المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة «الثالثة: نسخ الأمر قبل امتثاله جائز - شرح مختصر الروضة - جـ ٢

[الطوفي]

فهرس الكتاب

- ‌الْكِتَابُ

- ‌السُّنَّةُ

- ‌ التَّوَاتُرُ

- ‌ الْآحَادُ

- ‌ السَّمَاعِ

- ‌ الْإِجَازَةُ

- ‌إِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ»

- ‌ مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ

- ‌فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى

- ‌فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ»

-

- ‌الْقَوْلُ فِي النَّسْخِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ جَائِزٌ

- ‌لَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ

- ‌ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ

- ‌ نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا

- ‌الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ»

- ‌مَا يُعْرَفُ بِهِ النَّسْخُ:

- ‌الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي

- ‌«الْأَمْرُ:

- ‌ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ " الثَّالِثَةُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ

- ‌الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ

- ‌أَقْسَامُ الْمَعْلُومَاتِ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ: «السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ الْمُوَقَّتُ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ: حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ لِجَمَاعَةٍ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ

- ‌ فَرْضُ الْكِفَايَةِ

- ‌فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ»

- ‌النَّهْيُ

- ‌فَوَائِدُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ:

- ‌الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ

- ‌الْعَامُّ

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ

- ‌«أَدَوَاتُ الشَّرْطِ»

- ‌ كُلُّ وَجَمِيعُ

- ‌«النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الْأَمْرِ»

- ‌ الْعَامُّ الْكَامِلُ»

- ‌ أَقَلُّ الْجَمْعِ

- ‌ الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ

- ‌ الْخِطَابُ الْعَامُّ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ

- ‌الْخَاصُّ

- ‌الْمُخَصِّصَاتُ»

- ‌الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ

- ‌ تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ

- ‌الِاسْتِثْنَاءُ

- ‌ تَعْرِيفِهِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ

- ‌ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌الشَّرْطُ

- ‌ الْغَايَةُ»

- ‌الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ

- ‌ مَرَاتِبُ الْمُقَيَّدِ

- ‌الْمُجْمَلُ

- ‌حُكْمُ الْمُجْمَلِ

- ‌الْمُبَيَّنُ

- ‌ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ

- ‌كُلُّ مُقَيَّدٍ مِنَ الشَّارِعِ بَيَانٌ

- ‌الْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ»

- ‌تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ

- ‌تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ

- ‌خَاتِمَةٌفَحْوَى اللَّفْظِ:

- ‌ شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ

- ‌ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ»

- ‌ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ

- ‌ دَرَجَاتُ دَلِيلِ الْخِطَابِ

- ‌ مَفْهُومَ الْغَايَةِ

- ‌ مَفْهُومُ الشَّرْطِ

- ‌ تَخْصِيصُ وَصْفٍ غَيْرِ قَارٍّ بِالْحُكْمِ

- ‌ مَفْهُومُ الْعَدَدِ

- ‌ مَفْهُومُ اللَّقَبِ

الفصل: ‌المسألة «الثالثة: نسخ الأمر قبل امتثاله جائز

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

‌الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ جَائِزٌ

، نَحْوَ قَوْلِهِ» ، يَعْنِي الشَّارِعَ، «فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: لَا تَحُجُّوا بَعْدَ الْأَمْرِ بِهِ» ، أَيْ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي رَمَضَانَ مَثَلًا: حُجُّوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهُ: لَا تَحُجُّوا.

«وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ» ; فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَرْجِمُهَا بَعْضُهُمْ بِجَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَهِيَ عِبَارَةُ «الرَّوْضَةِ» ، وَبَعْضُهُمْ بِجَوَازِ نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهِيَ عِبَارَةُ «التَّنْقِيحِ» ، وَقَالَ: خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.

وَقَالَ الْآمِدِيُّ: اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالنَّسْخِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ حُكْمِ الْفِعْلِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ; فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَجَوَّزَهُ الْأَشَاعِرَةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْفُقَهَاءُ، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

قُلْتُ: وَأَنَا تَرْجَمْتُ الْمَسْأَلَةَ بِمَا ذَكَرْتُ ; لِأَنَّهُ أَعَمُّ ; فَإِنَّهُ لَوْ نُسِخَ حُكْمُ الْأَمْرِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَالتَّمَكُّنِ مَنْ فِعْلِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، لَاقْتَضَى دَلِيلُ الْخَصْمِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: «لَنَا: مُجَرَّدُ الْأَمْرِ مُفِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى صِحَّةِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُفِيدٌ فَائِدَةً تَكْلِيفِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ الِامْتِثَالُ، وَمَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ لَا يُمْتَنَعُ النَّسْخُ.

أَمَّا أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُفِيدٌ ; فَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ، إِذَا عَلِمَ تَوَجُّهَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ ; إِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ; فَيَكُونُ مُطِيعًا مُثَابًا، أَوْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ ; فَيَكُونُ عَاصِيًا مُعَاقَبًا بِالنِّيَّةِ وَالْعَزْمِ.

وَأَمَّا أَنَّ مَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ لَا يَمْتَنِعُ النَّسْخُ ; فَبِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ صُوَرِ النَّسْخِ، وَلِأَنَّ الْخَصْمَ إِنَّمَا مَنَعَ النَّسْخَ قَبْلَ الِامْتِثَالِ، لِكَوْنِهِ عَبَثًا عِنْدَهُ، وَمَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ

ص: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يَنْتَفِي كَوْنُهُ عَبَثًا ; فَيَجِبُ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الِامْتِثَالِ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، نُسِخَ عَنْهُ ذَبْحُ وَلَدِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ ; لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْجَوَازِ ; فَدَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ.

قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي حُسْنَ الْفِعْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ قَبْلَ الِامْتِثَالِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حُسْنَهُ، وَنَسْخَهُ يَقْتَضِي قُبْحَهُ، وَاجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ.

