الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ» ، أَيْ: بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي حَدِّ الْعَامِّ، وَمَرَاتِبِهِ، وَإِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ، وَدَفْعِ شُبَهِ النُّفَاةِ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَذَلِكَ كَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ لِلْبَابِ ; فَهَاهُنَا مَسَائِلُ كَالْجُزْئِيَّاتِ لَهُ:
«الْأُولَى:
أَقَلُّ الْجَمْعِ
ثَلَاثَةٌ» ، عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا مَالِكًا، «وَحُكِيَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالنُّحَاةِ أَنَّهُ اثْنَانِ» ، وَحَكَاهُ أَيْضًا فِي «الْمَحْصُولِ» عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَحَكَى الْآمِدِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَمَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالثَّانِي عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتِ وَمَالِكٍ وَدَاوُدَ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْغَزَّالِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
«لَنَا» عَلَى الْأَوَّلِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا «عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ» .
أَمَّا فِي التَّكَلُّمِ ; فَلِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَجُلَانِ وَرِجَالٌ، وَأَمَّا فِي التَّصْنِيفِ ; فَلِأَنَّهُ مَا مِنْ كِتَابٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا وَيُوجَدُ فِيهِ بَابُ التَّثْنِيَةِ وَبَابُ الْجَمْعِ، وَأَنَّ رَفْعَ التَّثْنِيَةِ بِالْأَلِفِ وَالنُّونِ، نَحْوَ: الزَّيْدَانِ، وَرَفْعَ الْجَمْعِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، نَحْوَ: الزَّيْدُونَ، وَحَيْثُ أَجْمَعُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، نَحْوَ: ضَرَبَا وَضَرَبُوا، وَيَضْرِبَانِ وَيَضْرِبُونَ، وَضَارِبَانِ، وَضَارِبُونَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَرْقًا نَوْعِيًّا بِمَعْنَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ نَوْعُ جَمْعٍ، لَكِنَّهُ اخْتَصَّ بِمَا أَوْجَبَ إِفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعٌ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَيُفْرَدُ عَنْهُ بِحَدِّهِ وَخَوَاصِّهِ، وَهَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ، هُوَ أَنَّ الْجَوَازَ لَا يَكْفِي فِي الثُّبُوتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي جَوَازِ أَنَّ أَقَلَّ الْجُمَعِ اثْنَانِ، لَكِنْ فِي ثُبُوتِهِ وَوُقُوعِهِ ; فَأَيْنَ دَلِيلُهُ؟ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ مُعَارَضٌ بِجَوَابِهِ وَبِأَدِلَّتِنَا ; فَيَسْقُطُ، وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَهُوَ عَدَمُ دَعْوَاكُمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ، لَجَازَ لَفْتُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; فَلَا يَكُونُ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ أَقَلَّ الشَّيْءِ يَصْدَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ، كَمَا أَنَّ أَقَلَّ الْمَاءِ مَاءٌ، وَأَنَّ أَقَلَّ الْعَدَدِ عَدَدٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْنَى أَقَلِّ الشَّيْءِ أَنَّهُ شَيْءٌ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ ; فَيَكُونُ مُشَارِكًا لِأَكْثَرِ الْجَمْعِ فِي مَاهِيَّةِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ نَعْتِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بِاعْتِبَارِ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَوْ يُخْبَرُ عَنْهُ بِهِ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَؤُلَاءِ رِجَالٌ اثْنَانِ، وَلَا هَذَانِ رَجُلَانِ ثَلَاثَةٌ، وَلَا يُقَالُ: الرِّجَالُ رَجُلَانِ، وَلَا الرَّجُلَانِ رِجَالٌ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا أَقَلَّ الْجَمْعِ ; فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ، لَجَازَ تَأْكِيدُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; فَلَا يَكُونُ الِاثْنَانِ أَقَلَّ الْجَمْعِ. وَتَقْرِيرُ الْمُلَازَمَةِ مَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: قَامَ الرِّجَالُ كِلَاهُمَا، وَلَا قَامَ الرَّجُلَانِ كُلُّهُمْ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّا قَدَّمْنَا فِي اللُّغَاتِ أَنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا: لَيْسَ الرَّجُلَانِ رِجَالًا، وَبِالْعَكْسِ، لَيْسَ الرِّجَالُ رَجُلَيْنِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا حَقِيقَةً، كَمَا أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسَ تَثْنِيَةً حَقِيقِيَّةً ; فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا جَمْعًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ مَنْ يُطْلِقُهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: {هَذَانِ خَصْمَانِ} » ، أَيْ: قَالَ الْمُخَالِفُونَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الْحَجِّ: 19] ، وَخَصْمَانِ مُثَنًّى، وَالضَّمِيرُ فِي اخْتَصَمُوا ضَمِيرُ جَمْعٍ، وَقَدْ رَدَّهُ إِلَى خَصْمَانِ، وَالضَّمِيرُ يَجِبُ أَنْ يُطَابِقَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خَصْمَانِ مُطَابِقٌ لِضَمِيرِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَمْعًا ; فَإِذَنْ خَصْمَانِ جَمْعٌ، وَهُوَ مُثَنًّى ; فَالْمُثَنَّى أَقَلُّ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ إِلَّا الْوَاحِدُ، وَلَيْسَ بِجَمْعٍ بِالْإِجْمَاعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الْحُجُرَاتِ: 9] ; فَرَدَّ إِلَى الْمُثَنَّى ضَمِيرَ الْجَمْعِ، وَالتَّقْرِيرُ مَا سَبَقَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] ، وَكَانَ الْخَصْمُ الْمَذْكُورُ اثْنَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى بَعْدُ:{خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} [ص: 22، 23] وَقَدْ رَدَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ إِلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا سَبَقَ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ عز وجل: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التَّحْرِيمِ: 4] ; فَجَمَعَ الْقَلْبَ، وَالْخِطَابُ لِاثْنَيْنِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا جَمْعٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ عز وجل: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النِّسَاءِ: 11] ; فَأَثْبَتَ لِأُمِّهِ السُّدُسَ مَعَ الْأُخُوَّةِ وَهُمْ جَمْعٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا تُحْجَبُ مِنَ الثُّلْثِ إِلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا جَمْعٌ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ عليه السلام: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُهُ: الِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ فَمَا فَوْقَهُمَا فَأَخْبَرَ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِأَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم، مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الضَّمُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي التَّثْنِيَةِ، إِذِ التَّثْنِيَةُ ضَمُّ اسْمٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَالْجَمْعُ ضَمُّ اسْمٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ نَوْعُ جَمْعٍ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الضَّمُّ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعُ حَيَوَانٍ بِاعْتِبَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْحَيَوَانِيَّةُ ; فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ التَّثْنِيَةَ أَقَلُّ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
