الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَدْرَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ مَكَانِ الْإِدْرَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشُّورَى: 51] ، فَلَمْ يَبْقَ لَنَا مَدْرَكٌ لِهَذِهِ الْأُصُولِ إِلَّا الرَّسُولُ عليه السلام. فَ
الْكِتَابُ
نَسْمَعُ مِنْهُ تَبْلِيغًا، وَالسُّنَّةُ تَصْدُرُ عَنْهُ تَبْيِينًا وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدَانِ فِي إِثْبَاتِهِمَا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ آنِفًا دَاخِلٌ فِي حَدِّ الدَّلِيلِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّ مَرْجِعَ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا إِلَى الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ لَهُ، أَوْ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، يَعْنِي أَنَّ الْأُصُولَ ضَرْبَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ. وَمُخْتَلِفٌ فِيهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَا مُخَالِفَ لَهُ، وَالِاسْتِحْسَانُ، وَالِاسْتِصْلَاحُ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَبَعْدَهَا الْقِيَاسُ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا، لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلِفِ فِيهَا مُتَوَالِيًا، لَا يَتَخَلَّلُهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ قَدْ أَبَنْتُ عُذْرِي فِي ذَلِكَ أَوَّلَ الشَّرْحِ، وَهُوَ أَنِّي اخْتَصَرْتُ وَلَمْ أَسْتَقْصِ أَحْوَالَ التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: «وَكِتَابُ اللَّهِ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ» . لَمَّا بَيَّنَ كَمِّيَّةَ الْأُصُولِ، أَخَذَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا أَوَّلَ أَوَّلَ، وَأَوَّلُهَا الْكِتَابُ ; فَبَدَأَ بِذِكْرِ حَدِّهِ الْكَاشِفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَوْلُهُ: «كَلَامُهُ» : هُوَ جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كَلَامٍ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ سبحانه وتعالى عَرَبِيًّا كَالْقُرْآنِ، أَوْ أَعْجَمِيًّا كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا مِنْ صُحُفِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا نَزَلَ لِلْإِعْجَابِ أَوْ لِغَيْرِهِ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عليه السلام: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِينِي بِالسُّنَّةِ كَمَا يَأْتِينِي بِالْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: «الْمُنَزَّلُ» : يُحْتَرَزُ بِهِ مِمَّنْ يُثْبِتُ كَلَامَ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّنْزِيلُ عِنْدَهُ، وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ ذَلِكَ ; كَمَا سَتَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: «لِلْإِعْجَازِ» : احْتِرَازٌ مِمَّا نَزَلَ لِغَيْرِ الْإِعْجَازِ، كَمَا ذَكَرَ قَبْلُ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَغَيْرِهَا ; فَإِنَّهَا لَمْ تُنَزَّلْ لِلْأَعْجَازِ، بَلْ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُعْجِزَاتُ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام فِعْلًا لَا صِفَاتٍ.
وَقَوْلُهُ: «بِسُورَةٍ مِنْهُ» : لِيُدْخِلَ فِي حَدِّ الْكِتَابِ كُلَّ سُورَةٍ مِنْ سُورَهِ.
وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ الْقُرْآنُ» : أَيْ: كِتَابُ اللَّهِ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ بَعْدُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَتَعْرِيفُهُ» أَيْ: تَعْرِيفُ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ «بِمَا نُقِلَ إِلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، دَوْرِيٌّ» أَيْ: هَذَا التَّعْرِيفُ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ.
قُلْتُ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَمْ يُسَمِّهُمُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ هُمْ، فَإِنْ كَانَ هَذَا النَّقْلُ صَحِيحًا ; فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ: إِمَّا مُخْطِئُونَ، أَوِ النِّزَاعُ مَعَهُمْ لَفْظِيٌّ.
أَمَّا وَجْهُ خَطَئِهِمْ: فَهُوَ أَنْ يَكُونُوا نَظَرُوا إِلَى تَغَايُرِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْكِتَابِ ; فَحَكَمُوا بِالتَّغَايُرِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ، وَأَمَّا وَجْهُ كَوْنِ نِزَاعِهِمْ لَفْظِيًّا ; فَهُوَ أَنْ يَكُونُوا خَصُّوا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ، عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَخَصُّوا الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الْعَبَّارَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ عِنْدَهُمْ، وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ النِّزَاعُ إِلَى إِثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَتَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَنِ التَّنَازُعِ فِيهَا.
قَوْلُهُ «وَرُدَّ» ، أَيْ وَرُدَّ قَوْلُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ الْقُرْآنِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
حِكَايَةُ قَوْلِ الْجِنِّ فِي سُورَةِ الْجِنِّ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الْجِنِّ: 1]، وَحِكَايَةُ قَوْلِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ حَيْثُ قَالُوا:{إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الْأَحْقَافِ: 30] ، وَالَّذِي سَمِعُوهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ سَمَّوْهُ كِتَابًا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْقُرْآنُ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنَّهُمْ سَمَّوْهُ كِتَابًا لُغَةً ; لِجَمْعِهِ الْأَحْكَامَ وَغَيْرَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ كِتَابَ اللَّهِ سبحانه وتعالى، إِلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، مُخَالِفٌ لِمُبَادَرَةِ الْأَفْهَامِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْكَلَامَ أَنَّ مُرَادَهُ كِتَابُ اللَّهِ سبحانه وتعالى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى اتِّحَادِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ: الْكِتَابُ، وَالْقُرْآنُ، أَيْ: أَنَّ مُسَمَّاهُمَا وَاحِدٌ ; فَالْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْقُرْآنُ هُوَ الْكِتَابُ، وَالْكِتَابُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ» أَيْ: يُطْلَقُ لَفْظُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ ; فَيُقَالُ لِلْعِبَارَاتِ الْمَسْمُوعَةِ: كَلَامٌ، وَلِلْمَعْنَى النَّفْسِيِّ: كَلَامٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ ; فَيَكُونُ مُشْتَرِكًا، أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَارَاتِ فَكَثِيرٌ ظَاهِرٌ، كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [الْبَقَرَةِ: 75]، {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التَّوْبَةِ: 6] وَيُقَالُ: سَمِعْتُ كَلَامَ فُلَانٍ وَفَصَاحَتَهُ، يَعْنِي أَلْفَاظَهَ الْفَصِيحَةَ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، وَهُوَ مَدْلُولُ الْعِبَارَاتِ ; فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [الْمُجَادَلَةِ: 8]، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الْمُلْكِ: 13] ، وَقَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي السَّقِيفَةِ:«زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلَامًا» ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا
…
جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ. وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ ; فَلِمَا سَبَقَ.
قُلْتُ: ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ قَوْمًا جَعَلُوا الْكَلَامَ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى، مَجَازًا فِي الْعِبَارَةِ، وَأَنَّ قَوْمًا عَكَسُوا ذَلِكَ ; فَصَارَتْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِ، مَجَازٌ فِي الْمَدْلُولِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَدْلُولِ، مَجَازٌ فِي لَفْظِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا.
وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مَنْقُولَةٌ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بُرْهَانَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ عِنْدَهُمْ - نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ، قَائِمَةٌ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَعْنُونَ بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ أَيْ: بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ، مِنْ تَعَلُّقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ، أَيْ: بِحَيْثُ إِذَا عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا، وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِسْنَادِيًّا إِفَادِيًّا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ أَنَّهُ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ.
وَمَعْنَى قِيَامِ هَذِهِ النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَا كَشَفَ عَنْهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي كِتَابِ «الْأَرْبَعِينَ» ، هُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي مَاءً ; فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، قَامَ بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ، وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ، وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا ; فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ. وَصِيغَةُ قَوْلِهِ: اسْقِنِي مَاءً. عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَشَرَحَ الْقَرَّافِيُّ فِي كِتَابِ «الْأَجْوِبَةِ الْفَاخِرَةِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْفَاجِرَةِ» مَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ عَنْ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ، وَعَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ; فَالْمُخْتَلِفُ: هُوَ الْكَلَامُ اللِّسَانِيُّ، وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ: هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ عز وجل، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ سَمْعًا ; لِأَنَّ إِدْرَاكَ الْحَوَاسِّ إِنَّمَا هِيَ عُلُومٌ خَاصَّةٌ، أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ ; فَكُلُّ إِحْسَاسٍ عِلْمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ إِحْسَاسًا، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعِلْمُ الْخَاصُّ فِي نَفْسِ مُوسَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ الْبَارِئِ عز وجل، سُمِّي بِاسْمِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ السَّمَاعُ. هَذَا مَعْنَى تَقْرِيرِهِ.
