المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌(باب التيمم) وهو لغةً: القصد. وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين - شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم

[سعيد باعشن]

فهرس الكتاب

- ‌(فصل) في الاجتهاد

- ‌(فصل) في سنن الوضوء

- ‌(فصل) في شروط الوضوء

- ‌(فصل) في المسح على الخفين

- ‌(فصل) في الاستنجاء

- ‌(فصل) في موجبات الغسل

- ‌(باب النجاسة وإزالتها)

- ‌(فصل) في إزالة النجاسة

- ‌(باب التيمم)

- ‌(فصل) في الحيض

- ‌(باب الصلاة)

- ‌(فصل) في مواقيت الصلاة

- ‌(فصل) في الصلاة المحرمة من حيث الوقت

- ‌(فصل) في الأذان والإقامة

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌(فصل: في سنن الصلاة)

- ‌(فصل): في شروط الصلاة

- ‌(فصل): في مكروهات الصلاة

- ‌(فصل:) في سجود السهو

- ‌(فصل): في صلاة النفل

- ‌(فصل): في شروط الإمام

- ‌(فصل): في صفات الأئمة المستحبة

- ‌(فصل): في بعض سنن الجماعة

- ‌باب صلاة المسافر

- ‌(فصل) فيما يتحقق، وينتهي به السفر، وبعض شروط القصر

- ‌(فصل) في بقية (شروط القصر)

- ‌(فصل) في الجمع بين الصلاتين بالسفر والمطر

- ‌باب صلاة الجمعة

- ‌(فصل): في بعض سنن الخطبة والجمعة

- ‌(فصل): في سنن الجمعة

- ‌(فصل) في اللباس

- ‌(باب صلاة العيدين)

- ‌(فصل) في توابع ما مر

- ‌(باب صلاة الكسوف)

- ‌(باب صلاة الاستسقاء)

- ‌(فصل) في توابع ما مر:

- ‌(فصل) في حكم تارك الصلاة

- ‌(باب الجنائز)

- ‌(فصل) في غسل الميت وما يتعلق به

- ‌(فصل) في أركان الصلاة على الميت

- ‌(فصل:) في الدفن وما يتعلق به

- ‌(باب الزكاة)

- ‌(فصل) في زكاة الغنم

- ‌(فصل) في بعض ما يتعلق بما مر

- ‌(باب زكاة النبات)

- ‌(فصل) في واجب ما ذكر وما يتبعه

- ‌(باب زكاة النقد)

- ‌(فصل) في زكاة التجارة

- ‌(فصل) في زكاة الفطر

- ‌(فصل) في النية في الزكاة وتعجيلها

- ‌(فصل) في صدقة التطوع

- ‌(كتاب الصوم)

- ‌(فصل) فيما يبيح الفطر

- ‌(فصل) في سنن الصوم

- ‌(فصل) في بيان كفارة جماع رمضان

- ‌(كتاب الاعتكاف)

- ‌(باب الحج)

- ‌(فصل) في المواقيت

- ‌(فصل) في أركان الحج

- ‌(فصل) في سنن تتعلق بالإحرام

- ‌(فصل) في واجبات السعي وبعض سننه

- ‌(فصل) في الوقوف بعرفة وما يذكر معه

- ‌(فصل) في الحلق

- ‌(فصل:للحج تحللان)

- ‌(فصل) في أوجه أداء النسكين

- ‌(فصل) في دم الترتيب والتقدير

- ‌(فصل) في محرمات الإحرام

- ‌(فصل) في الإحصار والفوات وما يذكر معهما

- ‌(باب الأضحية)

- ‌(فصل) في العقيقة

- ‌(فصل) في محرمات تتعلق بالشعر ونحوه

- ‌خاتمة

الفصل: ‌ ‌(باب التيمم) وهو لغةً: القصد. وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين

(باب التيمم)

وهو لغةً: القصد. وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط تأتي.

وهو رخصة مطلقاً إلا في العاصي بسفره، فعلى خلاف يأتي، وصح بالتراب المغصوب؛ لأنه آلة للرخصة لا سببها، ومن خصائصنا؛ لخبر:"جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها طهوراً"، وفُرض سنة أربع أو خمس أو ست، ويختص بالوجه واليدين وإن كان لحدث اكبر.

(يتيمم المحدث والجنب) والحائض والنفساء ومأمور بطهر مسنون عن غير نجس والميت.

(لفقد الماء، والبرد، والمرض) أي: لواحد منها، ويكفي في كل منها غلبة الظن.

قال في "التحفة": وجعل هذه أسباباً؛ نظراً إلى الظاهر أنها المبيحة له، فلا ينافي أن المبيح له هو: العجز عن استعمال الماء حساً أو شرعاً، وتلك أسباب للعجز.

تنبيه: أراد المصنف بالفقد: الحسيّ فقط، لا ما يشمل الشرعي، وإلَاّ .. كان ذكره السببين بعده تكراراً.

قال في "التحفة": فالحسي: ما تعذر استعماله حساً، ويؤيده قولهم في راكب بحر خاف من الاستقاء منه: لا إعادة عليه؛ لأنه عادم للماء.

ويترتب على كون الفقد هنا حسياً: صحة تيمم العاصي بسفره حينئذٍ؛ لأنه لما عجز عن استعمال الماء حساً .. لم يكن لتوقف صحة تيممه على التوبة فائدة، بخلاف ما إذا كان مانعه شرعياً كعطش ومرض.

