الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعلم أن لها خمسة أوقات:
وقت جواز في رمضان، ووجوب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وفضيلة قبل صلاة العيد، وكراهة وهو تأخيرها عنها إلا لنحو قريب، وحرمة وهو تأخيرها عن يوم العيد لغير عذر، والعذر كغيبة ماله دون مرحلتين، ولا يلزمه الاقتراض.
فإن غاب لمرحلتين فأكثر .. لم تجب عليه؛ لأنه حينئذٍ في حكم الفقير.
* * *
(فصل) في النية في الزكاة وتعجيلها
.
(وتجب النية) بالقلب، وتسن باللسان (فينوي) المزكي (هذه زكاة مالي) ولو بدون الفرض؛ لأنها لا تكون إلا فرضاً كرمضان.
والأفضل: نية الفرضية معها (ونحو ذلك) كهذا صدقة مالي، أو صدقة المال المفروضة أو الواجبة، بخلاف صدقة مالي؛ لأنها قد تكون نافلة، وبخلاف فرض مالي؛ لأنه قد يكون غير زكاة، ككفارة.
ولا يجب تعيين المال المخرج عنه الزكاة في النية، فلو كان عنده خمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة أنثى ناوياً بها الزكاة ولم يعين .. أجزأه وإن ردد فقال: عن الإبل أو الغنم.
فلو تلف أحدهما .. جعلها عن الباقي، ولو عين .. لم تقع عن غيره.
فإن قال: عن كذا إلا إن كان تالفاً .. فعن غيره، فبان تالفاً .. وقع عن غيره، فإن تعدد الغير .. جعله عما شاء منه.
ويأتي ذلك في مئتي درهم حاضرة، ومئتين غائبة عن المجلس أو عن البلد، وجوزنا النقل.
ومن شك في زكاة في ذمته، فأخرج عنها إن كانت، وإلا .. فمعجلة عن زكاة تجارته مثلاً .. أجزأه عما في ذمته إن لم يبن الحال، واغتفر تردده في النية؛ للضرورة.
ولو أخرج أكثر مما عليه بنية الفرض والنفل بلا تعيين .. لم يجزئه، أو بنية الفرض فقط .. صح، ووقع الزائد تطوعاً.
ولو شك في نية الزكاة بعد دفعها .. لم يضر عند (ح ف)، فارقاً بينها وبين الصلاة بأن الصلاة عبادة بدنية وهذه مالية.
وللولي أن يفوضها للسفيه، بل قال (سم): تكفي نيته وإن لم يفوضها الولي إليه، كما وافق عليه (م ر).
وتكفي النية عند عزل المال عن الزكاة وبعده، وعند دفعها للإمام أو الوكيل.
والأفضل: أن ينويا عند تفريقها أيضاً، بل تجب إن دفعها الوكيل من ماله بإذن المالك.
وله أن يوكل فيها أهلاً لها لا صبي مميز وقن.
ولو أفرز قدرها بنيتها .. لم يتعين إلا بقبض المستحق لها بإذن المالك عند (حج).
قال: (وإنما تعينت المعينة للأضحية؛ إذ لا حق للفقراء ثَمَّ في غيرها، وهنا حق المستحقين شائع في المال؛ لأنهم شركاء بقدرها، فلم ينقطع حقهم إلا بقبض معتبر.
وبه يرد جزم بعضهم: أنه لو أفرز قدرها بنيتها .. كفى أخذ المستحقين لها من غير أن يدفع إليهم المالك.
ومما يرده قولهم: لو قال لآخر: اقبض ديني من فلان، وهو لك زكاة .. لم يكف حتى ينوي هو بعد قبضه، ثم يأذن له في أخذها.
ويوجه بأن للمالك بعد النية، والعزل: أن يعطي ويحرم من يشاء) اهـ
وخالفه (م ر)، فقال:(ولو نوى الزكاة مع الإفراز، فأخذها صبي أو كافر ودفعها لمستحقها، أو أخذها المستحق، ثم علم المالك .. أجزأه) اهـ
ويؤخذ منه أنه لو أعطاه زكاة ليعطيه لزيد، فأعطاها لمستحق آخر .. أجزأته.
لكن اعترضه الرشيدي بقوله: (انظر هذا مع ما مر له أنه لا بد من تعيين المدفوع إليه لهما، أي: الصبي والكافر) اهـ
ولو قال: تصدق بهذا، ثم قبل تفرقته نوى به الزكاة .. أجزأ عنها.
وأفتى بعضهم: بأن التوكيل المطلق في إخراجها يستلزم التوكيل في نيتها.
واستوجه في "التحفة": أنه لا بد معه من نية المالك، أو تفويضها للوكيل.
ولو دفعها للإمام أو الوكيل بلا نية .. لم تجزه وإن نوى الإمام أو الوكيل.
ولو امتنع من أدائها .. أخذها الإمام منه قهراً، فإن نوى بها الزكاة .. أجزأه، وإلا .. وجبت النية على الإمام، فإن نوى، وإلا .. ضمن.
واعلم: أن للزكاة وقت وجوب، ووقت جواز، فإذا حال الحول على المال الزكوي .. وجبت الزكاة وإن لم يتمكن المالك من أدائها؛ إذ التمكن شرط للضمان، لا للوجوب.
