الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(34) - (977) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ
(79)
- 2755 - (1) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ذُكِرَ الشُّهَدَاءُ
===
(34)
- (977) - (باب فضل الشهادة في سبيل الله)
(79)
- 2755 - (1)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب إلى جده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان أبي عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (150 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن هلال بن أبي زينب) فيروز القرشي مولاهم البصري، مجهول، من السادسة. يروي عنه:(ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (112 هـ). يروي عنه:(م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه هلال بن أبي زينب، وهو مجهول.
(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال) أبو هريرة: (ذكر الشهداء) أي:
عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "لَا تَجِفُّ الْأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنَ الْأَرْض، وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
(80)
- 2756 - (2) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
شؤونهم وفضائلهم (عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال) النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجف الأرض) ولا تيبس (من) رطوبة (دم الشهيد) في الجهاد في سبيل الله (حتى تبتدره) أي: إلى أن تتسابق إلى الشهيد (زوجتاه) في الجَنَّة (كأنهما) أي: كأن الزوجتين له (ظئران) أي: مرضعتان له، والظئر: يطلق على الذكر والأنثى؛ والظئر: المرضعة لغير ولدها (أضلتا) أي: ضيعتا (فصيليهما) أي: ولديهما (في براح) - بفتح الباء - أي: في فلاة (من الأرض) وفي "القاموس": البراح: المتسع من الأرض لا زرع فيها ولا شجر (وفي يد كلّ واحدة منهما حلة) من حريرٍ هي (خير من الدنيا وما فيها) من الزخاريف والنعيم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" هكذا؛ أي: كما المؤلِّف متنًا وسندًا، ولا شاهد له ولا متابع.
فدرجته: أنه ضعيف جدًّا (9)(292)؛ لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(80)
- 2756 - (2)(حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ:
===
صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (182 هـ). يروي عنه:(عم).
(حدثني بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة مكبرًا (ابن سعد) السحولي - بمهملتين - أبو خالد الحمصي، ثقةٌ ثبت، من السادسة. يروي عنه:(عم).
(عن خالد بن معدان) الكلاعي - بفتح الكاف - الحمصي أبي عبد الله، ثقةٌ عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (103 هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه:(ع).
(عن المقدام بن معدي كرب) بن عمرو أبي كريمة الكندي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الشام، ومات سنة سبع وثمانين (87 هـ) على الصحيح، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه:(خ عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ لأن إسماعيل بن عياش روى هنا عن أهل بلده، فهو ثقةٌ.
(عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للشهيد عند الله) تعالى (ست خصال) وأمور بفضله ومنه ببركة الشهادة، ولكن المذكور هنا سبع خصال، إلَّا أن يجعل الإجارة والأمن من الفزع واحدة؛ كما ذكره السندي.
يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِه، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّة، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَر، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الْإِيمَان،
===
أحدها: أنه (يغفر) الله عز وجل (له) أي: للشهيد (في أول دفعة) وقطرة (من دمه) قال الدميري: ضبطناه في "جامع الترمذي" بضم الدال.
وكذلك قال أهل اللغة: الدفعة - بالضم -: ما دفع من إناءٍ أو سقاءٍ فانصب بمرة، وكذلك الدفعة من المطر وغيره؛ مثل الدفقة - بالقاف - يقال: جاء القوم دفعةً واحدةً - بالضم - إذا دخلوا مرةً واحدة.
وأما الدفعة - بالفتح - فهي المرة الواحدة من الدفع؛ وهو الإزالة بالقوة، فليس مرادًا ها هنا.
(و) ثانيها: أنه (يرى) بالبناء للمفعول (مقعده) بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى؛ من الإراءة؛ أي: مقره ومنزله (من الجَنَّة) أي: يريه الله ويطلعه على منزله في الجَنَّة.
(و) ثالثها: أنه (يجار) ويؤمن (من عذاب القبر) وضغطته؛ من الإجارة؛ وهو الأمان والسلامة.
(و) أنه أيضًا؛ (يأمن) وينجو (من الفزع الأكبر) والهول الأعظم، والشدائد الأفخم في عرصات القيامة، وهما خصلتان يعدان واحدة.
(و) رابعها: أنه (يحلى) من التحلية؛ أي: يلبس (حلة الإيمان) من إضافة المسبب إلى السبب.
قال السندي: قوله: "ويحلى" المضبوط بتشديد اللام، وإضافة الحلة إلى الإيمان؛ بمعنى: أنَّها علامة لإيمان صاحبها، أو بمعنى: أنَّها مسببة عنه؛ أي: يلبس ويزين بحلة سببها الإيمان بالله تعالى.
وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِين، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ".
(81)
- 2757 - (3) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَامِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
===
(و) خامسها: أنه (يزوج من الحور العين).
(و) سادسها: أنه (يشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) ومحارمه؛ أي: يؤذن له في الشفاعة فيهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث المقدام بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(81)
- 2757 - (3)(حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (236 هـ). يروي عنه:(خ ت س ق).
(حدثنا موسى بن إبراهيم) بن كثير (الحرامي) - بفتح المهملة والراء - (الأنصاري) المدني، صدوق يخطئ، من الثامنة. يروي عنه:(ت س ق).
قال: (سمعت طلحة بن خراش) - بمعجمتين - ابن عبد الرَّحمن الأنصاري المدني، صدوق، من الرابعة. يروي عنه:(ت س ق).
قال: (سمعت جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام رضي الله عنهما.
يَقُولُ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ .. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا جَابِرُ؛ أَلَا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللهُ عز وجل لِأَبِيكَ؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا فَقَالَ: يَا عَبْدِي؛ تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ،
===
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله كلهم أهل صدق، ليس فيهم ثقةٌ إلَّا الصحابي.
أي: سمعت جابرًا حالة كونه (يقول: لما قتل) والدي (عبد الله بن عمرو بن حرام يوم) غزوة (أحد .. قال) لي (رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر؛ ألا) حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: يا جابر؛ انتبه واستمع ما أقول (أخبرك ما قال الله عز وجل لأبيك) عبد الله بن عمرو بن حرام؟ قال جابر: (قلت) لرسول الله: (بلى) أي: نعم، أخبرني يا رسول الله، فـ (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما كلم الله) تعالى (أحدًا) من الشهداء مطلقًا، أو أحدًا من شهداء أحد (إلَّا من وراء حجاب، وكلم) الله تعالى (أباك) عبد الله بن عمرو (كفاحًا) أي: مواجهة معاينة ليس بينهما حجاب ولا رسول.
(فقال) الله عز وجل لأبيك: (يا عبدي تمن) أي: ترج واطمع واطلب ما شئت (علي) أي: مني .. (أعطك) مجزوم بالطلب السابق؛ أي: إن تمنيت مني .. أعطك ما تمنيته مني.
وقوله: "تمن علي" الظاهر أن مفعوله عام؛ أي: تمن ما شئت، فيشكل بأنه يشمل الإحياء، فينبغي أن يقع؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
ويمكن الجواب: بأن خلاف المعتاد مستثنىً من العموم؛ لما تقرر في الأصول أن العادة مخصصة، والله تعالى أعلم.
قَالَ: يَارَبِّ؛ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ؛ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي"، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل هَذِهِ الْآيَةَ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
…
} الْآيَةَ كُلَّهَا.
===
وهذا الحديث مكرر عند المؤلف؛ لأنه قد سبق في كتاب الإيمان. انتهى "سندي".
فـ (قال) له أبوك: (يا رب) أتمنى أن (تحييني) وتعيدني إلى الحياة الدنيا؛ من الإحياء، مضارع بمعنى الأمر، أي: أحيني. انتهى من "التحفة".
(فأقتل) ثانيًا (فيك) أي: في سبيلك؛ أي: أقتل شهيدًا مرةً (ثانيةً، قال) الرب تبارك وتعالى لأبيك: (إنه) أي: إن الشأن والحال قد (سبق مني) في سابق علمي (أنهم) أي: أن الأموات (إليها) أي: إلى دار الدنيا (لا يرجعون) بالبناء للمفعول، فـ (قال) له أبوك:(يا رب؛ فأبلغ) وأخبر (من) بقي (ورائي) وخلفي في الدنيا خبر ما تمنيَّتُه وأعطَيْتَنِيهِ ليَسْتَبْشِرُوا، قال جابر:(فأنزل الله عز وجل بسبب ذلك (هذه الآية) المذكورة؛ يعني: قوله تعالى: ({وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا})(1) موتًا كموت سائر الأموات؛ يعني: موتًا بلا رزق، أَتِمَّ (الآيةَ كلها) من (آل عمران)؛ لأنَّها نزلت فيهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلَّا من حديث موسى بن إبراهيم، وأخرجه ابن مردويه هكذا عن موسى بن إبراهيم مطولًا، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئًا من هذا الحديث مختصرًا، ورواية عبد الله بن محمد بن عقيل هذه وصلها أحمد في "مسنده". انتهى.
(1) سورة آل عمران: (169).
