الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وثلاثة أذرع، وإن اعتبرناها من باب العمرة: نقصت المسافة نصف ميل إلا مائة وسبعين ذراعا.
ويبعد أيضا تخريج ذلك على القول بأن الميل أربعة ألاف ذراع، لأن المسافة تنقص عن ذلك ميلا إلا عشر ميل ونصف عشر عشر ميل، على اعتبار المسافة من باب العمرة.
وأما على اعتبارها من باب الشبيكة، فتنقص ميلا وأزيد من ربع ميل.
وكذلك يبعد تخريج قول من قال: إن قدر الحرم من هذه الجهة نحو أربعة أميال، لأنه في معنى القول بالأربعة.
وأبعد من هذا كله ما ذكره الباجي من أن مقدار الحرم من هذه الجهة على خمسة أميال، لأنه لا يتخرج إلا على القول بأن الميل ألفا ذراع، وفي التخريج عليه نظر، وعلى أن الاعتبار في ذلك من باب الشبيكة، ومع ذلك فتزيد المسافة على الخمسة أميال مقدار خمسي ميل.
وأما على اعتبار المسافة من باب العمرة، فتزيد المسافة ميلا ونحو ربع ميل، وهذا هو النظر الذي أشرنا إليه في هذه الأقوال، والله أعلم.
ذكر تحديد حد الحرم من جهة اليمن:
من جدار باب المسجد الحرم المعروف بباب إبراهيم إلى علامة الحرم في هذه الجهة: أربعة وعشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع -بتقديم التاء- وأربعة أسباع ذراع، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: سبعة أميال تزيد سبعة أذرع وأربعة أسباع ذراع.
ومن عتبة باب مكة المعروف بباب الماجن إلى حد الحرم في هذه الجهة: اثنان وعشرون ألف ذراع وثمانمائة ذراع وستة وسبعون ذراعا بتقديم السين وأربعة أسباع ذراع.
ومقدار ذلك من الأميال على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: ستة أميال ونصف ميل وربع سبع ميل يزيد ذراعا وأربعة أسباع ذراع.
وقد حررنا مقدار الحرم من جميع جهاته الأربع المعروفة على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل، وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب. واقتصرنا في هذا الكتاب على ذكر ذلك على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، لرجحانه، وطلبا للاختصار، وقد نظم بعضهم في حدود الحرم أبياتا، وهي:
وللحرم التحديد من أرض طيبة
…
ثلاثة أميال إذا رمت إتقانَهْ
وسبعة أميال عراق وطائف
…
وجدة عشرٌ، ثم تسع جعرانهْ
ومن يمن سبع بتقديم سينها
…
فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانهْ
وقد زد في حد لطائف أربع
…
ولم يرض جمهور لذا القول رجحانهْ
والبيتان الأولان لا أعرف ناظمهما، والبيتان الآخران لجدي لأبي قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن أحمد النويري الشافعي، قاضي مكة وخطيبها، وعالم الحجاز في عصره، تغمده الله برحمته، على ما وجدت في تأليف له بخط بعض مشايخنا يسمى "المعلم بدية الحر المسلم".
وبعض الناس ينشد بيت جدي الأول على غير ما ذكرناه، فيقول:
من يمن سبع بتقديم سينها
…
وقد كملت فاشكر لربك إحسانهْ
وهذا هو المشهور عند الناس.
ويجمع بين هذا الاختلاف بأن يكون جدي قال ذلك على الوجهين، وكأن جدي رضي الله تعالى عنه قصد بالبيت الأول في نظمه إفادة حد الحرم من جهة اليمن، لكون ناظم البيتين الأولين لم يتعرض فيهما لحد الحرم من جهة اليمن، كما وقع للماوردي في "الأحكام السلطانية"1، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "مهذبه"، وكأن جدي رحمة الله عليه قصد بالبيت الثاني من نظمه أن يفيد في حد الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة، ما قيل من أنه أحد عشر ميلا، كما ذكره الأزرقي في تاريخه2، وأن الراجح في حد الحرم من هذه الجهة قول من قال إنه سبعة أميال بتقديم السين على الباب كما قال الماوردي3، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والنووي4، وقلدهم جدي في رجحان ذلك.
وفي كون ذلك راجحا نظر لما سبق بيانه من بُعْدِ استقامة قولهم، خصوصا النووي رحمه الله لاضطراب كلامه في ذلك وسبب ذلك والله أعلم: تقليدهم في ذلك مع بعدهم عن المكان، وعدم اعتبارهم لذلك، ولو اعتبر كل من هؤلاء الأئمة هذا الأمر كما اعتبرناه لظهر له صحة ما قلناه، وإنما قلدوا في ذلك، فلم يستقم، وقد طال الكلام في هذا الأمر، ولكن الموجات اقتضت ذلك.
وكان شيخنا العلامة المغني المصنف المفتي كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري المصري المكي الشافعي رحمه الله ينشد عن جدي رحمة الله تعالى عليه قوله: ومن يمن سبع، البيت، ثم يقول: الأولى أن يقال:
ومن يَمَنٍ سبع بتقديم سينها
…
لذلك سيل الحل لم يَعْدُ بنيانه
1 الأحكام السلطانية "ص: 173".
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 131.
3 الأحكام السلطانية "ص: 165".
4 تهذيب الأسماء واللغات 1 ق واللغات 1 ق 2/ 82.
وهذا الصنف الأخير له على ما ذكره لي صاحبنا الإمام صلاح الدين خليل بن محمد الأقفهسي1 أبقاه الله، وذكر لي أن شيخنا كمال الدين كان يعلل ذلك بما فيه من الفائدة في كون سيل الحل لا يدخل الحرم، بخلاف شطر بيت جدي فليس فيه إلا الدعاء.
وهذه الفائدة ذكرها غير واحد من العلماء، إلا أنها معترضة بما ذكره الأزرقي من أن سيل الحل يدخل الحرم من جهة التنعيم فقط، وقد سبق كلام الأزرقي في هذا المعنى، ويعارضها أيضا ما ذكره الفاكهي، وقد سبق ذكره.
وسمعت بعض أصحابنا ينشد بيت الشيخ كمال الدين هذا بتغيير في لفظه، لأنه نقل عن شيخنا الدميري أنه قال:
ومن يمن سبع وكرز لها اهتدى
…
لذلك سيل الحل لم يَعْدُ بنيانه
وكرز المشار إليه: هو كرز بن علقمة الخزاعي2.
وليس هو أول من نصبها في الإسلام، لأن جماعة من الصحابة سبقوه إلى ذلك، منهم: تميم بن أسد، عام الفتح، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم3.
ومنهم في زمن عمر رضي الله عنه: حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع، ومخرمة بن نوفل وأزهر بن عبد عوف الزهريان، كذا في الأزرقي4. والفاكهي5.
وفي الفاكهي أيضا عن الزبير بن بكار: أن صبيحة بن الحارث بن جبلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، أحد القرشيين اللذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يجددون أنصاب الحرم.
ومنهم في زمن عثمان رضي الله عنه حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع وعبد الرحمن بن أزهر ونفر من قريش، وكان هؤلاء يجددونها في كل سنة، كذا في الأزرقي والفاكهي، وليس فيهما ذكر نصب كرز لأنصاب الحرم، وإنما ذكر ذلك ابن عبد البر6، وذكر أن ذلك وقع في زمن معاوية رضي الله عنه في ولاية مروان على مكة.
1 ترجمته في الضوء اللامع 3/ 202 - 204 رقم 165.
2 الجرح والتعديل 7/ 170.
3 مثير الغرام الساكن "ص: 142.
4 أخبار مكة للأزرقي 2/ 129.
5 أخبار مكة للفاكهي 2/ 273 ومناسك الحربي "ص: 472 ومثير الغرام "ص: 142".
6 الاستيعاب 3/ 311.
وما عرفت لأي معنى ذكر شيخنا الدميري نصب كرز دون غيره ممن هو أشهر منه، وكان الأولى أن يقول:
ومن يمن سبع تميم لها اهتدى
…
لذلك سيل الحل لم يعد بنيانه
لكونه فعل ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما أثر للجاهلية، فإن للتجديد بعدها أثر، والله أعلم.
ولم أر أحدا تعرض لمقدار الحرم إلا أبا القاسم بن خرداذبه الخراساني في كتابه "المسالك والممالك"1، لأنه قال: وطول الحرم حل مكة: سبعة وثلاثون ميلا، وهي التي تدور بأنصاب الحرم
…
انتهى.
وهي فائدة حسنة، إن صحت، والله أعلم بحقيقة ذلك.
1 المسالك والممالك "ص: 132"، وذكر ابن سراقة في كتاب "الأعداد" أن مساحته ستة عشر ميلا في مثلها. "إعلام الساجد ص: 64".