قُلْتُ: وَبُسِّطَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ عَقَائِدِهِ: مَنْ أَحَالَ سَمَاعَ مُوسَى كَلَامًا لَيْسَ بِصَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ ; فَلْيُحِلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ ذَاتٍ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ.
قُلْتُ: كُلُّ هَذَا تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ، بَلِ الْقَاطِعُ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِلَّا خَيَالَاتٍ لَاغِيَةٍ، وَأَوْهَامٍ مُتَلَاشِيَةٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ مَعَارَضٌ بِأَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَقُومُ شَاهِدًا إِلَّا بِالْأَجْسَامِ، فَإِذَا أَجَازُوا مَعْنًى قَامَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا ; فَلْيُجِيزُوا خُرُوجَ صَوْتٍ مِنَ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا، إِذْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ خِلَافُ الشَّاهِدِ، وَمَنْ أَحَالَ كَلَامًا لَفْظِيًّا مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ ; فَلْيُحِلْ ذَاتًا مَرْئِيَّةً غَيْرَ جِسْمٍ، وَلَا فَرْقَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَعِنْدَنَا لَا اشْتِرَاكَ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ» ، أَيْ: عِنْدَنَا لَيْسَ الْكَلَامُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْعِبَارَةِ وَمَدْلُولِهَا، بَلِ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ، أَيِ: الْحُرُوفُ الْمَسْمُوعَةُ ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهَا، مَجَازٌ فِي مَدْلُولِهَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَادِرَ إِلَى فَهْمِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ إِطْلَاقِ لِفَظِّ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ، وَالْمُبَادَرَةُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَلِمِ، لِتَأْثِيرِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَمَا سَبَقَ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ إِنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ لَا الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةُ بِالْفِعْلِ. نَعَمْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِلْفَائِدَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالْعِبَارَةُ مُؤَثِّرَةٌ بِالْفِعْلِ ; فَكَانَتْ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَمَا يُؤَثِّرُ بِالْقُوَّةِ مَجَازًا.
قَوْلُهُمْ: اسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ بِالِاشْتِرَاكِ، أَوْ بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَالْمَجَازُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: نَعَمْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، ثُمَّ قَدْ تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ الْمُجَرَّدُ، وَالْمَجَازُ أَوْلَى. ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الْكَلَامِ أَكْثَرُ مَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَارَاتِ، وَكَثْرَةُ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [الْمُجَادَلَةِ: 8] ; فَهُوَ مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِالْقَرِينَةِ، وَلَوْ أُطْلِقَ لَمَا فُهِمَ مِنْهُ إِلَّا الْعِبَارَةُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا يُفِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: «زَوَّرْتُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِي كَلَامًا» إِنَّمَا أَفَادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي نَفْسِي، وَسِيَاقِ الْقِصَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الْمُلْكِ: 13] ; فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ; لِأَنَّ الْإِسْرَارَ نَقِيضُ الْجَهْرِ، وَكِلَاهُمَا عِبَارَةٌ ; إِحْدَاهُمَا أَرْفَعُ صَوْتًا مِنَ الْأُخْرَى.
وَأَمَّا الشِّعْرُ فَهُوَ لِلْأَخْطَلِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ: «
إِنَّ الْبَيَانَ لَفِي الْفُؤَادِ
» ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُمْ ; فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ مَادَّةِ الْكَلَامِ، وَهِيَ التَّصَوُّرَاتُ الْمُصَحَّحَةُ، إِذْ مَنْ لَا يَتَصَوَّرُ مَعْنَى مَا يَقُولُ، لَا يُوجَدُ مِنْهُ كَلَامٌ، ثُمَّ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ فِي تَرْجِيحِ الْفُؤَادِ عَلَى اللِّسَانِ، إِشَارَةً إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ:
لِسَانُ الْفَتَى نَصِفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
…
فَمَا الْمَرْءُ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وَإِلَى قَوْلِهِ عليه السلام: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ.
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ; مَعَ أَنَّهُمْ عُقَلَاءُ فُضَلَاءُ، يُجِيزُونَ أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى يَخْلُقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَسَمْعًا لِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ، مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ صَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ مُوسَى عليه السلام، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ حَقِيقَةُ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ اتِّصَالُ الْأَصْوَاتِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحَاسَّتِهِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلشَّاهِدِ، فَإِنْ جَازَ قَلْبُ حَقِيقَةِ السَّمْعِ شَاهِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَامِهِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ خِلَافُ الشَّاهِدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِوَائِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؟ .
فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ حَرْفٍ وَصَوْتٍ لَا مِنْ جِسْمٍ، وَوُجُودٌ فِي جِهَةٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ. قُلْنَا: إِنْ عَنَيْتُمُ اسْتِحَالَتَهُ مُطْلَقًا ; فَلَا نُسَلِّمُ، إِذِ الْبَارِئُ جل جلاله عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ وَالْمَعْقُولِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِمَا قُلْنَاهُ ; فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ قَدِيمٌ» ، يَعْنِي كَلَامَ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَى رَأْيِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنِ الْأَشْعَرِيَّةَ وَافَقُوا عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِئِ جل جلاله ; كَالْحَيَاةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَى مَفْهُومِ ذَاتِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَأَنَّ الْحَيَّ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ، وَالْعَالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، وَأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَالِمًا ; لَكَانَ جَمَادًا غَيْرَ عَالِمٍ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ نَقْصٌ ; فَيَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ.
فَنَقُولُ نَحْنُ فِي إِثْبَاتِ الْكَلَامِ عَلَى رَأْيِنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ سَاكِتًا لَكِنَّ السُّكُوتَ عَلَيْهِ مُحَالٌ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ ; فَيَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ سَاكِتًا ; لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِنَّ السُّكُوتَ نَقَصٌ فِي حَقِّهِ سبحانه وتعالى ; لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي الشَّاهِدِ، لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ عَجْزٍ أَوْ صَمْتٍ، وَالْعَجْزُ عَلَيْهِ سبحانه وتعالى مُحَالٌ، وَالصَّمْتُ إِنَّمَا يَحْسُنُ عَنِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى لَا يَقْبُحُ مِنْهُ قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ، بَلْ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ قَاطِعٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، يَكُونُ مُسْتَنِدًا لِلْإِجْمَاعِ، أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ أَوْ قَدِيمٌ، أَوْ لِتَرَدُّدِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى كِتْمَانِ عِلْمٍ فِيهِ تَبْرِئَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى زَعْمِهِمْ، وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ تَرَدُّدِهِمْ فِيهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُمُ الْجَزْمُ فِيهِ بِقَوْلٍ ; فَمِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَيَنْكَشِفَ لَكُمْ. وَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُمْ عَنِ الْقَوْلِ بِخَلْقِهِ لِاعْتِقَادِهِمْ قِدَمَهُ ; فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يُعَارِضَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ السَّلَفَ مَازَالُوا شَدِيدَيْنِ عَلَى مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، تَكْفِيرًا، وَتَبْدِيعًا، وَلَعْنًا، وَسَبًّا، حَتَّى ظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّهُ لَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ تَحْكِيمُ الرِّجَالِ فِي دِينِ اللَّهِ قَالَ:«مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقًا وَإِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ» وَمَا رَوَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَيَقُولُ: هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ وَإِسْمَاعِيلَ عليهم السلام، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَصْفُ الْكَلِمَاتِ بِالتَّامَّةِ ; فَيَقْتَضِي غَايَةَ التَّمَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْقَدِيمِ، إِذِ الْمَخْلُوقُ نَاقِصٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَوَّذَ بِهِمَا الْمَخْلُوقَ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يُعَوَّذُ بِمَخْلُوقٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالتَّعْوِيذِ مِنَ الْآخَرِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُعَوِّذُهُمَا بِالْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ; فَيَكُونُ قَدِيمًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِضَافَةَ الصَّوْتِ فِي الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْقُولٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَلَفْظُ الصَّوْتِ ثَابِتٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ شُكْرٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمِصْرِيُّ - وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِمْ - فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، ذَكَرَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 6]، {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [الشُّعَرَاءِ: 10] ، {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} [مَرْيَمَ: 52] ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا. وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِطَابُ كُلُّهُ مَجَازًا، لَا حَقِيقَةَ فِيهِ، وَلَوْ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَبِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ، وَلَكِنْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالِاشْتِرَاكِ، كَمَا قُلْتُمْ: إِنَّ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الشَّرْعِ لِلَّهِ سبحانه وتعالى حَقِيقَةٌ ; لَكِنْ مُخَالِفَةٌ لِلصِّفَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، وَهِيَ مَقُولَةٌ بِالِاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: نَحْنُ اضْطَرَّنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الصِّفَاتِ وُرُودُ نُصُوصِ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِهَا ; فَأَنْتُمْ مَا الَّذِي اضْطَرَّكُمْ إِلَى إِثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ؟
فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ لَا صَوْتَ إِلَّا مِنْ جِسْمٍ.
