المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفرق بين الاستثناء والنسخ - شرح مختصر الروضة - جـ ٢

[الطوفي]

فهرس الكتاب

- ‌الْكِتَابُ

- ‌السُّنَّةُ

- ‌ التَّوَاتُرُ

- ‌ الْآحَادُ

- ‌ السَّمَاعِ

- ‌ الْإِجَازَةُ

- ‌إِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ»

- ‌ مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ

- ‌فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى

- ‌فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ»

-

- ‌الْقَوْلُ فِي النَّسْخِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ جَائِزٌ

- ‌لَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ

- ‌ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ

- ‌ نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا

- ‌الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ»

- ‌مَا يُعْرَفُ بِهِ النَّسْخُ:

- ‌الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي

- ‌«الْأَمْرُ:

- ‌ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ " الثَّالِثَةُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ

- ‌الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ

- ‌أَقْسَامُ الْمَعْلُومَاتِ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ: «السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ الْمُوَقَّتُ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ: حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ لِجَمَاعَةٍ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ

- ‌ فَرْضُ الْكِفَايَةِ

- ‌فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ»

- ‌النَّهْيُ

- ‌فَوَائِدُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ:

- ‌الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ

- ‌الْعَامُّ

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ

- ‌«أَدَوَاتُ الشَّرْطِ»

- ‌ كُلُّ وَجَمِيعُ

- ‌«النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الْأَمْرِ»

- ‌ الْعَامُّ الْكَامِلُ»

- ‌ أَقَلُّ الْجَمْعِ

- ‌ الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ

- ‌ الْخِطَابُ الْعَامُّ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ

- ‌الْخَاصُّ

- ‌الْمُخَصِّصَاتُ»

- ‌الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ

- ‌ تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ

- ‌الِاسْتِثْنَاءُ

- ‌ تَعْرِيفِهِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ

- ‌ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌الشَّرْطُ

- ‌ الْغَايَةُ»

- ‌الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ

- ‌ مَرَاتِبُ الْمُقَيَّدِ

- ‌الْمُجْمَلُ

- ‌حُكْمُ الْمُجْمَلِ

- ‌الْمُبَيَّنُ

- ‌ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ

- ‌كُلُّ مُقَيَّدٍ مِنَ الشَّارِعِ بَيَانٌ

- ‌الْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ»

- ‌تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ

- ‌تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ

- ‌خَاتِمَةٌفَحْوَى اللَّفْظِ:

- ‌ شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ

- ‌ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ»

- ‌ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ

- ‌ دَرَجَاتُ دَلِيلِ الْخِطَابِ

- ‌ مَفْهُومَ الْغَايَةِ

- ‌ مَفْهُومُ الشَّرْطِ

- ‌ تَخْصِيصُ وَصْفٍ غَيْرِ قَارٍّ بِالْحُكْمِ

- ‌ مَفْهُومُ الْعَدَدِ

- ‌ مَفْهُومُ اللَّقَبِ

الفصل: ‌ الفرق بين الاستثناء والنسخ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ثَلَاثَةً، «وَلِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا» ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي النَّصِّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْعَامِّ، وَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا قَالَ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُكْرِمْ زَيْدًا، كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا ; لِأَنَّ دُخُولَ زَيْدٍ فِي الرِّجَالِ بِالنَّظَرِ إِلَى إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ، وَلَوْ نَصَّ عَلَى أَسْمَاءِ الرِّجَالِ ; فَقَالَ: أَكْرِمْ عَمْرًا وَبَكْرًا وَبِشْرًا وَخَالِدًا وَجَعْفَرًا وَزَيْدًا، حَتَّى أَتَى عَلَى أَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُكْرِمْ زَيْدًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَخْصِيصًا بَلْ نَسْخًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَيْسَ مُرَادًا مِنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَتِهِ وَعَدَمِهَا وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُفِيدٌ. أَمَّا إِذَا نَصَّ عَلَى إِرَادَةِ مَدْلُولِ لَفْظٍ كَزَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ، لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ، بَلْ يَكُونُ نَسْخًا ; لِأَنَّ التَّنَاقُضَ مِنْ لَوَازِمِهِ.

قَوْلُهُ: «وَيُفَارِقُ النَّسْخَ فِي الِاتِّصَالِ، وَفِي رَفْعِ حُكْمِ بَعْضِ النَّصِّ، وَفِي مَنْعِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي» .

هَذَا بَيَانُ‌

‌ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ

، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاتِّصَالُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالنَّسْخُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ، بَلْ يُشْتَرَطُ تَرَاخِيهِ كَمَا مَرَّ. وَسَبَبُ الْفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ النَّاسِخِ مَعَ الْمَنْسُوخِ ; فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَيُنَافِي الْمَنْسُوخُ ; فَاتِّصَالُهُ بِهِ يَكُونُ تَهَافُتًا.

ص: 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَرْفَعُ حُكْمَ بَعْضِ النَّصِّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ عَلَى جَمِيعِ حُكْمِ النَّصِّ فَيَرْفَعُهُ ; فَيَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يَنْسَخُهَا بِأَنْ يَقُولَ: لَا تُصَلُّوهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: صَلُّوا أَرْبَعًا إِلَّا أَرْبَعًا أَوْ إِلَّا ثَلَاثًا كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَهَاهُنَا تَحْقِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: قَوْلُنَا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ حُكْمَ بَعْضِ النَّصِّ تَجَوُّزٌ بِاعْتِبَارِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا، وَإِلَّا فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي التَّحْقِيقِ بَيَانٌ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُخَصِّصَاتِ.

الثَّانِي: قَوْلِي: وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ حُكْمَ جَمِيعِ النَّصِّ، أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: إِنَّ النَّسْخَ يَرْفَعُ جَمِيعَ حُكْمِ النَّصِّ ; لِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَرْفَعُ جَمِيعَ حُكْمِ النَّصِّ، وَقَدْ يَرْفَعُ بَعْضَهُ، كَمَا نُسِخَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ عَشْرِ، وَكَمَا إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ يَبْقَى الْجَوَازُ، وَهُوَ بَعْضُ حُكْمِ النَّصِّ.

وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا إِشْكَالٌ خَطَرَ لِي عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لِي الْجَوَابُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا جَازَ وُرُودِ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ عَلَى بَعْضِ حُكْمِ النَّصِّ اشْتَبَهَا ; فَبِمَاذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ، وَالتَّخْصِيصَ بَيَانٌ.

قُلْنَا: صُورَتُهُمَا هَاهُنَا مُشْتَبِهَةٌ ; فَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا الرَّفْعُ مِنَ الْبَيَانِ.

فَإِنْ قِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّسْخَ يَكُونُ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ، وَالتَّخْصِيصَ

ص: 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَبْلَهُ. فَإِذَا قِيلَ لَنَا: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَنَا: لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قِتَالِنَا لِلْمُشْرِكِينَ، كَانَ تَخْصِيصًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، كَانَ نَسْخًا لِبَعْضِ الْحُكْمِ.

قُلْنَا: فَالنَّسْخُ قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَهُ قَبْلَ الِامْتِثَالِ، وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ يَعُودُ الْإِشْكَالُ ; فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ لَنَا: صُومُوا شَهْرَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ قَالَ لَنَا قَبْلَ دُخُولِ الْمُحَرَّمِ: لَا تَصُومُوا مِنْهُ غَيْرَ عِشْرِينَ يَوْمًا، لَمْ نَعْلَمْ هَذَا تَخْصِيصًا، أَوْ نَسْخًا لِلْبَعْضِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَانِعٌ، وَالنَّسْخَ رَافِعٌ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى تَحْتَ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَفْظٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالنَّسْخُ يَرْفَعُ مَا دَخَلَ تَحْتَ لَفْظِ الْمَنْسُوخِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّزَاعَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِخْرَاجِ وَغَيْرِهِ لَفْظِيٌّ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ مُطْلَقًا عَلَى كِلَا التَّعْرِيفَيْنِ لِلِاسْتِثْنَاءِ ; فَلَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي كَبِيرُ فَائِدَةٍ.

تَنْبِيهٌ: يَشْتَمِلُ عَلَى مَا هُوَ كَالتَّكْمِلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ جَامِعًا وَفَارِقًا:

أَمَّا الْجَامِعُ ; فَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ كَمَا سَبَقَ.

وَالْفَارِقُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَّنَ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا مِنْ

ص: 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لَفْظِ الْعَامِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَنْسُوخِ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُ كَانَ مُرَادًا بِالْحُكْمِ، ثُمَّ رُفِعَ بِالنَّسْخِ.

وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، نَحْوَ: أَكْرِمْ زَيْدًا، إِذْ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَالنَّسْخُ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَجُوزُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْعَامِّ شَيْءٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ كَمَا سَبَقَ، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ مَدْلُولِ النَّصِّ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ خِطَابِ الشَّرْعِ، كَالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ كَمَا سَبَقَ، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِخِطَابِ الشَّرْعِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ.