فإذا تمكن .. وجب أداؤها فوراً، بأن حضر المال، أو قدر عليه، وحضر المستحق، وخلا المالك من مهم ديني ودنيوي، وزال حجر فلس، وجفف ثمر ونقي حب ومعدن.
فإن أخر الأداء بعد التمكن .. أثم، وضمن إن تلف المال قدر الزكاة.
نعم؛ إن لم يشترط ضرر المستحقين الحاضرين .. ندب التأخير؛ لانتظار نحو قريب أو جار أو أفضل.
فإن اشتد ضررهم .. حرم، ويضمن بالتأخير مطلقاً.
والأظهر: أن صرفها للإمام أفضل؛ لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة والاستيعاب، وقبضه مبرئ يقيناً إلا إن كان جائراً في الزكاة، فالأفضل أن يفرقها المالك أو وكيله مطلقاً.
لكن في "المجموع": أن دفع زكاة المال الظاهر إليه ولو جائزاً أفضل.
ولو طلبها عن مال ظاهر .. وجب دفعها إليه اتفاقاً.
(ويجوز) لمالك لا ولي؛ لما مر في تعجيل الفطرة (تعجيلها قبل) تمام (الحول) وبعد انعقاده، بأن توجد شروط التجارة المارة فيها، ويملك النصاب في غيرها؛ لما صح:(أنه صلى الله عليه وسلم رخص فيه للعباس قبل الحول)، ولأن لوجوبها سببين: الحول والنصاب، وما له سببان .. يجوز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث.
وخرج بـ (بعد انعقاد حوله): التعجيل لأكثر من عام، فلا يصح فيه؛ لعدم انعقاد حوله، فإن عجل لعامين .. أجزأه عن الأول.
وقال (حج): إن ميز واجب كل عام.
ويجوز التعجيل في الفطرة أول رمضان كما مر، ولنابت بعد وجوبها فيه ولو قبل جفاف وتنقية؛ لإمكان معرفتها تخميناً، ثم إن بان نقص .. كملها، أو زيادة .. فهي تبرع.
(وشرط إجزاء المعجل) في جميع ما مر (أن يبقى المالك أهلاً للوجوب) عليه وبقاء المال (إلى آخر الحول) أو جفاف ثمر وتنقية حب أو دخول شوَّال.
فلو مات أو افتقر أو تلف المال أو خرج عن ملكه وليس مال تجارة .. لم يقع المعجل زكاة، ولا يضر تلف المعجل.
ويشترط أيضاً: أن لا يتغير الواجب، وإلا كأن عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فبلغت بالتوالد ستاً وثلاثين في الحول .. لم تجز وإن صارت بنت لبون، بل يستردها ويعطيها أو غيرها.
ولو نوى بها الزكاة وهي باقية بيد المستحق، ومضى بعد النية زمن يمكن فيه القبض .. أجزأت.
قال الكردي: إن كانت المعجلة باقية، وإلا .. أجزأت وإن لم تكن بنت لبون.
(وأن يكون القابض في آخر الحول) أي: وقت الوجوب (مستحقاً).
فلو مات أو استغنى بغير المعجل كزكاة أخرى، وكذا إن غاب المال أو الآخذ عن بلد الوجوب عند (حج) .. لم يجزئ المعجل؛ لعدم أهليته عند الوجوب، واعتمد (م ر): أنه لا يضر غيبتهما.
قال الشرقاوي: قرر شيخنا (ح ف): أنه لا يضر غيبة الدافع عن محل الوجوب في زكاة الفطر.
ولو مات المدفوع له مثلاً .. لزم المالك الدفع ثانياً.
ولو بان القابض غير مستحق يوم القبض .. استرد منه وإن كان آخر الحول مستحقاً، ولا يضر الشك في ذلك.
(وإذا لم يجزئه) المعجل؛ لفوات شرط مما مر ( .. استرد) من القابض (إن علم القابض) عند قبضه أو بعده وقبل خروجه عن ملكه (أنها) أي: العين المعجلة (زكاة معجلة) ولو بقول المالك.
أمَّا قبل المانع .. فلا يسترد مطلقاً كمتبرع بتعجيل دين مؤجل وإن شرط أن له ذلك، والقبض مع ذك صحيح إن علم بفساد الشرط؛ لتبرعه بالدفع.
أمَّا لو لم يعلم القابض التعجيل .. فلا استرداد.
وإذا اختلفا في موجب استرداد، كشرط المزكي له لمانع يعرض، وعدم استحقاقه عند القبض أو الوجوب .. صدق القابض ووريثه بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولاتفاقهما على ملك القابض له، والأصل بقاؤه.
وفيما لو اختلفا في علم القابض التعجيل .. يحلف على نفي علمه به.
وإذا ثبت الاسترداد والمعجل باق في ملك القابض .. استرد، وإلا .. فبدله من مثل أو قيمة، ولا يجب هنا المثل صورة مطلقاً.
والعبرة بقيمة وقت قبض، لا وقت تلف؛ لأن ما زاد حصل في ملك القابض، فلا يضمنه.