قَوْلُهُ: «وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْعٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى النَّسْخِ قَبْلَ الِامْتِثَالِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ كَانَتْ مَنَامًا، وَالْمَنَامُ خَيَالٌ لَا أَصْلَ لَهُ حَتَّى يُبْنَى عَلَيْهِ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَنَامَ لَهُ حَقِيقَةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، بَلْ بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، أَوْ بِفِعْلِ مُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ كَإِضْجَاعِ وَلَدِهِ، وَأَخْذِ السِّكِّينَ وَنَحْوِهِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

ص: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصَّافَّاتِ: 104، 105]، أَيْ: فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَا فَعَلَهُ بِهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ سبحانه وتعالى حِكَايَةً عَنِ الذَّبِيحِ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصَّافَّاتِ: 102] ، وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَا أُمِرَ بِالذَّبْحِ، وَإِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ لَوْ كَانَ قَدْ أُمِرَ بِهِ، لَقَالَ: افْعَلْ مَا أُمِرْتَ.

سَلَّمْنَا أَنَّهُ أُمِرَ بِالذَّبْحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ عَنْهُ قَبْلَ امْتِثَالِهِ، بَلْ قَلَبَ اللَّهُ عُنُقَ وَلَدِهِ نُحَاسًا، فَلَمْ تُؤْثَرِ الشَّفْرَةُ فِيهِ ; فَسَقَطَ لِتَعَذُّرِهِ.

سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ، لَكِنَّهُ امْتَثَلَ ; فَذَبَحَهُ، لَكِنْ كَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا مِنْ عُنُقِهِ، الْتَأَمَ، أَيِ: الْتَحَمَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا فَحَالًا، أَيِ: الْتَأَمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ; فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ بِمُجَرَّدِ الْتِحَامِهِ، أَيْ: بَرَأَ وَذَلِكَ بِدَلِيلِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عز وجل: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذَّبْحِ ; فَيَلْزَمُ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَدَّقَ الرُّؤْيَا.

وَتَحْقِيقُ هَذَا: أَنَّ كَلَامَنَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالذَّبْحِ، لَكِنْ رَأَيْنَا اللَّهَ عز وجل قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِتَصْدِيقِ الرُّؤْيَا ; فَقُلْنَا: إِنَّهُ ذَبَحَهُ، وَثَبَتَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا ; فَقُلْنَا: إِنِ الْعَادَةَ انْخَرَقَتْ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ; مِنِ الْتِئَامِ الْجُرْحِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

قَوْلُهُ: «وَالْجَوَابُ» ، أَيْ: عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ، مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِجْمَالِيٌّ عَامٌّ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى فِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدِ امْتَثَلَ ; فَلَوْ فَدَاهُ مَعَ ذَلِكَ، لَاجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ

ص: 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ، لَا نَفْسِ الذَّبْحِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَلَاءً مُبِينًا، وَاللَّهُ عز وجل قَدْ سَمَّاهُ بَلَاءً مُبِينًا، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ:{إِنَّ هَذَا لَهْوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصَّافَّاتِ: 106، 107] .

قُلْتُ: حُسْنُ التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلَ ; فَيُقَالُ هَكَذَا: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، لَمَا كَانَ بَلَاءً مُبِينًا، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى فِدَاءٍ لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَسْئِلَةِ الْخَصْمِ هَكَذَا، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» عَلَى تَرْتِيبِ مَا فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إِجْمَالِيٌّ عَامٌّ، وَفِيهِ بَعْضُ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ التَّفْصِيلِيُّ - فَنَقُولُ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ ; فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: اجْتِمَاعُهُمَا مُحَالٌ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي حَالَيْنِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ حَسَنٌ قَبْلَ النَّسْخِ، وَأَمَّا بَعْدُهُ ; فَهُوَ قَبِيحٌ، وَاتِّصَافُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي وَقْتَيْنِ لَيْسَ بِمُحَالٍ، ثُمَّ إِنَّ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ عِنْدَنَا شَرْعِيٌّ، أَيْ: مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرْعِ، لَا عَقْلِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ، وَكَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا، لِئَلَّا نُطْلِقَ لَفْظَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ; فَيُظَنُّ أَنَّا نَقُولُ بِهِمَا عَقْلًا، كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَقُولُ بِهِمَا شَرْعًا، كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ.

وَالْجَوَابُ «عَنِ الْبَاقِي» ، أَيْ: عَنْ بَاقِي مَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَسْئِلَتُهُمْ عَلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ نَقُولَ: قَوْلُكُمْ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مَنَامًا لَا أَصْلَ لَهُ - بَاطِلٌ ; لِأَنَّ «مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ; فَإِلْغَاءُ اعْتِبَارِهِ» ، أَيْ: كَوْنُكُمْ لَا تَعْتَبِرُونَهُ، وَتُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «تَهَجُّمٌ» عَلَى الْوَحْيِ بِالْإِبْطَالِ، «لَا سِيَّمَا» ، أَيْ: خُصُوصًا «مَعَ تَكَرُّرِهِ» فِي قِصَّةِ

ص: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إِبْرَاهِيمَ ; فَإِنَّهُ رَأَى ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَنِ اذْبَحْ وَلَدَكَ لِي قُرْبَانًا ; فَفِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ظَنَّ أَنَّهَا خَيَالٌ، أَوْ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهَا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَرَوَّى فِي نَفْسِهِ، أَيْ: تَفَكَّرَ، هَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ أَمْ لَا؟ فَسُمِّيَ لِذَلِكَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَصْبَحَ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ ; فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ، وَاشْتِقَاقِهِمَا.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ لِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: مَا سَبَقَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ هُنَاكَ.

الثَّانِي: أَنَّ رُؤْيَا آحَادِ الْأُمَمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ السُّنَنُ الصَّحِيحَةُ ; فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ نُبُوَّةً.

الثَّالِثُ: مَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنَ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ

ص: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ نُبُوَّةٌ وَوَحْيٌ، كَانَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ عليه السلام مَنَامٌ لَا أَصْلَ لَهُ، تَهَجُّمًا عَظِيمًا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ.

قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالْعَزْمِ عَلَى الذَّبْحِ، أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.

قُلْنَا: الْعَزْمُ عَلَى الذَّبْحِ لَيْسَ بَلَاءً مُبِينًا، بِحَيْثُ يُمْتَحَنُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ; لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ وَسُوقَتَهُمْ، لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: أَنْتَ مَأْمُورٌ بِالْعَزْمِ عَلَى ذَبْحِ وَلَدِكَ، لَا بِنَفْسِ ذَبْحِهِ، لَسَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ كُلْفَةً. «وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمُقَدِّمَاتِ فَقَطْ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَكَذَلِكَ» ، أَيْ: لَا بَلَاءَ فِيهِ، إِذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي إِضْجَاعِ وَلَدِهِ، وَأَخَذِ السِّكِّينَ مَعَ عِلْمِهِ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا لَوْ مَازَحَ الْإِنْسَانُ وَلَدَهُ، أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ فَقَطْ، كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا عَلَيْهِ، وَإِيهَامًا فِي الْخِطَابِ، وَإِيهَامًا لَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ قَبِيحٌ، يَعْنِي الْإِيهَامَ وَالتَّلْبِيسَ ; لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ أَنْ يَعْرِفَ الْمُكَلَّفُ مَا كُلِّفَ بِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَمْرُهُ

ص: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، تَكْلِيفًا غَيْرَ صَحِيحٍ.

قَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصَّافَّاتِ: 105]، مَعْنَاهُ: قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ.

قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ، بَلْ مَعْنَاهُ:«قَدْ عَزَمْتَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرْتَ بِهِ صَادِقًا ; فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَفَّفْنَا عَنْكَ كُلْفَتَهُ بِنَسْخِهِ» عَنْكَ. هَذَا هُوَ كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ.

قَوْلُهُمْ: قَوْلُ الذَّبِيحِ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، لَفْظٌ مُسْتَقْبَلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أُمِرَ بِذَبْحِهِ، بَلْ سَيُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ، بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ:{مَا تُؤْمَرُ} : افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَضْعًا لِلْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي وَهُوَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ.

قُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ، وَعَلَى قَوْلِكُمْ، يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي سَأُومَرُ بِذَبْحِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ ; مِنْ وَضْعِ الْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي أَسْهَلُ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، أَيْ:«مَا تُؤْمَرُ بِهِ فِي الْحَالِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْأَمْرِ الْمَاضِي» .

وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِفِعْلٍ ; فَالْأَمْرُ بِهِ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْأَمْرِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ; فَإِبْرَاهِيمُ عليه السلام ; لَمَّا أُمِرَ فِي اللَّيْلِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ ; فَأَخْبَرَ وَلَدَهُ بِذَلِكَ ; فَهُوَ حَالُ إِخْبَارِهِ وَلَدَهُ مَأْمُورٌ بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي اللَّيْلِ

ص: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بِذَبْحِ وَلَدِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بَعْدُ ; فَأَمْرُهُ بِالذَّبْحِ فِي الْمَاضِي مُسْتَصْحِبٌ إِلَى حَالِ إِخْبَارِهِ وَلَدَهُ. وَقَوْلُهُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، أَيْ: مَا أَنْتَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْحَالِ، بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ الْأَمْرِ الْمَاضِي، وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ يَصْلُحُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَهُوَ فِي الْحَالِ أَظْهَرُ.

وَإِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، عَلَى الْحَالِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِنَا ; فَلَا اسْتِقْبَالَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِذَبْحِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ» ، أَيْ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: سَيُؤْمَرُ بِذَبْحِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ فِي الْمَاضِي، لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ ; لِأَنَّ الْفِدَاءَ يَكُونُ عَنْ تَرْكِ مَأْمُورٍ. وَعَلَى قَوْلِكُمْ: هُوَ إِلَى الْآنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُمِرَ وَتَرَكَ. وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَأُمِرَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِئَلَّا يَقَعَ الْخُلْفُ فِي خَبَرِ الْمَعْصُومِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ، دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ مَا تَأَوَّلُوهُ.

قَوْلُهُمْ: لَمْ يَنْسَخْ عَنْهُ الذَّبْحَ، بَلْ قُلِبَ عُنُقُهُ نُحَاسًا. جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، أَوْ بِالْآحَادِ.

وَالتَّوَاتُرُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَوَاتَرَ، لَمَا اخْتَصَصْتُمْ بِعِلْمِهِ دُونَنَا، مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ وَاحِدٌ. وَالْأَسْبَابَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَلَوْ صَحَّ دَعْوَى ذَلِكَ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ مُنِعَ شَيْئًا، أَوْ نُوزِعَ فِيهِ، قَالَ لِخَصْمِهِ: هَذَا تَوَاتُرٌ عِنْدِي دُونَكَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خَبْطٌ عَظِيمٌ، وَخَطْبٌ جَسِيمٌ، وَمَا يُشْبِهُ السَّفْسَطَةَ.

وَالْآحَادُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ إِنْ كَانَتْ عِلْمِيَّةً ; فَالْآحَادُ إِنَّمَا

ص: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً ; فَالْوَاقِعَةُ الْمَذْكُورَةُ عَظِيمَةٌ، خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ ; فَهِيَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَقَعُ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً لِتَوَاتُرِهَا ; فَحَيْثُ لَمْ تَتَوَاتَرْ، بَلْ لَمْ تَسْتَفِضْ، بَلْ لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا عَمَّنْ يُعْتَبَرُ، أَنَّ عُنُقَ الذَّبِيحِ قُلِبَ نُحَاسًا، دُلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، دَافَعَ بِهَا الْخَصْمُ عَنْ مَذْهَبِهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ عُنُقَهُ قُلِبَ نُحَاسًا، لَكِنَّهُ نُسِخَ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ: إِمَّا رَفْعُ الْحُكْمِ، أَوْ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ، وَكِلَاهُمَا مَوْجُودٌ فِي سُقُوطِ الذَّبْحِ، لِتَعَذُّرِهِ بِقَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا.