قُلْنَا: فَمَا أَفَادَكُمْ إِثْبَاتُهُ شَيْئًا ; لِأَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لَا يَخْرُجُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا أَوْ تَصَوُّرًا، عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ عَنْ أَئِمَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَ عِلْمًا ; فَقَدْ رَجَعْتُمْ مُعْتَزِلَةً، وَنَفَيْتُمُ الْكَلَامَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَوَّهْتُمْ عَلَى النَّاسِ بِتَسْمِيَتِكُمُ الْعِلْمَ كَلَامًا، وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرًا ; فَالتَّصَوُّرُ فِي الشَّاهِدِ: حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْقَلُ فِي الْأَجْسَامِ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ تَصَوُّرًا مُخَالِفًا لِلتَّصَوُّرِ فِي الشَّاهِدِ، لَائِقًا بِجَلَالِ اللَّهِ سبحانه وتعالى ; فَأَثْبِتُوا كَلَامًا، هُوَ عِبَارَةٌ عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ، لَائِقَةٌ بِجَلَالِ اللَّهِ سبحانه وتعالى.
قَوْلُهُ: «وَالْبَحْثُ فِيهِ كَلَامِيٌّ» ، أَيْ: الْبَحْثُ فِي قِدَمِ الْقُرْآنِ مُتَعَلِّقٌ بِعِلْمِ الْكَلَامِ ; فَهُوَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِ، مَعَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ بُلْغَةً وَلِلْمَسْأَلَةِ مَأْخَذَانِ مُخْتَصَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ فِي الْعِبَارَةِ، أَوْ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدْلُولِهَا كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ بَيَّنَّا عَدَمَ الِاشْتِرَاكِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ ذَاتٍ، أَوْ صِفَةُ فِعْلٍ، إِذْ صِفَاتُ الذَّاتِ قَدِيمَةٌ، وَصِفَاتُ الْفِعْلِ مُحْدَثَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ:
الْأُولَى: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ، خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ بَعْضَهَا كَذَلِكَ، تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ; فَتَعَيَّنَ الْمُدَّعَى. قَالُوا: الْآحَادُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. قُلْنَا: مُحَالٌ، إِذِ التَّوَاتُرُ مَعْلُومٌ، وَالْآحَادُ مَظْنُونٌ ; فَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا لَازِمٌ، وَإِذْ لَا مَظْنُونَ ; فَلَا آحَادَ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ» ، يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا سَبَقَ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ، هُوَ كَالْمُقَدِّمَةِ الْكُلِّيَّةِ لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا، أَخَذَ يَذْكُرُ جُزْئِيَّاتِ أَحْكَامِهِ:
فَالْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ» . اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْقِرَاءَاتِ حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ:
فَالْقُرْآنُ هُوَ الْوَحْيُ النَّازِلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِلْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ.
وَالْقِرَاءَاتُ: هِيَ اخْتِلَافُ أَلْفَاظِ الْوَحْيِ الْمَذْكُورِ، فِي كَمِّيَّةِ الْحُرُوفِ، أَوْ كَيْفِيَّتِهَا مِنْ تَخْفِيفٍ أَوْ تَثْقِيلٍ، وَتَحْقِيقٍ أَوْ تَسْهِيلٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، بِحَسْبِ اخْتِلَافِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، أَمَّا الْقِرَاءَاتُ ; فَوَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً.
«لَنَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِتَوَاتُرِهَا، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَاتُ جَمِيعُهَا مُتَوَاتِرَةً، أَوْ جَمِيعُهَا آحَادًا، أَوْ بَعْضُهَا تَوَاتُرٌ وَبَعْضُهَا آحَادٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ خِلَافُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ فِي الْقِرَاءَاتِ تَوَاتُرًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ جَمِيعَهَا تَوَاتُرٌ، وَفِي أَنَّ هَلْ فِيهَا آحَادٌ أَمْ لَا؟ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهَا تَوَاتُرٌ وَبَعْضُهَا آحَادٌ، تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، إِذْ لَا طَرِيقَ لَنَا إِلَى تَمْيِيزِ تَوَاتُرِهَا مِنْ آحَادِهَا. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ هَذَا الْبَعْضَ الْمُعَيَّنَ مِنْهَا آحَادٌ، دُونَ هَذَا الْبَعْضِ، تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِذَا انْتَفَى الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَهَا مُتَوَاتِرٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَتَعَيَّنَ الْمُدَّعَى» .
قَوْلُهُ: «قَالُوا الْآحَادُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ» ، يَعْنِي: الْخَصْمَ النَّافِي لِلتَّوَاتُرِ عَنِ الْقِرَاءَاتِ جَمِيعِهَا، قَالَ: لَيْسَتِ الْقِسْمَةُ فِي دَلِيلِكُمْ حَاصِرَةً، بَلْ هُنَا قِسْمٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْآحَادَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لَا جَمِيعُهَا، وَلَا بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مُحَالٌ» ، أَيْ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْآحَادَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ حِينَئِذٍ تَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْآحَادِ وَالتَّوَاتُرِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ مَعْلُومٌ، وَالْآحَادُ مَظْنُونٌ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْلُومِ وَالْمَظْنُونِ حَاصِلٌ بِضَرُورَةِ الْوِجْدَانِ، كَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْجُوعِ وَالشِّبَعِ، وَالرَّيِّ وَالْعَطَشِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْوِجْدَانِيَّاتِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي الْقِرَاءَاتِ مَظْنُونٌ ; فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا آحَادٌ، وَإِلَّا لَوُجِدَتِ الْآحَادُ مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنِّي سَلَكْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةَ الْأَكْثَرِينَ فِي نُصْرَةِ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَوَاتِرَةٌ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمَّا تَوَاتُرُهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ ; فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّ أَسَانِيدَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ، إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ، وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنِ الْوَاحِدِ، لَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ وَالْخُرُوجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، لَذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ طُرُقِهِمْ وَلَكِنْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْحِجَازِيِّينَ، وَالشَّامِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ عَاوَدْتَهَا مِنْ مَظَانِّهَا وَجَدْتَهَا كَمَا وُصِفَ لَكَ.
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَتَوَاتَرْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُمَرَ لَمَّا خَاصَمَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنهم، حَيْثُ خَالَفَهُ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً بَيْنَهُمْ لَحَصَلَ الْعِلْمُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ رضي الله عنه لِيُخَاصِمَ فِي مَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدِهِ يَنْفِرُ مِنَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَوَاتُرِ الْقِرَاءَاتِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ.
الثَّانِيَةُ: الْمَنْقُولُ آحَادًا، نَحْوُ:" فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "، حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِلْبَاقِينَ. لَنَا: هُوَ قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ. قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأً، إِذْ يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ إِلَى مَنْ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ الْعِلْمُ. قُلْنَا: نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ لَا يَلِيقُ بِهِ ; فَالظَّاهِرُ صِدْقُ النِّسْبَةِ، وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إِنْ سُلِّمَ، لَا يَضُرُّ، إِذِ الْمُطَّرَحُ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَا خَبَرًا، لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ كَافٍ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ " الثَّانِيَةُ ": أَيْ مِنْ مَسَائِلِ الْكِتَابِ " الْمَنْقُولُ آحَادًا، نَحْوُ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، " حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِلْبَاقِينَ "، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: " لَنَا: هُوَ قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ "، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ الْمَنْقُولَ مِنَ الْقُرْآنِ آحَادًا حُجَّةٌ، أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا أَوْ خَبَرًا، وَكِلَاهُمَا - أَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْخَبَرَ - يُوجِبُ الْعَمَلَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ النَّاقِلَ جَازِمٌ بِالسَّمَاعِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَصُدُورُهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِمَّا عَلَى جِهَةِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ ; فَيَكُونُ قُرْآنًا، أَوْ عَلَى جِهَةِ تَفْسِيرِهِ ; فَيَكُونُ خَبَرًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ ; فَبِالِاتِّفَاقِ ; فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ مِنَ الْقُرْآنِ آحَادًا حُجَّةً.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: " قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَوَرَانَهُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ لَيْسَ حَاصِرًا، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِلنَّاقِلِ، وَمَذْهَبُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ; فَقَدْ دَارَ مَا نَقَلَهُ بَيْنَ مَا هُوَ حُجَّةٌ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ فِي جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ فِيهِ، وَهُوَ عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ بِتَقْدِيرِ النَّاقِلِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ، يَكُونُ خَطَأً مِنْهُ عَلَى الرَّسُولِ، أَوْ خَطَأً مِنْهُ مُطْلَقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ إِلَى جَمَاعَةٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ بِتَبْلِيغِ الْوَاحِدِ، وَحِينَئِذٍ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ هَذَا النَّاقِلَ أَخْطَأَ عَلَى الرَّسُولِ فِي نَقْلِهِ الْآحَادَ عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ; لِأَنَّهُ نَسَبَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم إِلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخَصْمُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ كَوْنَ الصَّحَابِيِّ يَنْسِبُ رَأْيَ نَفْسِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَافْتِرَاءٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ يَنْقُلُ عَنْهُ، وَيَقُولُ مَا لَمْ يُقِلْ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى الصَّحَابَةِ، مَعَ تَحَرِّيهِمْ فِي الصِّدْقِ عَلَيْهِ، هَذَا جَوَابُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِلْخَصْمِ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إِنْ سُلِّمَ لَا يَضُرُّ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا الْجَوَابُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانِي، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ نَقْلَ الصَّحَابِيِّ لَهُ قُرْآنًا خَطَأٌ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّنَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، لَا أَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وَتَحَرِّيهِمْ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ، وَتُنَزُّهِهِمْ عَنِ الْكَذِبِ، خُصُوصًا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ، كَانَ كَافِيًا فِي الْعَمَلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا:" إِذِ الْمُطَّرَحُ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَا خَبَرًا، لِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ كَافٍ ".
الثَّالِثَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمَجَازُ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الْوُقُوعُ نَحْوُ {جَنَاحَ الذُّلِّ} ، وَ {نَارًا لِلْحَرْبِ} ، وَ {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ، وَهُوَ كَثِيرٌ، قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَجَوِّزًا. وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ مَثَلَهُ تَوْقِيفِيٌّ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ» مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وَهُوَ أَنَّ «فِي الْقُرْآنِ الْمَجَازَ» ، أَيْ: هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، «خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، وَهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ ; فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا جَوَازَ وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ. «لَنَا: الْوُقُوعُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْمَجَازُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ ; فَمَنْ نَازَعَ فِي الْجَوَازِ ; فَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ، وَمَنْ نَازَعَ فِي الْوُقُوعِ ; فَهُوَ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ.
وَبَيَانُ وُقُوعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الْإِسْرَاءِ: 24] ، وَالْجَنَاحُ حَقِيقَةٌ لِلطَّائِرِ مِنَ الْأَجْسَامِ، وَالْمَعَانِي وَالْجَمَادَاتِ لَا تُوصَفُ بِهِ. وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى:{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [الْمَائِدَةِ: 64] ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِثَارَةِ أَسْبَابِ الْحَرْبِ، أَوْ عَنْ نَفْسِ الْحَرْبِ، تَشْبِيهًا لَهَا بِالنَّارِ، بِجَامِعِ الْكُرَبِ فِيهِمَا، وَشَدَّةِ وَقْعِهِمَا عَلَى النُّفُوسِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَيْسَ الشُّجَاعُ الَّذِي يَحْمِي كَتِيبَتَهُ
…
يَوْمَ النِّزَالِ وَنَارُ الْحَرْبِ تَشْتَعِلُ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الْكَهْفِ: 77] ، وَالْجِدَارُ لَا إِرَادَةَ لَهُ ; إِذْ الْإِرَادَةُ حَقِيقَةٌ مِنْ خَصَائِصِ الْحَيَوَانِ أَوِ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مُقَارَبَتِهِ الِانْقِضَاضَ ; لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ شَيْئًا قَارَبَهُ ; فَكَانَتِ الْمُقَارَبَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِرَادَةِ ; فَتُجُوِّزَ بِهَا عَنْهَا. «وَهُوَ كَثِيرٌ» يَعْنِي: الْكَلَامُ الْمَجَازِيُّ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، نَحْوَ:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُفَ: 82]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشُّورَى: 40] ، {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الْأَنْفَالِ: 67] ، {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الْأَعْرَافِ: 130] ، وَحَقِيقَةُ الْإِثْخَانِ فِي الْمَائِعَاتِ، وَالْأَخْذُ فِي التَّنَاوُلِ بِالْيَدِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرٌ يَعْسُرُ اسْتِقْصَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَجَوِّزًا» مُسْتَعِيرًا ; لِأَنَّ مُسْتَعْمَلَ الْمَجَازِ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ مُتَجَوِّزًا، وَالتَّجَوُّزُ: اسْتِعَارَةُ اللَّفْظِ لِغَيْرِ مَوْضُوعِهِ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى ; فَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ وَبِالْفَرْقِ» ، أَيْ: أَجَابَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْتِزَامُهُ: وَهُوَ صِحَّةُ تَسْمِيَتِهِ سبحانه وتعالى مُتَجَوِّزًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلْمَجَازِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا مَحْذُورٌ، كَمَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِاسْتِعْمَالِهِ لِلْكَلَامِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: مَنْعُ الْمُلَازِمَةِ، وَهُوَ: أَنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِالْمَجَازِ، لَزِمَ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَوِّزًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَغَيْرِهِ، أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَعَالَى بِالْأَسْمَاءِ، وَوَصْفَهُ بِالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَيْ: إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ. الِاشْتِقَاقِيِّ وَالْقِيَاسِيِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا:«وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ مِثْلَهُ» ، أَيْ: بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الْبَارِئِ جل جلاله «تَوْقِيفِيٌّ» .
قُلْتُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ أَسْمَاءٌ بِدُونِ التَّوْقِيفِ، مِثْلَ قَوْلِنَا: فَارِشٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} [الذَّارِيَاتِ: 48] ، وَمُنْبِتٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عَبَسَ: 27] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمَقْصِدُ الْأَسْنَى» الْجَوَازَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمَنْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ النَّافِينَ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُنْبِئُ بِنَفْسِهِ عَنْ مَعْنَاهُ ; فَوُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ مُلْبِسٌ، وَمَقْصُودُ الْقُرْآنِ الْبَيَانُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْبَيَانَ يَحْصُلُ بِالْقَرِينَةِ ; فَلَا إِلْبَاسَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْعُدُولَ إِلَى الْمَجَازِ يَقْتَضِي الْعَجْزَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَجْزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ ذَلِكَ، بَلِ الْمَجَازُ لَهُ فَوَائِدُ سَبَقَ ذِكْرُ بَعْضِهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ صِدْقٌ، لَيْسَ بِكَذِبٍ وَلَا بَاطِلٍ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ أَلْفَاظِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَكَوْنُهُ لَهُ حَقِيقَةٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْجُودٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ بِنَاءٌ وَتَأْوِيلٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِخَيَالٍ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، كَالْمَنَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ ; فَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَابِلٌ لِوُقُوعِ الْمَجَازِ ; فَالْقُرْآنُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا.
الرَّابِعَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمُعَرَّبُ، وَهُوَ مَا أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ. لَنَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} حَبَشِيَّةٌ، وَمِشْكَاةٌ هِنْدِيَّةٌ، وَ {إِسْتَبْرَقٍ} وَسِجِّيلٍ فَارِسِيَّةٌ.
قَالُوا: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ ذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا مَحْضًا، وَالنَّصُّ أَثْبَتَهُ، وَقَوْلُهُ عز وجل:{أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} ظَاهِرٌ فِي إِنْكَارِهِ بِتَقْدِيرِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مَنْعِ صَرْفِ إِسْحَاقَ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَمٌ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ، كَالصَّابُونِ، وَالتَّنُّورِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْيَسِيرَةَ الدَّخِيلَةَ لَا تَنْفِي تَمَحُّضَ اللُّغَةِ عُرْفًا، كَأَشْعَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ، مَعَ تَضَمُّنِهَا أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً، وَتَحَدِّيهِمْ كَانَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ. أَوْ: لَمَّا عُرِّبَتْ صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ، وَ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} مُتَأَوَّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ، وَاتِّفَاقُ اللُّغَتَيْنِ بِعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمُعَرَّبِ "، أَيْ: الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْكَلَامِ الْمُعَرَّبِ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا - " وَهُوَ مَا أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ " أَيْ: اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ نَحْوَ اسْتِعْمَالِهَا لِكَلَامِهَا ; فَقِيلَ لَهُ: مُعَرَّبٌ، تَوَسُّطًا بَيْنَ الْعَجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْأَكْثَرِينَ.