ويسترد ذلك بزيادة متصلة كسمن وتعلم صنعة، لا بزيادة منفصلة كثمرة وولد، ولا بأرش نقص صفة، وهو ما لا يفرد بعقد كمرض، وسقوط جزء كيد إن حدثت المنفصلة ونقص الصفة قبل سبب الرد؛ لحدوثهما في ملك القابض، كما لو رجع الواهب في هبته، فوجد الموهوب ناقصاً.
والرجوع إنما يرفع العقد من حينه، لا من أصله، ولذا لو تبين القابض غير مستحق عند القبض .. رجع عليه بها وبأرش النقص مطلقاً؛ لتبين عدم ملكه له.
أمَّا لو حدثا بعد سبب الرجوع أو معه .. فيستردهما إن علم قابض التعجيل قبل تصرفه في المقبوض.
وأمَّا نقص العين، وهو ما يفرد بعقد، كتلف إحدى الشاتين .. فيضمن بدله قطعاً، ولا شيء للقابض إذا أنفق على المقبوض، ثم رجع فيه الدافع؛ لأنه إنما أنفق على نية أن لا يرجع؛ قياساً على مشتر شراء فاسداً أنفق، كذا في (ب ج) عن (ع ش) وهو ظاهر، وإن نقل الكردي عن "الإيعاب": أنه يرجع.
والزكاة تتعلق بالمال الذي تجب في عينه تعلق الشركة بقدرها؛ لأنها تجب بصفة المال جودة ورداءة، وتؤخذ من عينه قهراً عند الامتناع.
وإنما جاز الإخراج من غيره؛ رفقاً بالمالك.
فإن باع ما الواجب فيه من جنس المال المزكى كأربعين شاة .. بطل في قدرها شائعاً، وهو جزء من كل شاة، فيرد شاة من الأربعين للمستحقين، ويصح، ولـ (سم) إشكال فيه بينته في "الأصل".
ولو عزل قدر الزكاة بنيتها ثم باع الباقي .. صح على خلاف فيه، ولمشتر جهل .. الخيار، وأجرى ذلك:(سم) في الثمر.
فيصح البيع إذا أفرز قدر الزكاة بنيتها في الجميع، وغير الثمر مثله كنقد؛ إذ لا خصوصية لشيء منها، وإن كان الواجب من غير جنس المال كشاة في خمس من الإبل ملك المستحقون بقدر قيمتها من الإبل، فلو باع الخمس من الإبل قبل إخراج الشاة بطل في الجميع؛ للجهل بقيمة الشاة وحصتها من الإبل.
أمَّا ما تعلقت الزكاة بقيمة كمال التجارة .. فيصح بيع جميعه؛ لأن القيمة لا تفوت بالبيع. نعم؛ إن باعه بمحاباة .. بطل فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة. ولو رهن المال الزكوي فتم حوله، وله مال آخر .. أخذت زكاته من الآخر، وإلا .. فمن المرهون، ولا يلزم الراهن بدل الزكاة إذا أيسر، ليكون رهناً مكانه، ولا خيار للمرتهن.
ومن له دين حلَّ، وقدر على استيفائه .. لزمه إخراج زكاته حتى للأحوال الماضية إلى أن ينقص عن النصاب، وليس عنده ما يكمله.
كما تجب في ضال ومجحود ومغصوب ومرهون وغائب، وما اشتراه وتم حوله قبل قبضه أو حبس عنه بأسر، ونحوه لملك النصاب وتمام الحول.
لكن لا يجب الإخراج إلا عند عود الضال والمغصوب، وأن يسهل الوصول إلى الغائب، فيخرجها حينئذٍ عن جميع الأحوال الماضية بشرطه المتقدم.
والغائب يجب الإخراج عنه في بلد المال.
قال الكردي: فإن كان سائراً .. لم يجب الإخراج حتى يصل لمالكه أو وكيله، فإن كان أحدهما سائراً معه .. صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه.
* * *
(فصل: ويجب صرف الزكاة) ولو فطرة.
لكن اختار جميع جواز صرفها إلى ثلاثة فقراء أو مساكين، وآخرون جوازه للواحد، فالعمل به ليس خارجاً عن المذهب.
(إلى الموجودين من الأصناف الثمانية)؛ للآية المشار فيها بلام الملك في بعضها، ولأن الواو للتشريك، فقول المخالف -القصد بيان مجرد الصرف، وأنه يجوز دفعها ولو لواحد- يحتاج لدليل، على أنّ القاعدة الأصولية: من الأخذ بالأحوط عند التعارض يؤيد مذهبنا لو قلنا: بأنَّ الواو محتملة الأمرين.
والموجود منهم الآن في هذه البلاد أربعة: الفقراء والمساكين والغارمون وابن السبيل.
(وهم: الفقراء) -جمع فقير- وهو من لا نفقة له واجبة ولا مال ولا كسب حلال، يقع جميعها أو مجموعها موقعاً من كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً، وغيرها مما لابد منه على ما يليق به وبممونه، كمن يحتاج لعشرة ولم يجد إلا أربعة فما دون.
وقضيته: أن الكسوب غير فقير وإن لم يكتسب، وهو كذلك هنا، وفيمن تلزمه نفقة بعضه.
لكن الأصل الفقير تجب مؤنته وإن قدر على الكسب؛ لحرمته، وفي بعض صور الحج.
لكن الكسب لا يخرج عن الفقر إلا إن لاق به من غير مشقة لا تحتمل عادة. ووجد من يستعمله.
وعليه: فالملوك ونحوهم وأتباعهم فقراء؛ إذ لا مال لهم حلال، ولا قدرة لهم على كسب لائق بهم.
ومن له مال وعليه دين .. غير فقير حتى يصرفه في دينه، وهذا في فقير الزكاة، لا فقير غيرها كما بينته في "الأصل".
(و) الصنف الثاني: (المساكين) وهو من له ما يسد مسداً من حاجته بملك أو منفق أو كسب حلال على ما مر، ولا يكفيه الكفاية اللائقة بحاله مما مر، كمن يحتاج لعشرة، وعنده سبعة أو ثمانية وإن ملك أكثر من نصاب.
والمراد: أن لا يكفيه للعمر الغالب؛ أي: ما بقي منه باعتبار الآخذ، لا ممونه؛ لأن القصد إغناؤه، ولا يحصل إلا بذلك.
فإن زاد عمره عليه .. أعطي سنة سنة، والعمر الغالب ستون سنة، ومن له عقار ينقص دخله عن كفايته .. فقير أو مسكين.
نعم؛ إن كان نفيساً ولو باعه حصل بثمنه ما يكفيه دخله للعمر الغالب .. لزمه بيعه.
ولا يمنع الفقرَ والمسكنة مسكنه الذي يحتاجه لسكناه، أو سكنى مموَّنه ولاق به وإن اعتاد السكنى بأجرة ولم يجد نحو موقوف عليه، ولا ثيابُهُ المحتاج إليها ولو لتجمل في بعض الأيام وإن تعددت إن لاقت به، ولا حلي امرأة لائق بها، وقنه المحتاج لخدمته له، أو لممونه إن شق عليه خدمة نفسه، أو كانت تخل بمنصبه، ولا كتبه المحتاج إليها ولو نادراً، كمرة في سنة ولو لطب أو تاريخ أو وعظ.
ولو تعددت عنده كتب من فن .. بقيت كلها لمدرس، والمبسوط لغيره.
أو كان عنده نسخ من كتاب .. أبقي له الأصح.
وإن كانت إحدى النسختين كبيرة الحجم والأخرى صغيرته .. أبقيتا لمدرس؛ لاحتياجه لحمل الصغيرة إلى درسه، وغيره يبقى له الأصح.
وقال الشرقاوي: يبقى له كلها؛ إذ الصحيحة لا تخلو عن سقم، فيحتاج لثانية.
ولا آلة المحترف، كخيل جندي إن لم يعطه الإمام بدلها.
وثمن ما ذكر ما دام معه يمنع فقره ومسكنته حتى يصرفه فيه.
ولا يمنعهما ماله الغائب لمرحلتين، ولا حاضر حيل بينه وبينه، ولا المؤجل؛ لأنه معسر، فيعطى حتى يصله، أو يحل، أو يجد من يقرضه.
ولو اشتغل عن الكسب بفرض كفاية، كعلم شرعي، أو آلة له، أو صلاة جنازة .. فهو فقير، فيعطى به إن لم يكتسب معه وأمكن تحصيله له، أو بنوافل من صلاة أو غيرها .. فلا؛ إذ نفعه غير متعد.
نعم؛ لو نذر صوم الدهر ومنعه صومه عن الكسب .. أعطي؛ للضرورة.
كما لو احتاج لنكاح ولا شيء معه .. فيعطى ما يصرفه فيه والمكفي بنفقة نحو قريب غير فقير.
نعم؛ للمنفق وغيره أن يعطيه بغير الفقر والمسكنة كغرم، ولو لم يكفه -نحو قريبه- الكفاية التامة .. جاز أن يعطى من سهم الفقراء أو المساكين تمامها، ولو ممن تلزمه نفقته وإن أثم بترك تمام كفايته.
ولو سقطت نفقة الزوجة بنشوز .. لم تعط؛ لقدرتها على النفقة برجوعها للطاعة.
ولو غاب المنفق ولم يترك منفقاً ولا مالاً .. أعطي قريبه وزوجته بالفقر أو المسكنة.
والمعتدة التي لها نفقة كالتي في العصمة.
ويسن للزوجة أن تعطي زوجها من زكاتها وإن أنفقه عليها.
(و) الصنف الثالث: (الغارمون) -أي: المدينون- وهم أنواع:
الأول: من استدان لدفع فتنة بين متنازعين وإن كان ثمَّ من يسكنها غيره .. فيعطى ما استدانه إن حل ولم يوفه من ماله وإن كان غنياً ولو بنقد وغيره؛ لعموم نفعه.
الثاني: من استدان لقرى ضيف وبناء مسجد أو قنطرة أو فك أسير أو نحوها من المصالح العامة .. فيعطى وإن كان غنياً بغير نقد إن حل الدين ولم يوفه من ماله.
بل لو قيل: يعطى ولو غنياً بنقد .. لم يبعد.
ولا يجوز دفع الزكاة لبناء نحو مسجد ابتداء.
