الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو ترك ما ندب في الأولى .. قرأه مع ما ندب في الثانية فيها وإن ادى لتطويلها على الأولى.
ولو قرأ ما ندب في الثانية في الأولى .. عكس في الثانية؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
وفي "التحفة": لو اقتدى في الثانية، فسمع قراءة الإمام (المنافقين) فيها .. فالظاهر: أنه يقرأ (المنافقين) في الثانية أيضاً، واعترضه (سم) بأن سماعه كقراءته، فكأنه قرأ (المنافقين) في الأولى، فيقرأ (الجمعة) في ثانيته؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
ثم قال: لو أدرك الإمام في ركوع الثانية .. فالوجه: أنه يقرأ (المنافقين) في ثانيته؛ لأن الإمام تحمل عنه السورة كالفاتحة.
ويسن كون قراءته فيهما (جهراً) ولو مسبوقاً قام ليأتي بثانيته؛ للاتباع.
تتمة: ورد: "أن من قرأ (الفاتحة) و (الإخلاص) و (المعوذتين) سبعاً سبعاً عقب سلامه من الجمعة قبل أن يثني رجله، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله" وفي رواية لابن السني بإسقاط (الفاتحة) بَعُدَ من السوء إلى الجمعة الأخرى، وفي رواية زيادة:"وقبل أن يتكلم حفظ له دينه ودنياه وأهله وولده".
قال الغزالي: (وقل: اللهم ياغني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وبطاعتك عن معصيتك).
قال الشرقاوي: (من واظب عليه أربع مرات مع ما تقدم .. أغناه الله، ورزقه من حيث لا يحتسب، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وحفظ له دينه ودنياه وأهله وولده).
* * *
(فصل): في سنن الجمعة
.
(يسن) لمن لم يخش منه فطراً ولو على قول (الغسل لحاضرها) أي: لمن لم يرد عدم حضورها وإن لم تلزمه، بل وإن حرم، كزوجة بغير إذن زوجها؛ للأخبار الصحيحة.
وصَرَفه عن الوجوب خبر: "من توضأ يوم الجمعة .. فبها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل"، أي: فالغسل مع الوضوء أفضل من الوضوء وحده.
أمَّا من يريد عدم حضورها .. فلا يسن له على المعتمد؛ لخبر: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء .. فليغتسل، ومن لم يأتها .. فليس عليه غسل"، ويكره تركه؛ للخلاف في وجوبه.
(ووقته: من الفجر)؛ لأن الأخبار علقته باليوم، ويفوت باليأس من فعل الجمعة، ولا يبطله الحدث ولو أكبر.
قال (ب ج): (ولا يسن إعادته عند طروء حدث كما تصرح به عبارة "المجموع"، خلافاً للعباب) اهـ شوبري واعتمد (ع ش): ندب إعادته اهـ
ولا يسن قضاؤه كغيره من الأغسال إذا فات عند (م ر).
(ويسن تأخيره إلى الرواح) أي: الذهاب إلى الجمعة؛ لأنه أبلغ في دفع الروائح الكريهة، ولو تعارض مع التبكير .. أخَّر، وأتى به حيث أمن الفوات؛ للخلاف في وجوبه، ولذا كره تركه، فإن عجز عنه أو عن غيره من الأغسال المندوبة .. تيمم بنية أنه بدل عن غسل نحو الجمعة، أو بنية طهر الجمعة، أوللجمعة، أو للصلاة، ولا يكفي نويت التيمم بدلاً عن الغسل؛ لعدم ذكر السبب.
وإنما قام مقام الغسل؛ إذ المقصود منه العبادة والنظافة، فإذا فاتت هذه .. بقيت العبادة، وتوقف (حج) في كراهة تركه، لكن قال (ع ش): الأقرب الكراهة؛ إعطاء للبدل حكم المبدل منه.
ويندب الوضوء لذلك الغسل، وسائر الأغسال المسنونة ولو لحائض، ومن لم يكن محدثاً. ويطلب التيمم بدلاً عن الوضوء المطلوب للغسل، فإذا تيمم بنية كونه بدلاً عن الوضوء الواجب، أو المندوب والغسل .. كفى لهما.