وعبارة "المجموع": (لا يتيمم لعطشٍ عاص بسفره قبل التوبة اتفاقاً، وكذا من به قروح وخاف من استعمال الماء الهلاك؛ لأنه قادر على التوبة واجد للماء) اهـ

فالفقد في كلام المصنف لم يشمل التيمم لنحو الحاجة إلى الماء أو إلى ثمنه، فيكون قد أخل به فلذا كان تعبير "المنهج" بالعجز عن استعمال الماء -أي: حساً أو شرعاً-

ص: 147

أولى؛ لأنه شامل لجميع أسباب التيمم، وجعل في "الروضة" كأصلها أسباب العجز المذكورة سبعة، والأولى كونها: خمسة، أحدها: الفقد الحسي، وقد أشار إليه بقوله:(فإن تيقن) من ذكر من المحدث والجنب (فقد الماء) ولو بخبر عدل عند (م ر)، وإن كان الفقد بفعله كأن أتلف الماء، لا إن باعه في الوقت؛ لعدم صحة البيع ( .. تيمم بلا طلب)؛ لأنه حينئذٍ عبث.

(وإن توهم) وجود (الماء، أو ظنه، أو شك فيه) .. وجب طلبه لكل تيمم في الوقت ولو بنائبة الثقة، أو من وقع في القلب صدقه وإن أنابه جمع ولو قبل الوقت؛ لآية (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [النساء: 43]؛ إذ لا يقال لمن لم يطلب: لم يجد، ولأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء، وإنما لم يجب طلب المال للحج والزكاة؛ لأنه شرط للوجوب، وهو لا يجب تحصيله، وما هنا شرط للانتقال عن الواجب إلى بدله، فلزم، كطلب الرقبة في الكفارة، وإنما منعت الإنابة في القبلة؛ لأن مدارها على الاجتهاد، وهو يختلف باختلاف الأشخاص، بخلاف الفقد هنا، فإنه حسي لا يختلف.

وإنما يحصل الطلب إن (فتش) بنفسه أو نائبه (في منزله وعند رفقته) المنسوبين لمنزله عادة إن جوز وجود ماء عندهم، وبذلهم له ولو بأن ينادي: من معه ماء يجود به ولو بالثمن؛ لا كل القافلة إن فحش كِبرُها، ثم نظر حوليه من الجهات الأربع إن كان بمستو، ويمعن نظره في موضع خضرة وطير، وإلا .. صعد مرتفعاً ونظر (و) إن احتاج لنحو شجر إلى تردد .. (تردد) من كل جهة (قدر حد الغوث) وهو: ثلاث مئة ذراع، (فإن لم يجد) الماء فيما ذكر ( .. تيمم)؛ لتحقق الفقد حينئذٍ، ولو طلبه لفائتة أو نافلة لو لعطش، فلم يجده، فلما فرغ من الطلب دخل وقت حاضرة .. تيمم بلا طلب، ولو مكث موضعه بعد التيمم ولم يتيقن فقد الماء .. وجب الطلب لكل تيمم يطرأ، ولو خفيت عليه بئر عند تيممه، ثم علمها .. فلا قضاء لما صلاه به قبل علمه بها، كما لو ورث ماء، وتيمم مع عدم علمه به.

(وإن تيقن وجود الماء) أي: وثق به بحسب العادة، أو بخبر ثقة، أو من وقع في قلبه صدقة ( .. طلبه) وجوباً إن كان (في حد القرب) وهو قرب نصف فرسخ (وهو ستة آلاف خطوة)؛ إذ الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، قال

ص: 148

الشرقاوي: وهو بسير الأثقال: إحدى عشرة درجة وربع؛ وذلك أنهم يقصدون ما ذكر لدنياهم من نحو احتطاب، فلدينهم أولى.

(فإن كان) الماء (فوق حد القرب) ويسمى حد البعد ( .. تيمم) أي: جاز له التيمم وان علم وصوله في الوقت للمشقة في قصده.

(و) لكن (الأفضل) لمسافر، ومثله عار وعاجز عن قيام ومنفرد (تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء) أي: القدرة عليه أو على السترة أو القيام أو الجماعة (آخر الوقت) وقد بقي ما يسع جميع الصلاة وطهرها فيه؛ لما في ذلك من مزيد الفضل، وهذا إن لم تقترن بالتقديم فضيلة كالجماعة يخلو عنها التأخير، وإلَاّ .. فهو أفضل.

نعم؛ الأفضل أن يصليها أول الوقت بالتيمم، وآخره بالماء، أمَّا إذا لم يتيقنه .. فالتعجيل أفضل.

نعم؛ يسن تأخير لم يفحش عرفاً لظان جماعة، أو غيرها -مما مر- أثناء الوقت.

ولو علم ذو النوبة من متزاحمين على بئر أو سترة أنها لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت .. صلى بلا إعادة؛ لأنه عاجز حالاً حساً، والقدرة لا تعتبر بعد الوقت، بخلاف من به خبث، وعنده ماء لو غسله به .. خرج الوقت، فيسعى في تطهيره؛ لأنه غير عاجز حالا.

وخرج بتقيدي الأفضلية بـ (المسافر) -وهو من بمحل لا يغلب فيه وجود الماء وإن كان مقيما- المقيم وهو من بمحل يغلب فيه وجوده، وإن كان مسافراً .. فيجب عليه التأخير جزماً وإن خرج الوقت.

والثاني من الأسباب: الخوف من طلبه، كما قال:

(ولا يجب طلبه) أي: الماء (في حد الغوث وحد القرب إلا إذا أمن نفساً) وعضواً وبضعاً (ومالاً) واختصاصاً محترمات ولو لغيره، نعم إن تيقن وجوده .. لم يعتبر الأمن على الاختصاص، والمال الذي يجب بذله لماء الطاهر ثمناً أو أجرة؛ لأنه ذاهب على كل تقدير، والاختصاص وإن كثر دانق خير منه.