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ قَبْلَ قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا، وَبَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ.

فَإِنْ قِيلَ: النَّسْخُ هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ، وَارْتِفَاعُ وُجُوبِ الذَّبْحِ هُنَا إِنَّمَا هُوَ بِالتَّعَذُّرِ، لَا بِالْخِطَابِ.

قُلْنَا: لَكِنْ هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْخِطَابِ، وَهُوَ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ الْعَامَّةُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَالذَّبْحُ بَعْدَ قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا صَارَ مِنَ الْمُحَالِ.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ بِانْقِلَابِ الْعُنُقِ نُحَاسًا ; انْتَهَتْ مُدَّةُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ لِتَعَذُّرِهِ ; فَقَدْ بَانَ أَنَّ قَلْبَ الْعُنُقِ نُحَاسًا نُسِخَ، لِوُجُوبِ الذَّبْحِ عَلَى كِلَا التَّعْرِيفَيْنِ لِلنَّسْخِ.

وَأَمَّا الْتِئَامُ الْجُرْحِ، وَانْدِمَالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا ; فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا ذُكِرَ فِي قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا، مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَالْآحَادُ لَا يُفِيدُ فِي مِثْلِهِ.

ص: 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ، لَاسْتَغْنَى عَنِ الْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ ; فَالْفِدَاءُ بَعْدَهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 290

الرَّابِعَةُ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ، إِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ أَصْلًا ; فَلَيْسَتْ نَسْخًا إِجْمَاعًا، كَزِيَادَةِ إِيجَابِ الصَّوْمِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ ; فَهِيَ إِمَّا جُزْءٌ لَهُ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ، أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ. أَوْ شَرْطٌ، كَالنِّيَّةِ لِلطَّهَارَةِ، أَوْ لَا وَاحِدَ مِنْهُمَا، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ. وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

لَنَا: النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ، وَهُوَ بَاقٍ، زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ.

قَالُوا: الزِّيَادَةُ إِمَّا فِي الْحُكْمِ، أَوْ سَبَبِهِ، وَأَيًّا كَانَ، يَلْزَمُ النَّسْخُ ; لِأَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالْحُكْمِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ، وَاسْتِقْلَالُهُمَا حُكْمٌ قَدْ زَالَ بِالزِّيَادَةِ، كَالْجَلْدِ مَثَلًا، كَانَ مُسْتَقِلًا بِعُقُوبَةِ الزَّانِي، أَيْ: هُوَ الْحَدُّ التَّامُّ، وَبَعْدَ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ، صَارَ جُزْءَ الْحَدِّ.

قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الزِّيَادَةِ تَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ مَا كَانَ قَبْلَهَا، لَكِنَّهُ حَصَلَ ضَرُورَةً وَتَبَعًا، بِالِاقْتِضَاءِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْمَنْسُوخُ مَقْصُودٌ بِالرَّفْعِ، وَالِاسْتِقْلَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ ; فَلَا يَكُونُ مَنْسُوخًا ; فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا. لَا يُقَالُ: رَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِهَا قَصْدُهُ ; لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ، إِذْ قَدْ يُتَصَوَّرُ الْمَلْزُومُ مِمَّنْ هُوَ غَافِلٌ عَنِ اللَّازِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ــ

الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ» ; إِمَّا أَنْ لَا تَتَعَلَّقَ بِحُكْمِ النَّصِّ أَصْلًا، أَوْ تَتَعَلَّقَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ ; فَلَيْسَتْ نَسْخًا لَهُ إِجْمَاعًا، وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ إِيجَابِ الصَّوْمِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسْخًا لِإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتِ الزِّيَادَةُ بِحُكْمِ النَّصِّ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ ; فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ إِمَّا جُزْءٌ لَهُ، أَوْ شَرْطٌ، أَوْ لَا جُزْءٌ وَلَا شَرْطٌ.

ص: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءًا لَهُ: زِيَادَةُ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ، أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ ; فَتَصِيرُ الصُّبْحُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَحَدُّ الْقَذْفِ مِئَةُ سَوْطٍ، وَالْعِشْرُونَ الزَّائِدَةُ جُزْءٌ مِنْهَا.

وَمِثَالُ كَوْنِهَا شَرْطًا: نِيَّةُ الطَّهَارَةِ، هِيَ شَرْطٌ لَهَا، وَقَدْ زِيدَتْ بِالْحَدِيثِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بَاقِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ أَفْعَالِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً مِنَ الْآيَةِ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ.

وَمِثَالُ كَوْنِ الزِّيَادَةِ لَا جُزْءًا وَلَا شَرْطًا: التَّغْرِيبُ عَلَى الْجَلْدِ فِي زِنَى الْبِكْرِ، إِذِ الْجَلْدُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّغْرِيبِ تَوَقُّفَ الْكُلِّ عَلَى جُزْئِهِ، وَلَا تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى شَرْطِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

حَكَى الْآمِدِيُّ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيِّ، فِي الْمِثَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، أَنَّهُمَا وَافَقَا الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ نَسْخٌ.

قَوْلُهُ: «لَنَا: النَّسْخُ: رَفْعُ الْحُكْمِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ عَدَمِ كَوْنِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا بَاقٍ، لَمْ يَرْتَفِعْ، وَإِنَّمَا زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تَقْتَضِي رَفْعَهُ ; فَثَبَتَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ نَسْخًا.

قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْحُكْمِ أَوْ سَبَبِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّسْخُ.

أَمَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ إِمَّا فِي الْحُكْمِ، أَوْ فِي سَبَبِهِ ; فَمَعْنَاهُ: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَةَ ; إِمَّا جُزْءٌ لِلْحُكْمِ، كَرَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ ; فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْحُكْمِ، أَوْ غَيْرُ جُزْءٍ لَهُ ; فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي سَبَبِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَيْهِ، شَرْطًا كَالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ،

ص: 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ.

وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْحُكْمِ، أَوْ سَبَبِهِ، يَلْزَمُ مِنْهُ النَّسْخُ ; فَلِأَنَّ الْحُكْمَ أَوْ سَبَبَهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا كَانَا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالْحُكْمِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: بِكَوْنِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَامًّا، وَالسَّبَبِ سَبَبًا تَامًّا، وَاسْتِقْلَالِهِمَا بِكَوْنِهِمَا تَمَامَ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ، حُكْمٌ قَدِ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ كَالْجَلْدِ مَثَلًا، كَانَ مُسْتَقِلًا بِعُقُوبَةِ الزَّانِي، بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ حَدُّهُ التَّامُّ، وَبَعْدَ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ لَمْ يَبْقَ مُسْتَقِلًا بِتَمَامِ الْحَدِّ، بَلْ صَارَ جُزْءَ الْحَدِّ، وَالتَّغْرِيبُ جُزْؤُهُ الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ الرَّكْعَتَانِ فِي الصُّبْحِ، كَانَتَا مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَبَعْدَ تَقْرِيرِ زِيَادَةِ الثَّالِثَةِ زَالَ ذَلِكَ الِاسْتِقْلَالُ، وَصَارَتِ الرَّكْعَتَانِ جُزْءَ الْوَاجِبِ، لَا كُلَّهُ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الِاسْتِقْلَالِ يَرْتَفِعُ بِالزِّيَادَةِ ; فَقَدْ حَصَلَتْ حَقِيقَةُ النَّسْخِ، وَهِيَ رَفْعُ الْحُكْمِ بِالزِّيَادَةِ ; فَيَكُونُ نَسْخًا.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الزِّيَادَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، إِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ مَا كَانَ قَبْلَهَا بِالْحُكْمِ، لَكِنَّ رَفْعَ الِاسْتِقْلَالِ حَصَلَ ضَرُورَةً، وَتَبَعًا لِوُرُودِ الزِّيَادَةِ، بِالِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ الْعَقْلِيِّ، لَا أَنَّهُ كَانَ مَقْصُودًا بِهَا ; فَالْمَقْصُودُ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ: هُوَ التَّعَبُّدُ بِفِعْلِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الرَّكْعَتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَالْمَقْصُودُ بِزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ وَعِشْرِينَ سَوْطًا فِي الْحَدِّ: الْإِتْيَانُ بِهِمَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الْمِئَةِ فِي الزِّنَى، وَالثَّمَانِينَ فِي الْقَذْفِ، بِكَمَالِ الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ ضَرُورَةً أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى ثَلَاثٍ، لَا يَحْصُلُ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى مِئَةٍ، لَا يَحْصُلُ بِثَمَانِينَ، كَمَا أَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطَيْنِ، لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا ; فَرَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ الْمَذْكُورِ، هُوَ بِالِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِيِّ الضَّرُورِيِّ، لَا بِالْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمَنْسُوخُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ

ص: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَقْصُودًا: لِأَنَّ النَّسْخَ فِعْلٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَالْفَاعِلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا فَعَلَ، قَاصِدًا لَهُ.

وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْمَنْسُوخُ مَقْصُودٌ بِالرَّفْعِ، وَالِاسْتِقْلَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَكُونُ مَنْسُوخًا ; فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا.

قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَقْدِيرٌ يَقَعُ مِنَ الْخَصْمِ لِهَذَا الْجَوَابِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ رَفْعَ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِيَّةِ، مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِهَا قَصْدُهُ، أَيْ: يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ قَصْدُ رَفْعِ اسْتِقْلَالِ حُكْمِهِ، بِكَوْنِهِ حُكْمًا تَامًّا.

أَمَّا أَنَّ رَفَعَ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ ; فَلِأَنَّ لَازِمَ الشَّيْءِ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ارْتِفَاعَ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ، لَا يَنْفَكُّ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ; فَيَكُونُ لَازِمًا لَهَا.

وَمِثَالُهُ: أَنَّ ارْتِفَاعَ اسْتِقْلَالِ الرَّكْعَتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْ زِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ.

وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ قَصْدُ رَفْعِ الِاسْتِقْلَالِ ; فَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَا أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا، وَقَصْدُ الْمَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ عَنِ الْمَلْزُومِ إِلَى اللَّازِمِ، انْتِقَالًا عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الْمَلْزُومِ الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ قَصْدُ اللَّازِمِ الْمُنْتَقَلَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْمَنْعِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ قَصْدُ رَفْعِ الِاسْتِقْلَالِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ الْمَلْزُومُ مَنْ هُوَ

ص: 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

غَافِلٌ عَنِ اللَّازِمِ، وَإِذَا جَازَتِ الْغَفْلَةُ عَنِ اللَّازِمِ، اسْتَحَالَ قَصْدُهُ، إِذْ قَصْدُ الشَّيْءِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ تَصَوُّرِهِ مُحَالٌ.

قُلْتُ: فَحَاصِلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ أَمْ لَا، فَإِنِ اشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ، لَمْ يَكُنْ رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ نَسْخًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ حَاصِلٌ بِالِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ.

وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي فِي الْمَنْسُوخِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا بِالْقَصْدِ، أَوِ الِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ، كَانَ رَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ نَسْخًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

ص: 295

الْخَامِسَةُ:

يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ، وَلَا يَمْتَنِعُ رَدُّ الْمُكَلَّفِ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ أَمَامَ النَّجْوَى وَغَيْرُهُ نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ. قَالُوا:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقْتَضِيهِ. قُلْنَا: لَفْظًا لَا حُكْمًا، أَوْ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

وَنَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ إِجْمَاعًا.

