الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر السهيلي أن هذا الموضع سمي باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة، واسمها: ريطة بنت سعد بن زيد مناة بن تميم، وقيل: هي من قريش
…
انتهى، ذكر ذلك بالمعنى لما تكلم عن قوله تعالى:{وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} [النحل: 92] الآية: ولم يبين السهيلي القائل بأنها من قريش، وقد بين ذلك الفاكهي لأنه قال: حدثنا حسن بن حسين الأزدي، عن رجلين، عن ابن الكلبي عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى:{وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} نزلت في امرأة من قريش من بني تيم بن مرة يقال لها: ريطة بنت كعب، ولقبها جعرانة، وهي أم أسد بن عبد العزى، التي قامت عنه، وكانت حمقاء.
وروى الفاكهي بسنده عن السدي في تفسير هذه الآية قال: كانت امرأة تسمى حرفا بمكة كانت تغزل، فإذا أبرمت غزلها نقضته. وقال: قال ابن جريج: قال أبو الهذيل: حرفا كانت بمكة تنقضه بعد ما تبرمه.
وروي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} قال: هن النساء من أهل نجد ينقضن حبلهن وينفشنه ثم يخلطنه بالصوف فيغزلنه
…
انتهى.
ذكر الموضع الذي أحرم منه رسول الله من الجعرانة:
روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: حدثني جدي، عن الزنجي، عن ابن جريج قال: أخبرني زياد بن محمد بن طارق أخبره أنه اعتمر مع مجاهد من الجعرانة، فأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة قال: ومن ههنا أحرم النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأعرف أول من اتخذ المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سماه، واشترى بمال عنده نخلا، فبنى هذا المسجد، قال ابن جريج: فلقيت أبا محمد بن طارق فسألته فقال: اتفقت أنا ومجاهد بالجعرانة، فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالجعرانة، قال: وأما هذا مجاهد فإنما بناه رجل من قريش، واتخذ ذلك الحائط1
…
انتهى.
ونقل ابن خليل عن ابن جريج أن الرجل الذي بنى المسجد الأديني هو عبد الله بن خالد الخزاعي.
وذكر الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالجعرانة، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش، واتخذ ذلك الحائط عنده، ولم يجز رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلا محرمًا
…
انتهى.
1 أخبار مكة للأزرقي 2/ 207.
وكان إحرامه صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، نقل ذلك عن الواقدي المحب الطبري قال: ومنها يحرم أهل مكة كل عام ليلة سبع عشرة من ذي القعدة، وذلك خلاف ما ذكره الواقدي1
…
انتهى.
وما ذكره المحب الطبري يخالف ما أدركنا عليه أهل مكة، فإنهم يخرجون من مكة في اليوم السادس عشر من ذي القعدة، ويقيمون اليوم السابع عشر بالجعرانة، ويصلون المغرب بها ليلة الثامن عشر، ويحرمون ويتوجهون إلى مكة، وهو يلائم ما ذكره الواقدي، إلا أن في بعض السنين يحصل للناس خوف فيخرجون من الجعرانة محرمين قبل الغروب من اليوم السابع عشر، وربما خرجوا منها قبل صلاة العصر، وما ذكره الواقدي في تاريخ عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة هو المعروف.
وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي خبرا ضعيفا يخالف ذلك، ونصه على ما ذكر الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري في جوابه عن المسائل التي سأله عنها ابن أيبك الدمياطي: وقد ذكر ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن سابق قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عقبة مولى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم، ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال2.
قال أبو الفتح المذكور: هذا والذي قبله ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة، ودخل مكة
…
انتهى.
والجعرانة أفضل مواقيت العمرة من مكة، لإحرام النبي صلى الله عليه وسلم من هذ المكان، على مذهب مالك، والشافعي، وابن حنبل، وغيرهم من العلماء رضي الله عنهم.
واختلف في وسط العين والراء من الجعرانة، فقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": "الجعرانة بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، هكذا صوابها عند إمامنا الشافعي، والأصمعي، وأهل اللغة، ومحققي المحدثين، وغيرهم، ومنهم من يكسر العين ويشدد الراء، وهو قول عبد الله بن وهب وأكثر المحدثين، قال صاحب مطالع الأنوار، أصحاب الحديث يشددونها، وأهل الإتقان والأدب يخطوئنهم ويخففونها، وكلاهما صواب، حكى إسماعيل القاضي عن علي بن المديني قال: أهل المدينة يثقلونها ويثقلون الحديبية، وأهل العراق يخففونهما3
…
انتهى باختصار.
1 القرى "ص: 99".
2 عيون الأثر لابن سيد الناس 2/ 280.
3 تهذيب الأسماء: "ص: 58، 59" وفيه "يخففونهما".