(و) أمن (انقطاعاً عن الرفقة) وإن لم يستوحش، وفارق الجمعة بأنها لا بدل لها، ولا تتكرر كل يوم.

ص: 149

(وخروج وقت) لصلاة مسافر، وإلَاّ كأن نزل آخره -ولو قصده .. وخاف فوته- تيمم وصلى ولا قضاء، بخلاف من معه ماء لا يحتاج في تحصيله إلى طلب، كأن كان في منزله -ولو فوق حد الغوث- فيستعمله وإن خرج الوقت، وما ليس في منزله ليس في يده، فلا يعد واجداً له وإن قرب، بل يتيمم -كما في "الايعاب" وغيره- إن كان قصده .. يخرج الوقت، لكن في كلام الشرقاوي، و (ب ج) وغيرهما: أنه لو تيقن الماء في حد الغوث، فإنه كالذي معه الماء، فلا يشترط حينئذٍ الأمن على خروج الوقت.

ويؤيده قولهم: (ولو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت، والماء بحد القرب ولو قصده خرج الوقت .. تيمم ولا قضاء)؛ لأن ظاهره أن قولهم: (والماء بحد القرب) قيد يخرج به ما لو كان بحد الغوث .. فيجب قصده، أمَّا المقيم .. فيقصد الماء وإن خرج الوقت كالعاصي بسفره، قال (سم): ولو فوق حد القرب ما لم يعد قصده سفرا).

(فإن وجد ماء لا يكفيه) لطهره ( .. وجب) عليه (استعماله)؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإنما لم يجب شراء بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ليس برقبة وبعض الماء ماء، والتراب كالماء. (ثم) بعد استعماله في بعض ما يريد تطهيره (تيمم) عن الباقي؛ إذ لا يتحقق الفقد المجوز للتيمم إلا بعد استعماله.

نعم؛ الترتيب واجبٌ في محدث، سنة في نحو جنب.

ولو كان عليه حدث وخبث، ومعه ما يكفي أحدهما فقط .. قدم الخبث؛ إذ لا بدل له وإن كان مقيما عند (م ر).

(ويجب) بعد دخول الوقت (شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب ولو ناقصاً، وبمحل لا يسقط به الفرض، وشراء نحو دلو، واستئجاره، كما يلزمه شراء ساتر العورة فإن امتنع صاحبه من بيعه بثمن مثله ولو تعنتا .. لم يجبر عليه لطهر، وأجبر عليه لعطش محترم إن لم يحتجه مالكه لذلك حالاً، وله حينئذٍ مقاتلته عليه، فإن قتله .. فهدر، وإنما يجب ما ذكر لما يكفي الواجب فقط، و (بثمن) أو أجرة (مثله) وهو ما يرغب به زماناً ومكاناً ما لم ينته الأمر لسد الرمق؛ إذ قد تساوي الشربة حينئذٍ دنانير ولا يكلف الزيادة على ذلك وإن قلَّت، نعم؛ الزيادة في المؤجل التي لا تعد فيه غبناً يكلفها، وهذا (إن لم يحتج إليه) أي: الثمن أو الأجرة (لدين) عليه ولو مؤجلاً، و (مستغرقٍ) صفة.

ص: 150

لازمة؛ إذ من لازم الاحتياج إليه لأجله استغراقه (أو مؤنة سفره) المباح ذهاباً وإياباً على التفصيل في الحج.

ولذا اعتبرت هنا الحاجة للمسكن والخادم أيضاً، ويعتبر في المقيم الفضل عن يومه وليلته كالفطرة (أو نفقة) أي: مؤنة (حيوان) من آدمي وغيره وإن لم يكن له ولا معه؛ لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء (محترم) وهو من حرم قتله كذمي وكلب غير عقور، بخلاف نحو مرتد وحربي وتارك صلاة -بشرطه الآتي- وزان محصن وكلب عقور، فلا يجوز لغير محترم شرب الماء، ويتيمم، ويحتمل خلافه؛ إذ لا يجوز له قتل نفسه، واستقربه في "الايعاب"، نعم إن كان إهداره يزول بتوبته كمرتد .. امتنع عليه شربه؛ لقدرته على التوبة المبيحة لترخصه، بخلاف نحو الزاني المحصن.

(ويجب) في الوقت إن تعين طريقاً، ولم يحتجه مالكه، وجوز بذله ولم يضق الوقت عن طلبه (طلب هبة الماء) وقرضه (واستعارة) نحو (دلو) ورشاء وقبولها إذا عرضت عليه؛ إذ لا تعظم المنة فيها ولم ينظروا لاحتمال تلف المعار، ووجوب غرم ثمنه مع زيادته على ثمن الماء؛ لأن الأصل السلامة، فإن لم يطلب أو يقبل .. أثم، ولم يصح تيممه ما دام الماء بحد القرب (دون اتهاب ثمنه) أي: ما ذكر من الماء، ونحو الدلو وأجرته واقتراض ثمن الماء، ونحو دلو؛ لثقل المنة فيه، وساتر العورة -فيما ذكر- كالدلو.

المبيح الثالث: الجهل بالماء ونسيانه: فإذا نسي بئراً بمحل نزوله أو ماء في رحلة أو ثمنه أو أضلهما، وتيمم وصلى، ثم تذكره أو وجده .. أعاد الصلاة، وإن أمعن الطلب؛ لوجود الماء مع نسبته إلى تقصير.

