الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعم؛ يسن الاشتغال بنحو الذكر سراً وإن لم يؤد السكوت لما مر.
(و) يكره (إتباعها) بإسكان التاء (بنار) بمجمرة أو غيرها؛ لأنه تفاؤل قبيح.
نعم؛ لو احتيج إليه كضوء في دفن بليل في ظلمة .. لم يكره (واتباع النساء) الجنازة إن لم يتضمن حراماً، وإلا حرم للنهي عنه.
فروع:
من مرت به جنازة .. ينبغي أن يدعو لها، ويثني عليها إن كان أهلاً، ويقول: سبحان الحي الذي لا يموت، ويتأكد الاعتناء بحضور الجنائز من الغسل إلى تمام الدفن؛ لخبر الصحيحين "من صلى على الجنازة .. فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن .. فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين"، وفي حديث الطبراني "من تبع جنازة حتى يقضي دفنها .. كتب له ثلاث قراريط" فعليه: يكون الأول لحضور معها من المنزل قبل الصلاة، والثاني للصلاة، والثالث للتشييع ويؤيده ما في البخاري: أن القيراطين غير قيراط الصلاة، ويتعدد بتعدد الجنائز.
ووجود منكر مع الجنازة كالنوح لا يمنع من تشيع الميت؛ لأن الحق لا يترك للباطل.
* * *
(فصل) في أركان الصلاة على الميت
وما يتعلق بها، وهي من خصائصنا، لكن نظر فيه بالصلاة على آدم عليه السلام.
(أركان صلاة الميت السبعة:
الأول: النية، كغيرها) فيجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض.
ومنه: مقارنة النية للتكبير، ونية الفرضية ولو من أنثى، لا بقيد كونها كفاية كما لا تتقيد ثم بكونها عيناً، وفي نية الفرضية من الصبي الخلاف السابق ثَمَّ.
لكن نقل (ب ج) عن (م ر): وجوبها عليه هنا؛ لأنها تسقط الحرج عن غيره، وثمَّ لا تسقط عنه، وتصح نية فرض الكفاية هنا وإن تعينت عليه؛ لأن تعينها عليه عارض.
ويجب على المأموم نية الاقتداء، فإن لم ينوها وتابع في تكبيرة مع انتظار كثير .. بطلت.
ولا يجب تعيين الميت، بل يكفى أدنى مميزكـ (على هذا)، أو (من صلى عليه الإمام) ولو في صلاة الغائب، ولابدَّ في الصلاة عليه من شرط كونه غائباً مغسلاً غير شهيد.
قال الكردي: (وتندرج في قوله: أصلى على من تصح الصلاة عليه، فإن تذكر هذا الإجمال ونواه .. فواضح، وإلا .. فلا بد من التعرض لهذه الشروط) اهـ
ويكفي في الجمع قصدهم لا معرفة عددهم، فلو نوى على بعض منهم معين .. صح، أو مبهم .. لم تصح وإن صلى ثانياً على من بقي منهم.
ولو عين الميت وأخطأ ولم يشر إليه .. لم تصح على ما مر في تعيين الإمام، ومن حضر من الموتى بعد النية .. وجب له استئناف صلاة، فإن نواه أثناء صلاته على غيره .. لم تصح ولم يبعد بطلانها إن علم وتعمد؛ لتلاعبه.
ولو نوى عشرة، فبانوا أحد عشر .. لم تصح، أو عكسه .. صحت، أو على حي وميت .. صحت على الميت إن جهل.
ولو نوى حاضراً وغائباً، والإمامُ حاضراً أو عكسه .. صحت؛ إذ توافق النيات غير شرط.
(الثاني) من الأركان: (أربع تكبيرات) بتكبيرة الإحرام إجماعاً، فإن زاد ولو عالماً عامداً وبقصد الركنية .. لم يضر، لثبوته في مسلم، ولأنه ذكر، وزيادته لا تضر، كتكرير الفاتحة بقصد الركنية.
وإذا زاد الإمام .. لا يتابعه؛ لأنه غير مشروع، وللمأموم حينئذٍ مفارقته، وهو فراق بعذر، أو ينتظره.