الثالث: من استدان لنفسه، وصرفه في غير معصية أو لها، وتاب وظهرت قرائن صدقة وإن قصرت المدة، أو لمباح وصرفه في معصية إن عرف قصد الإباحة، أولا، لكن لا يصدق فيه، بل لا بد من بينه.
وتعتمد البينة القرائن المفيدة له كالإعسار .. فيعطى في جميع ما ذكر قدر دينه إن حل وعجز عن وفائه.
ثم إن لم يكن معه شيء .. أعطي الكل، وإلا .. فإن كان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن .. ترك له مما معه ما يكفيه العمر الغالب.
ثم إن فضل شيء .. صرفه في دينه، وتمم باقيه، وإلا .. قضي عنه الكل.
ومن الاستدانه لمعصية إتلاف مال غيره عمداً، والإسراف في النفقة من دين.
ومحل إباحة صرف المال في اللذات فيمن يصرفه من ماله، أو من دين يرجو وفاءه من جهة ظاهرة.
الرابع: الضامن، فيعطى إن أعسر وحل الدين، وكان ضامناً لمعسر أو موسر لا يرجع هو عليه، كأن ضمن بغير إذنه.
ومن قضى دينه بنحو قرض .. أعطي لبقاء دينه ما يوفي به قرضه.
بخلاف من مات ولم يخلف وفاءً؛ لأنه ليس من أهل الاستحقاق.
ولا يحبس عن مقامه الكريم من استدان لنفع عام.
تنبيه: دفع لمدينه زكاة بشرط أن يردها له عن دينه، لم يجز، فإن نويا ذلك بلا شرط .. لم يضر، وكره؛ لقاعدة: كل شرط ضر التصريح به كره إضماره.
وكذا إن وعد المدين بذلك وحده، ولا يلزمه الوفاء بوعده.
ولو قال لمدينه: أعطني ديني، وأرده لك زكاة، فأعطاه .. برئ المدين، ولا يلزم دائنه إعطاؤه.
ولو قال: جعلت الدين الذي لي عليك زكاة .. لم يجز، بل لا بد من قبضه ودفعه له عن الزكاة إن شاء.
(و) الرابع: (أبناء السبيل) الشامل للذكر والأنثى، سمُّوا بذلك؛ لملازمتهم الطريق.
(وهم المسافرون، أو المريدون السفر المباح) ولو مكروهاً (المحتاجون) بأن لم يكن معهم ما يكفيهم لسفرهم.
فمن سافر كذلك ولو لنزهة، أو كان غريباً مجتازاً بمحل الزكاة .. أعطي ولو كسوباً جميع كفاية سفره، ذهاباً وإياباً إن قصد الرجوع، وإن كان له مال بغيره ولو دون مسافة قصر، أو وجد من يقرضه.
ويفرق بين هذا وما مر من اشتراط مسافة القصر، وعدم وجود مقرض بأن الضرورة في السفر أشد، والحاجة فيه أغلب.
ومن ثم لم يفرقوا فيه بين القادر على الكسب وغيره ولو بلا مشقة؛ إذ حاجته هنا متحققة دون ما مر.
ويعطى أيضاً ما يحمله إن عجز عن المشي أو طال سفره، وما يحمل عليه زاده، ومتاعه إن عجز عن حمله.
أمَّا في سفر المعصية .. فلا يعطى؛ لأن القصد إعانته على سفره، ولا إعانة لعاص، فإن تاب .. أعطي لبقية سفره.
وجعل من سفر المعصية سفره بلا مال -ويجعل نفسه كَلاّ على غيره- ومعه مال.
(و) الصنف الخامس: (العاملون عليها) أي: من نصبه الإمام لأخذ الزكوات، ولم يجعل له أجرة من بيت المال، وإلا .. سقط.
كما لو فرقها المالك بنفسه أو وكيله، وهم كساع يجبيها، وبعثه واجب وشرط فيه دون من بعده؛ كونه أهلاً للشهادة؛ إذ هو الأصل والباقون أعوان له، فيكفون ولو كفاراً، وككاتب وقاسم وحاشر يجمع ذوي الأموال أو السُّهْمان.
والعريف: الذي يعرف أرباب الاستحقاق.
والحاسب والحافظ والجندي والكيال والوزان والعداد الذين يميزون بين أنصباء المستحقين، وليس منهم الإمام والوالي والقاضي، بل رزقهم من خمس خمس المصالح؛ لأن عملهم عام.
وقضيته: دخول قبض الزكاة وصرفها في ولاية القاضي، وهو كذلك إن لم يعين لها الإمام غيره، وله الأخذ من سهم الغارم إن استدان لإصلاح، ومن سهم الغازي.
ولو منع حقه من بيت المال، أو كان في محل لا بيت مال فيه .. أخذ بنحو الفقر والغرم مطلقاً.
(و) السادس: (المؤلفة قلوبهم، وهم) أصناف:
الأول: (ضعفاء النية في) أهل الإسلام بأن تكون عنده وحشة منهم، أو في (الإسلام) نفسه؛ بناءً على أن الإيمان يزيد وينقص، بل وعلى مقابله؛ لأنه يزيد عليه بزيادة ثمرته وإشراق نوره، فيعطون؛ ليتقوى إسلامهم.