فإن أضل رحله الذي فيه نحو الماء في رحال، وأمعن الطلب، أو أُدرج في رحله ولم يعلمه، أو خفيت عليه بئر في موضعه، وتيمم وصلى .. فلا إعادة؛ إذ من شأن مخيم الرفقة أنه أوسع من مخيمه، فكان التقصير فيه أبعد، ولا ينافي وجوب القضاء -فيما مر- كونه مبيحاً لجواز التيمم، بل وجوبه معه على أنه يمكن دخوله في فقد الماء، كما يمكن دخول الثاني في الخامس، فترجع الأسباب إلى ثلاثة كما في "المنهاج".

ص: 151

تنبيه: مر عن "التحفة" أن المراد بالفقد الحسي: تعذر استعمال الماء حساً وإن كان موجودا، كما في راكب سفينة خاف غرقاً من أخذه من البحر، وعليه فهذا السبب من الفقد الحسي أيضاً.

وأما الثاني .. فمنه شرعي كخوف خروج الوقت، والانقطاع عن الرفقة، ومنه: حسي كالخوف من نحو سبع، لكن نقل (ب ج) عن (ق ل)، و (ح ف): أن ذلك من الشرعي، ويمكن أن يقال: إن نحو السبع مانع حسي من حيث أنه مانع له منه، وشرعي؛ لكون الشرع مانعاً له منه.

المبيح الرابع: الحاجة إلى الماء، كما قال:

(ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم) بأن يخشى عليه من العطش مرضاً أو غيره مما يأتي، وإن كان غير آدمي، أو لغيره، أو لم يكن معه (ولو في المستقبل) وإن ظن وجود الماء فيه ( .. وجب التيمم) وكالاحتياج إليه لعطش الاحتياجُ لبيعه لطعم محترم، أو لنحو دين عليه، أو لغسل نجاسة، ومع الاحتياج إليه لذلك يحرم الطهر به وإن قل ما توهم احتياج محترم في القافلة إليه وإن كبرت جداً، وكثير يتوهمون أن الطهر به حينئذٍ قربة، وهو من إفراط قبحهم وجهلهم، ولا يكلف الطهر به وجمعه لشرب غير دابة؛ لاستقذاره، ويلزمه ذلك لدابة خشي عليها وكفاها الذي استعمله، وكالمستعمل متغير بمستقذر عرفاً، بخلاف المتغير بنحو عرق سوس، يلزمه شربه إن كان يدفع العطش، والتطهر بالماء.

ولا يجوز شرب نجس ما دام معه ماء طاهر، بل يشربه ويتيمم، ويجوز سقي الدابة النجس، ويتطهر بالطاهر.

وغير المميز كالدابة في اسقائه المستقذر لا النجس، ويجوز لعطشان إيثار عطشان آخر بالماء، ولا يجوز لمحتاج إلى طهر إيثار محتاج آخر إليه بالماء، وإن كان حدثه أغلظ، إذ لا يجوز الإيثار في القرب، لأنها حق لله، بخلاف الشرب فحقه، ومن ظن حاجة غيره إلى الماء مآلاً .. لزمه تزوده له إن قدر، ولا يجوز ادخار ماء ولا استعماله لطبخ، وبلِّ كعك يسهل أكله يابساً، لكن جوّز (م ر) التيمم لاحتياجه لذلك حالاً، والخطيب: جوّزه مطلقاً.

ص: 152

ولو وجد العاصي بسفره الماء، واحتاجه لشربه أو كان به قروح .. لم يتيمم إلا إن تاب.

والخامس: أن يخاف من استعمال الماء محذوراً -مما يأتي- ولو متوقعاً، أو في الحضر؛ لآية (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى) [النساء: 43] أي: وخفتم من استعمال الماء محذوراً (فَتَيَمَّمُوا)[النساء: 43] بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما، كما قال:(ولا يتيمم للمرض) الحاصل أو المتوقع (إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس، أو) مال أو (منفعة عضو) -بضم أوّله وكسره- أي: خاف ذهاب ذلك أو نقصه، كنقض ضوء عين (أو) خاف (طول) مدة (المرض) وإن لم يزد، أو زيادته وإن لم يبطئ (أو حدوث شين قبيح) أي: فاحش كتغير لون أو نحول أو استحشاف أو ثغرة تبقى أو لحمة تزيد، وإنما يؤثر ذلك (في عضو ظاهر) وهو ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين، أو ما لا يعد كشفه هتكاً للمروءة، بخلاف الشين اليسير، كسواد قليل .. وبخلاف العضو الباطن ولو لأمة حسناء تنقص به قيمتها، ثم إن عرف ذلك بالتجربة أو بخبر عدل .. اعتمده، فإن انتفيا، وتوهم شيئا -مما مر- تيمم عند (حج)، وأعاد.

(ولا يتيمم للبرد إلا إذا لم تنفع تدفئة أعضاءه) في دفع المحذور المتقدم (ولم يجد ما يسخن به الماء) من إناء وحطب ونار (وخاف على) شيء -مما مر في المرض- من نفس، أو (منفعة عضو) له (أو حدوث) مرض، أو زيادته، أو بطأه أو (الشين المذكور) في المرض، فحينئذٍ يجوز للضرر، لكن عليه القضاء -كما يأتي- فإن نفعته التدفئة، أو قدر على التسخين، أو لم يخف شيئا مما مر في المرض .. لم يتيمم وإن تألم بالماء؛ إذ مجرد التألم لا يبيح التيمم.