أَمَّا عَنِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ; فَبِأَنَّ «الْخَصْمَ وَالطَّائِفَةَ يَقَعَانِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُقَالُ: هَذَا رَجُلٌ خَصْمٌ، وَرَجُلَانِ خَصْمٌ، وَرِجَالٌ خَصْمٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، نَحْوَ: رَجُلٌ ضَيْفٌ، وَرِجَالٌ ضَيْفٌ، وَقَالَ اللَّهُ عز وجل:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التَّوْبَةِ: 122]، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ خَبَرَهُ مَقْبُولٌ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّحْذِيرِ. وَقَالَ اللَّهُ عز وجل:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النُّورِ: 2] ، وَالْمُرَادُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْخَصْمُ وَالطَّائِفَةُ يَقَعَانِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَمْ يَبْقَ فِي الْآيَاتِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ، لِجَوَازِ أَنَّهُمْ فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ، أَوْ يُقَالُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ: إِنَّهُ جَمَعَ ضَمِيرَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِمَا ; لِأَنَّ الطَّائِفَةَ غَالِبًا تُطْلَقُ عَلَى أَفْرَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ ; فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَثَنَّاهُمَا بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي:{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} [الْحَجِّ: 19] ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَمِّهِ حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ بَارَزُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَخَاهُ وَابْنَهُ الْوَلِيدَ يَوْمَ بَدْرٍ ; فَكُلُّ خَصْمٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَةٌ ; فَهُمَا جَمِيعًا سِتَّةٌ ; فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، وَهِيَ سِتَّةٌ، وَتَثْنِيَةُ الْخَصْمِ بِاعْتِبَارِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمُوا فِيهِمَا.
وَأَمَّا عَنِ الرَّابِعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عز وجل:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التَّحْرِيمِ: 4] فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الَّذِي فِي «الْمُخْتَصَرِ» -: أَنَّ هَذِهِ تَثْنِيَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، أَيْ: هِيَ تَثْنِيَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ جَمْعًا فِي اللَّفْظِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: لَفْظِيَّةٌ: وَهِيَ إِلْحَاقُ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَلِفًا وَنُونًا لِيَدُلَّا عَلَى أَنَّ مَعَهُ مِثْلَهُ، نَحْوَ: زَيْدَانِ وَهِنْدَانِ وَمُسْلِمَانِ وَمُسْلِمَتَانِ، وَمَعْنَوِيَّةٌ: وَهُوَ مَا أُضِيفَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى اثْنَيْنِ ; فَيَجْتَمِعُ فِيهِ تَثْنِيَتَانِ ; فَيُسْتَثْقَلُ ; فَيُرَدُّ إِلَى الْجَمْعِ تَخْفِيفًا مِثْلُ: قُلُوبِهِمَا، وَرُؤُوسِهِمَا وَظُهُورِهِمَا، وَبُطُونِهِمَا، إِذْ تَثْنِيَتُهُ اللَّفْظِيَّةُ: قَلْبَاهُمَا وَرَأْسَاهُمَا، وَظَهْرَاهُمَا وَبَطْنَاهُمَا، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى أَصْلِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
ظَهَرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ.
فَجَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: ذِكْرُهُ فِي الْمَعَالِمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَيْلِ الْحَاصِلِ فِي الْقَلْبِ ; فَيُقَالُ لِلْمُنَافِقِ: إِنَّهُ ذُو قَلْبَيْنِ، وَالْمُؤْمِنُ لَهُ قَلْبٌ وَاحِدٌ، وَلِسَانٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا سَائِغًا، وَجَبَ حَمْلُ الْقُلُوبِ عَلَى الْإِرَادَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ، كَمَا سُمِّيَ الْعَقْلُ قَلْبًا ; لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ فِي قَوْلِهِ عز وجل:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] .
قُلْتُ: وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التَّحْرِيمِ: 4]، قَالَ: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا.
قُلْتُ: وَالصَّغْوُ: الْمَيْلُ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ لِتَقَلُّبِ الْقَلْبِ مَرَّةً كَذَا، وَمَرَّةً كَذَا وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ. وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إِلَّا لِأُنْسِهِ
…
وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
وَأَمَّا عَنِ الْخَامِسِ: وَهُوَ أَنَّ الْإِخْوَةَ جَمْعٌ وَقَدْ حُجِبَتِ الْأُمُّ إِلَى السُّدُسِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِاثْنَيْنِ ; فَبِأَنْ نَقُولَ: لَوْلَا الْإِجْمَاعُ، لَاعْتُبِرَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ ثَلَاثَةٌ، كَمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ رضي الله عنهم: لِمَ حَجَبْتَ الْأُمَّ بِالِاثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النِّسَاءِ: 11]، وَلَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً فِي لِسَانِكَ وَلَا لِسَانِ قَوْمِكَ؟ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَا أَنْقُضُ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ، وَمَضَى فِي الْأَمْصَارِ. فَاحْتَجَّ عُثْمَانُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا مَنَعَ أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إِخْوَةً، وَلَوْ كَانَا إِخْوَةً فِي اللُّغَةِ وَلَوْ لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ وَإِنْ شَذُّوا، لَرَدَّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ لَهُ: بَلَى، الْأَخَوَانِ إِخْوَةٌ فِي لِسَانِي أَوْ لِسَانِ بَنِي فُلَانٍ حَمْلًا لِلْقُرْآنِ عَلَى ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ مَا أَمْكَنَ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْإِجْمَاعِ، دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إِخْوَةً فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَيْسَتْ جَمْعًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا عَنِ السَّادِسِ ; فَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ فِي حُصُولِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ الَّتِي بُعِثَ لِبَيَانِهَا لَا اللُّغَاتِ الَّتِي عُرِفَتْ مِنْ غَيْرِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا عَنِ السَّابِعِ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مَعْنَى الْجَمْعِ الضَّمُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي التَّثْنِيَةِ - فَبِأَنَّ هَذَا «قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ أَوْ طَرْدٌ لِلِاشْتِقَاقِ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ» ، أَمَّا كَوْنُهُ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ ; فَلِأَنَّكُمْ حَكَمْتُمْ عَلَى التَّثْنِيَةِ بِأَنَّهَا جَمْعٌ بِجَامِعِ الضَّمِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ طَرْدًا لِلِاشْتِقَاقِ ; فَلِأَنَّكُمْ لَمَّا بَيَّنْتُمْ أَنَّ الْجَمْعَ هُوَ الضَّمُّ، طَرَدْتُمْ مَعْنَاهُ ; فَأَطْلَقْتُمُ الْجَمْعَ حَيْثُ وُجِدَ الضَّمُّ. وَأَمَّا كَوْنُهُمَا مَمْنُوعَيْنِ: أَمَّا الْقِيَاسُ فَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ، لَكِنَّا رَجَّحْنَا جَوَازَهُ فِي اللُّغَةِ ; فَلَا يَصِحُّ مِنَّا هَاهُنَا مَنْعُهُ. وَلَكِنَّ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقِيَاسُ هَاهُنَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ فِي تَسْمِيَةِ الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ هِيَ الضَّمُّ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ ضَمٌّ خَاصٌّ، وَهُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ. وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ قِيَاسُ التَّثْنِيَةِ عَلَيْهِ، أَوْ يَبْقَى قِيَاسًا شَبَهِيًّا ضَعِيفًا لَا يُعْبَأُ بِهِ. وَأَمَّا طَرْدُ الِاشْتِقَاقِ، فَإِنَّ الِاشْتِقَاقَ يُلَاحَظُ فِيهِ خُصُوصِيَّةُ الْمَحَلِّ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ. وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ طَرْدُهُ، وَإِلَّا لَصَحَّ أَنْ يُسَمَّى الْجَمَلُ ضَيْغَمًا، وَكُلُّ مُدْبِرٍ دَبَرَانًا، وَكُلُّ مُسْتَقَرٍّ لِشَيْءٍ قَارُورَةً، لِوُجُودِ الضَّيْغَمِ، وَالْإِدْبَارِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ عُلِّقَ عَلَى جَمْعٍ ; فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ أَصُومَ أَيَّامًا، أَوْ أُصَلِّيَ رَكَعَاتٍ، أَوْ أَعْتِقَ عَبِيدًا أَوْ إِمَاءً، أَوْ أَتَوَضَّأَ مَرَّاتٍ، أَوْ أَتَمَضْمَضَ بِغَرَفَاتٍ، أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَتَزَوَّجَنَّ زَوْجَاتٍ، أَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: طَلِّقْنِي عَلَى دَرَاهِمَ، أَوِ اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنَ الدَّرَاهِمِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ، أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَاتٍ، أَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِدَرَاهِمَ أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَنَانِيرَ مُطْلَقَةٍ، وَتَعَذَّرَ الْبَيَانُ مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِثَلَاثَةٍ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ خَارِجٌ عَلَى مِقْدَارٍ مِنَ الْعَدَدِ مُعَيَّنٍ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْخَصْمِ يَكْفِيهِ اثْنَانِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ فِيمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِعُمُومِهِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
لَنَا: الْحُجَّةُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ لَا فِي سَبَبِهِ، وَأَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ وَرَدَتْ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ، كَالظِّهَارِ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَاللِّعَانِ فِي شَأْنِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ.
قَالُوا: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ، وَلَمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ. وَلَمَا أَخَّرَ بَيَانَ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِهِ، وَلِأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ ; فَتَجِبُ مُطَابَقَتُهُ لَهُ.
قُلْنَا: السَّبَبُ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ ; فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ، وَفَائِدَةُ نَقْلِ السَّبَبِ بَيَانُ أَخَصِيَّتِهِ بِالْحُكْمِ، وَمَعْرِفَةُ تَارِيخِهِ بِمَعْرِفَةِ تَارِيخِهِ، وَتَوْسِعَةُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ. وَالتَّأَسِّي بِوَقَائِعِ السَّلَفِ، وَتَأْثِيرُ نَقْلِهِ شُبْهَةٌ فِي وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ. وَهُوَ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ، وَتَخْفِيفٌ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَتَأْخِيرُ بَيَانِ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ ; فَلَا يُعَلَّلُ، كَتَخْصِيصِ وَقْتِ إِيجَادِ الْعَالِمِ بِهِ، وَإِلَّا انْتَقَضَ بِالْأَحْكَامِ الِابْتِدَائِيَّةِ الْخَالِيَةِ عَنْ أَسْبَابٍ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِوَقْتٍ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
وَالْوَاجِبُ تَنَاوُلُ الْجَوَابِ مَحَلِّ السُّؤَالِ، وَالسَّبَبِ، لَا الْمُطَابَقَةِ الْمَدْعَاةِ إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّارِعُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَحَلِّ السَّبَبِ تَمْهِيدَ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ تَقْرِيرَهُ. كَمَا إِذَا قِيلَ: زَنَى أَوْ سَرَقَ فُلَانٌ ; فَقَالَ: مَنْ زَنَى فَارْجُمُوهُ، وَمَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ فِيمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِعُمُومِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» .
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي «التَّنْقِيحِ» أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا كَانَ مُسْتَقِلًّا دُونَ سَبَبِهِ ; فَهُوَ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمُومِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ، وَعَنْ مَالِكٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبٍ:
يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ.
لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ.
الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ ; فَالْمُسْتَقِلُّ لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ كَقِصَّةِ عُوَيْمِرٍ حَيْثُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ; فَنَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النُّورِ: 6] الْآيَةَ، وَغَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ يَخْتَصُّ، كَقَوْلِهِ عليه السلام: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ: قَالَ: فَلَا إِذَنْ. فَقَوْلُهُ: لَا إِذَنْ. كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ ; فَيَجِبُ ضَمُّهُ إِلَى السُّؤَالِ، وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ ; لِأَنَّهُ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ. هَكَذَا فَهِمْتُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْتُ مِنْهَا مُضْطَرِبًا. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ تَفْصِيلًا كَثِيرًا.