وهذا بناء على اتحاد الإيمان والإسلام، أو أن المراد بالإسلام الأعمال، ولا كلام في زيادتها ونقصها.
(و) الثاني: (شريف في قومه) مسلم بحيث (يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه) ولو امرأة.
والثالث: مسلم يقاتل، أو يخوف مانعي الزكاة حتى يحملها إلى الإمام.
والرابع: من يقاتل من يليه من الكفار والبغاة، فيعطيان إن كان إعطاؤهما أسهل من بعث جيش.
وحذفهما المصنف؛ لأن الأول في معنى العامل، والثاني في معنى الغازي.
وفي اشتراط إعطائهم الحاجة إليهم نظر بالنسبة إلى الأولين.
وكفى بالضعف والشرف حاجة، وكذا الأخيران، فاشتراط كون إعطائهما أسهل من بعث جيش يغني عن اشتراط الاحتياج.
ولا يعطى كافر لا لتألف ولا غيره؛ إذ قد أعز الله الإسلام، وأغنى عن التألف.
وقضيته: أنه لو حصل ضعف بالإسلام .. جاز، ولا يختص التألف بالإمام.
(و) السابع: (الغزاة المتطوعون) بالجهاد، بأن لم يكن لهم سهم في ديوان المرتزقة من الفيء.
وهم المراد بـ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[البقرة:154] في الآية، وضع على هؤلاء؛ لأنهم قاتلوا بلا مقابل، فيعطون ولو أغنياء؛ إعانة لهم على الغزو؛ لأنهم لا حظَّ لهم في الفيء، كما لا حظ لأهله في الزكاة.
(و) الثامن: (المكاتبون كتابة صحيحة) كما فسر بهم الآية أكثر العلماء، فيعطون إن لم يكن معهم وفاء وإن قدروا على وفاء دينهم بالكسب، بخلاف الفاسدة فلا يعطى لها من الزكاة.
وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف:
الحرية الكاملة، فلا يعطى رقيق ولو مبعضاً إلا المكاتب.
والإسلام، فلا يعطى منها كافرٌ إجماعاً إلا في العامل كما مر.
وأن لا يكون هاشمياً، ولا مطلبياً؛ لخبر مسلم:"إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد" وألحق بهم: مواليهم؛ لخبر: "مولى القوم منهم".
والأظهر: أنهم لا يعطون وإن منعوا حقهم من خمس الخمس؛ لكونها أوساخاً كما في الحديث، لكن ذهب جم غفير إلى جوازها لهم إذا منعوا مما مر، وأنَّ علة المنع مركبة من كونها أوساخاً، ومن استغنائهم بمالهم من خمس الخمس، كما في حديث
الطبراني وغيره، حيث علل فيه بقوله: إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم، وقد منعوا مما لهم من خمس الخمس، فلم يبق للمنع إلا جزء علة، وهو لا يقتضي التحريم.
لكن ينبغي للدافع إليهم الزكاة أن يبين لهم أنها زكاة، فلربما يتورع من دفعت إليه منهم منها.
ومن شرط الآخذ أيضاً: أن لا يكون مموناً للمزكي أو غيره؛ لأنه غير فقير على ما مر، وأن لا يكون محجوراً عليه.
ومن ثم أفتى النووي في بالغ تارك الصلاة: أنه لا يقبضها له إلا وليه.
ويجوز دفعها لفاسق إلا إن علم أنه يصرفها في معصية .. فيحرم وتجزئ.
* * *
فصل: من علم دافعُ الزكاة من إمام أو مالك حالَه .. عمل فيه بعلمه، فيعطي من علم استحقاقه، ويمنع من علم عدم استحقاقه، ومن جهل حاله: فإن ادعى ضعف إسلام .. أعطاه بلا يمين ولا بينة.
وإن ادعى فقراً أو مسكنة، أو أنه غير كسوب .. فكذلك، إلا إن ادعى عيالاً أو تلف مال عرف .. فيكلف بينة.
ومثله مدعي أنه عامل أو مكاتب أو من المؤلفة .. فيكلفون بينة، أي: رجلين، أو رجل وامرأتين ولو بغير لفظ شهادة أو استشهاد قاض.
ويغني عنها استفاضة وإخبار من وقع في القلب صدقه ولو نحو الدائن في المدين.
وأمَّا بيان قدر ما يعطاه كلٌّ .. فيعطى فقير ومسكين كفاية ما بقي من عمره الغالب وهو ستون سنة كما مر، فإن زاد عمره على ذلك .. أعطي كفاية سنة فسنة.
والمراد أنه يعطى ثمن ما يكفيه دخله لذلك، فيشتري له عقار، أو ماشية أو نحوهما، بحسب حاله يستغله ويكتفي به عن الزكاة، ويملكه، ويورث عنه، لكن ليس له إخراجه عن ملكه.
ولو ملك دون كفاية العمر الغالب .. كمل له من الزكاة كفايته، حتى لو كان له تسعون، وكان لا يكفيه إلا ربح مئة .. كمل له المئة إن كانت التسعون لو أنفقها .. لا تكفيه للعمر الغالب، فإن كانت تكفيه للعمر الغالب .. لم تكمل له العشرة؛ لأنه غني، وإن كان ربحها لا يكفيه لذلك.