(وإن خاف) شيئاً -مما مر- (من استعمال الماء) في جميع بدنه أو في جميع أعضاء وضوء المحدث .. وجب تيمم واحد، ولا غسل، أو (في بعض بدنه .. غسل الصحيح) ويتلطف بوضع خرقة مبلولة بقرب العليل ليغسل بقطرها ما حواليه من غير أن

ص: 153

يسيل إليه شيء، وهو غسل حقيقي، فإن تعذر .. أمسَّه ماء بلا إفاضة، وهذه رتبة فوق المسح ودون الغسل جوزت للحاجة هنا بدل الغسل للضرورة.

(وتيمم عن الجريح) تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) وإن كان الجرح في غيرهما بدلاً من غسل العليل؛ لئلا يخلو محل العلة عن الطهارة، ويجب أن يمر التراب على محل العلة -حيث لا ضرر إن كان بمحل التيمم- لا مسحه بالماء، لكن يسن، ولا يلزمه وضع ساتر على العليل لكن يسن إن تعذر إمرار التراب على العليل، وإلا .. لم يجز.

(فإن كان) مريد الطهارة (جنباً) أو نحوه ممن طلب غسل ولو مندوباً ( .. قدم ما شاء) من غسل الصحيح والتيمم؛ إذ لا ترتيب عليه، والأولى تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثره.

(وإن كان محدثاً) حدثاً أصغر ( .. تيمم عن الجراحة وقت غسل العليل)؛ رعاية لترتيب الوضوء، فلا ينتقل عن عضو عليل حتى يكمله غسلاً وتيمماً ومسحاً، فإن كان اليد .. وجب تقديم تيممها ومسحها -كغسلها- على مسح الرأس، وتأخيرهما عن غسل الوجه، وله تقديمهما على غسل الصحيح منها، وهو أولى؛ ليزيل الماء أثر التراب، وتأخيرهما عنه، وتوسيطه بينهما؛ إذ لا ترتيب في العضو الواحد، أو وجهه ويديه، فتيممان، فإن عمت الأعضاءَ الأربعة .. فتيمم واحد؛ لسقوط الترتيب.

ولا فرق فيما تقرر بين أن يكون على العليل جبيرة، أو لا، (ثم إن كان عليه جبيرة) وهي ألواح تهيأ للكسر أو الانخلاع تجعل على محله، لكن المراد هنا مطلق الساتر؛ ليشمل نحو اللصوق ( .. نزعها وجوباً) إن أمكن غسل الجرح بالماء، أو أخذت بعض الصحيح، أو كانت بمحل التيمم وأمكن مسح العليل بالتراب.

(فإن خاف من نزعها) محذوراً مما مر ( .. غسل الصحيح) حتى ما تحت أطرافها منه، ويتلطف -كما مر- (ومسح عليها) كلِّها في كل طهر وقت غسل العليل بماء إلى أن يبرأ بدلاً عما تحتها من الصحيح، فلو لم يكن تحتها منه شيء .. لم يجب مسحها، لا بتراب -لأنه ضعيف لا يؤثر مع الحائل، بخلاف الماء كما في مسح الخف- ولا بالماء؛ لأنه طهر لما تحتها من الصحيح، ولا شئ منه تحتها، ولو ترشح الساتر

ص: 154

بنحو دم .. عفي عن ماء مسحها كما في "التحفة" وغيرها، خلافاً "للشرح"(وتيمم عما تحتها) من الجريح تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) كما مر.

(ويجب عليه) أي: ذي الجبيرة (القضاء) إذا أخذت من الصحيح زائداً على حاجة الاستمساك وخشي شيئا مما مر من نزعها مطلقاً، أو (إذا) أخذت بقدر حاجة الاستمساك فقط، وقد (وضع الجبيرة على غير طهر) كامل، ولو في غير أعضاء الوضوء -عند (م ر) - وتعذر نزعها؛ لفوات شرط الستر من الوضع على طهر كالخف (أو كانت في الوجه واليدين) وإن وضعت على طهر؛ لنقص البدل والمبدل كما في "الروضة" لكن نقل عن "المجموع" ما يخالفه، ولا يجب القضاء إذا لم تكن بأعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً مطلقاً، أو أخذت منه بقدر الاستمساك فقط، ووضعت على طهر.

(ويقضي) وجوباً أيضاً (إذا تيمم للبرد) ولو في السفر؛ لندرة فقد ما يسخن به، أو ما يدثر فيه أعضاءه، وإنما لم يؤمر بالقضاء عمرو بن العاص لما تيمم للبرد؛ لأنه على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز.

(أو) إذا (تيمم لفقد الماء في الحضر) أي: في محل يندر فقده فيه، وفيما حواليه من سائر الجوانب إلى حد القرب، والعبرة عند (م ر): بمحل الصلاة، وبمحل التيمم عند (حج)، بخلافه في السفر أي: في محل يغلب فيه فقده، أو يستوي الأمران، فلا قضاء، وكذا لو شك فيه، أهو مما يغلب فيه الفقد، أم لا؟

(و) يقضي أيضاً المتيمم (المسافر العاصي بسفره) كآبق وناشزة في الأصح؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم فيه رخصة أيضاً، فلا يناط بمعصية، وإنما يصح تيممه مع القضاء إن فقد الماء حساً، كحيلولة نحو سبع، فإن فقده شرعاً .. لم يصح تيممه.

