصرية من جهة، والمتأخر كثيرًا جدًّا جدًّا عن نص إيزيس وأوزيريس من جهة أخرى، وبخاصة أن المصريين القدماء كانت لهم آلهة متعددة، ولم تكن إيزيس أشهرهم ولا من أشهرهم، بل إن الوعي بألوهيتها عند الناس بوجه عام ليس حاضرًا، ولو كان شوقي قد استبدل "رع" بها مثلًا لما بَدَا الأمر غريبًا على الإطلاق.
ومن هنا نجد برناردشو في مسرحيته عن كليوباترا " Caesar and Cleopatra " يأتي بالإله "رع" في أول المسرحية؛ كي يلقي على الجمهور خطبة عصماء، وإن جاء ذكر إيزيس لدى ذلك الأيرلندي الساخر رغم هذا مرة، وذلك في قول: FTATATEETA: We shall see whom Isis loves best: her servant Ftatateeta or a dog of a Roman.
على كل حال، هذا أنوبيس الكاهن في مسرحية شوقي يبتهل إلى إيزيس، امتثالًا لأمر كليوباترا، التي طلبت منه الدخول إلى الهيكل، والصلاة من أجلها:
إيزيس ذات الحجاب
…
مالكة العالمين
شعبك لاقى العذاب
…
من عبث الظالمين
يا من خفضنا الجباه
…
لعزها ساجدين
صغنا إليك الصلاة
…
من أدمع النادمين
كما نسمع في ختام مسرحية شوقي يقول:
أكثري أيها الذئاب عواء
…
وادعي في البلاد عزًّا وقهرًا
أنشدي واهتفي وغني وضجي
…
واسبحي في الدماء نابًا وظفرًا
لا وإيزيس ما تملكت إلا واديًا
…
من ضياغم الغاب قفرًا
قسمًا ما فتحتم مصرا
…
لكن قد فتحتم بها لرومة قبرا
وبالمثل يجري على لسان كليوباترا اسمها أول ما رأت الأفاعي، التي أطلع عليها ذلك الكاهن حين صارحته بأنها تعتزم الانتحار، وسألته عن أفضل وسيلة لذلك، قالت:
أفاع أبي نحها أخفها
…
أعوذ بإيزيس من كل شر
فماذا تريد بإحرازهن
…
وهل يقتنع عاقل بما يضر
وجوابًا على طلب كليوباترا منه أن يكون مستعدًّا بالأفاعي عندما تقرر الانتحار فعلًا، يقول:
يمينًا بإيزيس أحملهن إليك
…
ولو في سنان الخضر
إذا بات في خطر تاج مصر
…
سبقت إليك بهن الخطر
وحين تهم كليوباترا بتنفيذ الانتحار تجثو أمام تمثال إيزيس، وتأخذ في الابتهال إليه قائلة:
إيزيس ينبوع الحنان تعطفي
…
وتلفتي بضراعتي وسؤالي
وفي مسرحية شكسبير نسمع كليوباترا تقسم بها قائلة: By Isis ، I will give thee bloody teeth، If thou with Caesar paragon again. My man of men. ..، وتقول شيرمان في مسرحية شكسبير مبتهلة لإيزيس: O' let him marry a woman that cannot go، sweet Isis، I beseech thee! .... Good Isis، hear me this prayer، though thou deny me a matter of more weight; good Isis، I beseech thee!
وكان "بلوتارك" قد ذكر أثناء ترجمته لمارك أنطونيو في كتابه المذكور عن عظماء روما واليونان، ذكر إيزيس عدة مرات من بينها ما كتبه عن كليوباترا من أنها خلال تتويجها على يد أنطونيو ملكة على مصر وغيرها، كانت ترتدي ملابس الإلهة إيزيس، وثمة إشارة في الكتاب إلى وجود معبد لإيزيس في ذلك العصر، إلا أن معجم الآلهة والإلهات: Dictio nary of gods أو Jods words، في مادة أيزيس يحدد الفترة التي كانت تًعبد فيها بأرض مصر بعام 2700 قبل الميلاد تقريبًا، وربما قبل ذلك، أي: عام أربعمائة بعد الميلاد.
كذلك لاحظ النقاد أن كثيرًا من عبارات شكسبير في مسرحيته قد أخذها أخذًا مباشرًا من كتاب "بلوتارك" الذي اعتمد عليه في أحداث المسرحية ورسم شخصية كليوباترا، أما شوقي فاقتبس من القرآن المجيد، ومن الشعر العربي القديم جميعًا كقوله:
يا سماء احفظي ويا أرض صوني
…
أظهرت عطفها على زينون
فالشطر الأول من البيت يذكرنا بقوة بقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} (هود: 44)، الذي استلهمه شوقي مع بعض التحويرات في السياق والتركيب والألفاظ، وكقول أنطونيو:
جنود أكتافا أدركوني
…
يا ليت مِت قبل هذا
فهو مأخوذ من قوله سبحانه على لسان العذراء مريم في السورة المسماة باسمها: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} (مريم: 23).
وكالبيت التالي:
لا ترى في المجال غير سبوح
…
مقبل مدبر مكر مفر
الجاري على نمط بيت امرئ القيس الشهير في معلقته:
مكر مفر مقبل مدبر معًا
…
كجلمود صخر حطه السيل من عل
وكالبيت التالي أيضًا:
اليوم شرب وغدًا حرب
…
................................
وهو نفس عبارة الملك الضليل حين جاءه نعي أبيه وهو يشرب الخمر، فكان المتوقع أن يترك ما هو فيه ويهب لأخذ ثأر أبيه، إلا أنه استمر في الشرب قائلًا قولته المشهورة: اليوم خمر وغدًا أمر، فذهبت مثلًا.
وفي كتاب الدكتور جمال الدين الرمادي (مسرحية كليوباترا بين الأدب العربي والأدب الإنجليزي)، يلفي القارئ شواهدَ أخرى غير قليلة، ويبقَى ما قاله يسري عبد الغني من أن شوقي ينقل في مسرحيته عن شكسبير أحيانًا مشاهد كاملة، ولكن دون أن يورد على ما يقول شواهد تصدقه، فظل كلامُه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل يعضدها.
والسلام عليكم ورحمة الله.