فالربح والعقار إنما يعتبران إذا كان النقد لا يكفيه للعمر الغالب، وربحه أو غلة عقار يشتري به ما يكفيه لذلك.
وأمَّا إذا كان نقد يكفيه لذلك .. فهو غني، ولا حق له في الزكاة، وهذا ظاهر إن شاء الله.
ويؤيده أنه إنما يعطى عقاراً مثلاً يبقى بقية عمره فقط إن أمكن، وإلا .. فيعطاه وإن بقي أكثر من ذلك؛ للضرورة.
فالمقصود: كفاية بقية العمر الغالب بنقد أو ربح أو استغلال عقار، بل النقد هو الأصل.
فإذا كفى .. لم يكن لاعتبار غيره معنى؛ لحصول الغنى به.
وإنما أطلت هنا، وفي "الأصل"؛ لأنه أشكل على بعض الأجلاء.
ومن يحسن الكسب بحرفة .. يعطى ما يشتري به آلاتها، أو بتجارة .. فيعطى ما يشتري به ما يحسن تجارته لما يفي ربحه بكفايته غالباً.
فالبقلي يكفيه خمسة دراهم، والباقلاني عشرة، والفاكهي عشرون، والخباز خمسون، والعطار ألف، والبزاز ألفان، والصيرفي خمسة الآف، والجوهري عشرة آلاف، وكل ذلك تقريب، وإلا .. فيزيد وينقص بحسب الزمان والمكان والحال.
ويعطى ابن السبيل ما يوصله مقصده -بكسر الصاد- أوماله إن كان له مال بطريقه.
فلا يعطى مؤنة إيابه إن لم يقصده، ولا مؤنة إقامته الزائدة على مدة إقامة المسافر.
ويعطى مكاتب وغارم قدر دينهما.
ويعطى غاز حاجته في غزوه نفقة وكسوة له ولممونه وقيمة سلاح وفرساً، إن كان فارساً، ذهاباً وغياباً إن لم يقصد عدم الإياب، وإقامة وإن طالت؛ لأن اسمه لا يزول عنه بذلك، بخلاف ابن السبيل، وإذا أعطاه ما ذكر .. ملكه، فلا يسترد منه إلا ما فضل.
وللإمام أن يكتري السلاح والفرس له، ويعطى ما يحمل عليه زاده ومتاعه إن لم يعتد حمله بنفسه، ويسترد منه إذا رجع، كما في ابن السبيل، فإنه يهيأ له ذلك.
ويعطي المؤلفة الإمام أو المالك ما يراه، والعامل يعطيه الإمام أجرة مثله.
فإن زاد سهمه عليها .. رد الفاضل إلى بقية الأصناف، وإن نقص .. كمل من مال الزكاة أو سهم المصالح.
ومن فيه صفتا استحقاق للزكاة كفقير غارم .. فلا يأخذ من زكاة واحدة إلا بأحدهما بخيرته.
نعم؛ إن أخذ بالغرم وأعطاه دائنه وبقي فقيراً
…
أخذ به.
أمَّا من زكاتين، كمِن ذهب بالفقر، ومن فضة بالغرم .. فيجوز ولو من شخص واحد.
* * *
فصل: ويجب تعميم الأصناف الثمانية بالزكاة حتى العامل إن قسم الإمام، وإلا .. فمن عداه إن وجدوا، وإلا .. فإلى من وجد منهم، حتى لو لم يوجد إلا فقير واحد .. صرفت كلها له.
والمعدوم لا سهم له، والموجود غالباً فقير ومسكين وغارم وابن السبيل.
فإن لم يوجد أحد منهم .. حفظت إلى أن يوجدوا كلهم أو بعضهم.
وعلى الإمام تعميم آحاد الصنف؛ إذ لا يتعذر عليه ذلك، لكن يجوز له إعطاء زكاة شخص واحد بواحد.
لأن الزكوات في يده كالزكاة الواحد.
نعم؛ إن قل مال الزكاة بحيث لا يسد مسداً لو استوعبهم .. لم يلزمه الاستيعاب.
وتجب التسوية بين الأصناف وإن تفاوتت حاجاتهم إلا العامل كما مر.
ولو زاد سهم صنف عن كفايتهم .. ردَّ زائدة على سهم من نقص سهمه عن كفايته.
ولا تجب بين آحاد الصنف إن قسم المالك أو الإمام، وقلَّ ما عنده منها؛ لعدم انضباط الحاجات التي من شأنها التفاوت، بخلاف الأصناف، فمحصورة، لكن يسن التساوي إن تساوت حاجاتهم.
أمَّا إذا قسم الإمام وكثر ما عنده، فإن استوت حاجاتهم .. وجبت، وإلا .. فيراعيها، وإذا لم تجب .. فالقاطنون أولى.
(وأقل ذلك) أي: من يعطى إذا فرَّق المالك (ثلاثة)؛ عملاً بأقل الجمع في غير الأخيرين وقياساً فيهما، إلا العامل .. فيجوز كونه واحداً.
فإن أخل بصنف .. غرم حصته، أو ببعض الثلاثة .. غرم له أقل متمول.