" لَنَا "، أَيْ: عَلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ - " قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} "، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} [الْمُزَّمِّلِ: 6] حَبَشِيَّةٌ "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِشْكَاةٌ: لُغَةٌ هِنْدِيَّةٌ، وَإِسْتَبْرَقٍ وَسِجِّيلٍ: لُغَةٌ فَارِسِيَّةٌ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ، خُصُوصًا ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ، الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:" اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِمَا.
وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ " فِقْهِ اللُّغَةِ "، قَالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ: إِنَّهَا بِلُغَاتِ الْعَجَمِ، مِنْهَا: طه، وَالْيَمُّ، وَالطُّورُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُقَالُ: إِنَّهَا سُرْيَانِيَّةٌ، وَالصِّرَاطُ، وَالْقِسْطَاسُ، وَالْفِرْدَوْسُ، يُقَالُ: هِيَ رُومِيَّةٌ. وَمِشْكَاةٌ، وَ {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الْحَدِيدِ: 28] ، يُقَالُ: هِيَ حَبَشِيَّةٌ، وَهَيْتَ لَكَ، يُقَالُ: هِيَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ كُلُّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
قُلْتُ: الْحَقُّ أَنَّ فِيهِ أَلْفَاظًا مُعَرَّبَةً كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُهَا عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ كِتَابًا سَمَّاهُ " الْمُعَرَّبَ "، وَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبَةً.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ أَدِلَّةُ الْمَانِعِينَ لِوُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُعْجِزًا تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ، أَيْ: تَحَدَّاهُمْ وَبَعَثَهُمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، تَعْجِيزًا لَهُمْ ; فَلَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى غَيْرِ الْعَرَبِيِّ الْمَحْضِ، لَكَانَ قَدْ تَحَدَّاهُمْ بِمُعَارَضَةِ مَا لَيْسَ مِنْ لِسَانِهِمْ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، كَمَا إِذَا قِيلَ لِلْعَجَمِيِّ الْمَحْضِ: أَنْشِئْ لَنَا مِثْلَ السَّبْعِ الطِّوَالِ، أَوِ الْأَشْعَارِ السِّتَّةِ، وَنَحْوِهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مُعَرَّبٌ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يُوسُفَ: 2]، {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا} [الْأَحْقَافِ: 12] ، {قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزُّمَرِ: 28] ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَمَحُضَّ عَرَبِيَّتِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى عِدَّةِ أَلْفَاظٍ أَعْجَمِيَّةِ الْأَصْلِ، لَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا بِالضَّرُورَةِ، كَمَا أَنَّ الْجَيْشَ مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا كَانَ فِيهِ آحَادُ فُرْسَانٍ مِنَ الْعَجَمِ، لَا يَكُونُ جَيْشًا عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا، لَزِمَ خِلَافُ النَّصِّ عَلَى كَوْنِهِ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} الْآيَةَ [فُصِّلَتْ: 44]، هَذَا ظَاهِرٌ فِي إِنْكَارِ الْمُعَرَّبِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: أَنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا ; لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ أَعْجَمِيًّا لَأَنْكَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْكُفَّارُ، وَقُلْتُمْ كَيْفَ يَكُونُ قُرْآنٌ أَعْجَمِيٌّ وَنَبِيٌّ عَرَبِيٌّ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ لَكَانَ لَهُمْ فِيهِ الْحُجَّةُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا يَتَّجِهَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ.
قَوْلُهُ: " وَلَا حُجَّةَ فِي مَنْعِ صَرْفِ " إِسْحَاقَ " وَنَحْوِهِ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لِمُثْبِتِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةَ الْأَصْلِ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَيَعْقُوبَ وَنَحْوَهَا، غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِاجْتِمَاعِ الْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ فِيهَا، وَمَا اتَّصَفَ بِالْعُجْمَةِ ; فَهُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى نَهْجِ لُغَتِهَا ; فَصَارَتْ أَعْجَمِيَّةً مُعَرِّبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَأَجَابَ النَّافُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْعَ صَرْفِ إِسْحَاقَ وَنَحْوِهِ، لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبًا ; لِأَنَّ هَذِهِ أَعْلَامٌ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْأَعْلَامِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِهَا وَهِيَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ، نَحْوَ: دِيبَاجَ، وَفِرِنْدَ، وَنَيْرُوزَ، وَآجُرَّ، وَإِبْرَيْسَمَ، وَإِهْلِيلِجَ، وَإِطْرَيْفَلَ وَلِجَامَ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُثْبِتُوهُ مِنْ لَفْظِ نَاشِئَةٍ، وَمِشْكَاةٍ، وَإِسْتَبْرَقٍ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ أَعْجَمِيَّةً، بَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ فَاتَّفَقَتْ فِيهَا اللُّغَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ عِنْدَنَا فِي اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَسَنَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ حُجَّةٌ عَلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَتْ مُعَرَّبَةً، بَلْ عَرَبِيَّةً وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ " أَيْ: عَنِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمَانِعُونَ.
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ مُمْتَنِعٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ تَحَدِّيَهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ، دَخِيلَةٌ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ، وَهِيَ لَا تَنْفِي تَمَحُّضَ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِ عُرْفًا، كَأَشْعَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، هِيَ عَرَبِيَّةٌ عُرْفًا بِاتِّفَاقٍ، مَعَ تَضَمُّنِهَا أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً، وَإِذَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَمْ يَكُنِ الْمُعَرَّبُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ نَافِيًا لِتَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الدَّخِيلَةَ لِقِلَّتِهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْعَجَمِيِّ الْمَحْضِ إِنْشَاءَ مِثْلِ السَّبْعِ الطِّوَالِ وَنَحْوِهَا، لِكَثْرَتِهِ وَقِلَّةِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ بِالضَّرُورَةِ.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّ تَحَدِّيَهُمْ كَانَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ لَا بِالْمُعَرَّبِ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَحْضَةِ مَا هِيَ كَافِيَةٌ بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا:" وَتَحَدِّيهِمْ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ ".
قَوْلُهُ: " أَوْ لَمَّا عُرِّبَتْ صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ، هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا أَعْجَمِيًّا، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا اسْتَعْمَلَتْهَا فِي لُغَتِهَا، صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْإِعْجَازِ وَالتَّحَدِّي وَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ بِهَا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ". فَحَاصِلُ الْأَمْرِ مَنْعُ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; إِمَّا لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لِلُغَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ قَلِيلٌ، لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْيٍ تَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا، أَوْ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيبِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَرَبِيِّ، ثُمَّ إِنَّ أَصْلَ الدَّلِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَنْفِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
ثُمَّ نُرِيدُ الطَّعْنَ فِي مُقَدِّمَةِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ قَوْلَهُ سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يُوسُفَ: 2]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَحْوَهُ يَقْتَضِي تَمَحُّضَ عَرَبِيَّتِهِ مَمْنُوعٌ، بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ فِي غَالِبِ أَلْفَاظِهِ، وَأَنَّهُ عَرَبِيٌّ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَنَّهُ لَا مُعَرَّبَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ عُرْفًا، وَالْقُرْآنُ مَعَ الْمُعَرَّبِ الَّذِي فِيهِ يُسَمَّى عَرَبِيًّا عُرْفًا كَمَا بَيَّنَّا، وَالْقَوْلُ فِيمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنَ الْجَيْشِ الْعَرَبِيِّ فِيهِ آحَادٌ مِنَ الْعَجَمِ كَذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ; فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ آحَادَ الْفُرْسَانِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا مَا يُصَيِّرُ حُكْمَهَا حُكْمَ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ ; فَإِنَّهُ حَدَثَ فِيهَا مِنْ تَعْرِيبِ الْعَرَبِ لَهَا مَا صَيَّرَ حُكْمَهَا حُكْمَ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا} [فُصِّلَتْ: 44] ; فَقَدْ أَجَبْتُ عَنْهُ فِي " الْمُخْتَصَرِ " بِقَوْلِي: " وَ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} مُتَأَوَّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ ".
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ أَنَّ حُجَّةَ الْكُفَّارِ ; إِنَّمَا كَانَتْ تَقُومُ لَوْ كَانَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا، أَمَّا وَغَالِبُهُ عَرَبِيٌّ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ مِنْ غَيْرِهِ ; فَلَا، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَوْ جَعَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ، أَيْ جَمِيعَهُ، قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ; لَأَنْكَرُوهُ، وَلَقَامَتْ حُجَّتُهُمْ، لَكِنْ مَا جَعَلْنَا جَمِيعَهُ أَعْجَمِيًّا ; فَلَيْسَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ، وَلَا تَقُومُ لَهُمْ بِإِنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُ أَنْتَ أَتَيْتِنَا بِأَلْفَاظٍ لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِنَا كَالْمِشْكَاةِ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ إِلَّا لُغَتَنَا، لَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَا أَتَحَدَّاكُمْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، بَلْ بِالْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ لُغَتِكُمْ ; فَأْتُوا بِمِثْلِهَا إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِشْكَاةً وَنَحْوَهَا مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اتِّفَاقَ اللُّغَتَيْنِ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ.
الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ; فَحَمْلُكُمُ الْأَلْفَاظَ عَلَيْهِ، مَعَ نَقْلِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّهَا مُعَرَّبَةٌ، حَمْلٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ رِيَاضِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ ; فَهِيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَبِيرُ أَمْرٍ فِي فِقْهِ اللُّغَاتِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، وَابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ، الْمُسَمَّى بِـ الصَّاحِبِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظًا أَصْلُهَا أَعْجَمِيٌّ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنِ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ ; فَعَرَّبَتْهَا بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إِلَى أَلْفَاظِهَا ; فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ; فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَرَبِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيبِ الطَّارِئِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا سَلَكْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالْفُقَهَاءِ الْجَهْلُ بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِالتَّأْوِيلِ، وَأَشَدَّ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَائِدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ:
قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ وَأَسْرَارِ الْعَرَبِيَّةِ: فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَسْمَاءٍ قَائِمَةٍ فِي لُغَتَيِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ: التَّنُّورُ، الْخَمِيرُ، الرُّمَّانُ، الدِّينُ، الْكَنْزُ، الدِّينَارُ، وَالدِّرْهَمُ.
ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ فِي أَسْمَاءٍ تَفَرَّدَتْ بِهَا الْفَرَسُ دُونَ الْعَرَبِ ; فَاضْطُرَّتِ الْعَرَبُ إِلَى تَعْرِيبِهَا، أَوْ تَرْكِهَا كَمَا هِيَ ; فَمِنْهَا فِي الْأَوَانِي: الْكُوزُ، الْجَرَّةُ، الْإِبْرِيقُ، الطَّسْتُ، الْخُوَانُ، الطَّبَقُ، الْقَصْعَةُ، السُّكُرُّجَةُ.
وَمِنَ الْمَلَابِسِ: السَّمُّورُ، السِّنْجَابُ، الْخَزُّ، الدِّيبَاجُ، السُّنْدُسُ، التَّاخُتْجُ، الرَّاخُتْجُ.
وَمِنَ الْجَوَاهِرِ: الْيَاقُوتُ، الْفَيْرُوزَجُ، وَالْبِلَّوْرُ.
وَمِنَ الْمَأْكُولَاتِ: السَّمِيذُ، الْجَرْذَقُ، وَالدَّرْمَكُ، وَالْكَعْكُ وَالسِّكْبَاجُ، وَالْمَزَيَرَبَاجُ، وَالطَّبَاهَجُ، وَالْجُوذَابُ، الزُّمَاوَرَدُ، الْفَالُوذَجُ، اللَّوْزَينْجُ، الْجَوْزَيْنَجُ، السَّكَنْجَبِينُ، الْجَكَنْجَبِينُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنَ الْأَفَاوِيهِ وَالرَّيَاحِينِ: الْقِرْفَةُ، الدَّارَصِينِيُّ، الْفُلْفُلُ، الْكَرَاوِيَا، الزَّنْجَبِيلُ، الْخُولَنْجَانُ، النَّرْجِسُ، الْبَنَفْسَجُ، النَّسْرِينُ، السَّوْسَنُ، الْمَرْزَنْجُوشُ، الْيَاسَمِينُ، الْجُلَّنَارُ، الْعَنْبَرُ، الْكَافُورُ، الصَّنْدَلُ، الْقَرَنْفُلُ.
وَذَكَرَ فَصْلًا فِيمَا نِسْبَةُ فَارِسِيَّتِهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَفَصْلًا فِي أَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ تَتَعَرَّبُ فَارِسِيَّةً أَكْثَرُهَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَمْ أَسْتَوْفِ مَا ذَكَرَهُ خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ مُعَرَّبًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَعَلَّ نَاظِرًا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ; فَيَظُنُّ حِكَايَتَنَا لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ خُرُوجًا عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُحَقِّقٌ لِلْمَقْصُودِ وَمُكَمِّلٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ بَطَّالٌ يَقْنَعُ بِحِكَايَةِ مَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا الْحَزْمُ أَخْذُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مَظِنَّتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْتَ الشَّخْصَ يَصِلُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اجْتِهَادُهُ أَبْلَغَ، كَانَ بِالتَّحْقِيقِ أَجْدَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: فِيهِ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمُ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ، لِاشْتِرَاكٍ، أَوْ إِجْمَالٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ. قُلْنَا: لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِ «بُغْيَةِ السَّائِلِ» .
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ فِيهِ» : أَيْ: فِي الْقُرْآنِ، «الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ «أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ» .
قُلْتُ: سَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا آخِرَ الْمَسْأَلَةِ، وَيَنْبَغِي الْكَلَامُ فِي لَفْظِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَمَعْنَاهُ.
أَمَّا لَفْظُهُ: فَالْمُحْكَمُ: مُفْعَلٌ مِنْ أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إِحْكَامًا ; فَهُوَ مُحْكَمٌ: إِذَا أَتْقَنْتُهُ ; فَكَانَ عَلَى غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْحِكْمَةِ. وَمِنْهُ بَنَّاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ: ثَابِتٌ مُتْقَنٌ، يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ.
وَالْمُتَشَابِهُ: مُتَفَاعِلٌ مِنَ الشِّبْهِ، وَالشَّبَهِ، وَالشَّبِيهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَمْرٌ مُشْتَرِكٌ ; فَيَشْتَبِهُ وَيَلْتَبِسُ بِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ: فَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ.
وَ «الْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ» : أَيْ: مُقَابِلُ الْمُحَكِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى ; فَتَشْتَبِهُ بَعْضُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحْتَمَلَاتِهِ بِبَعْضٍ لِلِاشْتِرَاكِ، أَيْ: تُشَابِهُهُ.
وَعَدَمُ اتِّضَاحِ مَعْنَاهُ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُشْتَرِكَاتِ، أَوْ لِإِجْمَالٍ ; وَهُوَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ بِدُونِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141] ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الْحَقِّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَوْ لِظُهُورِ تَشْبِيهٍ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا نَحْوَ:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرَّحْمَنِ: 27]، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [الْمَائِدَةِ: 64] ، يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تُغِيضُهَا النَّفَقَةُ، فَيَضَعُ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; لِأَنَّ هَذَا اشْتَبَهَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ ; فَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ بِظَاهِرِهِ ; فَجَسَّمُوا وَشَبَّهُوا، وَفَرَّ قَوَّمَ مِنَ التَّشْبِيهِ ; فَتَأَوَّلُوا وَحَرَّفُوا ; فَعَطَّلُوا، وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ ; فَسَلَّمُوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَرُّوهُ كَمَا جَاءَ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ ; فَسَلِمُوا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، هَذَا تَرْجِيحٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّسْلِيمِ وَتَرْكِ التَّأْوِيلِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، الَّتِي ظَاهِرُهَا الْمُشَاهَدُ التَّشْبِيهُ ; فَالْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَنَا التَّسْلِيمُ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ، وَعَدَمِ التَّأْوِيلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ، وَلَمَّا كَانَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ التَّسْلِيمِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ قَوْلَهُ تَعَالَى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، احْتِيجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِيَظْهَرَ الْحَقُّ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَالُوا: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} أَيْ: تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مُبْتَدَأٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَقُولُونَ خَبَرُهُ. وَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ الْخَلْقُ ; فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَشَابِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشُّورَى: 11] ; فَأَثْبَتَ وَنَزَّهَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَتِ الْمُؤَوِّلَةُ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، أَيْ: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ; فَأَثْبَتَ لَهُ تَأْوِيلًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ. وَإِذَا كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ مَعْلُومٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَبَ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُوهِمِ لِلتَّشْبِيهِ، الْمُسْتَحِيلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبَرَاهِينِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ لَهُ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ سبحانه وتعالى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ هَذَا دَلِيلُ الْمُؤَوِّلَةِ.»