وَلْنَرْجِعْ إِلَى ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا يَخْتَصُّ بِهِ مُطْلَقًا وَجْهَانِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ لَا فِي سَبَبِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَجَبَ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ عُمُومًا وَخُصُوصًا كَمَا لَوْ وَرَدَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ ; فَلَوْ سَأَلَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ ; فَقَالَ: كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ، عَمَّهُنَّ الطَّلَاقُ مَعَ خُصُوصِ السَّبَبِ. وَلَوْ سَأَلَهُ جَمِيعُ نِسَائِهِ الطَّلَاقَ ; فَقَالَ: فُلَانَةٌ طَالِقٌ، اخْتَصَّ الطَّلَاقُ بِهَا وَإِنَّ عَمَّ السَّبَبُ، وَكَذَا لَوْ قِيلَ: سَرَقَ زَيْدٌ ; فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ، عَمَّ الْقَطْعُ مَعَ خُصُوصِ سَبَبِهِ، وَلَوْ قِيلَ: سَرَقَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ ; فَقَالَ: اقْطَعُوا سَارِقَ نِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ، لَاخْتَصَّ الْقَطْعُ بِهِ مَعَ أَنَّ سَبَبَهُ أَعَمُّ ; فَدَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَ اللَّفْظِ عُمُومًا وَخُصُوصًا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ وَرَدَتْ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ كَوُرُودِ حُكْمِ الظِّهَارِ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَحُكْمِ اللِّعَانِ فِي شَأْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ» ; فَلَوْ كَانَ السَّبَبُ الْخَاصُّ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْعَامِّ بِهِ، لَمَا عَمَّتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَمَّتْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَاللَّفْظُ الْعَامُّ صَالِحٌ لِلتَّعْمِيمِ ; فَتَجِبُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعَامِّ بِسَبَبِهِ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ الْخَاصِّ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ، أَيْ: إِخْرَاجُ السَّبَبِ بِالتَّخْصِيصِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَمَا نَقَلَ الرَّاوِي السَّبَبَ ; لِأَنَّ نَقْلَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَقْلِهِ وَعَدَمِ نَقْلِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي عُمُومِ الْحُكْمِ، لَكِنْ لَمَّا نَقَلَ الرُّوَاةُ أَسْبَابَ الْأَحْكَامِ، وَحَافَظُوا عَلَى نَقْلِهَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَمَا أَخَّرَ بَيَانَ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ، بَلْ كَانَ يَكُونُ تَقْدِيمُ بَيَانِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُقُوعِ سَبَبِهِ أَوْلَى، لِيُصَادِفَ السَّبَبُ عِنْدَ وُقُوعِهِ حُكْمًا مُبَيَّنًا مُسْتَقِرًّا، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ تَأَخَّرَ إِلَى حِينِ وُقُوعِ سَبَبِهِ ; فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ جَوَابٌ لَهُ، وَجَوَابُ السُّؤَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِمَحَلِّ السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَجَازَ إِخْرَاجُهُ بِالتَّخْصِيصِ ; فَبِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ أَنَّ «السَّبَبَ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ» ، لِاقْتِضَائِهِ لَهُ «فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ» ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، كَانَ قَذْفُهُ لَهَا سَبَبًا لِنُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ، وَلَهُ بِهَا اخْتِصَاصُ السَّبَبِ بِالْمُسَبَّبِ ; فَلَوْ قِيلَ: لَا تُلَاعِنْ أَنْتَ وَلْيُلَاعِنْ غَيْرُكَ مِنَ النَّاسِ ; لَتَعَطَّلَتْ قَضِيَّتُهُ مَعَ أَنَّهَا سَبَبُ وُرُودِ الْحُكْمِ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ.
وَالْمُخْتَارُ فِي الْجَوَابِ: الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْتِزَامُ جَوَازِ تَخْصِيصِ مَحَلِّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السَّبَبِ إِذَا قَامَ دَلِيلُهُ، إِذِ التَّخْصِيصُ إِنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلٍ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَحُكْمَ الظِّهَارِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حُقِّ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، لَجَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَتَعَطُّلُ قَضِيَّتِهِمَا غَيْرُ لَازِمٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ فِيهِمَا بِحُكْمٍ غَيْرِ اللِّعَانِ وَالظِّهَارِ، بِحَسَبِ مَا يَرِدُ بِهِ أَمْرُ الشَّرْعِ. وَلَوْ سَلَّمْنَا تَعَطُّلُ قَضِيَّتِهِمَا مِنْ حُكْمٍ، لَمْ يَمْتَنِعْ لِجَوَازِ رَدِّهِمَا فِي ذَلِكَ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ - ; فَبِأَنْ نَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَقْلَ السَّبَبِ لَا فَائِدَةَ لَهُ، بَلْ لَهُ فَوَائِدُ:
مِنْهَا: بَيَانُ أَخَصِيَّةِ السَّبَبِ بِالْحُكْمِ، أَيْ: أَنَّ السَّبَبَ أَخَصُّ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ صُوَرِهِ ; فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ.
وَمِنْهَا: مَعْرِفَةُ تَارِيخِ الْحُكْمِ بِمَعْرِفَةِ سَبَبِهِ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: قَذَفَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ فِي سَنَةِ كَذَا ; فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ ; فَيُعْرَفُ تَارِيخُهَا بِذَلِكَ، وَفِي مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ فَائِدَةُ مُعَرَّفَةِ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: تَوْسِعَةُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا ; فَيَكْثُرُ ثَوَابُ الْمُصَنِّفِينَ، كَالَّذِينِ صَنَّفُوا أَسْبَابَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَالْمُجْتَهِدِينَ بِسَعَةِ مَحَلِّ اجْتِهَادِهِمْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: التَّأَسِّي بِوَقَائِعِ السَّلَفِ وَمَا جَرَى لَهُمْ ; فَيَخِفُّ حُكْمُ الْمَكَارِهِ عَلَى النَّاسِ، كَمَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فَلَاعَنَهَا ; فَهُوَ يَتَأَسَّى بِمَا جَرَى لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ فِي ذَلِكَ، وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنِّي، وَقَدْ جَرَى لَهُمْ هَذَا ; فَلِي أُسْوَةٌ بِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ نَقْلَ السَّبَبِ يُؤَثِّرُ شُبْهَةً فِي وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْقَلِ السَّبَبُ، لَمَا اتَّسَعَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَدَّعِيَ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ، وَهُوَ، يَعْنِي الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ، رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ وَتَخْفِيفٌ، لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهَا مِنْ نَقْلِ السَّبَبِ، وَإِذَا كَانَ لِنَقْلِهِ هَذِهِ الْفَوَائِدُ، لَمْ يَصِحَّ قَوْلُكُمْ: إِنَّ نَقْلَهُ عَدِيمُ الْفَائِدَةِ، لَوْلَا اخْتِصَاصُهُ بِسَبَبِهِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَقْلِهِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِهِ.
وَأَمَّا عَنْ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَمَا تَأَخَّرَ بَيَانُ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِهِ ; فَبِأَنْ نَقُولَ: تَأْخِيرُ بَيَانِ الْحُكْمِ إِلَى وُقُوعِ السَّبَبِ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ، أَيْ: مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ، وَتَعَلُّقُ الْأَزَلِيِّ بِالشَّيْءِ لَا يُعَلَّلُ، كَتَخْصِيصِ وَقْتِ إِيجَادِ الْعَالِمِ بِهِ ; فَلَا يُقَالُ: لِمَ تَأَخَّرَ بَيَانُ اللِّعَانِ إِلَى وَقْتِ قَذْفِ هَذَا الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يَرِدْ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَا لَا يُقَالُ: لِمَ أَوْجَدَ اللَّهُ عز وجل هَذَا الْعَالَمَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي أَوْجَدَهُ فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟
وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِتَخْصِيصِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ، نَحْوَ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا طَوِيلًا وَهَذَا قَصِيرًا، وَكَانَ هَذَا الْجَبَلُ هَاهُنَا وَلَمْ يَكُنْ هَاهُنَا؟ . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ عَلَى اللَّهِ عز وجل وَصِفَاتِهِ، وَاعْتِرَاضٌ غَيْرُ جَائِزٍ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا انْتَقَضَ بِالْأَحْكَامِ الِابْتِدَائِيَّةِ الْخَالِيَةِ عَنْ أَسْبَابٍ» ، أَيْ: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ اخْتَصَّ وُرُودُ هَذَا الْحُكْمِ بِوَقْتِ وُقُوعِ هَذَا السَّبَبِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ؟ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ ابْتِدَاءً لَا عَلَى سَبَبٍ: لِمَ وَرَدَ الْآنَ دُونَ مَا قَبْلَهُ؟ فَكَأَنْ يُقَالُ: لِمَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ سَنَةَ دُونَ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ ; فَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنِ الْحُكْمِ السَّبَبِيِّ لِمَ اخْتَصَّ بِوَقْتِ سَبَبِهِ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا عَنِ الرَّابِعِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ جَوَابُ سُؤَالٍ فَتَجِبُ مُطَابَقَتُهُ لَهُ ; فَبِأَنْ نَقُولَ: إِنْ عَنَيْتُمْ بِمُطَابَقَةِ الْحُكْمِ سَبَبَهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَا أَخَصَّ ; فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْمُطَابَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُتَنَاوِلًا مَحَلَّ السُّؤَالِ وَالسَّبَبَ ; فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَوَابِ أَعَمَّ مِنْ سَبَبِهِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ الشَّارِعُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَحَلِّ السَّبَبِ تَمْهِيدَ الْحُكْمِ وَتَقْرِيرَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا إِذَا قِيلَ:«زَنَى فُلَانٌ أَوْ سَرَقَ فُلَانٌ ; فَقَالَ: مَنْ زَنَى ; فَارْجُمُوهُ، وَمَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ» ، فَإِنَّ فُلَانًا قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ مَنْ، وَتَنَاوَلَهُ الْجَوَابُ، وَلَمْ يُنَافِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ حُكْمِ الْقَطْعِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الثَّالِثَةُ: نَحْوُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ، يَعُمُّ، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
لَنَا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ عَلَى التَّمَسُّكِ فِي الْوَقَائِعِ بِعُمُومِ مِثْلِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَتَرْخِيصًا. وَهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ.
قَالُوا: قَضَايَا أَعْيَانٍ فَلَا تَعُمُّ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ خَاصٌّ فَوَهَمَ الرَّاوِي، وَالْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ، لَا فِي لَفْظِ الْحَاكِي.
قُلْنَا: قَضَايَا الْأَعْيَانِ تَعُمُّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِحُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَهْمِ. وَالْحُجَّةُ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا سَبَقَ. وَلَا احْتِمَالَ لِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلِأَصَالَةِ عَدَمِهِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: نَحْوُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ يَعُمُّ خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، أَيْ: قَوْلُ الرَّاوِي: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ كَذَا، وَقَضَى بِكَذَا، يَقْتَضِي الْعُمُومَ، أَيْ: يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْعُمُومِ فِي أَمْثَالِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْمَحْكِيَّةِ، نَحْوُ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ، وَحَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّينِ، وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ ; فِيمَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ، وَاخْتَارَ هُوَ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهَا فِي الْعُمُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم وَغَيْرَهُمْ مِنَ السَّلَفِ أَجْمَعُوا عَلَى التَّمَسُّكِ فِي الْوَقَائِعِ بِعُمُومِ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْخِيصِ، نَحْوُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ، وَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنهما: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَأَخَذُوا بِحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. وَبِحَدِيثِ زَيْدٍ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي الْعَرَايَا. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَإِجْمَاعُهُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ فِي الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: قَضَايَا أَعْيَانٍ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ مَنْ مَنَعَ الْعُمُومَ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذِهِ قَضَايَا أَعْيَانٍ، أَيْ: قَضَايَا وَأَحْكَامٌ وَقَعَتْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي مَحَالٍّ مُعَيَّنَةٍ ; فَحَكَاهَا الرُّوَاةُ عَنْهُ ; فَلَا عُمُومَ فِي لَفْظِهَا، وَلَا فِي مَعْنَاهَا ; فَلَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ، ثُمَّ إِنَّ الْخِطَابَ، أَوِ الْحُكْمَ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خاصًا بِشَخْصٍ ; فَوَهَمَ الرَّاوِي ; فَظَنَّ أَنَّهُ عَامٌّ، كَمَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، جَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَتَيْنِ، وَلَمْ يَجُزْ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْعُمُومِ، وَإِذَا احْتَمَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ يَصِحَّ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْعُمُومِ مَعَ تَعَارُضِ الِاحْتِمَالِ، وَلِأَنَّ الْحُجَّةَ لَيْسَتْ فِي لَفْظِ الْحَاكِي وَهُوَ الرَّاوِي، إِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ فِعْلُهُ، نَحْوُ: أَمَرَ وَقَضَى وَحَكَمَ، وَذَلِكَ لَا عُمُومَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ ذَلِكَ يَصْدُقُ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، أَيْ: يَصِحُّ فِيمَنْ أَمَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنْ يُقَالَ: أَمَرَ، وَفِيمَنْ حَكَمَ مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ قَضَى مَرَّةً وَاحِدَةً أَنْ يُقَالَ: حَكَمَ، وَقَضَى، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمْ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُكُمْ: قَضَايَا أَعْيَانٍ ; فَلَا تَعُمُّ، «قُلْنَا: قَضَايَا الْأَعْيَانِ تَعُمُّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ» ، مِنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا فِي الْعُمُومِ، وَبِقَوْلِهِ عليه السلام: حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ.
وَقَوْلُكُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِطَابَ خَاصٌّ ; فَوَهَمَ الرَّاوِي ; فَظَنَّهُ عَامًّا.
قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ الْوَهْمِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ الْعَارِفِ بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ لَا يَنْقِلُ مَا يُشْعِرُ بِالْعُمُومِ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِوُجُودِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُدَلِّسًا مُلَبِّسًا فِي الدِّينِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ جِدًّا وَبِهَذَا يَسْقُطُ قَوْلُهُمْ: الْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ لَا فِي لَفْظِ الْحَاكِي، بَلِ الْحُجَّةُ فِي عُمُومِ لَفْظِ الْحَاكِي كَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
قُلْتُ: لَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: عُمُومُ اللَّفْظِ مُعْتَبَرٌ إِذَا كَانَ لَفْظُ الشَّارِعِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ لَفْظُ الْحَاكِي عَنِ الشَّارِعِ، وَهُوَ فَرْقٌ صَحِيحٌ ; فَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ عُمُومَ لَفْظِ الْحَاكِي مُعْتَبَرٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فَهِمَ الْعُمُومَ، وَإِلَّا كَانَ مُلَبِّسًا.
قَوْلُهُ: «وَلَا احْتِمَالَ» أَيْ: لَيْسَ هَاهُنَا احْتِمَالٌ لَا فِي فَهْمِ الرَّاوِي الْعُمُومَ مِنَ الْخِطَابِ الْخَاصِّ وَلَا فِي لَفْظِهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْإِجْمَاعُ الْمَذْكُورُ مِنَ السَّلَفِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ فِي الْعُمُومِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الِاحْتِمَالَ، أَوْ يَنْفِي كَوْنَهُ مُعْتَبَرًا، وَإِلَّا وَقَعَ الْخَطَأُ فِي الْإِجْمَاعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاحْتِمَالِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَلَا احْتِمَالَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلِأَصَالَةِ عَدَمِهِ» ، أَيْ: عَدَمِ الِاحْتِمَالِ.
قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الْبَحْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ النِّزَاعَ فِيهَا لَفْظِيٌّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَانِعَ لِلْعُمُومِ يَنْفِي عُمُومَ لَفْظِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ، نَحْوِ: أَمَرَ وَقَضَى وَحَكَمَ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا تَقَرَّرَ، وَالْمُثْبِتُ لِلْعُمُومِ يُثْبِتُهُ فِيهَا مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ، وَهُوَ إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا، وَقَوْلُهُ عليه السلام: حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ. فَظَهَرَ أَنَّ دَلِيلَ الْخَصْمَيْنِ لَيْسَ مُتَوَارِدًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّعْمِيمَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَاصِلٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ فِي. . .
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَدْ حَكَمَ بِحُكْمٍ، أَوْ قَضَى بِقَضَاءٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ حَدَثَتْ لَنَا وَاقِعَةٌ مِثْلُهَا سَوَاءً، قُلْنَا: الْحُكْمُ فِيهَا كَذَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، حَكَمَ بِهِ فِي وَاقِعَةِ كَذَا، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ مِثْلُهَا ; فَلْيَكُنِ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ قَضَاؤُهُ عليه السلام بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: هَذَا الْحُكْمُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَنَظَائِرِهَا، أَوْ كُلَّمَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ ; فَاحْكُمُوا فِيهَا بِهَذَا الْحُكْمِ ; فَهَذَا بِعِيدٌ جِدًّا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الرَّابِعَةُ: خِطَابُ النَّاسِ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْأُمَّةِ، وَالْمُكَلَّفِينَ يَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ. وَخُرُوجُهُ عَنْ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِعَارِضٍ، كَالْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالْحَائِضِ. وَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي خِطَابِ النَّاسِ، وَمَا لَا مُخَصِّصَ لِأَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ فِيهِ، كَأَدَوَاتِ الشَّرْطِ دُونَ مَا يَخُصُّ غَيْرَهُنَّ، كَالرِّجَالِ وَالذُّكُورِ. أَمَّا نَحْوُ: الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [الْبَقَرَةِ: 187] ; فَلَا يَدْخُلْنَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَابْنِ دَاوُدَ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ أَرَادُوا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ أَوْ قَرِينَةٍ فَاتِّفَاقٌ. وَإِلَّا فَالْحَقُّ الْأَوَّلُ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِاخْتِصَاصِ الذُّكُورِ بِهَذِهِ الصِّيَغِ لُغَةً، وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ:«يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الرِّجَالِ، ذُكِرُوا وَلَمْ تُذْكَرِ النِّسَاءُ ; فَنَزَلَ:» {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الْأَحْزَابِ: 35] ; فَفَهِمَتْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِلَّا لَمَا سَأَلَتْ، وَلَكَانَ (وَالْمُسْلِمَاتِ) وَنَحْوُهُ تَكْرَارًا.
قَالُوا: مَتَى اجْتَمَعَا، غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ. وَلَوْ أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُمْ، دَخَلْنَ، وَأَكْثَرُ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْقَبِيلَيْنِ بِالصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ.
قُلْنَا: بِقَرَائِنَ، لِشَرَفِ الذُّكُورِيَّةِ، وَالْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: خِطَابُ النَّاسِ "، أَيِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ مُضَافًا إِلَى النَّاسِ " وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْأُمَّةِ وَالْمُكَلَّفِينَ " نَحْوُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الْبَقَرَةِ: 21]، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النُّورِ: 31] ، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ، أَيْ: يَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، أَيْ: مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ وَالْمُكَلَّفِينَ.
" وَخُرُوجُهُ عَنْ بَعْضِ الْأَحْكَامِ "، كَوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ إِنَّمَا هُوَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، وَهُوَ فَقْرُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، " كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ "، يَتَنَاوَلُهُمُ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ، وَيَخْرُجُونَ عَنْ بَعْضِ الْأَحْكَامِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ، وَوُجُوبِ الصَّوْمِ، وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمَرِيضِ لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَهُوَ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَالْحَيْضُ.
" وَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي خِطَابِ النَّاسِ، وَمَا لَا مُخَصِّصَ لِأَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ ": يَعْنِي الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ; " فِيهِ كَأَدَوَاتِ الشَّرْطِ "، نَحْوُ: مَنْ رَأَيْتَ ; فَأَكْرِمْهُ ; فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ " دُونَ مَا يَخُصُّ غَيْرَهُنَّ كَالرِّجَالِ وَالذُّكُورِ " فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ ; لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ رِجَالًا وَلَا ذُكُورًا.
" أَمَّا نَحْوُ الْمُسْلِمِينَ "، وَالْمُؤْمِنِينَ، " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ; فَلَا يَدْخُلْنَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرِينَ "، مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ، " خِلَافًا لِلْقَاضِي " أَبِي يَعْلَى، " وَابْنِ دَاوُدَ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ " حَيْثُ قَالُوا: يَدْخُلْنَ فِيهِ.
قُلْتُ: تَلْخِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ظَاهِرٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَأَزِيدُهُ ظُهُورًا بِأَنْ أَقُولَ: مَا اخْتَصَّ بِأَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ مِنَ الْأَلْفَاظِ لَا يَتَنَاوَلُ الْآخَرَ، كَالرِّجَالِ وَالذُّكُورِ وَالْفِتْيَانِ وَالْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ لَا يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ، وَالنِّسَاءِ وَالْإِنَاثِ وَالْفَتَيَاتِ وَالْعَجَائِزِ لَا يَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ، وَمَا وُضِعَ لِعُمُومِ الْقَبِيلَيْنِ، دَخَلَا فِيهِ، نَحْوُ: النَّاسِ وَالْبَشَرِ وَالْإِنْسَانِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ النَّوْعُ أَوِ الشَّخْصُ وَوَلَدُ آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ، نَحْوُ:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فُصِّلَتْ: 46] ، وَمَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
أَمَّا قَوْلُهُ عز وجل: {يَابَنِي آدَمَ} [الْأَعْرَافِ: 26] ; فَهُوَ فِي الْوَضْعِ لِلذُّكُورِ، لَكِنْ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ عَادَةً، وَكَذَا لَوْ وَصَّى لِبَنِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَمِيمٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الْقَبَائِلِ الْكِبَارِ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ بَنِي زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو مِمَّنْ لَيْسَ أَبًا لِقَبِيلَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه السلام: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. فَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِلذُّكُورِ ; لِأَنَّ الشَّابَّ يُجْمَعُ عَلَى شُبَّانٍ وَشَبَابٍ، وَفِي الْمُؤَنَّثِ يُقَالُ: شَابَّةٌ وَشَابَّاتٌ ; فَهُوَ كَمُسْلِمٍ وَمُسْلِمَاتٍ. نَعَمْ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ أَنَّ شَهْوَةَ النِّكَاحِ غَرِيزَةٌ فِي الْقَبِيلَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُحْتَاجٌ إِلَى قَضَائِهَا.
وَأَمَّا جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ وَضَمِيرُ الْجَمْعِ الْمُتَّصِلُ بِالْفِعْلِ، نَحْوُ: الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَقَامُوا وَقَعَدُوا، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ; فَفِيهِ النِّزَاعُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: " فَإِنْ أَرَادُوا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ أَوْ قَرِينَةٍ ; فَاتِّفَاقٌ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ الْأَوَّلُ "، أَيْ: إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّ الْإِنَاثَ يَدْخُلْنَ فِي لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أَوْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِنَّ ; فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْكُلِّ ; لِأَنَّ خِلَافَ وَضْعِ اللَّفْظِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُنَّ يَدْخُلْنَ فِيهِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَضْعًا ; فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: " لَنَا " أَيْ: عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: " الْقَطْعُ بِاخْتِصَاصِ الذُّكُورِ بِهَذِهِ الصِّيَغِ لُغَةً "، وَاخْتِصَاصِ الْإِنَاثِ بِغَيْرِهَا، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ ; فَيُقَالُ: مُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا فِي الْمُذَكَّرِ، وَكُلْنَ وَاشْرَبْنَ فِي الْمُؤَنَّثِ، وَقَالُوا: جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ نَحْوُ: مُؤْمِنُونَ، وَجَمْعُ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمُ نَحْوُ: مُؤْمِنَاتٍ، وَإِذَا عُبِّرَ عَنْ كُلِّ قَبِيلٍ بِصِيغَةٍ، لَمْ يَتَنَاوَلْ صِيغَةَ الْآخَرِ ; فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّصْنِيفِ حَيْثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا جَمْعًا كَمَا سَبَقَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: " قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الرِّجَالِ ذُكِرُوا وَلَمْ تُذْكَرِ النِّسَاءُ؟ فَنَزَلَ:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الْأَحْزَابِ: 35] ، إِلَى آخِرِهِ. هَكَذَا وَقَعَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ; فَلَعَلَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى أَوْ بَعْضِ أَلْفَاظ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَدِيثِ وَالَّذِي رَوَى التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَهَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النِّسَاءِ: 32]، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} الْآيَةَ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ; فَقَالَتْ: مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا لِلرِّجَالِ، وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} الْآيَةَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَدْ فَهِمَتْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ، إِذْ لَوْ تَنَاوَلَهُنَّ، لَمَا سَأَلَتْ، إِذْ كَانَ يَكُونُ سُؤَالُهَا خَطَأً ; فَلَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ جَوَابًا، لَكِنَّهَا قَدْ أُجِيبَتْ بِنُزُولِ الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فَهِمَتْ عَدَمَ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا فَهِمَتْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ فِي لَفْظِ الرِّجَالِ حَيْثُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ. وَقَالَتْ أُمُّ عُمَارَةَ رضي الله عنها: مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا لِلرِّجَالِ. وَعَدَمُ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي لَفْظِ الرِّجَالِ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي دُخُولِهِنَّ فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجِهَادَ ثَبَتَ وَجُوبُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التَّوْبَةِ: 123]، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَبِقَوْلِهِ عز وجل:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الْحَجِّ: 78]، {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [التَّوْبَةِ: 29] ، اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَةِ: 5] ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَنَازَعِ فِي تَنَاوُلِهَا النِّسَاءَ، ثُمَّ إِنَّ سُؤَالَهَا الْمَذْكُورَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا فَهِمَتْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ فِيهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا لَفْظُ الرِّجَالِ ; فَهُوَ مِنْ كَلَامِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ عُمَارَةَ، وَالْكَلَامُ فِي تَنَاوُلِ لَفْظِ الشَّارِعِ لِلنِّسَاءِ لَا لَفْظِ غَيْرِهِ، بَلْ قَوْلُهَا:" يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ "، قَاطِعٌ فِي أَنَّهَا فَهِمَتِ اخْتِصَاصَ الرِّجَالِ بِنَحْوِ: جَاهِدُوا وَقَاتِلُوا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ لَوْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ، لَكَانَ قَوْلُهُ عز وجل:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الْأَحْزَابِ: 35] الْآيَةَ وَنَحْوُهُ مِثْلُ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التَّوْبَةِ: 71] ، تَكْرَارًا، كَمَا لَوْ قَالَ:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الْأَحْزَابِ: 35] ، وَالتَّكْرَارُ عَبَثٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَبَثُ هُوَ التَّكْرَارُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، أَمَّا التَّكْرَارُ لِفَائِدَةٍ ; فَلَيْسَ عَبَثًا، وَفَائِدَتُهُ هَاهُنَا تَخْصِيصُ النِّسَاءِ بِالذِّكْرِ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُنَّ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْمُسْلِمَاتِ} ; فَلَا يَكُونُ عَبَثًا.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَسُؤَالُ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا كَانَ عَنْ عَدَمِ ذِكْرِ النِّسَاءِ، لَا عَنْ عَدَمِ تَخْصِيصِهِنَّ بِلَفْظٍ ; فَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرْتُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا قُلْتُمْ يَكُونُ: وَالْمُسْلِمَاتِ تَأْكِيدًا، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ تَأْسِيسًا، وَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَكْمَلُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَلَيْسَ فِي " الْمُخْتَصَرِ "، أَنَّ الْجَمْعَ تَضْعِيفُ الْوَاحِدِ ; فَالْمُؤْمِنُونَ تَضْعِيفُ مُؤْمِنٍ، وَكُلُوا تَضْعِيفُ ضَمِيرِ كُلْ، وَكَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَكُلْ لَا يَتَنَاوَلُ الْأُنْثَى، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، كَذَلِكَ مُؤْمِنُونَ وَكُلُوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِنَّ.
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْإِنَاثَ لَا يَدْخُلْنَ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: مَتَى اجْتَمَعَا "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا حُجَّةُ الْقَاضِي وَمُوَافَقِيهِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ، وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَتَّى اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَاسْتِعْمَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ عز وجل:{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [طه: 123] ، وَالْخِطَابُ لِآدَمَ وَإِبْلِيسَ وَحَوَّاءَ وَالْحَيَّةِ ; فَيَتَنَاوَلُهُمَا ضَمِيرُ التَّذْكِيرِ، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ عَبِيدِهِ: قُومُوا، وَاقْعُدُوا، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ، وَلَوْ قَالَ: قُومُوا، وَقُمْنَ، وَاقْعُدُوا، وَاقْعُدْنَ، لَعُدَّ تَطْوِيلًا وَعِيًّا وَلُكْنَةً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُمْ، دَخَلَ النِّسَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ مَعَ أَنَّ " لَهُمْ " ضَمِيرٌ مُذَكَّرٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ ; فَيَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ أَكْثَرَ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِلقَبِيلَيْنِ: الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ بِالصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ، نَحْوَ:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [الْبَقَرَةِ: 2]، {وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الْبَقَرَةِ: 97] ، لِلْمُحْسِنِينَ [الْأَحْقَافِ: 12] ، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التَّوْبَةِ: 112] ، {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [الْبَقَرَةِ: 155] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الْمَائِدَةِ: 1] ، {أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النُّورِ: 31] ، {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} [الْعَنْكَبُوتِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
56] ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِفْرَادُهُنَّ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بِهِنَّ إِيضَاحًا وَتَبْيِينًا، نَحْوَ: الْمُسَلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْأُنْثَى، لَا يَمْتَنِعُ اللَّفْظُ الصَّالِحُ لِلْعُمُومِ لَهُنَّ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ، نَحْوَ:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [الْبَقَرَةِ: 98] ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَ {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرَّحْمَنِ: 68] ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْفَاكِهَةِ، {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الْأَحْزَابِ: 27] ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: بِقَرَائِنَ لِشَرَفِ الذُّكُورِيَّةِ، وَالْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ ".
أَيْ: قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَنَاوُلَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ لِلنِّسَاءِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ، بَلْ بِقَرَائِنَ لِشَرَفِ الذُّكُورِيَّةِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَيُسَمَّى التَّغْلِيبَ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ فِي الْخِطَابِ لِشَرَفِ الذُّكُورِيَّةِ، كَمَا غُلِّبَ الْقَمَرُ عَلَى الشَّمْسِ فِي قَوْلِهِمْ: الْقَمَرَانِ لِشَرَفِ الذُّكُورِيَّةِ وَخِفَّتِهَا ; فَالتَّغْلِيبُ يَقَعُ فِي اللُّغَةِ لِمَعَانِي: مِنْهَا: شَرَفُ الذُّكُورِيَّةِ، وَمِنْهَا: خِفَّةُ اللَّفْظِ، كَتَغْلِيبِ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِمُ: الْعُمَرَانِ، لِخِفَّةِ الْإِفْرَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا عِبَادِيَ وَإِمَائِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّاتِي آمَنَّ، وَقُومُوا وَقُمْنَ، كَانَ عِيًّا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ ; فَلِقَرِينَةِ لُزُومِ الْعِيِّ مِنْ إِفْرَادِهِنَّ بِالذِّكْرِ حَكَمْنَا بِدُخُولِهِنَّ فِي الْخِطَابِ الْمَذْكُورِ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لَهُمْ، إِنَّمَا تَنَاوَلَ النِّسَاءَ بِقَرِينَةِ الْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْوَصِيَّةِ لَهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيتُ لَهُمْ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ مَنْ أَوْصَى لَهُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَيَطَّرِدُ.
قُلْنَا: مَعَ الْقَرِينَةِ لَا يَثْبُتُ الْإِطْلَاقُ ; فَلَا يَثْبُتُ الِاطِّرَادُ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.