وخرج بالعاصي بسفره: العاصي بإقامته بمحل لا يغلب فيه وجود الماء، وتيمم لفقده، والعاصي في سفره كأن سرق في سفره المباح، فلا قضاء عليهما، ومقابل الأصح لا قضاء على العاصي بسفره؛ لأنه لمَّا وجب عليه .. صار عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ قل مسافر غير عاص بسفره.

قاعدة تشمل التيمم وغيره وهي:

ص: 155

أنَّ العذر إمَّا عام -وهو ما يغلب وقوعه- أو نادر، وهو إما دائم .. فلا قضاء في العام والدائم- أو غير دائم، وهو إما قتال، أو فرار مباح، ولا قضاء أيضاً فيهما، أو غيرهما فيجب.

* * *

(فصل: شروط التيمم) أي: مالا بد منه فيه؛ إذ بعض ما سيذكره أركان (عشرة) بل أكثر؛ إذ منها أيضاً ما لم يذكره، كفقد الماء حساً، أو شرعاً، وعدم المعصية بالسفر في الفقد الشرعي، لكنه قد أشار لذلك فيما مر، أو يقال: هذه ليست شروطاً له؛ لأنها عدمية، والشرط وجودي.

الأول: (أن يكون بتراب) على أي لون كان -كالمدر والسبخ وغيرهما- ولو محروقاً بقي اسمه أو مخلوطاً بنحو خل جف وإن تغيرت به أوصافه، وما أخرجته الأرضة من التراب وغير ذلك من كل ما له غبار، حتى ما يتداوى به، وغبار رمل خشن ولو منه، بحيث لا يلصق بالعضو؛ لأن الرمل من جنس التراب، لا من جنس الحجر، فلا يصح بالحجر المسحوق وإن صار له غبار، ولا بما يلصق من التراب بالعضو، لنداوته أو نعومته -نعم؛ رطوبة العضو الضرورية، كمن بلي بدمع عينيه، أو بعرق يصح تيممه- ولا بغير التراب من أجزاء الأرض أو المتصل بها؛ لأن الصعيد في الآية: هو التراب، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرت في "الشرح" هنا ما ينبغي مراجعته.

(و) الثاني: (أن يكون طاهراً) فلا يصح بمتنجس بنحو بول وإن جف، أو بعين نجاسة كتراب مقبرة نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الميت، ولو وقعت نجاسة في جانب من تراب، وجهل محلها منه .. لم يجتهد إلا إن جعله قسمين.

(و) الثالث: (أن لا يكون مستعملاً) في حدث -كما بقي في الوجه مثلاً بعد مسحه، أو تناثر منه بعد مسحه به- وكذا في خبث بأن استعمل في سابعة المغلظ، أو فيما قبلها وطهر، ولا يصير مطهراً بغسله في الصورتين؛ إذ وصف الاستعمال لا يزول عنه.

ص: 156

(و) الرابع: (أن لا يخالطه دقيق، ونحوه) وإن قل؛ لأنه لنعومته يمنع وصول التراب إلى العضو.

(و) الخامس: (أن يقصده)؛ لآية (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً)[النساء:43] أي: اقصدوه بالنقل بالعضو أو إليه ولو بفعل غيره بإذنه ولو صبياً أو كافراً أو حائضاً عند (م ر) ولا بد من نية الآذن (فلو) انتفى النقل كأن (سفته) عليه (الريح، فردده) عليه، أي: على العضو، ونوى ( .. لم يكفه)؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وإن قصد بوقوفه في هبوبها التيمم؛ لأنه لم يقصد التراب، بل التراب قصده.

نعم؛ لو نقله بعد ذلك العضو ولو من بعض عضو إلى بعضه الآخر، أو أخذه من الهواء ومسح به مع النية .. كفى.

(و) السادس: (أن يمسح وجهه ويديه بضربتين) أي: نقلتين يحصل بكل منهما استيعاب محله، وتكره الزيادة حينئذٍ، فإن لم يحصل الاستيعاب .. وجبت الزيادة؛ لخبر الدارقطني مرفوعاً:"التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".

(و) السابع: (أن يزيل النجاسة) غير المعفو عنها إن كانت على بدنه (أولاً) أي: قبل التيمم إن أمكن، فلو تيمم قبل إزالتها .. لم يصح، سواء نجاسة محل النجو وغيرها؛ لأنه للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت، بخلاف ما لو تيمم عارياً وعنده سترة؛ لأن سترة العورة أخف من إزالة النجاسة، ولذا لا إعادة على من صلى عارياً، بخلاف ذي الخبث فإن لم يمكن .. صح تيممه عند (حج)، ويصلي صلاة فاقد الطهورين عند (م ر)، ويجب عليه القضاء عندهما.

(و) الثامن: (أن يجتهد في القبلة قبله) فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها .. لم يصح عند (حج)، قال: ويفارق ستر العورة بما مرّ -أي: من أنه أخف من الخبث- فكذا هو أخف من ترك القبلة، وإنما صح طهر المستحاضة قبله؛ لأنه قوي أي:

لأنه بالماء.

(و) التاسع: (أن يقع) التيمم للصلاة التي يريد فعلها (بعد دخول الوقت) ولو ظناً؛ لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبله، بل يتيمم له فيه ولو قبل الإتيان بشرطه كستر وخطبة جمعة.