ولو تابعه المسبوق في الزيادة وأتى بواجبه من نحو قراءة .. حسب له وإن علم الزيادة؛ لأنها جائزة للإمام، وبهذا فارق المسبوق المتابع لإمامه في خامسة، حيث فصل فيه بين الجهل فتصح وتحسب له، والعلمِ فتبطل صلاته.
(الثالث: قراءة "الفاتحة") أو بدلها؛ لعموم خبر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
والأفضل: كونها بعد الأولى، وتصح بعد غيرها على المعتمد، وإذا أتى بها بعد غير
الأولى .. جاز تقديمها على ذكره وتأخيرها عنه، بل يصح الإتيان بها بعد الزائدة كالخامسة.
أمَّا غيرها .. فتتعين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية، والدعاء للميت بعد الثالثة.
(الرابع: القيام للقادر) عليه ولو صبياً وامرأة مع رجال؛ لأنها فرض كالخمس، فيأتي هنا ما مر ثمَّ في القيام، وإلحاقها بالنفل في التيمم لا يلزم منه ذلك هنا؛ لأن القيام هو المقوم لصورتها، ففي عدمه محو لصورتها بالكلية.
(الخامس: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد) التكبيرة (الثانية)؛ لأنه من السنة، كما رواه الحاكم عن جمع من الصحابة وصححه، ولفعل السلف والخلف.
ويسن الصلاة على الآل، والدعاء للمؤمنين عقبها، والحمد قبلها.
ويسن ضم السلام للصلاة هنا بخلافه في غيرها من الصلوات؛ لتقدمه فيه.
لكن في (ب ج) عن (م ر): عدم سن السلام هنا، وأن لا كراهة في الإفراد هنا.
(السادس: الدعاء للميت) بخصوصه بأخروي ولو أقل ما ينطلق عليه اسم الدعاء، كاللهم ارحمه وذلك؛ لأنه المقصود من الصلاة، وما قبله كالمقدمة له.
وصح خبر: "إذا صليتم على الميت .. فأخلصوا له الدعاء".
وظاهره: أن الطفل كغيره في ذلك، وليس قوله: اللهم اجعله فرطاً .. إلخ، مغنياً عن الدعاء له عند (حج)؛ لأنه دعاء باللازم، وهو لا يكفي؛ لأنه إذا لم يكف بالعموم .. فهذا أولى.
وإنما يجزئ الدعاء له (بعد الثالثة) أي: عقبها.
قال في "التحفة": (قال في "المجموع": وليس لتخصيصه بها دليل واضح) اهـ
ومع ذلك تابع الأصحاب على تعيينه فيها دون الأولى بالفاتحة.
قال غيره: (وكذا ليس لتخصيص الصلاة بالثانية ذلك) اهـ واعترضه (سم) بما رده (ب ج) وغيره.
(السابع: السلام) -كغيرها من الصلاة فيما مر فيه- وجوباً وندباً إلا في (وبركاته) .. فسنة هنا عند (حج)، لا ثَمَّ.
والمختار من حيث الدليل سنها ثَمَّ أيضاً.
ويجب كونه بعد التكبيرة الرابعة، ولا يجب بعدها ذكر.
(وسن رفع يديه) على ما مر في الرفع؛ لتكبيرة الإحرام (في) كل من (التكبيرات) الأربع، ويظهر عدم سنه في الزائد عليها لو أتى به؛ لأنه غير مطلوب في ذاته، فالرفع له كذلك، ومثله الرفع للزائد في تكبير العيد.
ويسن أن يضع يديه بين كل تكبيرتين تحت صدره، ويجهر الإمام ندباً بالتكبيرات والسلام، لا بغيرها، والمبلغ المحتاج إليه مثله.
(والإسرار) بقراءة وذكر وغيرهما إلا ما مر ولو ليلاً؛ لما صح عن أبي أمامه: أنه من السنة، فترك الرفع خلاف الأولى، وترك الإسرار مكروه كتركه في غيرها من الصلاة.
(والتعوذ) للفاتحة؛ لأنه سنة للقراءة (دون الاستفتاح) والسورة وإن صلى على قبر أو غائب.
نعم؛ ينبغي للمأموم إذا فرغ قبل إمامه من نحو (فاتحة) .. أن يدعو للميت عند (ع ش).
وفي "الإيعاب": أنه يأتي بالسورة بعد (الفاتحة)، ويندب الدعاء للمؤمنين عقب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما مر، وبعد الثالثة:
(اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا .. فأحيه على الإسلام، ومن توفيته .. فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده).
ويقول مع ذلك في الطفل الذي أبواه مسلمان: (اللهم اجعله فرطاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً وشفيعاً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره).
فإن لم يكونا حيين أو مسلمين .. أتى بما يقتضيه الحال.
وقي الكبير: (اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك .. إلخ)، وهو المشهور.
ويجوز تأنيث الضمائر إلا الهاء من منزول به، باعتبار أن الميت نسمة، وتذكيرها بملاحظة الميت أو الشخص، فإن لم يلاحظ ذلك .. وجب التذكير في المذكر، والتأنيث في المؤنث، وفي "الأصل" زيادة بسط هنا.
ويسن بعد الرابعة الدعاء، قال في "التحفة":(وصح تطويل الدعاء بعد الرابعة، فيسن ذلك، وظاهر إطلاقهم إلحاقها بالثالثة، أو تطويلها عليها) اهـ
وفي "النهاية": حده كما بين التكبيرات، أي: الأولى والأخيرة، كما أفاده الحديث.
ومنه: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.
ويصلي بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ فيها آية:(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) إلى (العَظِيم)[غافر:7]، وآية:(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)[البقرة:201]، وآية (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8] اهـ
لكن في "فتاوى حج": أن القراءة بعد غير الأولى مكروهة، كالقراءة في غير القيام في غيرها.
ولو تخلف عن إمامه بلا عذر بتكبيرة حتى شرع إمامه في أخرى .. بطلت صلاته، بأن كبر إمامه الثالثة وهو لم يكبر الثانية؛ لأنه تخلف فاحش، كهو بركعة.
وخرج بـ (حتى كبر أخرى): ما لو تخلف عن إمامه بالرابعة حتى سلم .. فلا تبطل عند (م ر) فإن كان عذر، كأن نسي القراءة ثم تذكر، واشتغل بها حتى كبر إمامه .. لم تبطل بسبقه بتكبيرة، بل بتكبيرتين بأن شرع في الرابعة والمأموم في الفاتحة.
قال (ب ج): (هذا على طريقة من يعين "الفاتحة" عقب الأولى) اهـ
أو كأن نسي للصلاة أو القدوة، فلا يضر التخلف هنا ولو بجميع التكبيرات، كما لو نسي ذلك في غيرها من الصلاة، فلا يضر ولو بجميع الركعات.
بل في "التحفة": أن التخلف لعذر لا يضر مطلقاً، فيجري على ترتيب نفسه، ولو تقدم عمداً بتكبيرة .. لم تبطل؛ لأن غايته أنه كزيادة تكبيرة، وهو لا يضر كما قاله (حج)، وخالفه (م ر)، ما لم يقصد بها الذكر.
ويكبر مسبوق، ويقرأ (الفاتحة) ندباً كما قاله (سم)، ووجوباً كما قاله الزيادي؛ لأن المسبوق تتعين عليه (الفاتحة) في الأولى؛ لسقوطها، أو بعضها عنه بتكبير الإمام قبل
قراءته لها، حتى لو قصد تأخيرها .. لم يعتد بقصده.
وإذا كبر الإمام قبل إتمامه لها .. تابعه في التكبير، وسقطت عنه كلها أو بعضها إن لم يشتغل بالتعوذ، وإلا .. أتى بقدره -نظير ما مر ثَمَّ- ثم يكبر، ويكون متخلفاً بعذر إن ظن أنه يدرك الفاتحة بعد التعوذ، كأن أدركه من أول صلاته، أو كان الإمام بطيء قراءة، وإلا .. فهو بعيد؛ إذ لا دعاء افتتاح هنا.
وكذا لو جمع الموافق بين الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، فتخلفه لما بقي منهما تخلف بعذر.
وإذا سلم الإمام .. تدارك المسبوق ما بقي عليه من التكبيرات بأذكارها حتى لو لم يتم الفاتحة مع سلام الإمام .. أتمها، ولا تسقط عنه كالتكبير، وإنما سقطت تكبيرات العيد؛ لأنها سنة، والاشتغال بها يفوت عليه الإنصات للإمام، بخلافها هنا.