ومن فضائل وادي الجعرانة ما ذكره الجندي في "فضل مكة" لأنه قال فيما رويناه عنه: حدثنا عبد الوهاب بن فليح، حدثني سعيد بن سالم القداح، عن سعيد بن بشير، عن عبد الكريم الجردي، عن يوسف بن ماهك، قال: اعتمر من الجعرانة ثلاثمائة نبي، وصلى في مسجد الخيف سبعون نبيا.
وبالجعرانة ماء شديد العذوبة يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم فحص موضع الماء بيده المباركة فانبجس، فشرب منه النبي صلى الله عليه وسلم وسقى الناس، ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم غرز رمحه فنبع الماء موضعه، وهذان الخبران في كتاب الفاكهي1.
الخامس: الجمار المذكور في صفة الحج: هي بمنى، ونقل عن ابن سيده2 اللغوي صاحب "المحكم" ما يقتضي أنها بعرفة، وهو وهم قطعا، ذكرناه لغرابته، وقد نقل ذلك عنه السهيلي في كتابه "الروض الأنف"، لأنه نقل عن ابن سيده شيئا قاله في كتابه "المحكم" وخطأه فيه، ثم قال السهيلي: وقال يعني ابن سيده في الجمار في غير هذا الكتاب هي التي بعرفة، وهذه هفوة لا تقال، وعثرة لا لعا لها، وكم له من هذا إذا تكلم في النسب وغيره، والله ولي التوفيق.
والأولى منها: هي التي تلي مسجد الخيف، والوسطى التي بينها وبين جمرة العقبة، والأخيرة هي جمرة العقبة، وهي أقرب الجمار إلى مكة، ورميها على هذا الترتيب مطلوب على مذهب الإمام مالك رحمه الله، ومتى وقع على غير هذه الصفة ولم يتدارك في وقت الأداء وهو النهار على المشهور لزم فاعل ذلك الدم.
وقد ذكر الأزرقي في ذرع ما بين هذه الجمار وما بين الجمرة الأولى وأوسط أبواب مسجد الخيف بمنى، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: ومن جمرة العقبة وهي أول الجمار مما يلي مكة، إلى الجمرة الوسطى: أربعمائة ذراع وسبعة وثمانون ذراعا واثنا عشر أصبعا، ومن الجمرة الوسطى إلى الجمرة الثالثة وهي التي تلي مسجد منى: ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، ومن الجمرة التي تلي مسجد منى إلى أوسط أبواب المسجد: ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وواحد وعشرون ذراعا3
…
انتهى.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 68، والحديث عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد 3م 279-280 إلى الطبراني، وقال: فيه من لم أعرفه، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير 2/ 380 للطبراني وأبي نعيم. وذكره البكري في معجم ما استعجم 1/ 158.
2 هو الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، كان إماما في اللغة والعربية حافظا لهما، وكتابه "المحكم" كتاب جامع رتبه ترتيب كتاب " العين"، وتوفي سنة 458هـ.
3 أخبار مكة للأزرقي 2/ 185.
قلت: وقد حرر بعض أصحابنا ذرع ذلك وأنا معه، فكان مقدار ما بين جمرة العقبة والجمرة الوسطى مائتي ذراع وثمانية أذرع بذراع الحديد، وكان مقدار ما بين جمرة الوسطى والجمرة الأولى: مائتي ذراع وخمسة وسبعين ذراعا بذراع الحديد، وكان مقدار ما بين الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف إلى باب مسجد الخيف الكبير على يمين الذاهب إلى عرفة: ألف ذراع ومائتي ذراع وأربعة وخمسين ذراعا ذراعا بذراع الحديد.
وقد ذكر الأزرقي شيئا من خبر جمرة العقبة، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله:"ذكر ما غير من فرش أرض الكعبة": وكانت الجمرة زائلة عن غير موضعها، أزالها جهال الناس برميهم الحصا، وغفل عنها، حتى أزيحت من موضعها شيئا يسيرا منها ومن فوقها، فردها إلى موضعها الذي لم يزل عليه، وبنى من ورائها جدارا أعلاه عليها، ومسجدا متصلا بذلك الجدار، لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها، وإنما السنة لمن أراد الرمي أن يقف من تحتها من بطن الوادي، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ويرمي كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا أصحابه من بعده1
…
انتهى.
والذي أشار إليه الأزرقي بقوله: فردها، وبقوله: وبنى: هو إسحاق بن سلمة الصائغ الذي أنفذه المتوكل العباسي لعمل أمور تتعلق بالكعبة وغير ذلك.
السادس: الحجون المذكور في حد المحصب2: وهو جبل بالمعلاة، مقبرة أهل مكة على يسار الداخل إلى مكة، ويمين الخارج منها إلى جهة منى وغير ذلك، وهو الجبل الذي يزعم الناس أن فيه قبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وليس لذلك حقيقة كما نبهنا عليه، ويحتمل أن يكون الجبل المحاذي له الذي يكون على يسار الداخل إلى الشعب الذي تسميه الناس: شعب العفاريت، والجبلان مشرفان على هذا الشعب، ولعله الشعب الذي يقال له شعب الصفا صفى الشباب، والله أعلم.
وما ذكرنا من كون الحجون في هذه الجهة من المعلاة صريح من كلام أبي الوليد الأزرقي في كتابه "أخبار مكة" ومن كلام إسحاق بن أحمد الخزاعي راوي كتاب الأزرقي، وأدخل الخزاعي ذلك في كتاب الأزرقي عند ذكر الأزرقي لحد المحصب: وهذا ما ذكرناه من تعيين كون الحجون أحد الجبلين المشار إليهما، يدل له كلام الأزرقي3. وما ذكره الخزاعي في تعيين جهة الحجون يدفع ما يقوله الناس من أن
1 أخبار مكة للأزرقي 1/ 303.
2 هو موضع الحجارة بمنى.
3 أخبار مكة للأزرقي 2/ 160.
الحجون هو الجبل الذي فيه ثنية كداء، بفتح الكاف والمد، والتي يستحب للمحرم دخول مكة منها.
ووقع للمحب الطبري في "القرى" ما يوافق ذلك؛ لأنه قال: الحجون بفتح الحاء وضم الجيم مخففة، الجبل المشرف عند المحصب، وهو مقبرة أهل مكة، قال الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
…
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وذكر أبو موسى المديني في "يتيمته" أنه الجبل المشرف مما يلي شعب الجزارين بمكة، قلت: ويشبه أن يكون ما ذكره هو الجبل الذي على يمين المنهبط من الثنية العليا على المقبرة، فإن إلى جانبه شعبا يقال له شعب الجزارين، ويحتمل أن يكون الجبل المشرف على المقابر على يسار المنهبط من الثنية، وتكون المقبرة بينه وبين الصفا على ما قال الشاعر: انتهى كلام المحب الطبري.
والشعب الذي ذكر أنه يقال له شعب الجزارين يقال له شعب النور، وهو الذي فيه قبر الشيخ أبو لكوط1. وفي كون هذا الشعب شعب الجزارين نظر، وكذا في الاحتمال الآخر الذي ذكره في تفسير شعب الجزارين، وكذا فيما يقوله الناس من أن الحجون هو الجبل الذي فيه الثنية المشار إليها، وهو مقتضى كلام المحب الطبري، لكون ذلك مخالفا لما ذكره الأزرقي في تفسير الحجون، مع موافقة الخزاعي له على ما ذكره من أن الحجون في الجهة المقابلة لجهة الثنية، كما أشرنا إليه. والأزرقي والخزاعي بذلك أدرى، والتعويل عليهما في ذلك أولى.
ونص ما ذكره الأزرقي في الترجمة التي بين فيها ما في شق معلاة مكة اليماني من المواضع والجبال والشعاب، وما أحاط به: الحجون الجبل المشرف حذاء مسجد البيعة الذي يقال له مسجد الحرس، وفيه ثنية يسلك إليها من حائط عوف، عند الماجلين الذين فوق دار "مال الله" إلى شعب الجزارين، وبأصل شعب الجزارين كانت المقبرة في الجاهلية2
…
انتهى.
ونص كلام الخزاعي: الحجون الجبل المشرف على مسجد الحرس بأعلى مكة على يمينك وأنت مصعد، وهو أيضا مشرف على شعب الجزارين في أصل دار أبي دب إلى موضع القبة مسجد سبيل أم زبيدة بنت جعفر بن أبي منصور
…
انتهى.
ووجه الدلالة من كلام الخزاعي على ما ذكرناه في تعيين جهة الحجون، ذكره للحجون من شق معلاة مكة اليماني، ولا ريب أنها الجهة التي أشرنا إليها، ووجه الدلالة
1 هكذا في الأصل، وفي منتخب شفاء الغرام:"ابن لكود".
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 273.
من كلام الخزاعي: قوله في تعريف الحجون: على يمينك وأنت مصعد، ولا يكون الحجون على يمين المصعد من مكة إلا إذا كان في الجهة التي أشرنا إليها.
وذكر النووي في "شرح مسلم" في تفسير الحجون نحو ما ذكره الخزاعي باختصار، لأنه قال في تفسير حديث قوله:"قرب الحجون" هو بفتح الحاء وضم الجيم، وهو من حرم مكة، وهو الجبل المشرف على مسجد الحرم بأعلى مكة، على يمينك وأنت مصعد عند المحصب
…
انتهى.
والدلالة من كلام النووي على ما ذكرناه في تفسير الحجون كالدلالة على ذلك من كلام الخزاعي، وقد سبق ذلك.
وذكر الفاكهي ما يوافق ما ذكره الأزرقي في كون الحجون بشق معلاة مكة اليماني وفي تعريفه له1، والفاكهي من العارفين بأخبار مكة، فيتأيد بما ذكره في الحجون ما قاله الأزرقي والخزاعي في الحجون، والله أعلم.
"وشعب الجزارين": لا يعرف الآن، إلا أن بين سور مكة الآن وبين الجبل الذي يقال له جبل ابن عمر موضعا يشبه الشعب، فلعله شعب الجزارين.
وشعب الجزارين هو شعب أبي دب على ما ذكر الأزرقي، وذكر أنه رجل من بني سواءة بن عامر2.
و"حائط عوف" الذي ذكره الأزرقي في تعريف الحجون لا يعرف، ولعله أحد البساتين التي في الجبل الذي يقال له جبل ابن عمر، فإن منها يتوصل إلى الجبل المذكور. ولعل هذا يؤيد أحد الاحتمالين اللذين ذكرناهما في تعيين كون هذا الجبل الحجون، ويتأيد ذلك أيضا بقربه من الماجلين اللذين ذكرهما الأزرقي، وهما في غالب الظن البركتان المنسوبتان للصارم، التي إحداهما ملاصقة لسور مكة، والله أعلم.
وأغرب السهيلي في تفسير الحجون، لأنه قال في "الروض الأنف": والحجون على فرسخ وثلث من مكة3
…
انتهى.
وهذا مخالف للمحسوس والمنقول.
وما ذكره المحب من كون الحجون بفتح الحاء وضم الجيم سبقه إلى ذلك النووي في "شرح مسلم" وضبطه أيضا بفتح الحاء صاحب "المطالع"، وضبطه ابن خلكان بضم الحاء، والمعروف فيه الفتح، والله أعلم.
1 أخبار مكة للفاكهي 4/ 143.
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 272.
3 الروض الأنف 1/ 138.
وهذا الموضع من جملة المواضع التي أصلحتها في هذا الكتاب بعد تأليفي له، لأني لم أكن نظرت فيما كتبته أولا إلا كلام المحب، وتأيد عندي بما يقوله الناس في تفسير الحجون، فلما راجعت كلام الأزرقي، والخزاعي ظهر لي أنه الصواب، فكتبت هذا الفصل على هذا الوجه، والله أعلم بالصواب.
السابع: الحديبية الموضع الذي نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم من المدينة محرما يريد دخول مكة، فعاقه حينئذ المشركون عن ذلك. يقال إنه الموضع الذي فيه البئر المعروفة ببئر شميس بطريق جدة، والله أعلم.
قال صاحب "المطالع": إن الحديبية قرية ليست بالكبيرة، وسميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة
…
انتهى.
والشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، وقد سبق في حدود الحرم الخلاف في الحديبية، هل هي في الحرم كما قال مالك، أو في طرف الحل، كما قال الماوردي، أو أن بعضها في الحل وبعضها في الحرم، كما قال الشافعي وابن العطار، والله أعلم.
وليست الحديبية بالموضع الذي يقال له الحدة1 في طريق جدة بقرب هذا الموضع من جدة، وبعده من مكة، والحديبية دونه بكثير إلى مكة، واختلف في الياء الثانية من الحديبية هل هي مخففة أو مشددة، والقولان مشهوران على ما ذكر النووي في "التهذيب"، لأنه قال: الحديبية بضم الحاء وفتح الدال وتخفيف الياء، كذا قاله الشافعي رضي الله عنه وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث، وقال أكثر المحدثين بتشديد الياء وهما وجهان مشهوران2
…
انتهى.
والحديبية أفضل مواقيت العمرة بعد الجعرانة، والتنعيم، عند الشافعية، ما خلا الشيخ أبا حامد، فإن الحديبية عنده مقدم على التنعيم، والله أعلم بالصواب.
الثامن: ذو طوى الموضع الذي يستحب فيه الاغتسال للمحرم، هو على مقتضى ما ذكره الأزرقي: الموضع الذي يقال له بين الحجونين، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: بطن ذي طول: ما بين مهبط ثنية المقبرة التي بالمعلاة إلى الثنية القصوى التي يقال لها الخضراء مهبط على قبور المهاجرين3
…
انتهى.
وفي "صحيح البخاري" ما يؤيد هذا، وصرح به القاضي بدر الدين بن جماعة فيما نقله عنه ابن القاضي عز الدين، على ما أخبرني عنه خالي، وقال النووي: إنه موضع بأسفل مكة في طريق العمرة المعتادة، ويعرف اليوم بآبار الزاهر4
…
انتهى.
1 في الأصل "الحدبة"، وليس بطريق جدة مكان يقال له الحدبة.
2 تهذيب الأسماء واللغات 1/ 81.
3 أخبار مكة للأزرقي 2/ 297.
4 تهذيب الأسماء واللغات 2/ 1: 115 وقال النووي: إن طوى بفتح الطاء على الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة.
وقال الداودي فيما نقله عن صاحب "المطالع": إن ذا طوى هو الأبطح وهو بعيد، والله أعلم بالصواب، وطاؤه مثلثة وهو مقصور، واستحباب الغسل بذي طوى للمحرم هو مذهب الأئمة الأربعة، إلا أن أصحابنا لا يستحبونه للحائض والنفساء، لأنهما لا يؤمران بالطواف عند قدومهما مكة، والغسل شرع لأجل الطواف، والله أعلم. وإنما يطلب من المحرم الاغتسال فيه إذا كان في طريق.
التاسع: الردم، الذي ذكر بعض الشافعية أن المحرم يقف عنده للدعاء إذا قدم مكة، وهو ردم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأعلى مكة، وهو معروف عند الناس.
وسبب ردم عمر بن الخطاب رضي الله عنه له: أنه جاء في خلافته السيل المعروف بسيل أم نهشل، فدخل المسجد الحرام وذهب بالمقام عن موضعه، وأخفى موضعه، فشق ذلك على عمر رضي الله عنه وعمل هذا الردم صونا للمسجد1.
العاشر: الصفا، الذي هو مبدأ السعي، وهو في أصل جبل أبي قبيس، على ما ذكره غير واحد من العلماء، ومنهم أبو عبيد البكري، والنووي2، وهو موضع مرتفع من جبل له درج، وفيه ثلاثة عقود، والدرج الذي أعلى العقود: أربع درجات، ووراء هذه الأربع ثلاث مصاطب كبار، على قمة الدرج يصعد من الأولى إلى الثانية منهن بثلاث درجات في وسطها، وتحت العقود درجة، وتحتها فرشة كبيرة، ويليها ثلاث درجات، ثم فرشة مثل الفرشة السابقة تتصل بالأرض، وربما علا التراب عليها فغيبت، وعرض الفرشة العليا التي تحت العقود: ذراعان وثلثا ذراع، وعرض الثلاث الدرجات التي بين الفرشتين، ذراعان ونصف ذراع، كل ذلك بذراع الحديد، وتحت الفرشة السفلى التي تتصل بالأرض درج مدفون وهو ثماني درجات، ثم فرشة مثل الفرشة السابقة، ثم درجتان، وتحت هاتين الدرجتين حجر كبير يشبه أن يكون من جبل، وهذا الدرج المدفون لم نره إلا في محاذاة العقد الأوسط من عقود الصفا. والظاهر والله أعلم أن في مقابلة العقدين الأخيرين مثل ذلك. وذرع ما بين وجه العقد الأوسط على الصفا إلى منتهى الدرج المدفون: ثمانية عشر ذراعا بالحديد، وكان تحرير ذلك بحضوري بعد الأمر بالحفر عن الدرج المشار إليها في سابع عشر شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة3، وكان ابتداء حفرنا عن ذلك يوم السبت خامس عشر شوال المذكور.
1 والردم هو ما يسمى الآن بالمدعى.
2 تهذيب الأسماء واللغات 1/ 2: 180.
3 إتحاف الورى 3/ 487، 488، العقد الثمين 7/ 264.
وكان الناس يأتون لمشاهدة ما ظهر من الدرج أفواجا أفواجا، وحصل لهم بذلك غبطة وسرور، لأن كثيرا من الساعين لا يرقون في الدرج الظاهر الآن، خصوصا الساعي راكبا، وسبب حفرنا عن ذلك: أنه حال في نفس بعض فقهاء مكة في عصرنا عدم صحة سعي من لم يرق في الدرج الظاهر، لأن بعض متأخري فقهاء الشافعية أشار إلى أن في الصفا درجا مستحدثا ينبغي للساعي الاحتياط بالرقي عليها، إلى أن يستيقن
…
انتهى بالمعنى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر ذلك بنصه.
وهذا الكلام يوهم أن بعض الدرج الموجود الآن محدث، لأنه ليس هناك درج سواها حتى يحمل الكلام عليها، وذاكرني الفقيه المشار إليه بما حاك في نفسه فقلت له: الظاهر -والله أعلم- أن المراد بالدرج المحدث غير الدرج الظاهر، ويتحقق ذلك بالحفر عنه، فحفرنا حتى ظهر لنا من الدرج ما ذكرناه، ويبعد جدا أن يكون مجموع الدرج المدفون، والظاهر محدثا في غير محل السعي، حتى لا يجري الوقوف عليه في السعي، وإنما المحدث بعض الدرج المدفون، لكونه في غير محل السعي على ما يقتضيه كلام الأزرقي، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا: مائتا ذراع واثنان وستون ذراعا وثمانية عشر أصبعا1
…
انتهى.
والصفا الذي ذكر الأزرقي ذرع ما بينه وبين الحجر الأسود هو محل السعي2 وما ذكره الأزرقي في ذرع ما بين الصفا والحجر الأسود إما أن يكون إلى مبدأ الدرج، أو إلى مبدأ الدرج الظاهر تحت العقود، أو إلى العقود، أو إلى ما وراء ذلك، وفي كل الوجوه نظر غير الوجه الثاني.
أما الأول: فلان من الحجر الأسود إلى مبدأ الدرج المدفون: مائتي ذراع وواحدا وعشرين ذراعا وربع ذراع وثمن ذراع بذراع الحديد، يكون ذلك بذراع اليد، مائتي ذراع وثلاثة وخمسين ذراعا بذراع اليد، على ما حررناه، وذلك دون ما ذكره الأزرقي في مقدار ما بين الحجر الأسود والصفا بعشرة أذرع إلا ربع، فدل ذلك على أنه لم يرده لمخالفته المقدار الذي ذكره، والله أعلم.
وأما الوجه الثالث: فلأن من الحجر الأسود إلى العقد الوسد الذي بالصفا: مائتي ذراع وثلاثة وسبعين ذراعا بتقديم السين وأربعة أسباع ذراع، على ما حررناه، وذلك يزيد على مقدار ما ذكره الأزرقي عشرة أذرع وخمسة أسباع ذراع وثلاثة أرباع خمس سبع ذراع، فدل ذلك على أنه لم يرده لمخالفته القدر الذي ذكرناه.
1 أخبار مكة للأزرقي 2/ 118.
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 181.
وأما الوجه الرابع: فالنظر فيه كالنظر في الوجه الثالث، لأنه إذا كان الوجه الثالث غير المراد لما فيه من المخالفة لما ذكره الإمام الأزرقي بسبب الزيادة، فالوجه الرابع غير المراد من باب أولى، لكثرة الزيادة فيه على الزيادة التي في الوجه الثالث، خصوصا إذا قيل إن المراد موضع جدار البيت المشرف على الصفا، فإن من العقد الوسط إليه: سبعة عشر ذراعا بتقديم السين بذراع الحديد، يكون ذلك بذراع اليد: تسعة عشر ذراعا -بتقديم السين- وثلاثة أسباع ذراع، والله أعلم.
وإذا كان في كل من هذه الوجوه نظر، تعين أن يكون المراد الوجه الثاني، لموافقته كلام الأزرقي، لأن من أول الفرشة التي تحت الدرجات الثلاث إلى آخر الفرشة التي فوقها تحت الدرجة التي تحت العقد الوسط: عشرة أذرع باليد، وذلك هو العقد الزائد على ما ذكره الأزرقي في مقدار ما بين الحجر الأسود والصفا، وإنما ذكر الأزرقي ذرع ما بين الحجر الأسود والصفا ليبين أن ما وراء ذلك محل للسعي، والفرشة السفلى المشار إليها من وراء الذرع المذكور فتكون محلا للسعي على هذا، ويصح إن شاء الله تعالى سعي من وقف عليها، فلا يقصر الساعي عنها، ولا يجب عليه الرقي على ما وراءها، والله أعلم.
والفرشة المشار إليها: هي التي سبق أن التراب يعلو عليها، وأما الكلام الموهم بخلاف ذلك فهو ما ذكره المحب الطبري في "شرح التنبيه"، لأنه قال: وبني في ذيل الصفا درج، فينبغي أن يحتاط مريد السعي بالرقي عليها، فإن الأرض ربت بحيث يرى البيت من غير رقي
…
انتهى.
ومن ذلك ما ذكره النووي في "الإيضاح"، لأنه قال: إن من واجبات السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، حتى لو كان راكبا، واشترط أن تسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل أو إليه، حتى لا يبقى من المسافة شيء ويجب على الماشي أن يلصق في الابتداء أو الانتهاء رجله بالجبل، بحيث لا يبقى بينهما فرجة، فيلزمه أن يلصق العقب بأصل ما يذهب منه، ويلصق رءوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، فيلصق في الابتداء بالصفا عقبه، وبالمروة أصابع رجليه، فإذا عاد عكس ذلك، هذا إن لم يصعد، فإن صعد فهو الأكمل، وقد زاد خيرا، وليس الصعود شرطا بل هو سنة متأكدة، ولكن بعض الدرج مستحدث فليحذر أن يخلفها وراءه، فلا يتم سعيه، وليصعد بعد أن يستيقن، وقال بعض أصحابنا يجب الرقي على الصفا والمروة بقدر إقامة، وهذا ضعيف، والصحيح المشهور لا يجب، لكن الاحتياط أن يصعد للخروج من الخلاف
…
انتهى.
وذكر الأزرقي ذرع ما بين الصفا والمروة، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: ومن الصفا إلى المروة طواف واحد: سبعمائة ذراع وستة وستون ذراعا ونصف ذراع.
يكون سبع بينهما: خمسة آلاف وثلاثمائة ذراع وخمسة وستين ذراعا ونصف ذراع1
…
انتهى.
وقد حررت أنا ذرع ذلك فجاء من وسط جدار الصفا وهو من محاذاة نصف العقد الوسط من عقود الصفا إلى الدرج الذي بالمروة من داخله: ستمائة ذراع وثلاثة وسبعون ذراعا بتقديم السين وسبعة أثمان ذراع، يكون ذلك بذراع اليد: سبعمائة ذراع وسبعون ذراعا وسبع ذراع، بتقديم السين في السبعمائة ذراع، وفي السبعين، وفي السبع، ومن محاذاة نصف العقد الوسط من عقود الصفا إلى الدرجة العالية بالمروة التي كهيئة الدكة الكبيرة من داخل الدرج: ستمائة ذراع وثمانون ذراعا إلا ثمن ذراع، بذراع الحديد، يكون ذلك باليد سبعمائة ذراع وسبعة وسبعين ذراعا، بتقديم السين في السبعمائة وفي السبعة وفي السبعين.
وما ذكره الأزرقي في مقدار ما بين الصفا والمروة دل على أنه لم يرد به إلى ما وراء الدرج، وإنما مراده: إليه أو ما قرب منه، لأنه لو أراد ما وراء الدرج لم يكن المقدار الذي ذكره موافقا لذلك، لما فيه من النقص عن ذلك، والله أعلم.
وما ذكرناه في مقدار ما بين وسط عقود الصفا والدرج الذي بالمروة في اعتبار ذرع ذلك باليد يقرب مما ذكره الأزرقي ثلاثة أذرع ونصف ذراع وسبع ذراع، ولعل الأزرقي لم يعتبر ما ذكره من الموضع الذي اعتبرناه منه، وإنما اعتبر ذلك من طرف العقد الذي يلي العقد الوسط، والله أعلم.
وذرع عقود الصفا الثلاثة: أحد وعشرون ذراعا إلا ثمن ذراع بالحديد، وطول الدرجة الأخيرة من درج الصفا السفلى التي تلي الأرض في محاذاة الثلاثة العقود التي بالصفا: اثنان وعشرون ذراعا بالحديد. وذكر النووي أن عرض فتحة الدرج الذي كان على الصف نحو خمسين قدما
…
انتهى.
وذكر الأزرقي شيئا من خبر درج الصفا والمروة، فنذكر ذلك لإفادته، لأنه قال فيما رويناه عنه: حدثني أحمد بن محمد، قال: كانت الصفا والمروة يشتد2 فيهما من سعى بينهما، ولم يكن بينهما بناء ولا درج حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور، فبنى درجهما التي هي اليوم درجهما، فكان أول من أحدث بناءها، ثم كمل بالنورة في زمن مبارك الطبري وذلك في خلافة المأمون
…
انتهى.
وذكر الأزرقي أن درج الصفا اثنتا عشرة درجة3.
1 أخبار مكة للأزرقي 2/ 119.
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 120 "يسند".
3 ودرج المروة خمس عشرة درجة. "أخبار مكة للأزرقي 2/ 119" وفي رحلة ابن جبير: ص: 84"، و"أدراج المروة خمسة".
وذكر ابن جبير أن درج الصفا أربع عشرة درجة1. وذكر النووي أن درج الصفا إحدى عشرة درجة2. وسبب هذا الاختلاف أن الدرج يعلو عليها التراب فيخفيها، وما أظن النووي شاهد ما ذكره من عدد درج الصفا، وإنما قلد في ذلك الأزرقي وغيره من المصنفين، لأنه يبعد أن تعلو الأرض من عهد النووي إلى اليوم علوا يغيب به من درج الصفا القدر الذي وجدناه مدفونا، والله أعلم.
ويتأييد ذلك بأن سليمان بن خليل قال في الرد على أبي حفص بن الوكيل من الشافعية في إيجابه الرقي على الصفا والمروة، وتعليله إيجاب ذلك بأنه لا يمكنه استيضاح ما بينهما إلا بالرقي عليهما، وقد كان هذا قبل أن يعلو الوادي، لأن الدرج كانت كثيرة، وكان الوادي نازلا حتى أنه كان يصعد درجا كثيرا ليرى البيت حتى قيل: إنه كانت عبر الفرسان في المسعى والرماح قائمة معهم، ولا يرى من في المسجد إلا رؤوس الرماح، فأما اليوم فإنه يرى البيت من غير أن يرقى على شيء من الدرج
…
انتهى.
ووجه الدلالة من هذا على ما أشرنا إليه أن عصر سليمان بن خليل، وعصر النووي متقاربان، وسليمان مات قبل النووي بنحو خمسة عشر سنة، وإذا كان البيت يرى في عصره من غير رقي على الصفا لعلو الأرض فيكون الحال هكذا في عصر النووي، والله أعلم.
الحادي عشر: طريق ضب التي يستحب للحاج أن يسلكها إذا توجه إلى عرفة، وهي طريق مختصر من المزدلفة إلى عرفة في أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة، هكذا عرفها الأزرقي، وإنما يستحب للحاج سلوكها، لأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم سلكها حين غدا من منى إلى عرفة، نقل ذلك الأزرقي عن بعض أهل المكيين، وروى عن عطاء أنه سلكها، وقال: هي طريق موسى بن عمران3.
الثاني عشر: عَرَفَة موضع الوقوف، هي خارج الحرم قريب منه، روينا في تاريخ الأزرقي، ووادي عرنة بالنون4 وفي بعض نسخه: ووادي عرفة بالفاء، ذكر ذلك المحب الطبري في شرحه للتنبيه، وقال هكذا نقلته من نسخة معتنى بها، ووادي عرفة بالفاء وضبطها بفتح العين. وحكاه شيخنا أبو عمرو بن الصلاح أنه قال إلى ملتقى وصيف، ووادي عرنة بالنون، وأكد ذلك فقال بعده: وبطن عرنة ووادي عرنة مضافان إلى عرنة.
1 رحلة ابن جبير "ص: 84".
2 تهذيب الأسماء واللغات 1/ 2: 182.
3 أخبار مكة للأزرقي 2/ 193.
4 عُرَنَة: بضم أوله وفتح ثانية وثالثه، وهو ما بين العلمين اللذين هما حد عرفة والعلمين اللذين هما حد الحرم.
بضم العين وفتح الراء والنون قال المحب قلت: وفيما ذكره نظر، لأنه أراد تحديد عرفة أولا وآخرا، فجعله من الجبل المشرف على بطن عرنة بالنون، فيكون آخره ملتقى وصيف، وبطن عرفة بالفاء، ولا يصح أن يكون وادي عرفة بالنون، لأن وادي عرنة لا ينعطف على عرفة، بل هو ممتد مما يلي مكة يمينا وشمالا، فكان التقييد بوادي عرفة أصح، والله أعلم، قال: وهذا التحديد يدخل عرنة في عرفة
…
انتهى.
وقال المحب الطبري أيضا في "القرى": قال الشافعي في الأوسط من مناسكه: وعرفة ما جاوز وادي عرنة وليس الوادي ولا المسجد منها، إلى الجبال المقابلة مما يلي حائط ابن عامر وطريق الحضن، وما جاوز ذلك فليس من عرنة، حكى ذلك صاحب "الشامل"، وحكى الشيخ أبو حامد الأسفراييني الشافعي: أن الشافعي قال في القديم: وعرفة ما بين الجبل المشرف إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا، ثم قال يعني الشيخ أبا حامد الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن، قال المحب الطبري بعد حكايته لذلك قلت: وهذا موافق لما حكاه الشيخ أبو حامد، إلا أنه أضاف الجبل المشرف إلى بطن عرنة فكأنه يشير إلى الجبل الطويل في آخر عرفة. حتى يكون مشرفا على أول عرفة، وهذا مغاير لما ظنه الشيخ أبو حامد أنه جبل الرحمة، وما ذكره في "البيان" هو الصواب.
والحمل على جبل الرحمة لا يصح، لأن عرفة يطيف بها، ولو جعلنا الخندمة لخرج ما خلفه من عرفة ولا خلاف عند أهل الخبرة بها أنها منه، ولذلك يقف فيما خلفه من السهل والجبل طوائف من أنواع العرب متطابقين على ذلك من غير إنكار، ويكون ذكره صاحب "البيان" من الإضافة إلى بطن عرفة1 يريد به عرفة موضع الوقوف، ولعله وسطها، حتى يكون بطنا، وربما صحف قوله: بطن عرفة بالفاء، فقيل بطن عرنة بالنون، وظن أن التقييد بالفاء غلط، وليس كذلك، بل هي بطن عرفة بالبفاء، واستدل على ذلك بما يؤيده
…
انتهى.
قلت: وحد عرفة من جهة مكة الذي فيه هذا الاختلاف الآن بَيّنٌ، وهو علمان بين العلمين اللذين هما حد الحرم إلى جهة عرفة، وكان ثمة ثلاثة أعلام، فسقط أحدهم وهو إلى جهة المغمس وأثره بين، ورأيت عنده حجرا ملقى مكتوبا فيه: أمر الأمير الأصفهسلار الكبير مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل حسام أمير المؤمنين بإنشاء هذه الأعلام الثلاثة بين منتهى أرض عرفة ووادي عرنة، لا يجوز لحاج بيت الله العظيم أن يجاوز هذه الأعلام قبل غروب الشمس. وفيه: كان ذلك بتاريخ شعبان من شهور سنة خمس وستمائة. ورأيت مثل ذلك مكتوبا في حجر ملقى في أحد العلمين الباقيين، وفي هذين العلمين مكتوب، أمر بعمارة علمي عرفات، وأضاف كاتب ذلك: هذا الأمر للمستنصر العباسي، ثم قال: وذلك في شهور سنة أربع وثلاثين وستمائة2.
1 كذا في الأصل.
2 إتحاف الورى 3/ 52.