(و) يسن (التبكير) إلى المصلى (لغير الإمام) ودائم حدث، أمَّا هما .. فيندب لهما التأخير (من طلوع الفجر)؛ لما صح:(أن للجائي بعد غسله غسل الجنابة، أو كغسلها، في الساعة الأولى بدنه، والثانية بقرة، والثالثة كبشاً أقرن، والرابعة دجاجة، والخامسة عصفوراً، والسادسة بيضة).
والمراد: أنَّ مابين الفجر وخروج الخطيب ستة أجزاء متساوية، سواء طال اليوم أم قصر.
(ولبس) الثياب (البيض) بأن تكون ثيابه كلها بيضاء، والأعلى منها آكد؛ للخبر الصحيح:"البسوا من ثيابكم البيض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم".
نعم؛ محل أفضليته في غير أيام الوحل ونحوه من كل ما يخشى منه تدنيسه، وفي غير أيام العيد، وإلا .. فما هو أعلى في العيد أفضل وإن لم يكن بياضاً.
ولو وافق يومها يوم العيد .. روعي العيد، فيلبس الأعلى؛ لأن زينته آكد، لأنها لجميع الناس، ويلي الأبيض ما صبغ قبل نسجه، قيل ويكره ما صبغ بعد نسجه ورده في "التحفة".
(والتنظيف) بحلق رجل غير محرم، ومريد تضحية في عشر ذي الحجة، عانته ونتف إبطه وسواك وإزالة ريح كريه وقص شارب وتقليم ظفر يديه ورجليه ويكره من أحدهما بغير عذر كتنعل إحدى رجليه.
والأفضل في التقليم: أن يبدأ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم خنصر يساره إلى إبهامها على التوالي، وأن يكون ذلك يوم الخميس، أو صبح الجمعة، وأن يبادر بغسل محل التقليم؛ إذ الحك به قبل غسله يخشى منه البرص، وكره المحب الطبري نتف شعر الأنف، بل يقصه.
وندب لمن أزال نحو ظفره وهو متوضئ إعادة وضوئه؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
أمَّا المرأة .. فيسن لها نتف العانة إن لم تتأذ به.
وأمَّا المحرم .. فتحرم إزالة شعره وظفره.
ويكره لمريد التضحية إزالة شيء من بدنه في عشر ذي الحجة.
وخرج بـ (العانة والإبط): الرأس، فلا يسن حلقه إلا لنسك ومولود وكافر أسلم ومن شق عليه بقاؤه، ويباح فيما عدا ذلك.
وخبر "من حلق رأسه أربعين مرة في أربعين أربعاء .. صار فقيهاً" لا أصل له، لكن عمل به، وظهر صدقه.
ويسن دفن ما خرج من أجزاء الحي، وقد يجب، كأن كان من امرأة وخشي نظر أجنبي إليه.
(والتطيب) لذكر غير محرم وصائم؛ للخبر الصحيح: "من غسل واغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يخرج من صلاته .. كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها".
ويسن أن يبالغ الخطيب في حسن الهيئة.
وفي موضع من "الإحياء": يكره السواد، أي: خلاف الأولى، وقال الشيخ عز الدين: إدامة لبسه بدعة، وقضيته: إن لا بدعة في غير إدامته؛ للأحاديث الصحيحة بلبسه صلى الله عليه وسلم له في مواضع عديدة، لكن لا ينافي ذلك أفضلية البياض.
(والمشي)؛ للخبر الصحيح: "من غسل واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ .. كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها، وقيامها" ويستمر له هذا الثواب إلى مصلاه.
ومعنى: (غسل) قيل: جامع حليلته فألجأها إلى الغسل؛ إذ يسن له الجماع قبل ذهابه، ليأمن أن ينظر ما يشغل قلبه.
والأولى فيه أن معناه: غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل؛ لخبر أبي داوود: "وبكر -بالتخفيف- اي: خرج من بيته باكراً، وبالتشديد: أتى الصلاة أوّل وقتها.
و (ابتكر)، أي: أدرك أوّل الحطبة.