ص: 157

قال في "التحفة": (وإنما لم يصح التيمم قبل إزالة النجاسة الغير المعفو عنها عن البدن؛ للتضمخ بها مع كون التيمم طهارة ضعيفة؛ لا لكون زوالها شرطاً للصلاة، وإلا لما صح قبل زوالها عن الثوب والمكان، وألحق به الاجتهاد في القبلة -لما مر من وجوب الإعادة فيهما- ويدخل وقت الثانية في جمع التقديم بفعل الأولى، فيتيمم لها بعدها، لا قبلها. نعم إن دخل وقتها قبل فعلها .. بطل تيممه؛ لأنه إنما صح لها تبعاً، وقد زالت التبعية بانحلال رابطة الجمع، وبه فارق ما مر من استباحة الظهر بالتيمم ضحىً لفائتة؛ لأنه ثم لما استباحها .. استباح غيرها تبعاً، وهنا لم يستبح ما نوى الصفة المنوية فلم يستبح غيره وقضيته بطلان تيممه ببطلان الجمع بطول الفصل، وإن لم يدخل الوقت فقولهم: (يبطل بدخوله) مثال، لا قيد، ولو أراد الجمع تأخيراً .. صح التيمم للظهر وقتها؛ لأصالته، لا للعصر؛ لأنه ليس وقتاً لها ولا لمتبوعها، لأنها الآن غير تابعة للظهر) اهـ

واستوجه (م ر) جواز صلاته بالتيمم فريضة أخرى، وإن خرج الوقت ويتيمم للفائتة وقت تذكرها، فلو تيمم شاكاً فيها، ثم بانت عليه .. لم يصح، والمنذورة المتعلقة بوقت معين لا يصح لها قبله، وصلاة الجنازة بعد أقل غسله لكن يكره قبل التكفين، والنقل المؤقت بعد دخول وقته، فلا يتيمم لراتبه بعدية إلَاّ بعد فعل الفرض، وذو السبب بعد دخول الوقت الذي تجوز فيه، فيتيمم لتحية مسجد بعد دخوله، ولاستسقاء، وكسوف بعد تجمع أكثر الناس إن أرادها معهم، والَاّ .. فبعد انقطاع الغيث في الأولى وعند أول الانكساف في الثانية.

وإنما لم يتوقف العيد والجنازة على تجمع الناس؛ لأن الجنازة مؤقتة بوقت معلوم من فراغ الغسل إلى الدفن، والعيد وقته محدود، فلم يتوقفا على اجتماع بخلاف الكسوف والاستسقاء لا نهاية لوقتهما، فنظر فيهما إلى ما عزم عليه، لكن توقف الرشيدي كـ (سم) في الفرق بين صلاة الجنازة والكسوف، بل هو مؤقت بوقت معلوم كالجنازة، ويتيمم للنفل المطلق أي وقت شاء إلَاّ وقت الكراهة أو قبله؛ ليصلي به فيه.

(و) العاشر: (أن يتيمم) ولو صبياً (لكل فرض عيني) ولو نذراً أو غير صلاة -أداء أو قضاء-، لقول ابن عباس:(من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة)، ولأن الوضوء كان يجب لكل فرض، فنسخ يوم الخندق في الوضوء، وبقي التيمم على ما كان عليه.

نعم؛ تمكين الحليل فرض، وله حكم النفل، وخطبة الجمعة فرض كفاية، ولها

ص: 158

حكم فرض العين؛ رعاية للقول إنها بمثابة ركعتين، وإنما لم يستبح الجمعة -عند (حج) - بنيتها نظراً لكونها فرض كفاية، بخلاف المعادة، فيجمع بينها وبين الأولى بتيمم سواء أسقطت الأولى القضاءَ، أم لا؛ لأن الفرض في الحقيقة أحدهما فقط، ولو نذر أن يصلي أربع ركعات، فإن صلاهن بتحرم واحد .. كفاه تيمم واحد، وإلا .. تيمم لكل ركعتين.

وخرج بالفرض العيني: النفل، وفرض الكفاية كصلاة جنازة وإن تعينت، فله أن يستبيح بتيمم واحد ما شاء منهما، وجمع كل منهما مع فرض.

* * *

(فصل: فروض) أي: أركان (التيمم خمسة:

الأول: النقل) للتراب، أي: تحويله من أرض أو هواء إلى العضو الممسوح، وأما القصد .. فداخل في النقل، لكن عدَّه جمع ركناً كالتراب، ولم يعدوا الماء ركناً في نحو الوضوء؛ لعدم اختصاصه به، بخلاف التراب.

(الثاني: نية الاستباحة) لما يفتقر إليه، كمس المصحف، والصلاة، وإذا نوى ذلك الأمر العام .. نزل على أدني مراتبه الآتية، ولو تيمم بنية الاستباحة مثلاً ظآناً أن حدثه أصغر، فبان أكبر، أو عكسه .. صح؛ لأن موجَبهما متحد، بخلاف ما لو تعمد ذلك؛ لتلاعبه. ولو كان عليه حدث أكبر وأصغر، وتيمم بنيتهما، أو الأكبر فقط .. كفى لهما، أو بنية الأصغر فقط .. كفى له دون الأكبر.

ولا تصح نية التيمم إلا في بدل نحو غسل الجمعة، ولا فرض التيمم -نعم؛ إن نوى به الفرض الإبدالي .. صح واستباح به ما عدا الصلاة، وإن زاد للصلاة .. استباح به ما عدا الفرض، وإن زاد للصلاة المفروضة .. استباح به الفرض وما دونه- ولا رفع الحدث أو الطهارة عنه في نيته ما لم ينو بالحدث المنع، وبرفعه رفعاً خاصاً بفرض ونوافل.