ويندب أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوق صلاته، ولا يضر رفعها قبل تمامه وإن حولت عن القبلة، وزاد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع، وحال حائل في الدوام، لا في الابتداء.
ولو أحرم على جنازة سائرة .. صح إن كانت عند إحرامه لجهة القبلة ولا حائل بينهما في الابتداء، ولم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع إلى تمام الصلاة، فلا يضر الحائل في الأثناء.
وفي "التحفة": يضر الحائل كالزيادة على ثلاث مئة ذراع مطلقاً.
(ويشترط فيها) أي: صلاة الجنازة (شروط الصلاة) وفي القدوة فيها شروط القدوة الماران.
ويكره ويسن ما كره وسن ثَمَّ مما يأتي هنا منها.
ولها شروط زائدة، منها: تقدم طهره بماء أو تراب، وطهر ما اتصل به كصلاة الحي، فيضر نجاسة ببدنه أو كفنه أو برجل نعشه وهو مربوط به.
نعم؛ لا يضر نجاسة القبر ونحو دم من مقتول مثلاً لم ينقطع.
ومنها: عدم التقدم على الميت الحاضر ولو في القبر، فإن كان غائباً .. جاز.
ومنها: أن يجمعهما مسجد أو مكان واحد، بأن لا يكون بينهما حائل، ولا أزيد من ثلاث مئة ذراع تقريباً ابتداءً فيهما كما مر.
أمَّا ما لا يتأتى هنا كالوقت الشرعي .. فليس شرطاً لها، بل لها وقت آخر يدخل بتمام طهره وإن لم يكفن، لكنها تكره قبله؛ لما فيها من الإزراء بالميت.
وفرقوا بين الطهر والستر بأن إعتناء الشارع بالطهر أقوى.
وكذا فرقوا بينهما في مواضع، مع قول (حج) في كتاب "الأعلام" بأن القول بأن إزالة النجاسة لا تشترط للصلاة قوي، والقول بعدم شرطية السترة واه لا يعتد به، فعليه: السترة أقوى.
ويسقط فرضها بذَكر ولو صبياً، ومع وجود رجل؛ لأنه من جنس الرجال، وصلاته أرجى للقبول وإن كانت نفلاً؛ لأنها قد تغني عن الفرض، كما لو بلغ بعدها في الوقت لا بغير ذكر مع وجوده ولو صبياً في محل الصلاة وما ينسب إليه كخارج السور القريب منه؛ لأنه أكمل.
وعليه: لو كان الذكر صبياً .. يلزمهن أمره بها، وضربه على تركها، فالوجوب عليهن، والفعل منه، فإن امتنع بعدهما .. صلت النساء، وسقط الفرض وإن حضر بعدها رجال.
واستبعد (حج) عدم مخاطبتهن مع وجود صبي، وقال: وإنما يتجه إن راد الصلاة، وإلا .. توجه الأمر عليهن.
وتندب الجماعة في صلاتهن على الجنازة، وتقع نفلاً مع الاكتفاء بغيرهن كما في (ب ج)، لكن قال (حج) والجمهور: إن الجماعة لا تسن لهن.
ويجب تقديم الصلاة على الدفن، فإن دفن قبلها .. أثم كل من علم بها ولم يعذر، ويسقط الفرض بالصلاة على القبر.
(ويصلي) من يأتي جوازاً، بل ندباً، خلافاً لمالك وأبي حنيفة (على الغائب) عن عمران البلد وسورها، وعن حد غوث وإن لم يكن في جهة القبلة؛ لما صح:(أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بموت النجاشي يوم موته، ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه هو وأصحابه، وذلك سنة تسع).
ويسقط بها الفرض عن أهل محله إن علموا بها، ولا بد من ظنه أن الميت غسل، أو ينوي الصلاة عليه إن غسل.
أمَّا من بالبلد .. فلا يصلى عليه إلا من حضره وإن كبرت البلد، وعذر بنحو مرض أو حبس كما في "التحفة".
لكن في "لإمداد"، و"النهاية": أنها تصح إن شق عليه الحضور.
(و) على قبر (المدفون) وإن بلي؛ لأن عجب الذنب لا يفنى، سواء دفن قبل الصلاة أم بعدها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد.
ويسقط بها الفرض وإن أثم دافنوه، بشرط أن لا يتقدم عليه، وعدم حائل، وأن لا يزيد ما بينه وبينه على ثلاث مئة ذراع تقريباً.
وإنما يصلي عليهما (من كان من أهل) أداء (فرض الصلاة عليه) أي: على من ذكر منهما (يوم الموت) أي: وقته.
والمعتمد: اعتبار قبل الدفن بزمن يتمكن فيه من الصلاة بأن يكون حينئذٍ مسلماً مكلفاً طاهراً؛ لأنه يؤدي فرضاً خوطب به، ولا يصح إلَاّ ممن كان كذلك.
فلا تصح من كافر وغير مكلف ونحو حائض حينئذٍ؛ لأنهم متطوعون بها، وهذه لا يتطوع بها.
ويرد عليه: صلاة النساء مع وجود الرجال؛ فإنها تطوع وتصح، إلا أن يجاب بأنهن من أهل الفرض في الجملة، أي: بتقدير انفرادهن.
ومعنى (لا يتطوع بها): لا يؤتى بها ابتداءً على صورة النفلية، أي: من غير جنازة، بأن يصليها بلا سبب، أو المعنى: لا يطلب فعلها ممن فعلها أولاً.
ومع ذلك، لو صلاها ثانياً ولو مراراً ومنفرداً .. وقعت نفلاً مطلقاً، وتجب لها نية الفرضية أي: صورة.
أمَّا من صلاها من لم يصل عليها أولاً .. فتقع له ولو على القبر فرضاً كالأول؛ إذ ليس فعل بعضهم أولى بوصف الفرضية من بعض وإن أسقط الأول الحرج.
ولا يقال: كيف تقع صلاة الثاني فرضاً مع أنه لو تركها .. لم يأثم؟! لأنه قد يكون الشيء غير فرض، فإذا دخل فيه .. صار فرضاً كالحج ممن قد حج، وإحدى خصال كفارة اليمين.
وقولهم: (فرض الكفاية يسقط بفعل واحد) معناه: يسقط الإثم به، ولو فعله غيره .. وقع فرضاً أيضاً.
(إلا النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، فلا يصلى على قبورهم بحال؛ لخبر:"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذو قبور أنبيائهم مساجد"، أي بصلاتهم إليها، وهذا الدليل لا يطابق المُدَّعى؛ لأن المُدَّعى في الصلاة عليها، والدليل في الصلاة إليها.
وفيه إشكال آخر، وهو أن النصارى لم يمت نبيهم، ومع ذلك فالحكم وهو منع الصلاة عليهم مسلم؛ لأنا لم نكن من أهل فرضها عند موتهم عند (حج) ولذلك، وللنهي عند (م ر).
(وأولى الناس) أي: أحقهم، كما في "النهاية".
وفي "التحفة": يحتمل أنه بمعنى أحق، فيكون الترتيب واجباً، ويحتمل أنه على ظاهره، فيكون مندوباً، ثم قال: وكلام "الروضة" ظاهر في الثاني.
وقال (سم): ظاهر الندب أنه لو تقدم غير الأولى بغير رضا الأولى .. أنه لا يحرم؛ لأن الجميع مخاطبون بهذا الفرض حتى الأجنبي.
(بالصلاة عليه) أي: الميت ولو امرأة (عصباته) الذكور وإن أوصى بها لغيرهم، فلا تنفذ بها وصيته لغيرهم، أي: لا يجب تنفيذها وإن كان هو الأولى؛ رعاية لغرض الميت، فقد أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى بها لصهيب وأجازها أولياؤهما.
ويقدم منهم الأقرب فالأقرب؛ نظراً لمزيد الشفقة، إذ من كان أقرب .. دعاؤه أقرب للإجابة.
فيقدم الأب، فالجد لأب وإن علا، فالابن، فابنه وإن سفل، فباقي العصبة من النسب، فالولاء، فالسلطان على ترتيب الإرث في غير ابني عم أحدهما أخ لأم، فيقدم أخ لأم هنا وإن لم يقدم في الإرث، فيقدم أخ شقيق ثم لأب، ثم ابن الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم عم شقيق، فلأب، فابن العم الشقيق، فابن العم لأب، ثم المعتق، فعصبته، فمعتق المعتق، فعصبته، وهكذا، ثم الإمام.
(ثم ذوو الأرحام) الأقرب فالأقرب، فيقدم أبو أم، ثم بنو البنات، فأخ لأم، فخال، فعم لأم.
ولا حق للوالي ولا للزوج ولا للسيد إذ وجد أحد من الأقارب، وإلا .. قدما على الأجانب، بخلاف الغسل والدفن والتكفين فلهما حق فيها، ولا للمرأة مع ذكر، وإلا .. قدمت بترتيب الذكر، ولا لقاتل وعدو ونحو صبي.
ولو استوى اثنان في درجة وهما أهل للإمامة .. قدم العدل الأسن في الإسلام على الأفقه، بخلاف ما مر في سائر الصلوات؛ لأن الغرض هنا الدعاء، ودعاء الأسن أقرب للإجابة.
ويقدم العدل الحر الأبعد على القن القريب الأفقه والأسن؛ لأنه أليق بالإمامة، لأنها ولاية.
فإن استووا في جميع ما ذكر، وغيره مما مر .. أقرع.
أمَّا من لم يكن أهلاً للإمامة، كفاسق .. فلا حق له فيها.
ولا يقدم نائبه، وإنما يقدم نائب المرأة في ملكها في إمامة الصلاة؛ لأن تقديمه لمعنى خارج عن ذاتها، وهو الملكية، وهو غير موجود هنا.
ولا تؤخر الصلاة لغير ولي، أمَّا هو .. فتؤخر له إن رجي حضوره ولم يظن رضاه، وإلا .. صلي عليه.
ويسن أن يقف غير مأموم من إمام ومنفرد ولو على القبر عند رأس ذكر، وعجز غيره؛ للاتباع.
قال (ب ج)، والونائي بأن يوضع رأس الميت لجهة يسار الإمام والمنفرد، ورأس الأنثى عن يمينهما؛ ليكون معظم الميت عن يمينهما، خلاف ما عليه عمل الناس في الذكر، وعلى ما عليه عملهم في الأنثى، وهذا في غير المسجد النبوي، أمَّا فيه .. فيجعل رأس الميت يسارهما مطلقاً؛ ليكون رأسه جهة القبر الشريف كما قاله بعض المحققين. اهـ
ولو حضر رجل وامرأة في نعش واحد .. روعيت المرأة.
ويجوز على جنائز صلاة واحدة برضا أوليائها، والأفضل إفراد كل بصلاة إن أمكن، فإن خيف نحو تغيره بالتأخير .. فالأفضل الجمع، بل إن ظنه وجب.
ولو حضرت الجنائز مرتبة .. فولي السابقة أولى، وقدم إلى الإمام الأسبق من الذكور أو غيرهم إن كانوا من نوع واحد وإن كان المتأخر أفضل، فلو سبق غير ذكر، ثم حضر
ذكر أُخِّر غير الذكر له، أو حضروا معاً .. أقرع بين الأولياء، وقدم إليه الرجل، فالصبي فالخنثى فالمرأة، فإن اتحد النوع .. قدم إليه أفضلهم بالورع ونحوه، لا بالحرية؛ لانقطاع الرق بالموت.
وتحرم الصلاة على كافر ولو ذمياً كما مر، وكذا الدعاء له بأخروي، ولمن شك في إسلامه ولو من والديه، بخلاف من ظنه ولو بقرينة، فيُعلَّق بـ (إن كان مسلماً)، ولو اختلط من يصلي عليه بغيره، كمسلم غير شهيد بكافر أو شهيد، ولم يتميز .. وجب تجهيز كل، وصلى على الجميع، وهو أفضل بقصد من تصح الصلاة عليه منهم، أو على واحد فواحد، بقصد الصلاة عليه إن كان مسلماً أو غير شهيد، ويغتفر التردد؛ للضرورة.
ويقول في المثال الأول: (اللهم اغفر للمسلم منهم) إن كان فيهم كافر، وفي اختلاط الشهيد بغيره يدعو لهما ويقول في الثاني:(اللهم اغفر له إن كان مسلماً) إن اشتبه المسلم بغيره، وفي هذه الحالة يدفنان بين قبور المسلمين والكفار.
ولو اختلط محرم بغيره .. ستر جميع بدنهما بغير محيط.
وتسن الصلاة على الميت بمسجد إن أمن تلويثه، وبثلاثة صفوف فأكثر، ولو كان الصف واحداً.
وقال (حج): أقل الصف اثنان، فلا تسن الصفوف الثلاثة إلا من ستة فأكثر، فلو حضر خمسة .. وقف واحد مع الإمام، وأربعة صفين من اثنين، والثلاثة في الأفضلية بمنزلة الصف الأول.
والأفضل لمن جاء بعدهم: أن يتحرى الصف الأول.
ولو وجد جزء ميت مسلم غير شهيد، ولو نحو شعرة عند (حج) .. صلى عليه بعد غسله، وستره بخرقة بقصد الجملة، وجوباً إن كانت بقيته .. غسلت ولم يصل عليها، وندباً إن صلي على البقية، فإن لم تغسل البقية .. وجبت الصلاة على الجزء بنيته فقط، فإن شك في غسله .. علق، كأصلي على هذا الجزء وعلى البقية إن غسلت.
ويشترط في الجزء: انفصاله منه بعد موته، أو يموت بعد انفصاله حالاً.
ويجب للجزء ثلاث لفائف إن كان له تركة، أمَّا المنفصل من حي .. فيسن مواراته بخرقة ودفنه إن مات، بخلاف ما لو لم يمت .. فيسن دفنه بلا لف خرقة.
(ولا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه) ولو نحو جنب، أي: يحرم ذلك وإن لم يؤد الغسل لإزالة دم الشهادة؛ إشارة إلى تطهير الله لهم بالشهادة، وأنه تعالى يتولى مكافأتهم من غير واسطة بدعاء لهم من مصل، ولا غيره؛ تنويهاً بمحبته تعالى لهم، وإعلاء منزلتهم.
(وهو) أي: (الشهيد)(من) أي: مسلم ولو قناً ولو أنثى وغير مكلف (مات في قتال الكفار).
قال (ق ل): (أو كافر واحد ولو مرتداً، أو في قطع طريق أو صيال أو قتله كافرٌ استعان به البغاة أو عكسه) اهـ
أو انقضت الحرب ولم تبق فيه حياة مستقرة (بسببه) -اي: القتال- ولو برمح دابة له، أو قتله مسلم خطأ، أو عاد إليه سهمه، أو سقط من دابته وإن لم يكن به أثر دم.
وخرج بـ (قتال الكفار): قتلهم أسيراً صبراً، وموته حال القتال بنحو حمى، وجرحه فيه مع بقاء الحياة المستقرة بعد انقضائه فيه وإن قطع بموته.
وتجب إزالة نجاسة غير دم الشهادة منه إن لم يعف عنها كبول وإن أدت إزالتها لإزالة دم الشهادة، وكذا دم شهادة أصابه من غيره، ونجاسة شهادة غير الدم ولو منه.
ويكفن في ثيابه الملطخة وغيرها من التي مات فيها ندباًً، ولا يجاب بعض الورثة لنزعها إن لاقت به، أمَّا كلهم .. فيجابون.
نعم؛ مالا يعتاد التكفين فيه كدرع وفرو .. لا يكفن فيه.
وإذا لم تكفه ثيابه التي مات فيها .. تممت إلى ثلاثة على ما مر.
وخرج بـ (الشهيد) المذكور: شهيد الآخرة، كمبطون وغريق وطالب علم، وقد استوعبتهم في "الأصل" فيغسل ويصلى عليه.
(ولا) يصلى أيضاً (على السقط) -بتثليث أوله- من السقوط، أي: تحرم عليه (إلا إذا ظهرت أمارات الحياة، كاختلاج) اختياري بعد انفصاله .. فهو كالكبير، وبالأولى ما لو علمت حياته بنحو صياح وإن لم ينفصل كله، وكذا إن بلغ ستة أشهر عند (م ر)، وإن لم تظهر فيه أمارة حياة.
(ويغسل) ويكفن ويدفن وجوباً (إن بلغ أربعة أشهر) أي: مئة وعشرون يوماً، وهي