ويندب كون مشيه (بسكينة) هي كالوقار التأني مع اجتناب العبث وحسن الهيئة؛ لخبر: "إذا أقيمت الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة" وفي رواية: "وأنتم تمشون" وهو يبين أن المراد بالسعي في الآية المضي.
ومن ثم كره العدو إليها كسائر العبادات غير السعي والطواف، لكن هذا عَدْوٌ فيهما، لا إليهما.
نعم؛ إن ضاق الوقت ولم يدركها إلا بالعدْوِ .. وجب، وإن لم يَلِقْ به؛ إذ لا نقص فيه، وبه فارق اللباس غير اللائق به.
ويسن أيضاً عدم الركوب هنا، وكذا في نحو عيد وجنازة وعيادة مريض.
(والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه، وفي المسجد) وإنما تكره القراءة في الطريق إذا التهى عنها.
(والإنصات) في الخطبة لمن سمعها ولو زائداً على الأربعين؛ لآية: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن)[الأعراف:204].
وإنما يحصل (بترك الكلام والذكر للسامع) مع الإصغاء لما لا يجب سماعه، بخلاف الأركان لأربعين، فيجب سماعها.
ويحرم كلام فوت سماع ركن؛ لتسببه في إبطال الجمعة عند (حج).
وأمَّا (م ر) .. فلا يشترط عنده السماع للفعل كما مر.
(وبترك الكلام دون الذكر لغيره) أي: لغير السامع لنحو بعد، بل يشتغل بقراءة أو ذكر سراً، بحيث لا يشوش على أحد، بخلاف الكلام، فمكروه وإن لم يسمع، خلافاً لقول قديم عندنا، كالأئمة الثلاثة بتحريمه؛ لخبر الصحيحين:"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: انصت، والإمام يخطب .. فقد لغوت".
وإنما لم يحرم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من كلمه وهو يخطب، ولم يبين له وجوب السكوت، والأمر في الآية للندب.
ومعنى لغوت: تركت الأدب؛ جمعاً بين الأدلة.
ولا يكره الكلام لمن أبيح له قطعاً كالخطيب، وقبل الخطبة أو بعدها، أو بينهما أوحال الدعاء للملوك، وداخل لم يستقر في مكانه ولو لغير حاجة.
بل يسن تشميت عاطس، وتنبيه من خاف وقوع محذور به لو لم ينبهه، وتعليم غيره خيراً ناجزاً أو نهيه عن منكر.
بل قد يجب غير الأول إذا لم يوجد غيره كرد السلام على مسلم، ويقتصر على أقل ما يكفي.
بل لو كفت الإشارة لنحو التعليم .. ندب الاقتصار عليها.
(ويكره: الاحتباء فيها) -أي: الخطبة- لحاضرها؛ لما صح من النهي عنه، ولأنه يجلب النوم.
قال ابن زياد: ولو علم من عادته إن الاحتباء يزيد في نشاطه، فلا بأس به.
(و) كره (سلام الداخل) على الحاضرين في الخطبة وإن لم يأخذ لنفسه مكاناً؛ لاشتغالهم بما هو أهم (لكن تجب إجابته)؛ لأن الكراهة لأمر خارج، بخلافه على قاضي الحاجة.
(ويستحب) للسامع وكذا غيره على ما قاله بعضهم (تشميت العاطس) إذا حمد الله، والرد عليه؛ لأن سببه قهري.
ومقتضاه: أنه لو تسبب فيه لا يشمت حينئذٍ، فإن لم يشمته أحد .. قال: يرحمني الله.
وورد: "من عطس أو تجشى، فقال: الحمد لله على كل حال .. رفع الله عنه سبعين داء، أهونها: الجذام".
(و) يسن (قراءة الكهف) لكل أحد، وإكثارها (يومها وليلتها) ويسن أوّل كل منهما مبادرة إلى الخير، وحذراً من الإهمال، ونهارها أفضل؛ لما صح:"أن الأول يضيء له ما بين الجمعتين"، ولخبر الدارمي:"أن الثاني يضيء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وفي رواية زيادة: (وصلى عليه ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من بلية، أو ذات الجنب والبرص والجذام، وفتنة الدجال".