وَخَامِسُهَا: أَنَّ دَلِيلَ التَّخْصِيصِ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمَ الْوُجُودِ عَلَى مَا يُخَصِّصُهُ، بِخِلَافِ دَلِيلِ النَّسْخِ ; فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُهُ.

وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَيَجُوزُ نَسْخُهَا بِهَا، كَمَا ثَبَتَ مِنْ تَنَاسُخِ الشَّرَائِعِ.

وَسَابِعُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ أَعَمُّ مِنَ النَّسْخِ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ، وَالنَّسْخَ رَفْعٌ، وَرَفْعُ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ الْبَيَانَ، وَالْبَيَانُ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحُكْمِ.

وَثَامِنُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ.

ص: 588

وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَجَازَهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ ;، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ. وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

لَنَا: الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ، أَوْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَحَدُ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْآخَرَ.

قَالُوا: وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ كَثِيرًا.

قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَاطِعٌ، وَجَوَازُ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ عِنْدَ بَعْضِهِمِ اسْتِحْسَانٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا إِجْمَاعًا. وَفِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ خِلَافٌ. وَاقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى الْأَقَلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا.

ــ

قَوْلُهُ: «وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا.

وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.

وَثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا.

وَقَدْ ذَكَرْتُ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ، أَمَّا الِاتِّصَالُ ; فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ اتِّصَالًا عَادِيًا، بِحَيْثُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا بِسُكُوتٍ يُمْكِنُ

ص: 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

التَّكَلُّمُ فِيهِ، «كَسَائِرِ التَّوَابِعِ» اللَّفْظِيَّةِ مِنْ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ أَوْ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالْحَالِ، وَالتَّمْيِيزِ ; فَكَمَا لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِالزَّمَانِ، نَحْوُ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَا بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ تَقُمْ، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ يَقُولُ: أَقُمْ، وَلَا بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: جَاءَ زَيْدٌ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَقُولُ: رَاكِبًا، وَلَا بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَالْمُمَيَّزِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي عِشْرُونَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: دِرْهَمًا أَوْ ثَوْبًا.

كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ يَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ سَاعَةٍ: إِلَّا دِرْهَمًا. «خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ» ، إِذْ حُكِيَ عَنْهُ جَوَازُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا، وَأَجَازَهُ «عَطَاءٌ» بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، «وَالْحَسَنُ» الْبَصْرِيُّ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْكَلَامِ، «وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ» ، أَيْ: إِلَى انْفِصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ، «أَحْمَدُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ» ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ بِيَمِينٍ ; فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْمُبْطِلَ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْكَلَامَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَهُمَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَخَلُّلَ السُّكُوتِ لَا يُؤَثِّرُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ.

وَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ تَخَلُّلَ السُّكُوتِ مُبْطِلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا كَانَ يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ

ص: 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا أَوْ صِغَارًا ; أَوْ إِلَى شَهْرٍ، كَانَتْ عَشَرَةٌ جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَابِعٌ ; فَاشْتَرَطَ اتِّصَالُهُ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ انْفِصَالُهُ، لَمَا انْعَقَدَ لِإِمَامٍ بَيْعَةٌ، وَلَا اسْتَقَرَّ لِأَحَدٍ طَلَاقٌ، وَلَا عِتْقٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ، لِجَوَازِ أَنْ يُبَايِعَ الشَّخْصُ، أَوْ يُطَلِّقَ، أَوْ يَعْتِقَ، ثُمَّ بَعْدَ حِينٍ يَسْتَثْنِي بِذِكْرِ شَرْطٍ ; فَيَزُولُ عَنْهُ لُزُومُ الْعَقْدِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ وَزِيرًا لِلْمَنْصُورِ كَانَ يُبْغِضُ أَبَا حَنِيفَةَ ; فَأَرَادَ أَنْ يُغْرِيَ بِهِ الْمَنْصُورَ ; فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُخَالِفُ جَدَّكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ لَا يَصِحُّ ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ دَوْلَتَكَ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ ، قَالَ: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ لَوْ صَحَّ، لَجَازَ لِكُلِّ مَنْ بَايَعَكَ عَامَ أَوَّلٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْآنَ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ اسْتِثْنَاءً تَنْحَلُّ بِهِ الْبَيْعَةُ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَيْكَ ; فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ لَهُ: الْزَمْ مَقَالَتَكَ.

وَمِنَ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْكُوفَةَ ; فَرَأَى فِيهَا نَخْلًا كَثِيرًا ; فَقَالَ: الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا نَخْلٌ أَكْثَرُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْبَصْرَةَ رَأَى نَخْلًا أَكْثَرَ مِنَ الْكُوفَةِ ; فَقَالَ: إِلَّا الْبَصْرَةَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا، لَمَا اتَّخَذَ النَّاسُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْمُضْحِكَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ النَّاسِ عُرْفًا وَالْفَهْمُ طَبْعًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

- قَوْلُهُ: «وَأَنْ لَا يَكُونَ» ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ «مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ»

ص: 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

حَيْثُ صَحَّحُوا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ النُّحَاةِ، وَاخْتَارَ هُوَ الْوَقْفَ عَلَى عَادَتِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ.

قُلْتُ: الْقَائِلُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، إِنْ أَرَادَ صِحَّتَهُ مَجَازًا ; فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ صِحَّتَهُ حَقِيقَةً فَمَمْنُوعٌ، وَالْحَقُّ خِلَافَهُ.

«لَنَا» عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ أَنَّ «الِاسْتِثْنَاءَ إِمَّا إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَوْ إِخْرَاجُ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى، وَأَحَدُ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْآخَرَ» فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ.

وَكَذَلِكَ إِنْ عَرَّفْنَا الِاسْتِثْنَاءَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ غَيْرِ الْجِنْسِ أَيْضًا ; لِأَنَّ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ لَفْظِ الْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ مِنْهُ.

مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْقَوْمِ لَا يَتَنَاوَلِ الْحِمَارَ، وَلَا يَصِحُّ تَنَاوُلُهُ إِيَّاهُ، وَلَا إِرَادَتُهُ مِنْهُ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا، أَمَّا جَوَازُهُ مَجَازًا ; فَلَا نِزَاعَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: «قَالُوا» أَيِ: الْمُجَوِّزُونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ احْتَجُّوا عَلَى جَوَازِهِ بِأَنَّهُ قَدْ «وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ كَثِيرًا» ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَبَيَانُ الْوُقُوعِ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مَرْيَمَ: 62] ، وَالسَّلَامُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّغْوِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النِّسَاءِ: 29] ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْأَعْيَانُ، وَالتِّجَارَةُ التَّصَرُّفُ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} .)

ص: 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[اللَّيْلِ: 19، 20] ، وَابْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النِّعْمَةِ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا

عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

إِلَّا أَوَارِيُّ [لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا

وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ]

وَالْأَوَارِيُّ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الطَّوَائِلَ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَحَدٍ.

ص: 593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَقَالَ الْآخَرُ:

يَا لَيْتَنِي وَأَنْتِ يَا لَمِيسُ

فِي بَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ

إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ

ص: 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَالْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ الْأَنِيسِ ; فَبَانَ بِذَلِكَ كُلِّهِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، لِوُقُوعِهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَاللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: قُلْنَا فِي جَوَابِ هَذَا أَنَّهُ «يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ» ، وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ «لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ» مِنْ دَلِيلِ الِامْتِنَاعِ قَاطِعٌ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُحْتَمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ احْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْقَاطِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُحْتَمَلِ، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوْ أَكْثَرَهُ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ.

أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى ; فَلِأَنَّ اللَّغْوَ وَالسَّلَامَ يَجْمَعُهُمَا جِنْسُ الْكَلَامِ ; فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا مِنَ الْجِنْسِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ; فَتَقْدِيرُهَا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمْوَالًا ذَاتَ تِجَارَةٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي تِجَارَةٍ ; فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ مَالٍ مِنْ مَالٍ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ.

وَأَمَّا الثَّالِثَةُ ; فَابْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِ مُسْتَثْنًى مِنْ جِنْسِ الْغَرَضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ ; فَتَقْدِيرُهَا: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي إِنْفَاقِ مَالِهِ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ غَرَضٌ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ ; فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ.

وَأَمَّا الْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ ; فَيَحْصُلُ بِهَا الْأُنْسُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَنِيسِ إِنْ

ص: 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أُرِيدَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَنِيسِ مَا حَصَلَ بِهِ أُنْسٌ ; فَهُوَ جِنْسٌ عَامٌّ دَخَلَ فِيهِ الْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ وَغَيْرُهُمَا، وَلَا إِشْكَالَ.

وَأَمَّا الْأَوَارِيُّ فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ الْأَوَاخِي مِنْ وَتِدٍ أَوْ حَبْلٍ يُدَقُّ فِي الْأَرْضِ وَتُشَدُّ إِلَيْهِ الدَّابَّةُ.

قُلْتُ: فَإِذَنْ هِيَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَهِيَ الدَّوَابُّ ; فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْأَنِيسِ مَجَازًا.

وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُسَمُّونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُنْقَطِعًا، وَيُقَدِّرُونَ إِلَّا فِيهِ بِمَعْنَى لَكِنَّ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ ; لِأَنَّ لَكِنَّ مَوْضُوعَةٌ لَهُ يَسْتَدْرِكُ بِهَا الْمُتَكَلِّمُ خَلَلًا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إِلَّا يُسْتَدْرَكُ بِهَا نَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: «وَجَوَازُ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ عِنْدَ بَعْضِهِمِ اسْتِحْسَانٌ» .

هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَمْنَعُونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَتُجِيزُونَ اسْتِثْنَاءَ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ، وَهُمَا جِنْسَانِ؟ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْخِرَقِيِّ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ رضي الله عنه، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لَمْ يُرَدَّ عَلَيْنَا، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ ; فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ مُسْتَثْنًى عَنِ الدَّلِيلِ.

وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هُمَا أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ، وَقِيَمُ

ص: 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْمُتْلَفَاتِ، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَمَقَاصِدُهُمَا وَاحِدَةٌ ; فَيُنَزَّلَا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا نَصُّ الْخِرَقِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ; فَهَذَا وَجْهُهُ، وَقَدْ صَدَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ أَوْ وَرِقًا مَنْ عَيْنٍ ; فَنَصَّ عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ.

وَيُفِيدُ الْخِلَافُ فِي هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ: إِلَّا شَاةً أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ، بَطَلَ الْإِقْرَارُ عِنْدَنَا، وَصَحَّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَيَلْزَمُهُ مِائَةٌ إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، لِاشْتِرَاكِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي جِنْسِ الْمَالِيَّةِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ جَهَالَةٍ تُزَالُ بِالْوَسَاطَةِ أَوِ الصُّلْحِ.

قُلْتُ: وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ يَصِحُّ إِجْمَاعًا كَاسْتِثْنَاءِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٍ مِنْ دَنَانِيرَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ الْبَعِيدِ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَالِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَمِنْهُ اسْتِثْنَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَقِيقَةً، غَيْرَ أَنَّ صِحَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ لِتَقَارُبِ مَقَاصِدِ النَّقْدَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

- قَوْلُهُ: «وَأَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا إِجْمَاعًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا نَحْوَ: لَهُ

ص: 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا عَشْرَةً، بَطَلَ «إِجْمَاعًا وَفِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ» نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا سِتَّةً، أَوْ: خَمْسَةً - «خِلَافٌ. وَاقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى الْأَقَلِّ» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ، نَحْوِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً، «وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا» .

قَالَ صَاحِبُ «الْمُحَرَّرِ» مِنْ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ دُونَ الْأَكْثَرِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ وَالْأَقَارِيرِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي النِّصْفِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَكْثَرِ أَيْضًا.

قُلْتُ: الْمُصَحِّحُ لِاسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ هُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي آخِرِ أَقْوَالِهِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَقَدِ اسْتَقْبَحَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِثْنَاءَ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَاخْتَارَ هُوَ الْوَقْفَ.

قُلْتُ: مِثَالُ اسْتِثْنَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ: لَهُ سَبْعُونَ إِلَّا عَشَرَةً.

- وَلْنَذْكُرْ تَوْجِيهَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ:

- أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ ; فَلِإِفْضَائِهِ إِلَى الْعَبَثِ وَكَوْنِهِ نَقْضًا كُلِّيًّا

ص: 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لِلْكَلَامِ، وَرُجُوعًا عَنِ الْإِيجَادِ إِلَى الْإِعْدَامِ ; فَعَلَى هَذَا يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَثْنَى، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً، أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا ; لَزِمَهُ عَشَرَةٌ، وَطُلِّقَتْ ثَلَاثًا.

وَأَمَّا وَجْهُ الْخِلَافِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَمَنْ صَحَّحَهُ، احْتَجَّ بِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: قَوْلُهُ سبحانه وتعالى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 وَ 83]، وَقَالَ سبحانه وتعالى فِي آيَةٍ أُخْرَى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الْحِجْرِ: 42] ; فَاسْتَثْنَى فِي الْأُولَى الْعِبَادَ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ.

وَلِتَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ سبحانه وتعالى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عز وجل:{وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الْأَعْرَافِ: 17]، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 63] ، {لَا يُؤْمِنُونَ} [الْبَقَرَةِ: 100] .

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ

ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامَا

ص: 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعِينَ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ; فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ، كَالتَّخْصِيصِ.

- وَمَنْ مَنَعَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، احْتَجَّ بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَوْجِيهِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَإِذَا اتَّجَهَ الْخِلَافُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; كَانَ فِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ أَوْجُهٌ، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ وَالنِّصْفَ وَاسِطَتَانِ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ وَالْمُسْتَغْرَقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَسَائِطَ يَتَّجِهُ فِيهَا الْخِلَافُ لِنُزُوعِهَا بِالشَّبَهِ إِلَى الْأَطْرَافِ.

وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ ; احْتَجَّ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ كَسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ خُولِفَ فِي الْأَقَلِّ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، إِذِ الْمُتَكَلِّمُ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَنْسَى ; فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْرَاكِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، إِذِ الْعَاقِلُ إِنَّمَا يَغْلَطُ فِي الْمِائَةِ بِعَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، أَمَّا غَلَطُهُ بِخَمْسِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَنَادِرٌ جِدًّا، وَمَنْ يَغْلَطُ بِذَلِكَ، لَا يَكَادُ يُعَدُّ عَاقِلًا، بَلْ هُوَ إِمَّا مَجْنُونٌ أَوْ مُغَفَّلٌ، وَإِذَا لَمْ تَدَعُ الْحَاجَةُ إِلَى مَا سِوَى الْأَقَلِّ ; وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ نَصُّوا عَلَى امْتِنَاعِ غَيْرِهِ.

ص: 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ ; لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ كَلَامُهُ عِيًّا وَلُكْنَةً. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: صُمْتُ الشَّهْرَ كُلَّهُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَا يُقَالُ صُمْتُهُ إِلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: لَقِيتُ الْقَوْمَ جَمِيعًا إِلَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: لَقِيتُهُمْ إِلَّا أَكْثَرَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلَا سَوَّغَهُ قِيَاسٌ، كَانَ مَرْدُودًا.

أَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهُوَ الْآيَتَانِ الْكَرِيمَتَانِ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْهَا ; فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الْحِجْرِ: 42] مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ، أَيْ: لَكِنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ هُمْ مَعَكَ فِي جَهَنَّمَ، أَوْ هُمْ مِنْ حِزْبِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا، بِدَلِيلِ قَوْلِ إِبْلِيسَ فِي الْآخِرَةِ:{وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إِبْرَاهِيمَ: 22] .

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ سبحانه وتعالى اسْتَثْنَى فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الْأَقَلُّ، وَفِي الثَّانِيَةِ اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهُمُ الْأَقَلُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 26] ; فَهُمْ غَيرُ غَاوِينَ، وَنِسْبَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ يَسِيرَةٌ فَضْلًا عَنِ الْغَاوِينَ مِنْهُمْ.

ص: 601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قُلْتُ: وَالْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ، وَقَوْلُهُ:{وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [إِبْرَاهِيمَ: 22]، أَيْ: بِالْجَبْرِ وَالْقَهْرِ الْقَدَرِيِّ، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ سبحانه وتعالى، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي سُلْطَانَهُ بِالْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ الْمُثْبَتِ لَهُ بِقَوْلِهِ عز وجل:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} أَيْ: فَلَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ الْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عز وجل: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ} [الْإِسْرَاءِ: 64] .

وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْمُحَاوَرَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ الَّتِي أُخْرِجَ إِبْلِيسُ بِسَبَبِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:{أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الْأَعْرَافِ: 14] ، يَعْنِي بَنِي آدَمَ، {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الْأَعْرَافِ: 15] ، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] . وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ، لَمْ يَصِحَّ ضَمُّ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ الْغَاوُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى بَقِيَّةِ بَنِي آدَمَ قَلِيلًا.

وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّا نَمْنَعُ مِنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ إِذَا صَرَّحَ بِعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ; فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا إِذَا قَالَ: خُذْ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنَ الدَّرَاهِمِ إِلَّا الزُّيُوفَ، وَكَانَتْ أَكْثَرَ، وَالْآيَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، بَلْ قَالَ سبحانه وتعالى:(إِنَّ عِبَادِي) ، وَهُوَ مِقْدَارٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ: لَهُ عِنْدِي مِائَةٌ إِلَّا تِسْعِينَ ; فَهَذَا هُوَ الْمَمْنُوعُ.

ص: 602