نعم؛ الإمام إنما يغرم مما عنده من الزكاة (إلا إذا انحصروا) -أي: المستحقون- في محل الوجوب، بأن سهل عادة ضبطهم، ومعرفة عددهم.
فيجب الاستيعاب إن لم يزيدوا على ثلاثة من كل صنف، أو زادوا (ووفت الزكاة بحاجاتهم) الناجزة، وهي مؤنة يوم وليلة، وكسوة فصل، ويملكونها في الأولى وإن لم
تف بحاجاتهم، وفي الثانية إن وفت بها بقدر حاجاتهم، ولا يضرهم حدوث نحو غنى أو موت، بل تورث عنهم وإن كان ورثتهم أغنياء أو ورثة للمزكي، ولهم التصرف فيها قبل قبضها إلا بالاستبدال، ولا يشاركهم قادم عليهم بعد وقت الوجوب.
فأن زادوا على ثلاثة ولم ينحصروا .. لم يملكوا إلا بالقسمة.
فإن انحصر بعض الأصناف دون بعض .. فلكل حكمه.
نعم؛ العامل يملك بالعمل.
والحاصل: أنه يجب تعميم الأصناف، والتسوية بينهم مطلقاً، وتعميم آحاد كل صنف إن وفي المال بهم، والتسوية بينهم إن تساوت حاجاتهم، حيث قسم الإمام مطلقاً أوالمالك، وانحصروا في ثلاثة مطلقاً، أو في أكثر، ووفت بحاجاتهم، فيملوكنها بقدر حاجاتهم.
(وإلا العامل .. فإنه) لا يجب الإعطاء فيه لثلاثة، بل (يجوز أن يكون واحداً) إذا حصل به الغرض، بل لو قسم المالك .. سقط سهمه.
فرع: لا يجوز نقل الزكاة على الأظهر عن محل المؤدى عنه في الفطرة، وعن محل المال الذي وجبت فيه الزكاة، وهو الذي كان فيه عند وجوبها مع وجود مستحق فيه، إلى محل آخر؛ لتصرف لمستحقه ما لم ينسب إليه، بحيث يعد محلاً واحداً وإن خرج عن سوره وعمرانه، كما في "التحفة" من اضطراب طويل.
وإذا منعنا النقل .. حرم، ولم يجز؛ لخبر الصحيحين:"صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، ولامتداد أطماع مستحقي كل محل إلى ما فيه من الزكاة، والنقل يوحشهم.
وبه فارقت الكفارة والنذر والوصية والوقف على الفقراء.
ويؤخذ من أن العبرة ببلد المال أن العبرة في الدين ببلد المدين.
لكن قال بعضهم: له صرف زكاته في أي محل شاء؛ لأن ما في الذمة ليس محل مخصوص وهو المعتمد.
وفي (ب ج): (لا يجوز نقل الزكاة لمن هو خارج السور) اهـ
والكلام في غير الإمام ونائبه.
أمَّا هما .. فيجوز لهما نقلها كل إلى محل عمله، لا خارجه، ولهما أن يأذنا للمالك فيه.
ولو حال الحول على مال بنحو بادية لا مستحق بها .. صرفت لأقرب محل إليها، ولنحو أهل خيام لا قرار لهم صرفها لمن معهم ولو بعض صنف، كمن بسفينة في لجة.
فإن فقدوا .. فلأقرب محل إليهم عند تمام الحول، فإن تعذر الوصول إليه .. حفظت إلى أن يتيسر الوصول إليه إن ترجاه عن قرب، وإلا .. صرفت للأقرب إليه، وفي هذا كله عسر شديد، وربما كان سبباً لضياع الزكاة.
فالأحسن أن يستأذن القاضي أو الإمام في نقلها، أو يعمل بمقابل الأظهر من جواز النقل مطلقاً، كما هو مذهب أكثر العلماء، بل لا دلالة في الحديث المار لمنع النقل إلا بإضمار في (فقرائهم)، أي: إلى فقراء بلدهم.
فإن لم يضمر .. كان دليلاً لجواز النقل؛ لأن الظاهر أن الضمير في (فقرائهم) للمسلمين الصادقين بمن ببلده وغيرها. وعلى كل فعدم النقل أولى وأحوط.
وإذا نقل الزكاة فتلفت .. ضمنها إن لم يجب، وذلك، كأن فقدت الأصناف ببلد الوجوب، أو فضل عنهم شيء، فيجب حينئذٍ نقل الكل أو الفاضل؛ لكن ينقله لأقرب محل إليه، فإن جاوزه .. حرم على الأظهر.
وإنما امتنع نقل دم النسك مطلقاً؛ لأنه وجب لأهل الحرم بالنص الصريح، بخلاف الزكاة لا نص صريح فيها.
وإذا نقل، فإن وجب .. فمؤنته من الزكاة، وإلا .. فعلى الناقل.
فرع: إذا امتنع المستحقون من أخذ الزكاة .. قوتلوا؛ لتعطيلهم هذا الشعار العظيم.
ولو قال له: فرّق هذا على المساكين .. لم يدخل هو ولا ممونه فيهم، وإن نص على ذلك، قاله في"التحفة".
* * *