وَبِمِثْلِهِ، لَا يُقَالُ: هُوَ عَبَثٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: فَائِدَتُهُ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِ بِانْتِقَالِهِ مِنْ حُكْمٍ إِلَى حُكْمٍ.

وَبِأَثْقَلَ مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ. لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً، وَقَدْ نُسِخَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالصِّيَامِ إِلَى تَعْيِينِهِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَى وُجُوبِهَا فِيهِ، وَتَرْكُ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهِ، وَإِبَاحَةُ الْخَمْرِ، وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمُتْعَةِ إِلَى تَحْرِيمِهَا. قَالُوا: تَشْدِيدٌ ; فَلَا يَلِيقُ بِرَأْفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، {أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} . قُلْنَا: مَنْقُوضٌ بِتَسْلِيطِهِ الْمَرَضَ وَالْفَقْرَ وَأَنْوَاعَ الْآلَامِ وَالْمُؤْذِيَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا. قُلْنَا: فَقَدْ أَجَبْتُمْ عَنَّا، وَالْآيَاتُ وَرَدَتْ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ.

ــ

الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ» عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، «خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ.

«لَنَا: الرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَالرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ، بَلْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِدُونِ بَدَلٍ، وَاعْتُبِرْ ذَلِكَ بِالْمَحْسُوسَاتِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ رَفْعِ الْحَجَرِ مِنْ مَكَانِهِ أَنَّهُ يَضَعُ

ص: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَكَانَهُ غَيْرَهُ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ النَّسْخُ فِي الشَّرِيعَةِ، تَارَةً إِلَى الْبَدَلِ، وَتَارَةً لَا إِلَى بَدَلٍ.

وَأَيْضًا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ فِي نَسْخِ الْحُكْمِ عَنْهُ لَا إِلَى بَدَلٍ، وَرَدِّهِ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ مِنْ إِبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ وَقْفٍ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّسْخُ لَا إِلَى بَدَلٍ جَائِزًا، لَمَا وَقَعَ، لَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ ; فَيَكُونُ جَائِزًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ أَمَامَ النَّجْوَى، أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى، وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ.

وَشَرْحُ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم أَكْثَرُوا مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ فِي سَبَبِهَا: أَنَّ قَوْمًا مِنْ شَبَابِ الْمُؤْمِنِينَ، كَثُرَتْ مُنَاجَاتُهُمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي غَيْرِ حَاجَّةٍ، إِلَّا لِتَظْهَرَ مَنْزِلَتُهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَمْحًا لَا يَرُدُّ أَحَدًا ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ أَمْرَ الْمُنَاجَاةِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَغْنِيَاءِ ; لِأَنَّهُمْ غَلَبُوا الْفُقَرَاءَ عَلَى مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَجْلِسِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ فِي قَوْلِهِ:{إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} [الْمُجَادَلَةِ: 12]، قَالَا: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، مَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: جَاءَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِدِينَارٍ ; فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَكَلَّمَ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، وَأَمْسَكَ النَّاسُ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ ; فَقَالَ:{أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} حَتَّى بَلَغَ: {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الْمُجَادَلَةِ: 13] .

ص: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّدَقَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى نُسِخَتْ لَا إِلَى بَدَلٍ ; لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى يَقُولُ فِي الْآيَةِ النَّاسِخَةِ: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الْمُجَادَلَةِ: 13] ; فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بَدَلَ الصَّدَقَةِ.

قُلْنَا: لَيْسَتْ هَذِهِ أَبْدَالًا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَ ذَلِكَ، بِمُوجِبِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: إِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ; فَارْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ أَوَّلًا، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَطَاعَةِ الرَّسُولِ.

وَمِمَّا يُذْكَرُ مِنْ أَمْثِلَةِ النَّسْخِ لَا إِلَى بَدَلٍ: نَسْخُ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، مَتَى نَامَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ حَتَّى اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ; فَخَفَّفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بِنَسْخِهِ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ اعْتِدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَوَلًا، بِاعْتِدَادِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ; فَتَمَامُ الْحَوَلِ نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ النَّهْيِ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِقَوْلِهِ عليه السلام:

ص: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ ; فَكُلُوا وَادَّخِرُوا مَا شِئْتُمْ. وَهُوَ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ.

وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ كَوْنَ هَذَا نَسْخًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَسْخٌ لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ النَّسْخِ، وَكَوْنِهِ ثَبْتَ لِحِكْمَةٍ، ثُمَّ زَالَ بِزَوَالِهَا، لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نَسْخًا، إِذْ سَائِرُ صُوَرِ النَّسْخِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: «قَالُوا: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقْتَضِيهِ» . هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ سبحانه وتعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [الْبَقَرَةِ: 106]، يَقْتَضِي أَنَّ النَّسْخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِلَى بَدَلٍ كَمَا يُقَالُ: مَا تَبِعَ مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ غُلَامٍ، تَشْتَرِ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَفْظًا لَا حُكْمًا» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لُزُومَ الْبَدَلِ فِي نَسْخِ الْآيَةِ لَفْظًا لَا حُكْمًا، يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ آيَةً بِآيَةٍ ; فَلَفْظُ الْآيَةِ النَّاسِخَةِ بَدَلٌ عَنْ لَفْظِ الْمَنْسُوخَةِ، كَقَوْلِهِ عز وجل:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النَّحْلِ: 101] ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ أَيَّ حُكْمٍ نَسَخْنَاهُ، أَبْدَلْنَا مَكَانَهُ حُكْمًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْبَدَلِ اللَّفْظِيِّ الْبَدَلُ الْحُكْمِيُّ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا. وَالتَّقْدِيرُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، أَيْ: نَأْتِ مِنْ نَسْخِهَا بِخَيْرٍ لِلْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ تَخْفِيفُ حُكْمِهَا بِالنَّسْخِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