والمراد بالجمعتين: الماضية، والمستقبلة.
والنور كناية عن الثواب الذي يملأ ما ذكر لو جسم، وهي فيهما أفضل من جميع الأذكار غير ما ورد بخصوصه، كأذكار المساء والصباح، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
والجمع بينها وبين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من مجرد تكريرها.
وندب فيها أيضاً (آل عمران)، و (هود)، و (الدخان).
(وإكثار الصلاة) والسلام (على النبي صلى الله عليه وسلم فيهما) أي: يومها وليلتها، وأقل إكثارها ثلاث مئة، كما إن أقل إكثار الكهف ثلاث مرات؛ للأحاديث الآمرة بذلك.
(و) إكثار (الدعاء)؛ لما فيه من الذل والخضوع اللائق بجناب العبد (في يومها) وليلتها؛ لما جاء عن الشافعي: (أنه بلغه إن الدعاء يستجاب في ليلتها)(و) رجاء إن يصادف (ساعة الإجابة) في يومها.
وأرجاها: (فيما بين جلوس الإمام للخطبة، وسلامه) كما رواه مسلم، وفي أخبار: أنها في غير ذلك، وجمع بانها تنتقل فيها.
وليس من شرط الدعاء التلفظ به، بل إحضاره في قلبه كافٍ فلا ينافي الإنصات للخطبة.
وساعة الإجابة في حق أهل كل مسجد، ما بين جلوس خطيبه والسلام، كما صح في الحديث.
(ويكره التخطي) ولو في غير أماكن الصلاة قال الونائي: وإن لم يرفع رجله على العاتق، ومنه كما في (ب ج): التخطي بالأجزاء، أو بالبخور ونحوهما؛ للأمر بجلوس المتخطي، وقوله له: قد آذيت، وقيل: حرام، واختير من حيث الدليل.
(ولا يكره للإمام) إذا اضطر إليه في بلوغه المنبر أو المحراب، ولا لمن أذنوا له فيه لغير حياء (و) لا (لمن بين يديه فرجة) وبينها وبينه صف أو صفان، أي: رجل أو رجلان، فإن زاد على تخطي رجلين .. كره إن وجد غيرها ورجا سدها ولم تقم الصلاة، وإلا .. ندب سدها.
قال (ب ج): (والمعتمد كما في "المجموع": (إنه إذا وجد فرجة .. لا يكره مطلقاً، وأمَّا استحباب تركها: فإذا وجد موضعاً .. استحب، وإلا فإن رجا سدها .. فكذلك، وإلا .. فلا يستحب) اهـ وقوله: "وإلا: فإن رجا سدها" فيه شيء؛ لأنه إذا لم يجد موضعاً .. معذور) اهـ
وقال أيضا: (والمراد بالتخطي: أن يرفع رجله بحيث تحاذي أعلى منكب الجالس. وعليه: فما يقع ليس من التخطي، بل من خرق الصفوف).
وقال أيضا: (وحاصله: أن التخطي توجد فيه ستة أحكام يجب إن توقفت الصحة عليه، وإلا .. فيحرم مع التأذي، ويكره مع عدم فرجة، ويندب مع الفرجة القريبة لمن لم يجد موضعاً، وفي البعيدة لمن رجا سدها ولم يجد موضعاً، وخلاف الأولى في القريبة لمن وجد موضعاً، وفي البعيدة لمن رجا سدها ووجد موضعاً، ويباح في هذه لمن لم يجد موضعاً) اهـ
(و) لا (لمعظم) لنحو صلاح (إذا ألف موضعاً) من المسجد؛ لأن النفوس تسمح له بذلك، كما في "التحفة" و"النهاية".
لكن في "الشرح": أنه مقصر بالتأخير، فلا يعذر، ويظهر أن لا خلاف، فإن ظن رضاهم .. جاز، وإلا .. كره.
ويحرم إن يقيم غيره؛ ليجلس مكانه بغير رضاه، وإلا .. فلا حرمة ولا كراهة إن ساوى ما قام إليه ما قام منه في الفضيلة، وإلا .. كره للقائم فقط؛ إذ الإيثار بالقرب مكروه.
نعم؛ لو آثر شخصاً أحق منه بذلك ككونه أعلم فيرد على الإمام إذا غلط، ويعلمه إذا جهل .. استوجه (م ر) عدم الكراهة.
(ويحرم) على من تلزمه الجمعة (التشاغل) عنها ببيع وغيره مما لا يضطر إليه، وإن كان عبادة وعلم أنه يدرك الجمعة (بعد) الشروع في (الأذان الثاني) لآية:(إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)[الجمعة:9] والأمر للوجوب، فيحرم الفعل، وقيس بالبيع غيره، وكذا يحرم على من لا تلزمه نحو مبايعة من تلزمه حينئذٍ؛ لأنها معونة على معصية.
وخرج بـ (التشاغل): فعل ذلك وهو ماش، أو بمحل قريب كمن عند باب المسجد؛ لإنتفاء التفويت، لكن يكره.
نعم؛ له شراء ما يتطهر به لوجوبه، وتوقف الجمعة عليه.
(ويكره) التشاغل بما مرَّ لمن مر (بعد الزوال) قبل الأذان السابق؛ لدخول وقت الوجوب، فربما فوته.
نعم؛ إن فحش التأخير في بلد .. لم يكره.
(ولا تدرك الجمعة إلا بركعة)؛ لما مر أنها يشترط فيها الجماعة، وكونهم أربعين في جميع الركعة الأولى.
فلو أدرك مسبوق ركوع الثانية مع إمامها بشرطه، واستمر معه إلى سجودها الثاني عند (م ر)، وإلى السلام عند (حج) .. أتى بركعة بعد سلام إمامها جهراً، وتمت جمعته.
وقولنا: مع إمامها قيد عند (م ر)، فلو أراد آخر إن يقتدي بذلك المسبوق في ركعته التي قام إليها .. لم يدرك الجمعة بإدراكها معه، وانقلبت له ظهراً.
وعند (حج): يدرك بها الجمعة، وإمامها ليس قيداً.
وعليه: لو أحرم خلف الثاني آخر، وخلف الثالث آخر، وهكذا .. حصلت الجمعة للكل، وتسللت إلى وقت العصر.
ولو شك مدرك الثانية قبل سلام إمامه هل سجد معه؟ سجد وأتمها جمعة، أو بعد سلامه؟ سجد وأتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك معه ركعة، ويسجد للسهو في هذه؛ لقيامه متردداً في زيادة الأخيرتين دون الأولى؛ لأنه سهو حال القدوة.
أما لو أدرك الأولى مع الإمام وتذكر في تشهده ترك سجدة من الأولى، أوشك فيها .. فيأتي بعد سلام إمامه بركعة، ويدرك الجمعة؛ لإدراكه مع الإمام ركعة ملفقة من ركوع الأولى وما قبله ومن سجودي الثانية، وسجد للسهو في صورة الشك.
(فإن أدركه بعد ركوع الثانية .. نواها جمعة) وجوباً على الأصح، وإن كانت الجمعة تفوت بفوات ركوع الثانية (وصلاها ظهراً)؛ لعدم إدراك ركعة مع الإمام؛ لمفهوم خبر:"من أدرك ركعة من الجمعة .. فليصل إليها أخرى".
وإنما ينوي الجمعة؛ موافقة للإمام، ولأن اليأس منها إنما يحصل بالسلام؛ إذ قد يترك الإمام ركناً ويتذكره، ويعلم المأموم ذلك بنحو كتابة الإمام، فيتداركه بإتيانه بركعة، فيدرك المأموم الجمعة.
(وإذا أحدث الإمام) أو بطلت صلاته بغير الحدث (في الجمعة، أو) في (غيرها .. استخلف) هو أو أحد المأمومين (مأموماً) به قبل حدثه في الجمعة أو مأموماً، أو غيره في غيرها لكن بشرط كون غير المأموم (موافقاً لصلاته) أي: الإمام (ويراعي) الخليفة (المسبوق نظم) صلاة (إمامه)؛ لأنه التزمه بقيامه مقامه، فيمشي على نظمها، كأن يستخلفه في أولى الرباعية أو ثالثتها.