(ويجب قرنها بالضرب) أي: النقل؛ لأنه أول الأركان (واستدامتها إلى مسح) شيء من (وجهه) حتى لو عزبت قبل مسح شيء منه .. بطلت وإن استحضرها عنده عند

ص: 159

(حج)؛ لأنه المقصود، والنقل وسيلة له، ولو نقل فأحدث، ثم جدد النية قبل المسح .. صح؛ لحصول النقل ثانياً مع النية (فإن نوى) بتيممه (استباحة الفرض) واحداً أو أكثر ( .. صلى الفرض) أي: استباح به فرضاً واحداً من صلاة أو غيرها ولو نذراً، أو غير ما نواه (والنفل) بأنواعه وإن لم ينو استباحته مع الفرض؛ لأنه تابع، كما إذا أعتق الأم .. فيعتق الحمل، وصلاة الجنازة في رتبة النفل وإن تعينت، وتمكين الحليل وإن كان فرضاً في رتبة مس المصحف، (أو) نوى (استباحة النفل أو الصلاة) أو الطواف (أو صلاة الجنازة) .. استباح به ما دون الفرض العيني من نفل صلاة وطواف وصلاة جنازة، ونحو سجدة تلاوة، وكذا خطبة جمعة عند (حج)، و (لم يصل) أي: يستبح (به الفرض) العيني أصالة، ولو من صبي ومعادة وطواف وداع؛ لأنه كالفرض العيني؛ لأن الفرض العيني أصل، فلا يكون تابعاً للنفل، ولا لمطلق الصلاة؛ إذ الأحوط تنزيلها على النفل، ولا لصلاة الجنازة؛ لأنها اشبهت النفل في جواز الترك، وإن نوى استباحة ما عدا الصلاة والطواف، كمس مصحف وحمله وسجدة تلاوة، ومكث نحو جنب بمسجد وقراءته قرآناً ولو فرضاً، وتمكين حليل .. استباح بكل مما ذكر ما في رتبته، وهو ما ذكر من مس المصحف وما بعده.

(الثالث: مسح) جميع (وجهه) السابق في الوضوء إلا ما يأتي؛ أي: إيصال التراب إليه، ولو بنحو خرقة، ومنه ظاهر لحيته المسترسل، والمقبل من أنفه على شفته، ونقل عن أبي حنيفة جواز الاقتصار على أكثر الوجه.

(الرابع: مسح يديه بمرفقيهما) كالوضوء؛ للآية، مع خبر الترمذي:"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" ولأنه بدل عن الوضوء، فيعطى حكمه في كون اليد إلى المرفقين، واختار النووي وغيره القديم أنه إلى الكوعين.

(الخامس: الترتيب بين المسحتين) ولو لجنب، لا بين النقلين، فلو ضرب بيديه، ونقل بيساره قبل يمينه، ومسح بيمينه وجهه، ثم مسح بيساره يمينه .. جاز؛ لأن النقل -وإن كان هنا ركناً كمسح الوجه- وسيلة، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد.

نعم؛ يسن ترتيبه؛ للخلاف القوي في وجوبه.

ص: 160

(وسننه: التسمية) أوّله، ولو لنحو جنب (وتقديم اليمنى) على اليسرى (و) تقديم (أعلى وجهه) على أسفله -كالوضوء في جميع ذلك- (وتخفيف الغبار)؛ للاتباع؛ ولئلا يشوه خلقه، ومن ثم لا يسن تكراره، وندب أن لا يمسح الغبار عن أعضاءه إلا بعد الصلاة، وأن لا يرفع يده عن العضو حتى يتم مسحه (والموالاة) فيه بتقدير التراب ماء كالوضوء (وتفريق الأصابع في الضربتين)؛ لأنه أبلغ في إثارة التراب، ولا ينافي ندب التفريق في الثانية نقل ابن الرفعة: الاتفاق على وجوبه فيها؛ لأنه محمول على من لم يرد تخليل الأصابع، والندب على من أراده (ونزع الخاتم)؛ في الضربة الأولى؛ ليكون مسح الوجه بجميع الراحة (ويجب نزع الخاتم في الثانية) عند المسح؛ ليصل الغبار إلى محله، ولا يكفي تحريكه ما لم يتيقن وصول التراب لجميع ما تحته.

(ومن سننه: إمرار اليد على العضو) الممسوح كالدلك في الوضوء (ومسح العضد) للتحجيل كالوضوء (وعدم التكرار) للمسح؛ إذ يسن تخفيف الغبار في الأولى، وأن يأتي به على الكيفية المشهورة، (والاستقبال) للقبلة (والشهادتان) وما بعدها كما في الوضوء (بعده) مستقبلاً للقبلة، رافعاً يديه وبصره إلى السماء كالوضوء.

وأمَّا مكروهاته .. فمنها: تكثير التراب، وتكرار المسح، وعدم التيامن، وغير ذلك.

وأما مبطلاته .. فثمانية: الحدث، والردة، ووجود الماء ولو في صلاة لم تسقط القضاء، وتوهم الماء في غير صلاة، كأن رأى من جوز معه ماء بلا حائل من نحو سبع وعطش، فلو سمع قائلاً يقول: من يريد ماء للشرب .. بطل تيممه؛ للتوهم، بخلاف من يريد للشرب ماء، والقدرة على ثمنه بلا مانع، كدين، وزوال العلة المبيحة للتيمم ولو في صلاة لا تسقط القضاء، لا توهم زوالها، والإقامة أو نيتها وهو في صلاة مقصورة في غير التوهم.

ويخالف الوضوء أنه لا يرفع الحدث بمعنى الأمر الاعتباري، ولا يجب إيصال التراب فيه إلى منابت الشعر، ولا يجمع به فرضان ولو من صبي، ولا يصلي به فرض

ص: 161