ص: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَهَهُنَا جَوَّابَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي بَدَلًا فِي النَّسْخِ أَصْلًا ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِبَدَلِ الْآيَةِ مِثْلَهَا، أَوْ خَيْرًا مِنْهَا، وَقَعَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ، الَّذِي هُوَ النَّسْخُ ; فَهُوَ مَشْرُوطٌ لَهُ، وَالْمَشْرُوطُ مَلْزُومٌ لِلشَّرْطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ انْتِفَاءُ اللَّازِمِ، وَلَا ثُبُوتُهُ ; فَانْتِفَاءُ الْبَدَلِ فِي النَّسْخِ، لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَلَا ثُبُوتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِانْتِفَاءِ الْبَدَلِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ، نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، جَازَ أَنْ يُوجَدَ النَّسْخُ بِدُونِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النَّسْخِ مِنْ بَدَلٍ، قَدْ يَكُونُ فِي [غَيْرِ] الْمَصْلَحَةِ ; فَيَكُونُ عَدَمُ بَدَلِ الْحُكْمِ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ ; فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بَدَلٌ عَنْ مَصْلَحَةِ الْمَنْسُوخِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْهُ حُكْمٌ ; لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ عَدَمِيَّةٌ، أَيْ: نَاشِئَةٌ عَنْ عَدَمِ الْحُكْمِ.

وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ عَنِ الْآيَةِ: بِأَنَّهَا صِيغَةُ شَرْطٍ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، بَلْ قَدْ يَكُونَ مُحَالًا، كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ الْوَاحِدُ نِصْفَ الْعَشَرَةِ ; فَالْعَشَرَةُ اثْنَانِ ; فَهَذَا شَرْطٌ مُحَالٌ، وَالْكَلَامُ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الشَّرْطُ الْإِمْكَانَ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُقُوعِ مُطْلَقًا ; فَضْلًا عَنِ الْوُقُوعِ بِبَدَلٍ.

قَوْلُهُ: «وَنَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ» ، أَيْ: يَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه وتعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، بَلْ هُوَ عَامُّ الْجُودِ عَلَى خَلْقِهِ.

قَوْلُهُ: «وَبِمِثْلِهِ» ، أَيْ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ.

قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ: هُوَ عَبَثٌ» هَذَا تَقْرِيرُ سُؤَالٍ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: نَسْخُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ عَبَثٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَثَلَيْنِ يَسُدُّ مَسَدَّ الْآخَرِ ; فَالنَّقْلُ عَنْهُ

ص: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إِلَى مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عَبَثٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ.

قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» هَذَا جَوَابُ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.

وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَقْلَ الْمُكَلَّفِ عَنْ حُكْمٍ إِلَى مِثْلِهِ لَا فَائِدَةَ لَهُ، بَلْ فَائِدَتُهُ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِ، بِانْتِقَالِهِ مِنْ حُكْمٍ إِلَى حُكْمٍ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْقِيَادِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ. فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ لَنَا الْآنَ: لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، بَلْ صَلُّوهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ صَلَّوُا الْفَجْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. فَبَادَرَ قَوْمٌ إِلَى ذَلِكَ، وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ ; فَقَالُوا: حَقِيقَةُ الزَّمَانِ وَاحِدَةٌ ; فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَهُ، وَبَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَهُ، حَتَّى يَنْقُلَهَا إِلَيْهِ؟ لَكَانَ الْمُبَادِرُونَ إِلَى الِامْتِثَالِ أَفْضَلُ وَأَطْوَعُ، لِتَرْكِهِمُ الِاعْتِرَاضَ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ وَجَبَتِ الظُّهْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ تَجِبْ قَبْلَهُ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ مَعَ تَمَاثُلِهِمَا؟ لَعُدَّ مُعْتَرِضًا مُتَكَلِّفًا ; فَكَانَ مَنْ لَا يَعْتَرِضُ بِذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لِسُكُوتِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ، وَانْقِيَادِهِ لِلتَّعَبُّدِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُ قُيِّدَ انْقَادَ.

وَمِثْلُ هَذَا، لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ بِالْحُدَيْبِيَةِ، تَوَقَّفُوا عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ ; فَغَضِبَ لِعَدَمِ مُبَادَرَتِهِمْ، لِكَوْنِهِ أَمَرَهُمْ بِخِلَافِ مَا اعْتَادُوهُ، ثُمَّ لَمَّا

ص: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

امْتَثَلُوا حَلَقَ قَوْمٌ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ; فَقِيلَ لَهُ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. فَقِيلَ لَهُ: اسْتَغْفَرْتَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمُحَلِّقِينَ لَمْ يَشُكُّوا. قَوْلُهُ: «وَبِأَثْقَلَ مِنْهُ» ، أَيْ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِأَثْقَلَ مِنْهُ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ» .

ص: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَالَ الْآمِدِيُّ: وَمَنَعَ مِنْهُ أَيْضًا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.

قَوْلُهُ: «لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَامْتَنَعَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً، لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ; فَلَا يَمْتَنِعُ أَصْلًا.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُقُوعُهُ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، بَلْ قَدْ وَقَعَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ نَسْخًا لِلْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ، وَمَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ مَفْسَدَةً فِيهِ، سَنُجِيبُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عز وجل، بَلْ قَدْ يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً، وَهُوَ تَدْرِيجُ الْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ ; فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِهِ ; فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ ; فَلَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا أَصْلًا ; فَيَكُونُ جَائِزًا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ:

إِحْدَاهُنَّ: نَسْخُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالصِّيَامِ إِلَى تَعْيِينِهِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، يُخَيَّرُ أَحَدُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ، وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ ; فَنُسِخَ ذَلِكَ إِلَى وُجُوبِ الصِّيَامِ عَيْنًا، وَذَلِكَ أَثْقَلُ مِنَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ حَالَ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهَا عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [الْبَقَرَةِ: 239] ، وَكَانَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ، وَوُجُوبُهَا فِي وَقْتِهِ أَثْقَلُ.