بخلاف ما إذا استخلفه في ثانيتها أو رابعتها .. فليس موافقاً نظم صلاته؛ لأنه محتاج إلى القيام، وهم إلى الجلوس.
(و) إذا استخلف مسبوقا أو غيره قبل إن ينفرد المأمومون بركن .. (لا يلزمهم تجديد نية القدوة) به؛ لأنه منزل منزلة الإمام، لكن تسن.
والحاصل: أن الاستخلاف في الجمعة إما أن يكون أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الصلاة.
فإن كان الأول .. اشترط سماع الخليفة ما مضى من أركان الخطبة.
وإن كان الثاني .. اشترط سماع الخليفة جميع أركانها؛ إذ من لم يسمع ذلك ليس من أهل الجمعة، وإنما يصير من أهلها إذا دخل الصلاة.
وإن كان الثالث .. فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قبل اقتداء الخليفة بالإمام، فممتنع مطلقاً.
ثانيها: أن يدرك الخليفة الإمام في القيام الأول أو ركوعه، فتحصل له الجمعة وللقوم، فإن استخلف الإمام مقتدياً به قبل خروجه أو تقدم بنفسه .. فذاك، وإلا .. لزم المأمومين تقديم واحد، ويلزمه التقدم إن ظن التواكل.
ثالثها: أن لا يدرك الإمام قبل حدثه إلا بعد ركوع الأولى، وهذا لا يجوز له الاستخلاف عند (حج)؛ لأنه يفوِّت الجمعة بذلك على نفسه، إذ شرطه إن يدرك ركعة مع الإمام، ويستمر معه إلى السلام، وهذا لم يستمر معه إلى السلام، فيجب إن يتقدم غيره ممن أدرك ركوع الأولى، ومع ذلك لو تقدم .. صحت جمعة القوم دونه.
وعند (م ر): لو أدرك الخليفة ركوع الثانية وسجدتيها مع الإمام، ثم استخلف .. أدرك الجمعة.
وأمَّا الاستخلاف في غير الجمعة .. فعلى قسمين:
أحدهما: أن لا يقتدي الخليفة بالإمام قبل حدثه، فيجوز إن لم يخالف الإمام في ترتيب صلاته كالركعة الأولى مطلقاً، أو ثالثة الرباعية.
بخلاف ثانيتها ورابعتها، أو ثالثة المغرب، فلا يصح حيث لم يجددوا نية اقتداء به، وإلا .. جاز.
ثانيهما: أن يقتدي به قبل نحو حدثه، فيجوز مطلقاً؛ لأنه يلزمه نظم صلاة الإمام باقتدائه به.
ثم إن كان عالماً بنظمها .. جرى عليه، وإلا .. فيراقب من خلفه، فإذا هموا بالقيام .. قام، وإلا .. قعد، وفي الرباعية إذا هموا بالقعود .. قعد وتشهد معهم، ثم يقوم، فإذا قاموا معه علم أنها ثانيتهم، وإن لم يقوموا .. علم أنها رابعتهم.
وإنما يجوز الاستخلاف قبل إن ينفردوا بركن ولو قولياً، وإلا .. امتنع في الجمعة مطلقاً، وفي غيرها بغير تجديد نية اقتداء.
ولو فعل الركن بعضهم .. ففي غير الجمعة يحتاج من فعله لنية اقتداء به دون من لم يفعله.
وفي الجمعة إن كان غير الفاعلين له أربعين .. بقيت الجمعة، وإلا .. بطلت إن كان الإنفراد في الركعة الأولى، وإلا .. بقيت، أفاده العلامة الكردي.
* * *
(باب) كيفية (صلاة الخوف)
وما يذكر معها من اللباس من حيث إنها يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، كتطويل الاعتدال في صلاة عسفان، وفحش المخالفة في صلاة ذات الرقاع للفرقة الثانية، واقتداء المفترض بالمتنقل في صلاة بطن نخل، وكثرة الأفعال، وترك القبلة في صلاة شدة الخوف.
وهي جائزة عندنا حضراً وسفراً، ووردت على ستة عشر نوعاً، اختار الشافعي رضي الله عنه منها أربعة:
الأول: صلاة عُسْفان، وهي: والعدو في جهة القبلة، والمسلمون كثير بحيث يقاوم العدو كل فرقة منا ولا ساتر، فيصلي الإمام بهم ويسجد بصف أول، ويحرس ثان، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقه، وسجد معه بعد تقدمه، وتأخر الأول ندباً بلا كثرة أفعال في الثانية، وحرس الصف الآخر، فإذا جلس للتشهد .. سجدوا، وتشهد وسلم بالجميع، وجاز عكسه، ولو حرس فيهما فرقة صف .. جاز.
الثاني: صلاة بطن نخل، وهي: والعدو في غير القبلة أو فيها وثم ساتر، فيصلي مرتين كل مرة بفرقة، والأخرى تحرس، فتقع الثانية له نفلاً، وهي سنة هنا.
الثالث: صلاة ذات الرقاع، وهي: والعدو كذلك، فتقف فرقة في وجه العدو، ويصلي الثنائية بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه، وتتم وتقف في وجه العدو، وتجيء الحارسة فيصلي بها الثانية، ثم تقوم وتأتي بثانيتها وتلحقه ويسلم بها، ويقرأ في انتظاره قائماً، ويتشهد في انتظاره جالساً، ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين، وبفرقة ركعة، وهو بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة أفضل من عكسه، وينتظر في تشهده، أو في قيام الثالثة وهو أفضل، والرباعية بكل فرقة ركعتين، ويجوز بكل ركعة وهذه أفضل مما قبلها.
ويسن في الجميع حمل سلاح لا يمنع صحة الصلاة، ولا يؤذي، فإن خيف من تركه .. وجب حمله.
الرابع: صلاة شدة الخوف، وهو ما ذكره بقوله:
(إذا التحم القتال المباح) ولو مع غير كافر، أو اشتد الخوف بأن لم يأمنوا هجوم العدو (أو هرب هرباً مباحاً من حبس) بغير حق (أو عدو) مسلم أو كافر زاد على ضعفينا (أو) نحو (سبع) كحية وسيل إذا لم يجد عنه معدلاً (أو ذب) ظالماً (عن) نحو (ماله) أو حريمه، أو مال أو حريم غيره .. ففي جميع ذلك لا يجوز له إخراج الصلاة عن وقتها، بل يصلي بالممكن من الأنواع المذكورة بشروطها، ولا إعادة عليه.
لكن صلاة شدة الخوف لا يصليها إلا إن ضاق الوقت عند (م ر)، وهي: أن يصليها كيف أمكن راجلاً أو راكباً ولو في الأثناء إن احتاج إليه.
و (عذر) فيها (في ترك القبلة) عند العجز عن الاستقبال بسبب العدو ونحوه؛ لآية: (فَإن خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً)[البقرة:239] الآية.
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها).
ويجوز، بل يسن اقتداء بعضهم ببعض حيث لم يكن الحزم في الإنفراد وإن اختلفت جهتهم كالمصلين حول الكعبة وإن بعدوا عن بعضهم في غير مسجد أكثر من ثلاث مئة ذراع؛ للضرورة.
أمَّا الإنحراف بسبب غير العدو كجماح دابة وطال .. فتبطل صلاته.
(و) فيما يحتاج إليه من (كثرة الأفعال) المتوالية، كضربات وطعنات وركض مع التوالي.
(و) في (الركوب) ابتداء، أو في الأثناء حيث احتيج إليه، ولو أمن وهو راكب .. نزل فوراً وجوباً، وبنى إن لم يأت بمناف كاستدبار القبلة.
(و) في (الإيماء بالركوع والسجود)؛ للعجز عنهما، للضرورة، ويجب كونه للسجود (أخفض) كما مر. ويعذر في حمل سلاح عليه نجس لا يعفى عنه إذا احتاج إليه وإن لم يضطر إليه، ويقضي على الأظهر.
(ولا يعذر في الصياح) أو النطق بدونه؛ لعدم الحاجة إليه، بل الساكت أهيب، وفرض الاحتياج إليه لنحو تنبيه أو لزجر نحو خيل، أو ليعرف أنه فلان الشجاع، نادر.