(82)
- 2758 - (4) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث المقدام بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(82)
- 2758 - (4)(حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ ثبت، من التاسعة، أثبت الناس في حديث الأعمش، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقةٌ ثبت عارف بالقراءة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن عبد الله بن مرّة) الهمداني الخارفي - بمعجمة وراء وفاء - الكوفي، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة مئة (100 هـ)، أو قبلها. يروي عنه:(ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقةٌ فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين (63 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، قَالَ: أَمَا إِنَّا سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: روى عنه مسروق (في) تفسير (قوله) تعالى: ({وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ})(1)، قال النووي: هذا الحديث مرفوع؛ لقوله: (إنا قد سألنا عن ذلك، فقال) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، وقال القاضي: المسؤول والمجيب هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: (فقال) ضمير يعود له صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قرينة الحال؛ فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما في تأويل آية هي من المتشابهات، وما هو من أحوال المعاد .. فإنه غيبٌ صِرْفٌ لا يمكن معرفته إلَّا بالوحي، ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير أن يسبق ذكره. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
(قال) عبد الله بن مسعود: (أما) - بفتح الهمزة وتخفيف الميم - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم أيها المخاطبون: (إنا) معاشر الصحابة (سألنا) رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن ذلك) أي: عن تفسير معنى هذه الآية وتأويلها، فيكون الحديث مرفوعًا، يدلُّ على ذلك قرينة الحال؛ فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله من النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما في تأويل آية متشابهة؛ كهذه الآية. انتهى من "المرقاة".
وعبارة القرطبي: قوله: (أما إنا سألنا عن ذلك، فقال) رسول الله صلى الله
(1) سورة آل عمران: (169).
فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ
===
عليه وسلم في جواب سؤالنا، كذا صحت الرواية، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هو المراد منها؛ أي: من الرواية قطعًا، ألا ترى قوله:(فقال) وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه؛ للعلم به، فهو؛ أي: الحديث مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث، مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس، وإنما يتوصل إليه بالوحي، فلا يقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود. انتهى من "المفهم".
(فقال) رسول الله في جواب سؤالهم: (أرواحهم كطير خضر) وفي رواية مسلم والترمذي: (في جوف طير خضر) ولفظهما أوضح من رواية ابن ماجة، والكاف في روايته بمعنى: في، والكلام عليها على حذف مضاف لِتَتَّفِقَ روايتهما؛ وهي:(أرواحهم في جوف طير خضر) والمعنى: أرواح الذين قتلوا في سبيل الله محفوظة في جوف طير خضر مُكْرَمَةٌ ومُنْعَمةٌ فيه.
والمراد بجوفه: حوصلته؛ والحوصلةُ للطير كالكَرِشِ لسائر الحيوان؛ أي: مكرمةٌ منعمةٌ في حوصلته؛ كما في الحديث الآخر: (في حواصل طير خضر) والطيرُ: جمع طائر ويطلق على الواحد، والخضرُ جمع أخضر؛ كحمر جمع أحمر؛ أي: مستقرةٌ في حواصلها؛ صيانةً لتلك الأرواح، ومبالغةً في إكرامها، لإطلاعها على ما في الجَنَّة من المحاسن والنعم؛ كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودجِ الشفافِ الذي لا يحجب عما وراءه.
وفي رواية مسلم زيادة: (لها) أي: لتلك الأرواح (قناديل معلقة بالعرش) الله أعلم بحقيقتها، غير أن ما جاء به الحديث هو أن هذه القناديل لأَرواحِ الشهداء بمنزلةِ الأوكار للطائر؛ لأن تلك الأرواح تأوي وترجع إلى تلك القناديل للمبيت؛ لأنَّها مُستقرُّها ومنزلُها إلى يوم القيامة، تغدو وتبكر تلك الأرواح من تلك
تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْش، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ .. إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً
===
القناديل و (تسرح) أي: ترتع وتأكل (في الجَنَّة) أي: من نعيمها وثمارها (في أيها شاءت) بدل من الجار والمجرور في قوله: (في الجَنَّة) أي: ترتع وترعى من ثمار الجَنَّة من أي ثمار الجَنَّة شاءت (ثم) بعدما أكلت من ثمارها (تأوي) وترجع (إلى قناديل معلقة بالعرش) للمبيت فيها؛ لأنَّها مستقرها ومنزلها إلى يوم القيامة.
والحاصل: أن الله سبحانه يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة التي تتعلق بها وتكون خلفًا عن أبدانهم، وإليها الإشارة بقوله تعالى:{أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية، وإليه يرشد قوله تعالى:{يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (1).
(فبينما هم) كائنون (كذلك) أي: متقلبين مترددين بين الجَنَّة والقناديل؛ أي: فبينا أوقات تنقلهم وترددهم بين الجَنَّة والقناديل (إذ اطلع عليهم ربك) أي: فاجأهم نظر ربك إليهم؛ فإذ حرف فجاءة رابطة لجواب بينما؛ أي: نظر إليهم ربك يا محمد (اطلاعةً) أي: نظرةً.
قوله: (فاطلع) بتشديد الطاء؛ لأنه من باب الافتعال، وإنما قال:"اطلاعةً" ليدل على أنه ليس من جنس اطلاعنا على الأشياء.
قال القاضي: عداه بإلى وحقه أن يعدى بعلى؛ لتضمنه معنى الانتهاء.
والمعنى: نظر إليهم نظرةً؛ أي: اطلاعًا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، نثبته ونعتقده، لا نكيفه ولا نمثله؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
(1) سورة آل عمران: (169 - 170).
فَيَقُولُ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ، قَالُوا: رَبَّنَا؛ مَاذَا نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا؟ ! فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا .. قَالُوا: نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ .. تُرِكُوا.
===
وعبارة القرطبي: أي: تجلى لهم برفع حجبهم، وكلمهم مشافهةً بغير واسطة مبالغةً في الإكرام، وتتميمًا للإنعام. انتهى.
قوله: (فيقول) هو بمعنى: (فقال) لأنه معطوف على "اطلع" كما في روايتهما؛ أي: فقال لهم ربهم: (سلوني ما شئتم) من التحف والعطايا (قالوا) لربهم في جواب كلامه: يا (ربنا؛ ماذا نسألك) أي: أي شيء نسألك (ونحن نسرح) ونأكل ونتمتع (في) نعيم (الجَنَّة في أيها شئنا؟ ! ) أي: في أي ثمارها شئنا، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.
(فلما رأوا) وأيقنوا (أنهم لا يتركون من أن يسألوا) ويجيبوا .. (قالوا): يا رب (نسألك أن ترد أرواحنا في أجسادنا) ثم تردنا (إلى الدنيا حتى) نجاهد و (نقتل في سبيلك) مرّة أخرى (فلما رأى) وعلم ربهم (أنهم لا يسألون إلَّا ذلك) أي: إلَّا الرد إلى الدنيا فيجاهدوا مرّةً ثانيةً .. (تركوا) على ما هم عليه؛ لأن ما سألوه من الرجوع إلى الدنيا والقتل مرّة أخرى ليس مما سئلوا عنه؛ لأنه يتعلق بدار العمل التي انقضى أجلها، ولم يكن هذا السؤال إلَّا إكرامًا لهم وزيادة في الإنعام؛ ليعطوا ما يشتهونه في هذا العالم لا في العالم الماضي، ولم يكن إلَّا اعترافًا بنهايةٍ من الإكرام وشكرًا عليه، وإنهم ليس لهم حاجة ممكنة .. إلَّا وقد قضاها الله تعالى لهم. انتهى "تكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، باب في بيان أن أرواح الشهداء في الجَنَّة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، والترمذي
(83)
- 2759 - (5) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ وَبِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالُوا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ،
===
في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المقدام.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث المقدام بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(83)
- 2759 - (5)(حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري بندار، ثقةٌ ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (252 هـ). يروي عنه:(ع).
(وأحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد (الدورقي) النكري - بضم النون - البغدادي، ثقةٌ حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (246 هـ). يروي عنه:(م د ت ق).
(وبشر بن آدم) بن يزيد البصري أبو عبد الرَّحمن ابن بنت أزهر السمان، صدوق فيه لين، من العاشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (254 هـ). يروي عنه:(د ت ق).
(قالوا) أي: قال كلّ من الثلاثة: (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري أبو محمد البصري القسام، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة مئتين (200 هـ)، وقيل: قبلها بقليل، أو بعدها. يروي عنه:(م عم).
(أنبأنا محمد بن عجلان) المدني، صدوق إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث
عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مَسَّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ الْقَرْصَةِ".
===
أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ). يروي عنه:(م عم).
(عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني، ثقةٌ، من الرابعة. يروي عنه:(م عم).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (101 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يجد الشهيد مس القتل) بالشهادة (إلَّا كما) أي: إلَّا ألمًا مثل الألم الذي (يجد) هـ (أحدكم مس القرصة) أي: من إصابة قرصة النمول والبراغيث له، يقال: قرصه بالإصبعين إذا غمزه بأطرافهما، يقال: قرصه النمل أو البق أو البرغوث؛ من باب نصر؛ إذا لسعه؛ والمراد: يهون الله تعالى عليه أمر القتل في الشهادة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط، والنسائي في كتاب الجهاد، باب ما يجد الشهيد من الألم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.