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: نَسْخُ تَرْكِ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهِ، فَإِنَّ الْقِتَالَ كَانَ مَتْرُوكًا فِي أَوَّلِ

ص: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْإِسْلَامِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 81]، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [الْمَائِدَةِ: 13] ، {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [الْبَقَرَةِ: 109] ، ثُمَّ نُسِخَ بِوُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الْحَجِّ: 39]، {قَاتِلُوهُمْ} [التَّوْبَةِ: 14] ، {وَاقْتُلُوهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 191] ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التَّحْرِيمِ: 9] ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَوُجُوبُ الْقِتَالِ أَثْقَلُ مِنْ تَرْكِهِ.

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْخَمْرَ، وَالْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ، وَمُتْعَةَ النِّكَاحِ، كَانَتْ كُلُّهَا مُبَاحَةً ; فُنِسَخَتْ إِبَاحَتُهَا إِلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ أَثْقَلُ.

وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ صُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ:

ص: 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إِحْدَاهُمَا: نَسْخُ حَبْسِ الزَّانِيَةِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ، وَتَعْنِيفِ الزَّانِي، بِإِيجَابِ الْحَدِّ رَجْمًا، أَوْ جَلَدًا وَتَغْرِيبًا، وَهُوَ أَثْقَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الزَّانِي كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، إِنْ كَانَ امْرَأَةً، حُبِسَتْ حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، عُنِّفَ، وَأُوذِيَ بِالْقَوْلِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النِّسَاءِ: 15 - 16] ، أَيْ بِالتَّعْنِيفِ وَالذَّمِّ ; فَنُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَآيَةِ النُّورِ، فِي جَلْدِ الْبِكْرِ وَغَيْرِهِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: نَسْخُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ.

قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ ; فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما.

قَوْلُهُ: «قَالُوا: تَشْدِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْمَانِعِينَ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ إِلَى الْأَثْقَلِ تَشْدِيدٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِرَأْفَةِ اللَّهِ عز وجل وَرَحْمَتِهِ ; لِأَنَّ شَأْنَهُ التَّسْهِيلُ عَلَى خَلْقِهِ، لَا التَّشْدِيدُ عَلَيْهِمْ.

ص: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْوَجْهُ الثَّانِي: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ، نَحْوَ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 66] ، يَعْنِي خَفَّفَ عَنْكُمْ ثَبَاتَ الْوَاحِدِ لِعَشَرَةٍ فِي الْجِهَادِ، بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَبَاتِهِ لِاثْنَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185]، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28] .

وَقَوْلُهُ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، {أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ، اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ (يُرِيدُ اللَّهُ) فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِخْدَامِ.

قَالُوا: وَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ عُسْرٌ، وَاللَّهُ عز وجل قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، وَمَا لَا يُرِيدُهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ ; فَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَنْقُوضٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ.

أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ - تَشْدِيدٌ لَا يَلِيقُ بِالرَّأْفَةِ الْإِلَهِيَّةِ -: فَبِأَنَّهُ «مَنْقُوضٌ بِتَسْلِيطِهِ الْمَرَضَ وَالْفَقْرَ وَأَنْوَاعَ الْآلَامِ، وَالْمُؤْذِيَاتِ عَلَى الْخَلْقِ» ، مَعَ أَنَّهُ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِمْ ; فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ، وَحَيْثُ وَقَعَ ; فَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ مِثْلُهُ ; فَلْيَكُنْ وُقُوعُهُ جَائِزًا.

قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ: لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا» ، هَذَا جَوَابٌ مِنَ الْخَصْمِ عَنِ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ.

وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّقْضَ بِالْمَرَضِ، وَالْفَقْرِ، وَالْآلَامِ، لَا يَلْزَمُنَا ; لِأَنَّ ابْتِلَاءَهُ الْخَلْقَ

ص: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بِذَلِكَ، لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا لَهُمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا: فَقَدْ أَجَبْتُمْ عَنَّا» ، أَيْ: هَذَا الْجَوَابُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ; فَهُوَ جَوَابُنَا عَنْ كَوْنِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ تَشْدِيدًا، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: النَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا فِيهِ، كَمَا أَنَّ ابْتِلَاءَهُ لَهُمْ بِالْمَرَضِ، وَسَائِرِ الْمَكَارِهِ، لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا لَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ مُنْتَقَضٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا بِأَصْلِ التَّكْلِيفِ ; فَإِنَّهُ تَشْدِيدٌ، وَتَرْكُهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِمْ ; فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: عَدَمُ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقٍ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَالِاعْتِقَادِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: «وَالْآيَاتُ وَرَدَتْ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ» ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّخْفِيفِ، وَرَدَتْ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، وَلَيْسَتْ عَامَّةً، حَتَّى يُحْتَجَّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ.

أَمَّا قَوْلُهُ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 66] ; فَهِيَ فِي الْجِهَادِ كَمَا ذُكِرَ، بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ عز وجل:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الْأَنْفَالِ: 66]، وَأَمَّا قَوْلُهُ عز وجل:{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ; فَهِيَ فِي سِيَاقِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ، ثُمَّ هِيَ مُطْلَقَةٌ، لَا عُمُومَ لِلَفْظِهَا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] ; فَهُوَ فِي سِيَاقِ تَخْفِيفِ الصَّوْمِ عَنِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَاللَّامُ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَإِنِ احْتمَلَ أَنَّهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، لَكِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَهُوَ الْيُسْرُ الْحَاصِلُ بِالْإِفْطَارِ، لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَالْعُسْرُ الْحَاصِلُ لَهُمَا بِالصَّوْمِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الْخَشَّابِ حَكَى فِي «الْمُرْتَجَلِ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْكَلَامَ مَتَى كَانَ فِيهِ

ص: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَعْهُودٌ، تَعَيَّنَ رُجُوعُ اللَّامِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إِذَا انْتَفَى الْمَعْهُودُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

ص: 308