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوِ اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ دُونَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَكَانَ خِطَابُهُ لِلنَّاسِ بِهِ خِطَابًا لَهُمْ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ، وَالْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مُحَالًا ; لِأَنَّ فَائِدَةَ الْخِطَابِ الْإِفْهَامُ، فَإِذَا وَقَعَ الْخِطَابُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفْهَامُ، خَلَا عَنْ فَائِدَتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا ; فَيَكُونُ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ «» ، هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ بَعْدَ مَا ذَكَّرْتُمُوهُ، إِذْ لَا بُعْدَ فِي أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِإِنْزَالِ كِتَابِهِ عَمَلًا وَإِيمَانًا، بِأَنْ يُنْزِلَهُ مُحْكَمًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ، وَمُتَشَابِهًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْأَبْدَانِ وَالنُّفُوسِ فِي التَّعَبِ وَالتَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ كَمَا سَبَقَ ; فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّكْلِيفِ وَنَحْوِهَا، كَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ. وَمَشَقَّةِ النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّصْدِيقِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَشَقَّتَيْنِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» ، وَلِهَذَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [الْبَقَرَةِ: 3]، وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّكْلِيفَ عَمَلِيٌّ وَاعْتِقَادِيٌّ، ثُمَّ الْعَمَلِيُّ مِنْهُ مَعْقُولٌ، وَمِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، كَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَأَشْبَاهِهِمَا، وَأَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ رَمَلٍ وَاضْطِبَاعٍ، وَتَجَرُّدٍ وَنَحْوِهِ. فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ الِاعْتِقَادِيُّ أَيْضًا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يُفْهَمُ وَمَا لَا يُفْهَمُ؟ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِحُصُولِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ، وَهِيَ تُبَيِّنُ الْمُطِيعَ مِنَ الْعَاصِي.
فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ; فَقَالَ الطَّنْزِيُّ - بِالنُّونِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ - فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ: قِيلَ: هِيَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ: {قُلْ تَعَالَوْا} إِلَى آخِرِهِنَّ [الْأَنْعَامِ: 151 - 153]، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُنْسَخْ، وَقِيلَ: النَّصُّ، وَقِيلَ: غَيْرُ الْمُجْمَلِ، {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} ، أَيْ: أَصْلُهُ. {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ، هِيَ ضِدُّ الْمُحْكَمِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا:
أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا -: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَبِيلٌ إِلَى عِلْمِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَوَقْتِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
الثَّانِي: يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: الْمُحْكَمَاتُ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ بِهِ. وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ: الْمُحْكَمَاتُ: النَّاسِخَاتُ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ.
الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ -: الْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي فِيهَا حُجَّةُ الرَّبِ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ لَهُنَّ تَحْرِيفٌ وَلَا تَصْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ، وَتَحْرِيفٌ، وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ.
الْخَامِسُ: قَالَ النُّحَاسُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، نَحْوَ {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الْإِخْلَاصِ: 4] ، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ نَحْوَ {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} وَإِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّسَاءِ: 48] .
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزَمَنْدَادُ: لِلْمُتَشَابِهِ وُجُوهٌ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، أَيُّ الْآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الْأُخْرَى، كَمَا ذَهَبَ عُمَرُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ، رضي الله عنهم ; إِلَى أَنَّ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ سبحانه وتعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطَّلَاقِ: 4] ; نَسَخَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [الْبَقَرَةِ: 234] ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهم: لَمْ تَنْسَخْهَا، وَتَعْتَدُ بِأَطْوَلِ الْأَجَلَيْنِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ ; نُسِخَتْ أَمْ لَا، وَكَتَعَارُضِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النِّسَاءِ: 23] بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْأُخْرَيَانِ يَقْتَضِيَانِ جَوَازَهُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ بَعْدَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أُخَرَ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: الْمُتَشَابِهُ: هُوَ مَا غَمُضَ عِلْمُهُ عَلَى غَيْرِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، كَالْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، نَحْوَ:{هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: 35]، مَعَ الْآيَةِ الْأُخْرَى:{قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانِي: قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُتَشَابِهُ: الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَالْمُحْكَمُ: مَا عَدَاهُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْمُحْكَمُ: الْوَعْدُ، وَالْوَعِيدُ، وَالْحَرَامُ، وَالْحَلَالُ، وَالْمُتَشَابِهُ: الْقَصَصُ، وَالْأَمْثَالُ.
قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْقُرْآنَ كُلُّهُ مُحْكَمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هُودٍ: 1] : وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزُّمَرِ: 23] ذَكَرَهُمَا الْقُرْطُبِيُّ، وَلَيْسَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} : يَعْنِي: فِي نَظْمِهَا، وَوَضْعِهَا، وَجَزَالَةِ لَفْظِهَا، حَتَّى بَلَغَ حَدَّ الْإِعْجَازِ. وَمُتَشَابِهُ الْكِتَابِ: تَصْدِيقُ بَعْضِهِ بَعْضًا، لِتَشَابُهِ مَعَانِيهِ وَمَضْمُونَاتِهِ ; فَهُوَ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ بِحَيْثُ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَأَمَّا التَّشَابُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ; فَهُوَ التَّشَابُهُ الِاحْتِمَالِيُّ الْإِجْمَالِيُّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [الْبَقَرَةِ: 70]، أَيْ: إِنَّ لَفْظَ الْبَقَرِ يَحْتَمِلُ أَشْخَاصًا كَثِيرَةً مِنَ الْبَقَرِ، لَا نَعْلَمُ أَيَّهَا الْمُرَادُ. وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، ثُمَّ إِذَا رُدَّتِ الْوُجُوهُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَأُبْطِلَ الْبَاقِي، صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا. وَالْمُحْكَمُ: مَا لَا الْتِبَاسَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: هَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ تَقْسِيمًا أَدْرَجَ فِيهِ النَّصَّ، وَالظَّاهِرَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُؤَوَّلَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ.
وَمَعْنَى تَقْسِيمِهِ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُفِيدَ لِمَعْنًى ; إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ ذَلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَعْنَى، وَهُوَ النَّصُّ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهُ ; فَإِمَّا عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ الْمُجْمَلُ، أَوْ مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِ مَعَانِيهِ ; فَالرَّاجِحُ ظَاهَرٌ، وَالْمَرْجُوحُ مُؤَوَّلٌ. فَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ يَشْتَرِكَانِ فِي رُجْحَانِ الْإِفَادَةِ، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ مَانِعٌ مِنَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُؤَوَّلُ وَالْمُجْمَلُ يَشْتَرِكَانِ فِي عَدَمِ الرُّجْحَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُؤَوَّلَ مَرْجُوحٌ ; وَالْمُجْمَلَ غَيْرُ مَرْجُوحٍ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُتَشَابِهُ.
قُلْتُ: هَذَا مَا لَمْ أَعْلَمْهُ لِغَيْرِهِ، وَأَحْسَبُهُ مِنَ اصْطِلَاحَاتِهِ مَعَ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ مَا قَالَهُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَالْمُخْتَارُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَأَنَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ، أَعْنِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَنَحْوَهَا، لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ سبحانه وتعالى، لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَمَّا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِتَفْصِيلِ الْجُمَلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِي سِيَاقِهَا قِسْمَانِ: لَفْظًا: وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ مِنْ مَوَارِدِهَا، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوَ:{فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [الْقَصَصِ: 67] . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِسْمَ الْآخَرَ لِدَلَالَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، إِذْ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَيَعْمَلْ صَالِحًا ; فَلَا يُفْلِحُ، وَلَهُ نَظَائِرُ، وَقَدْ قَالَ سبحانه وتعالى هَاهُنَا:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 7]، هَذَا تَمَامُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي سِيَاقِ «أَمَّا» فَاقْتَضَى وَضْعُ اللُّغَةِ وَعُرْفُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا ذِكْرَ قِسْمٍ آخَرَ ; فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ; فَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، لَكِنْ دَلَّتْ أَمَّا الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ ; فَحُذِفَتْ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِهَا ; لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إِضْمَارٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ؟
قُلْنَا: قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَضْعًا، وَاسْتِعْمَالًا، وَعُرْفًا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اقْتِضَاءِ «أَمَّا» قِسْمَيْنِ فَصَاعِدًا بَعْدَهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ} ، وَإِنِ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَاطِفَةٍ، غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا مَا يُرَجِّحُ كَوْنَهَا اسْتِئْنَافِيَّةً مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَطْفَ، لَقَالَ: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. عَطْفًا لِـ «يَقُولُونَ» عَلَى «يَعْلَمُونَ» الْمُضْمَرِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ، وَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، أَوْ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ وَيَقُولُونَ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ «يَقُولُونَ» جُمْلَةٌ فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ نَصْبٌ لِلْحَالِ، مَعَ إِضْمَارِ فِعْلِهَا الْعَامِلِ فِيهَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: عَبْدُ اللَّهِ رَاكِبًا، بِمَعْنَى: أَقْبَلَ ; فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ: وَالرَّاسِخُونَ قَائِلِينَ، بِتَقْدِيرِ: يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ [مَعْمَرٍ عَنْ] ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ [فِي الْعِلْمِ] : آمَنَّا بِهِ» . فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ بَيَّنَتْ إِجْمَالَ الْوَاوِ فِي الْآيَةِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنَّهَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهِيَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْآيَةِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِتَفْسِيرِ مَنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ بَيَانُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا مِنْهُ ; فَهُوَ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِنَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَدْ وُجِدَ لَهُ مُبَيِّنٌ مُرَجِّحٌ، وَهُوَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، الْمَذْكُورَةُ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الرَّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عز وجل، وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْمِ الْمُتَشَابِهِ، وَقَالَهُ الرَّبِيعُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ نَسَقَ «الرَّاسِخُونَ» عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ.
قُلْتُ: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ ذَكَرُوهُ غَيْرَهُ، لَكَاَنَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْعَطْفِ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ مَعَهُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْعَطْفُ ; فَقَوْلُهُمْ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم، قَالُوا بِالِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَرَوَاهُ يُونُسُ عَنِ الْأَشْهَبِ عَنْ مَالِكٍ ; فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ أَبُو نَهِيكٍ الْأَسَدِيُّ: إِنَّكُمْ تَصِلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَإِنَّهَا مَقْطُوعَةٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَا انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ إِلَّا إِلَى قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. وَقَالَ مِثْلَ هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْأَحْكَامِ، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ ; فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الِاسْتِئْنَافِ مَرْوِيَّةٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَمَوْضِعُهُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ غَيْرُ خَفِيٍّ، خُصُوصًا وَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْحِكْمَةِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ ; فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَأْوِيلٌ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتُقَدَّمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ كَوْنِهَا اسْتِئْنَافِيَّةً: أَنَّ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ تَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا، وَالْحَالُ: فَضْلَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ رُكْنِ الْجُمْلَةِ، وَكَوْنُ الْجُمْلَةُ رُكْنًا أَقْوَى مِنْ كَوْنِهَا فَضْلَةً، وَإِذَا دَارَ أَمْرُ اللَّفْظَةِ بَيْنَ أَقْوَى الْحَالَيْنِ وَأَضْعَفِهِمَا، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَقْوَى أَوْلَى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ أَصْلِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ، إِذْ وُصِفُوا بِزَيْغِ الْقُلُوبِ، وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ السُّنَّةُ بِذَمِّهِمْ ; فَرَوَى الْقَاسِمُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 7] ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ; فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ; فَاحْذَرُوهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَإِذَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مُتَّبِعَ الْمُتَشَابِهِ مَذْمُومٌ ; فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ مَعْلُومًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعُهُ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ لِلْمُتَشَابِهِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الْأَعْرَافِ: 3] ، أَوْ يَتَّبِعُهُ بِمَعْنَى السُّؤَالِ عَنْ مَعَانِيهِ وَمُشْكِلَاتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ; فَالْمُتَّبِعُ لَهُ: إِمَّا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; فَقَدْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ; فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ لَا الذَّمَّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ ; فَقَدْ قَلَّدَ الرَّاسِخِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحْلِ: 43] .
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتِّبَاعِ التَّتَبُّعَ وَالسُّؤَالَ ; فَهَذَا السَّائِلُ يَتَعَرَّفُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِهِ - الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ - وَتَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِهِ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا ; فَلَا يَكُونُ مَذْمُومًا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قَدْ أَطْلَقَ ذَمَّ مُبْتَغِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُزَاحِمُ الْبَارِئَ جل جلاله فِيمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَثَلِ: إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ فَالْهَ عَنْهُ.
نَعَمْ، قَدْ قِيلَ: اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِضْلَالِ الْعَوَامِّ، وَهُوَ زَنْدَقَةٌ حُكْمُ فَاعِلِهِ الْقَتْلُ، وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِ ظَاهِرِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالتَّشْبِيهِ، وَالْأَصَحُّ فِيهِ كُفْرُ فَاعِلِهِ، إِذْ هُوَ كَعَابِدِ الصَّنَمِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْإِكْثَارِ مِنْهُ لَا لِلتَّشْكِيكِ وَلَا لِلتَّشْبِيهِ، كَمَا فَعَلَ صَبِيغُ بْنُ عِسْلٍ حِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَحُكْمُهُ التَّأْدِيبُ، كَمَا أَدَّبَ عُمَرُ رضي الله عنه صَبِيغًا، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ عَنْ تَأْوِيلِهِ وَإِيضَاحِ مَعْنَاهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى، فَإِنْ حُمِلَ اتِّبَاعُهُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَمِّ مُتَّبِعِ الْمُتَشَابِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، لَكِنَّ الذَّمَّ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ; فَيَقْتَضِي عُمُومَ الِاتِّبَاعِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ عَلَى تَفْوِيضٍ مِنْهُمْ، وَتَسْلِيمٍ لِمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الَّذِي مُدِحَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [الْقَصَصِ: 52 - 53] ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّسْلِيمِ لِمُرَادِ اللَّهِ سبحانه وتعالى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنَافِي فَهْمَهُمُ الْمُرَادَ بِهِ، نَعَمْ قَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، بَعْدَ قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى التَّفْوِيضِ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَصَارَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمُتَشَابِهَ الَّذِي لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ بِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ هُوَ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ; فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِمَا عَنْ فَهْمٍ وَتَعَقُّلٍ فِي الْمُحْكَمِ، وَتَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ فِي الْمُتَشَابِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ فِي الْوَاوِ بِالْعَطْفِ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: نَحْنُ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، يَعْنِي الْمُتَشَابِهَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((اللَّهُمَّ عِلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) وَدُعَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجَابٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَلِمَ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا عَلِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، جَازَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِنَ الرَّاسِخِينَ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقْتَضِي عِلْمَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، نَعَمْ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَمِنْهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ دُونَهُمْ، كَالرُّوحِ، وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَأَمَارَاتِهَا الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا، كَالدَّجَّالِ، وَنَحْوِهِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، أَرَادَ بِهِ هَذَا، أَمَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ بِحِكْمَةٍ عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ فِي اللُّغَةِ ; فَلَا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ رضي الله عنهما. وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي عَكْسِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِ مُجَاهِدٍ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ دُعَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِجَابَتُهُ بِنَفْسِ مَا يَدْعُو بِهِ، بَلْ رُبَّمَا صُرِفَ إِلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ. وَقَدْ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَلَمْ يُجَبْ فِيهَا ; فَعُوِّضَ عَنْهَا دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ فِي الْآخِرَةِ، ادَّخَرَهُنَّ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ; فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا. سَلَّمْنَا أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ دُعَائِهِ الْإِجَابَةَ ; لَكِنَّ التَّأْوِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَأْوِيلِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ ; إِمَّا تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ بِأَدِلَّتِنَا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَعْهُودًا بَيْنَهُمْ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ; فَتَكُونُ اللَّامُ فِي التَّأْوِيلِ لِلْعَهْدِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا حُكِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ. وَقَالَ:
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا
…
فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِي الْقِدَمِ
أَمَّا الْعَالِمُونَ بِحَمْلِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ ; فَلَيْسُوا بِرَاسِخِينَ، بَلْ لَيْتَهُمْ لَا يَكُونُونَ خَاسِرِينَ، إِذِ الْإِقْدَامُ عَلَى وَصْفِ الْبَارِئِ جل جلاله بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ قَاطِعٌ عَلَيْهِ - مَعَ إِمْكَانِ سُلُوكِ طَرِيقِ السَّلَامَةِ، بِالسُّكُوتِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ - بَعِيدٌ عَنِ الْعِلْمِ فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ فِيهِ. وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ ; هِيَ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَقْصًى فِي» بُغْيَةِ السَّائِلِ «» ، هَذَا كِتَابٌ كُنْتُ صَنَّفْتُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِبَغْدَادَ، ذَكَرْتُ فِيهِ جُمْلَةً مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَكَانَ أَصْلُ الْبَاعِثِ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ; فَاسْتَقْصَيْتُ فِيهَا مَا أَظُنُّهُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا. وَهَاهُنَا أَشْيَاءُ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّيْتُهُ «بُغْيَةَ السَّائِلِ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ» ; لِأَنِّي تَحَرَّيْتُ فِيهِ ذِكْرَ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ مِنْ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْكِتَابُ.