الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السُّنَّةُ
وَالسُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَشَرْعًا، اصْطِلَاحًا: مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلًا، أَوْ إِقْرَارًا، وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا، مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ.
وَالْخَبَرُ: مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ. مَرْدُودٌ، بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: تَوَاتُرٌ، وَآحَادٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ» . هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ السُّنَّةُ، وَهِيَ لُغَةً - أَيْ: فِي اللُّغَةِ - الطَّرِيقَةُ، وَالسِّيرَةُ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَنْتُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِي، أَيْ: صَبَبْتُهُ، وَسَنَّ عَلَيْهِ الدِّرْعَ، أَيْ: صَبَّهَا، كَأَنَّ سَالِكَ الطَّرِيقِ يَنْصَبُّ عَلَيْهَا انْصِبَابَ الْمَاءِ.
وَقَالَ خَالِدٌ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ خَالِدُ ابْنُ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَهُوَ ابْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ بْنُ مَحْرُوقٍ:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا
…
فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
قُلْتُ: السِّيرَةُ: الْهَيْئَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا السَّيْرُ، وَهُوَ مُلَازَمَةُ الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقَةُ. وَالطَّرِيقُ: فَعِيلٌ، مِنْ طَرَقَ يَطْرُقُ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ يَطْرُقُهُ النَّاسُ رِجَالًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرُكْبَانًا، وَالسِّيرَةُ: مِنَ السَّيْرِ، وَالسُّنَّةُ: مِنَ السَّنِّ، وَهُوَ الصَّبُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالسُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، «مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ إِقْرَارًا» عَلَى فِعْلٍ.
فَالْقَوْلُ: كَقَوْلِهِ عليه السلام: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَالْفِعْلُ: كَمَا شُوهِدَ مِنْهُ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، كَرَفْعِ يَدَيْهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَكَسَعْيِهِ فِي الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلَّا شَدًّا.
وَالْإِقْرَارُ: كَسَائِرِ مَا رَأَى الصَّحَابَةَ يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ ; فَلَا يَنْهَاهُمْ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ أَنَسٍ رضي الله عنه: كَانُوا إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَعْنِي الْمَغْرِبَ ابْتَدَرُوا السَّوَارِي يُصَلُّونَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ ; فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ لِكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهَا، قِيلَ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَكَاحْتِجَاجِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إِبَاحَةِ الضَّبِّ بِأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَنَهَى عَنْهُ، وَكَاحْتِجَاجِهِ عَلَى إِبَاحَةِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالْإِقْرَارِ، أَيْ: تَقْرِيرُ مَنْ يَسْمَعُهُ يَقُولُ شَيْئًا، أَوْ يَرَاهُ يَفْعَلُهُ، عَلَى قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، بِأَنْ لَا يُنْكِرَهُ، أَوْ يَضُمَّ إِلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ تَحْسِينًا لَهُ، أَوْ مَدْحًا عَلَيْهِ، أَوْ ضَحِكًا مِنْهُ عَلَى جِهَةِ السُّرُورِ بِهِ، كَتَبَسُّمِهِ مِنْ قِيَافَةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ حِينَ رَأَى زَيْدًا وَأُسَامَةَ نَائِمَيْنِ قَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا مِنْ قَطِيفَةٍ ; فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَكَضَحِكِهِ مِنَ الْحَبْرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الَّذِي جَاءَهُ ; فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَضَعُ الْأَرْضَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالسَّمَاءَ عَلَى أُصْبُعٍ. الْحَدِيثَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ.
نَعَمْ شَرْطُ كَوْنِ إِقْرَارِهِ حُجَّةً، بَلْ شَرْطُ كَوْنِ تَرْكِهِ الْإِنْكَارَ إِقْرَارًا: عِلْمُهُ بِالْفِعْلِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَوْ مُنْكِرٌ، وَمَعَ الْعَجْزِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُقِرٌّ، كَحَالِهِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ كَلِمَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: «شَرْعًا اصْطِلَاحًا» : احْتِرَازٌ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ ; فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم، وَالتَّابِعَيْنِ رحمهم الله.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ لِلسُّنَّةِ عُرْفًا خَاصًّا فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا، وَعُرْفًا عَامًّا، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْهُ، أَوْ عَنِ السَّلَفِ مِنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا» .
قُلْتُ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَعَ ظُهُورِهِ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنْهُ لِغَيْرِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوْ مَنْقُولًا إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الرُّوَاةِ.
فَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْهُ ; فَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ، كَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْهُ الْأَحْكَامَ، لَا يُسَوَّغُ خِلَافُهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِلَّا بِنَسْخٍ أَوْ جَمْعٍ بَيْنَ مُتَعَارِضٍ بِالتَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا إِلَى الْغَيْرِ ; فَهُوَ إِمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، فَإِنْ كَانَ تَوَاتُرًا ; فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ عليه السلام ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; فَصَارَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ شِفَاهًا فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْمُوعِ الْحِسُّ، وَفِي التَّوَاتُرِ الْمُرَكَّبُ مِنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، كَمَا سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِ مَدَارِكِ الْعِلْمِ.
وَإِنْ كَانَ آحَادًا ; فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، أَيْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، لِمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا: عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَيْ: مُشَافَهَةً، مُشْتَقًّا مِنَ الشَّفَةِ، أَيْ: يَسْمَعُهُ مِنْ فَمِهِ وَشَفَتَيْهِ، يُقَالُ: شَافَهْتُهُ مُشَافَهَةً وَشِفَاهًا، وَكَلَّمْتُهُ فُوهُ إِلَى فِيَّ، مَعْنَاهُ: وَكَلَّمْتُهُ شِفَاهًا، عَلَى جِهَةِ التَّأْكِيدِ، وَرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ، لِاحْتِمَالِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ. وَأَصْلُ شَفَةٍ: شَفَهَةٌ ; فَلِذَلِكَ ظَهَرَتِ الْهَاءُ فِي شُفَيْهَةٍ وَشِفَاهٍ وَمُشَافَهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَصَارِيفِهَا.
قَوْلُهُ: «مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ» ، أَيِ: السُّنَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ الْمُكَلَّفَ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ نَقْلًا عَنْهُ، تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، كَمَا فُصِّلَ، مَا لَمْ يَكُنِ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا سُمِعَ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهِ دَلِيلٌ ; فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أَوْ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ، حَرَامٌ.
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ سَمَاعًا أَوْ نَقْلًا ; إِمَّا مُقَلِّدٌ ; فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ مُجْتَهِدٌ، فَإِنْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا بَلَغَهُ دَلِيلٌ، لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَحَرُمَ الْعُدُولُ عَنْهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَرَفَهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ، وَالْمَرْجُوحِ إِلَى الرَّاجِحِ، وَكَمَصِيرِ مَالِكٍ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَإِلَى الْقِيَاسِ، وَتَرْكِ النَّصِّ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَتَخْصِيصِ النُّصُوصِ بِالْعَادَاتِ، وَتَقْدِيمِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ سُنَّتَهُ عليه السلام حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، أَوْ نُقِلَتْ إِلَيْهِ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُعْجِزَ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ عليه السلام، وَكُلُّ مَنْ دَلَّ الْمُعْجِزُ عَلَى صِدْقِهِ ; فَهُوَ صَادِقٌ ; فَهُوَ عليه السلام صَادِقٌ، وَكُلُّ صَادِقٍ فَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ ; فَقَوْلُهُ عليه السلام حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، وَالْمُقَدِّمَاتُ ظَاهِرَةٌ.
أَمَّا ظُهُورُ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ ; فَبِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ وَدُوِّنَتْ فِيهِ الْكُتُبُ.
وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى الصِّدْقِ ; فَلِمَا تَقَرَّرَ فِي النُّبُوَّاتِ، مِنْ أَنَّ ظُهُورَ الْمُعْجِزِ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ: صَدَقْتَ فِيمَا أَخْبَرْتَ بِهِ عَنِّي.
وَأَمَّا أَنَّ قَوْلَ الصَّادِقِ حُجَّةٌ ; فَلِأَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ، وَكُلُّ حَقٍّ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الْبَاطِلُ، وَالْمَصِيرُ إِلَى الْبَاطِلِ حَرَامٌ ; فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى الْحَقِّ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يُونُسَ: 32] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِتَصْدِيقِهِ، كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً.
أَمَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ عليه السلام ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النِّسَاءِ: 136]، أَيْ: صَدِّقُوا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ إِلَّا اعْتِقَادُ صِدْقِهِ، وَقَبُولُ مَا جَاءَ بِهِ. وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آلِ عِمْرَانَ: 31] ، وَالْمُتَابَعَةُ فَرْعٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَلْزُومٌ لَهُ، وَالْأَمْرُ بِالْفَرْعِ وَالْمَلْزُومِ أَمْرٌ بِالْأَصْلِ وَاللَّازِمِ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَصْدِيقِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً ; فَلِأَنَّ تَصْدِيقَهُ إِيَّاهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَالْحَقُّ وَالصِّدْقُ حُجَّةٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النُّورِ: 63] ، وَكُلُّ مَنْ حَذَّرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَجَبَتْ مُوَافَقَتُهُ وَمُتَابَعَتُهُ ; لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ سَبَبُ الْعَذَابِ، وَسَبَبُ الْعَذَابِ حَرَامٌ ; فَالْمُخَالِفَةُ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ ; فَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ ; فَتَكُونُ وَاجِبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ لِجَوَازِ الْوَاسِطَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُخَالِفًا لِلرَّسُولِ وَلَا مُوَافِقًا لَهُ.
قُلْنَا: الْمُخَالَفَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْآيَةُ هِيَ تَرْكُ امْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَتَرْكُ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ امْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَتَرْكِ امْتِثَالِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «وَالْخَبَرُ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ» ، أَيْ: مَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ ; فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، وَالتَّمَنِّي، وَالدُّعَاءُ، نَحْوَ: قُمْ، وَلَا تَقُمْ، وَهَلْ تَقُومُ، وَلَيْتَكَ تَقُومُ، وَاللَّهُمَّ أَقِمْ فُلَانًا مِنْ صَرْعَتِهِ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، قَامَ زَيْدٌ. وَإِنَّمَا دَلَّ تَطَرُّقُ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ إِلَى الْكَلَامِ عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا ; لِأَنَّهُمَا مَلْزُومَانِ لِلْخَبَرِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ، إِذِ الصِّدْقُ هُوَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ، وَالْكَذِبُ هُوَ الْخَبَرُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ ; فَدَلَّا عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَالْأَخَصُّ عَلَى الْأَعَمِّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ ; فِيمَا أَحْسِبُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَبَارِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الرَّخْوَةُ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ يُثِيرُ الْفَائِدَةَ، كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ الْخَبَارَ تُثِيرُ الْغُبَارَ إِذَا قَرَعَهَا الْحَافِرُ.
ثُمَّ الْخَبَرُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ مَجَازًا، نَحْوَ: عَيْنَاكَ تُخْبِرُنِي بِكَذَا، وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِالْفِرَاقِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تُخَبِّرُنِي الْعَيْنَانِ مَا الصَّدْرُ كَاتِمُ
وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
زَعَمَ الْبَوَارِحُ أَنَّ رِحْلَتَنَا غَدًا
…
وَبِذَاكَ خَبَّرَنَا الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ
وَحَقِيقَةُ الْخَبَرِ: هُوَ الْقَوْلُ اللِّسَانِيُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ، وَمَنْ يُثْبِتُ كَلَامَ النَّفْسِ يُطْلِقُ الْخَبَرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ فِي الْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ أَظْهَرُ ; لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَتَبَادُرِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَى الْفَهْمِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ، أَيْ: الْعِلْمِ بِهِ. فَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: هُوَ بَدِيهِيٌّ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ، وَتَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ أَصْلِ الْخَبَرِ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْبَدِيهِيُّ يَكُونُ بَدِيهِيًّا.
قُلْتُ: وَهَذَا وَهْمٌ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، لَيْسَتْ خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرًا، حَتَّى يَسْتَلْزِمَ كَوْنُهُ بَدِيهِيًّا كَوْنَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ بَدِيهِيًّا، بَلْ إِنَّمَا خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ مَدْرَكِهِ، وَهُوَ بَدِيهَةُ الْعَقْلِ، وَمَدَارِكُ الْعُلُومِ تَخْتَلِفُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، كَمَا تَخْتَلِفُ الْعُلُومُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلِمْنَا صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، لَا لِكَوْنِ الْعِلْمِ بِمَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا، حَتَّى لَوْ قُلْنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ، لَمْ نَعْلَمْ صِدْقَ هَذَا الْخَبَرِ بِالضَّرُورَةِ، حَتَّى نَعْلَمَ مُطَابَقَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ نَقْلٍ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ تَصَوَّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا ; وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِهِ الْحَدُّ، وَقَدْ قِيلَ فِي حَدِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَقِيلَ: مَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ الْخَبَرِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا ; فَيَكُونُ تَعْرِيفًا لِلْخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ.
قُلْتُ: هَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ، جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُ السَّامِعُ: كَذَبْتَ أَوْ صَدَقْتَ ; فَقَدْ أَجَابَهُ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ أَيْضًا، وَكِلَا الْجُمْلَتَيْنِ خَبَرٌ ; فَلَوْ عَرَّفْنَا الْأَوْلَى بِتَطَرُّقِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا، عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِتَطَرُّقِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ.
فَالْأَجْوَدُ إِذَنْ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى نِسْبَةِ مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ، أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، مَعَ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى وَجْهٍ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْخَبَرُ: هُوَ الْمَوْضُوعُ لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ إِسْنَادًا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ لِذَاتِهِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَامَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْخَبَرُ لَفْظَانِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَيْدٌ، وَقَدْ يَتَرَكَّبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، نَحْوَ: ضَرَبَ زِيدٌ عَمْرًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالسَّيْفِ وَخَالِدًا ; فَكُلُّ هَذِهِ مُتَعَلِّقَاتُ الْجُمْلَةِ ; فَهِيَ خَبَرٌ وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ: أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ: احْتِرَازٌ مِنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ عَمْرٌو فِي الْكَلَامِ غَيْرِ الْمُنْتَظِمِ.
وَقَوْلُهُ: يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ: احْتِرَازٌ مِنَ الْإِسْنَادِ الْإِضَافِيِّ وَالْوَصْفِيِّ، نَحْوَ: غُلَامُ زَيْدٍ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ ; فَإِنَّهُ لَفْظَانِ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ، وَلَيْسَ خَبَرًا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ.
قُلْتُ: وَبِهَذَا يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ الدَّوْرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعْرِيفُ الْآمِدِيِّ سَالِمٌ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: لِذَاتِهِ: احْتِرَازٌ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وَرُسُلِهِ، وَالْأَخْبَارِ الْبَدِيهِيَّةِ، نَحْوَ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ. وَقَوْلُنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الْعَشْرَةِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، لَكِنَّ قَبُولَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، إِنَّمَا جَاءَهَا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ ; لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا، أَوْ مَادَّتِهِ: الْمُخْبَرِ عَنْهُ، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا ذَاكَ، لَا لِكَوْنِهَا أَخْبَارًا، إِذْ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا أَخْبَارًا تَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ.
فَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْخَبَرَ لِذَاتِهِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ خَبَرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا أَحَدَهُمَا ; فَذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْخَبَرِ ; إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ، أَوِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ غَيْرِهِمَا إِنْ أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ مُحَمَّدٌ، وَمُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهُ - صَادِقَانِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ وَكَاذِبٌ» . وَهَذَا سُؤَالٌ أُورِدَ عَلَى تَعْرِيفِ الْخَبَرِ بِمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَجَوَابُهُ.
أَمَّا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ: فَهُوَ أَنَّ قَوْلَكُمْ: الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ يَبْطُلُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ ; فَإِنَّهُ خَبَرٌ، وَالتَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِيهِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَ مُسَيْلِمَةَ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَتَكْذِيبَهُ يُوجِبُ تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَادِقٌ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَبَرَانِ، صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ، جَمَعْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا عَرَّفَنَا بِمَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ، وَلَوْ فَكَكْتُمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا إِلَى الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رُكِّبَتْ مِنْهُمَا، لَدَخَلَا فِي تَعْرِيفِنَا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ جَيِّدٍ، عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْقَرَافِيِّ لِلْخَبَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ حَلَّلْنَا الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ إِلَى الْخَبَرَيْنِ، لَمَا احْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، إِذْ قَوْلُنَا: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صَادِقٌ، لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ، وَقَوْلُنَا: مُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كَاذِبٌ ; لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، نَعَمِ امْتِنَاعُ التَّكْذِيبِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّصْدِيقِ فِي الثَّانِي، لَمْ يَكُنْ لِذَاتِ الْخَبَرِ، بَلْ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَهُوَ دَلَالَةُ مُعْجِزِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِ مُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْخَبَرَ، «قِسْمَانِ: تَوَاتَرٌ وَآحَادٌ» ، وَلِقِسْمَتِهِ إِلَيْهِمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُسْتَنَدِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ، إِنْ نَقَلَهُ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ قَوْمٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَكَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ مَحْسُوسٍ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ.
الثَّانِي: بِاعْتِبَارِ نَقَلَتِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِنْ أَفَادَ الْعِلْمَ مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْأَخْبَارَ الْبَدِيهِيَّةَ ; فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، لَكِنَّهَا مُسْتَنِدَةً إِلَى إِدْرَاكِ الْعَقْلِ، لَا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ.