الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واحد
…
انتهى. ذكر ذلك مفرقا في موطنين من الباب الثامن والعشرين من كتابه القرى1 وعزا المحب الطبري الخبر الذي فيه، "وكلوا بالمعروف" إلى سنن سعيد بن منصور، وهو في طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي من حديث عثمان بن طلحة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في الباب السابع والثلاثين من هذا الكتاب إن شاء الله.
والأصل في غسل الكعبة لتطهيرها في الجملة، ذكر الفاكهي ما يدل له، لأنه قال في ترجمة ترجم عليها بقوله: ذكر أذان بلال بن رباح على الكعبة ورقيه فوقها يوم الفتح للأذان حدثني محمد بن علي المروزي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فرقي على ظهر الكعبة، فأذن الصلاة، وقام المسلمون فتجرروا في الأزر وأخذوا الدلاء، وارتجزوا على زمزم، فغسلوا الكعبة ظهرها وبطنها، فلم يدعوا أثرا من آثار المشركين إلا محوه وغسلوه2
…
انتهى.
وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذه الترجمة لما وقع فيها من غسل الحجبة للكعبة، ويكون هذا الخبر كالشاهد بذلك، والله أعلم.
1 القرى "ص: 508".
2 أخبار مكة للفاكهي 5/ 221.
ذكر بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها:
أخبرني بذلك خالي قاضي الحرمين محب الدين النويري سماعا عن القاضي عز الدين بن جماعة سماعا، أنه نقل من خط والده في الدائرة التي ذكر فيها صفة الكعبة، وما يحتاج إلى معرفة تصويره، وأن والده قال: إنه كتبها في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وستمائة، قال: جهة القبلة لأهل البصرة، والأهواز، وفارس وكرمان، وأصبهان، وسجستان، وشمالي بلاد الصين، وما على سمت ذلك وهو من باب الكعبة إلى الحجر الأسود، فمن جعل القطب على أذنه اليمنى والشولة إذا تدلت للغروب بين عينيه، ومشرق الصيف خلف كتفه الأيمن والدبور1 على خده الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الكوفة، وبغداد، وحلوان والقادسية، وهمدان، والري، ونيسابور، وخراسان، ومرو، وخوارزم، وبخارى، وفرغانة، والشاش، وماهان، وما كان على سمت ذلك: ما بين مصلى آدم إلى قرب باب الكعبة، فمن جعل بنات نعش2
1 الدبور: هي الريح الغربية.
2 سبعة كواكب: أربعة منها نعش، لأنها مربعة وثلاث بنات نعش "تاج العروس 4/ 357".
الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليمنى، والهقعة1 إذا طلعت بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسري، والقطب على كتفه الأيمن، وريح الصبا على الأيسر، والشمال على عاتقه الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الرها، والموصل، وملطية، وشميساط، وسيحان، والجزيرة، وديار بكر، وما كان على سمت ذلك: إلى القبلة يستقبلون من الركن الشامي إلى مصلى آدم، فمن جعل فيها القطب على أذنه اليمنى ومشرق الشتاء خلف أذنه اليسرى، وريح الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على خده الأيمن، والجنوب على عينه اليسرى: استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الشام كلهم إلا ما ذكر عن اليمين، ودمشق في هذا القسم، وهي: حمص، وحماه، وحلب، ومنبج، وحران، وميافارقين، وما والاها من البلاد، وسواحل الروم: ما بين الميزاب والركن الشامي، موقفهم موقف أهل المدينة ودمشق كما تقدم، لكنهم يتياسرون شيئا كثيرا، والجهة شاملة للجميع إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل جانب الشام الغربي، ووسط غزة، والرملة، وبيت المقدس، والمدينة الشريفة، ودمشق، وفلسطين وعكا، وصيدا، وما ولى ذلك من السواحل على سمتهم، وهي من قبيل ميزاب الكعبة إلى دون الركن الغربي، فمن جعل بها سهيلا إذا طلع بين عينيه، وبنات نعش إذا غربت خلفه، والنسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، فقد استقبل هذا في الجانب من الشام، أما المدينة، ودمشق وما والاها من أواسط الشام. فمن جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى، والجدي على قفا ظهره مائلا إلى عينه قليلا، والهقعة إذا طلعت عن شماله، والصبا على خده الأيسر، والجنوب تلقاء وجهه: فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل مصر والصعيد الأعلى، وسواحلهما السفلى أسواق، وإسنا، وقوص، والفسطاط، والإسكندرية، والمحلة، ودمياط، وتنيس، وبرقة، وطرابلس، وصفد، وساحل المغرب، والأندلس، وما كان على سمته، وهو ما بين الركن الغربي والميزاب، فمن جعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على خده الأيسر، والقطب على أذنه اليسرى، ومشرق الشتاء تلقاء وجهه، والدبور خلف كتفه الأيمن، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
1 الهقعة: بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين، ثلاثة كواكب منيرة قريب بعضها من بعض. فوق منكس الجوزاء كأنها الأثافي، وهي من منازل القمر. إذا طلعت مع الفجر اشتد حر الصيف "تاج العروس 5/ 588".
وجهة القبلة لأهل الشمال من بلاد البُحاة، والنوبة، وأواسط المغرب من جنوب الواحات إلى بلاد إفريقية، وأواسط بلاد البربر، وبلاد الجريد إلى البحر المحيط وهي جهة جدة، وعيذاب، وجنوب أسوان، وهي من دون الركن الغربي بثلث الجدار إلى الركن الغربي، فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على عينه اليسرى، والصبا على عينه اليمنى فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد البجاة، وبلاد دهلك وسواكن، وبلاد البلين والنوبة إلى بلاد التكرور وما وراء ذلك، وما على سمته من بلاد السودان وغيرهم إلى البحر المحيط، وهي من دون الباب المسدود إلى ثلثي الجدار، فمن جعل بها الثريان إذا طلعت بين عينيه، والقطب على عينه اليسرى وخده الأيسر، والصبا على عينه اليمنى، والدبور خلف أذنه اليسرى، ومغرب الشولة خلف كتفه الأيمن ومشرق الشتاء على خده الأيمن، ومشرق الصيف على الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الحبشة، والزنج، والزيلع، وأكثر بلاد السودان، وجزائر فرسان وما والاها من البلاد وكان على سمتها، وهي الركن اليماني إلى ثلثي الجدار وهو آخر الباب المسدود، فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على جنبه الأيمن، والقطب على الأيسر، والصبا على خده الأيمن، والدبور على كتفه الأيسر، والجنوب على الأيمن، ومغرب الشولة خلف كتفه الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل اليمن بأسره: ظفار، وحضرموت، وصنعاء، وعمان، وصعدة، والشحر، وسبأ وما والاها وما كان على سمتها، وهي من دون الركن اليماني بسبعة أذرع إلى الركن اليماني، فمن جعل فيها القطب بين عينيه، وسهيلا إذا طلع خلف أذنه اليمنى، وإذا غرب خلف اليسرى، ومشرق الشتاء على أذنه اليمنى، ومغرب الشتاء على اليسرى، والشمال تلقاء وجهه، والجنوب خلف ظهره، والصبا على خده الأيمن، والدبور على الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد السند، وجنوب بلاد الهند، وجنوب بلاد الصين، وأهل التهائم، والسندين، والبحرين، وما والاها وكان على سمتها، وهي من دون مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلثي هذا الجدار، فمن جعل بنات نعش إذا طلعت على خده الأيمن، ومطلع النسر الواقع على أذنه اليمنى، ومغرب بنات نعش بين عينيه، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد الصين، وأهل واسط، والهند والمرجان، وكابل، والهدبان والتتار، والمسفر، والقندهار، وما والاها وكان على سمتها، وهو من الركن الأسود إلى دون مصلى النبي صلى الله عليه وسلم فمن جعل بها بنات نعش الكبرى إذا طلعت على خده الأيمن
والقطب على عاتقه الأيمن، والصبا خلف أذنه اليمنى، فقد استقبل القبلة إن شاء تعالى
…
انتهى ما ذكره القاضي عز الدين بن جماعة عن أبيه من بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها.
ووجدت في الكتاب الذي ألفه الفقيه أبو عبد الله محمد بن سرقة العامري لمعرفة دلائل القبلة في جميع البلدان بابا في هذا المعنى وعرضته على ما ذكره ابن جماعة، فإن بين ما ذكره ابن سراقة وابن جماعة اختلاف كثير من اللفظ والمعنى والزيادة والنقص وغير ذلك، فرأيت أن ذكر ما ذكره ابن سراقة ليحيط بذلك علماء النظر في هذا الكتاب.
أنبأني بكتاب ابن سراقة المسندان محمد بن محمد بن عبد الله، وإبراهيم بن أبي بكر بن عمر الصالحيان إذنا، ومكاتبة عن أبي القاسم شهاب بن علي المحسبي أن أبا محمد عبد الوهاب بن ظافر الأزدي أخبره سماعا قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال: أنبأنا أبو صالح محمد بن أبي عيسى بن الفضل السمرقندي بمصر قال: أنبأنا الفقيه محمد بن سراقة العامري قال: باب ذكر البلدان ومواقعها من جهات الكعبة، وما يستدل به هل كل بلد عليها: اعلم أن أهل القادسية، والكوفة، وبغداد وحلوان، وهمدان، والري، ونيسابور، ومرو، وخوارزم، وبخارى، والشاش، وفرغانة، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون الكعبة من مصلى آدم إلى بابها، فمن كان في إحدى هذه البلاد أو على خطها وأراد التوجه إليها جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت على أذنه اليمنى، والهقعة إذا طلعت بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسرى، والقطب على كتفه الأيمن، وريح الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على عاتقه الأيمن إلى قفاه، والدبور على صفحة خده الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، فمن استدل ببعض هذه الدلائل في إحدى هذه البلدان أو فيما كان على سمتها من البلاد، من بر، أو بحر، أو سهل، أو جبل، فقد استقبل جهة الكعبة التي أمر باستقبالها.
واعلم أن أهل البصرة، والأهواز، وفارس، وأصبهان، وكرمان، وسجستان، وبست إلى بلاد الصين، وما كان من البلاد على سمت ذلك، يستقبلون في صلاتهم من باب الكعبة إلى الركن العراقي، فمن كان في إحدى هذه البلاد وفيما كان على سمتها وأراد التوجه إلى الكعبة جعل القطب على أذنه اليمنى، والنسر الواقع خلفه والشولة إن نزلت للغروب بين عينيه، أو مشرق الصيف خلف كتفه الأيمن، ومهب الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على أذنه اليمنى، والدبور على خده الأيمن، والجنوب على عينه اليسرى، فمتى فعل ذلك استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل السند، والمهرجان، وكابل، والقندهار، والنسان، وما كان على سمت ذلك من البلاد فهم يستقبلون في صلاتهم من الركن العراقي إلى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمن جعل في إحدى هذه البلاد ومن كان من البلاد على سمتها بنات نعش إذا طلعت على خده الأيمن والقطب على عينه اليمنى، وربح الصبا خلف أذنه اليسرى والشمال على خده الأيمن، والدبور على خده الأيسر، والجنوب على كتفه الأيسر، فقد استقبل جهة الكعبة.
وأعلم أن أهل اليمن، والسدير، والتهائم إلى عدن، والبحرين إلى عمان، وحضرموت، والشحر، وصنعاء، وهي نجدية، وصعدة وما كان على سمت ذلك من البلاد يستقبلون في صلاتهم من موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الركن اليماني، فمن كان في إحدى هذه البلاد فجعل القطب بين عينيه، وسهيلا إذا طلع على أذنه اليمنى، وإذا غرب خلف أذنه اليسرى، ومشرق الشتاء على أذنه اليمنى، والصبا على كتفه الأيمن، والشمال تلقاء وجهه، والدبور على جنبه الأيسر، والجنوب على كتفه الأيسر، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل بلاد الحبشة، وجزائر، وفرسان، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الركن إلى الباب المسدود، فمن كان في إحدى هذه البلاد أو فيما كان من البلاد على سمتها فجعل الثريا إذا طعلت بين عينيه، والشعرى والعيون إذا طلعت على جنبه الأيمن، أو القطب على أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على عينيه، أو الشمال تلقاء وجهه والدبور عن شماله، أو الجنوب خلفه، كان مستقبلا لجهة الكعبة.
وإن أهل بلاد النوبة والبجة إلى البحر المحيط، وما وراء ذلك من خلال بلاد السودان وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الباب المسدود إلى دون الركن الغربي بسبعة أذرع، فمن جعل في إحدى هذه البلاد أو فيما كان على سمتها من البلاد العيون إذا طلع بين عينيه، أو الثريا على عينه اليمنى، أو الشولة إذا غربت بين كتفيه، أو القطب على صفحة خده الأيسر، أو مشرق الصيف قبالته، أو مغرب الشتاء خلفه أو ريح الصبا على عينه اليمنى، أو الشمال على حاجبه الأيسر، أو الدبور على أذنه اليسرى، أو الجنوب على كتفه الأيمن، فقد استقبل جهة الكعبة.
وأعلم أن أهل الأندلس والمغرب من أهل إفريقية وطرابلس وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من دون الركن الغربي بسبعة أذرع إلى الركن الغربي، فمن جعل في إحدى هذه البلاد وما كان على سمتها الثريا إذا طلعت بين عينيه، والشعرى خلف ظهره، أو الشمال على كتفه الأيسر. أو الجنوب على كتفه الأيمن فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل الإسكندرية ومصر إلى القيروان إلى تاهرت والسوس، والمغرب الأقصى إلى البحر الأسود، وما كان من البلاد على سمت ذلك، يستقبلون في صلاتهم من الركن الغربي إلى ميزاب الكعبة، فمن جعل إحدى هذه البلاد الأحمرة إذا طلعت بين عينيه، أو بنات نعش إذا غربت على كتفه الأيسر، وإذا طلعت على أذنه اليسرى، أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على جبينه الأيمن أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو الدبور خلفه، أو الجنوب على عينه اليمنى، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الحجاز والرملة، وبيت المقدس، وفلسطين، وما كان على سمت ذلك من البلاد يستقبلون في صلاتهم ميزاب الكعبة، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلتين بالغائط أو بالبول لأن من كان بالمدينة واستقبل الكعبة فقد استدبر صخرة بيت المقدس، وقد كانت قبلته، ومن استدبر الكعبة فقد استقبل الصخرة، وكأن في نهيه عن استدبار القبلتين نهيا عن استقبال الكعبة واستدبارها، ثم قال: ولكن شرقوا أو غربوا لتكون الكعبة عن يمينه وبيت المقدس عن شماله أو الكعبة عن شماله وبيت المقدس عن يمينه فهذا خاص لأهل المدينة وما كان على سمتهم، فمن كان في إحدى هذه البلاد فجعل بنات نعش إذا غربت خلفه، أو سهيلا إذا طلع بين عينيه، أو النسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، وإذا غرب خلف أذنه اليمنى، أو ريح الصبا على عينه اليسرى، أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو الدبور خلف أذنه اليمنى، أو الجنوب على حاجبه الأيمن، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن الشمال كلها خلا الرملة، وبيت المقدس، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من ميزاب الكعبة إلى الركن الشامي، فمن جعل في إحدى هذه البلاد بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى، أو الجدي إذا علا على منكبه الأيسر، أو الهقعة إذا طلعت عن شماله، أو الصبا على صفحة خده الأيسر، أو الشمال على مرجع الكتف الأيمن، أو الدبور على أذنه اليمنى إلى ما يلي قفاه، أو الجنوب تلقاء وجهه، كان مستقبلا لجهة الكعبة.
واعلم أن أهل ملطية، وسمياط، والمرس، وأرمينيا إلى باب الأبواب، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الركن الشامي إلى مصلى آدم عليه السلام، فمن جعل في إحدى هذه البلاد، وما كان من البلاد، وعلى سمتها العيوق إذا طلع خلف أذنه اليسرى إلى قفاه، وإذا غرب على جنبه الأيمن، أو القطب على أذنه اليمنى إلى خلف قفاه، أو مشرق الشتاء على العظم الذي خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على كتفه الأيسر، أو الشمال على صفحة خده الأيمن. أو الدبور على عاتقه الأيمن أو الجنوب على عينه اليسرى، فقد استقبل جهة الكعبة.
ولا بد لمن أراد استعمال ما ذكرته في كتابي هذا أو العمل به من معرفة ما ذكرته من الكواكب، وهي يسيرة فيعرفها بأعيانها، وكذلك الرياح ومهابها فإنه يصل إلى بغيته ومراده إن شاء الله تعالى
…
انتهى.
ووقع فيما ذكره ابن جماعة وابن سراقة ما يقتضي أن مصلى آدم عليه السلام في جهة الكعبة الشرقية فيما بين بابها والركن الشامي الذي يلي الحجر، بسكون الجيم، وأن مصلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وذلك يحتاج إلى زيادة بيان رجاء معرفته، ليحصل الفوز بالصلاة فيه، وليس في كلام ابن جماعة ما يقتضي ذلك، وفي كلام ابن سراقة ما يقتضي زيادة بيان في ذلك، لأنه قال في أوائل كتابه المذكور: ومن الباب يعني باب الكعبة إلى مصلى آدم عليه السلام حين فرغ من طوافه، وأنزل الله عز وجل عليه التوبة وهي موضع الخلوق من أرز الكعبة: أرجح من تسعة أذرع، وهناك كان موضع مقام إبراهيم عليه السلام وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، ثم قال ابن سراقة: وبين موضع الخلوق وهي مصلى آدم عليه السلام وبين الركن الشامي ثمانية أذرع
…
انتهى.
وقال ابن سراقة في بيان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم بين الركن اليماني والحجر الأسود: وعرض جدارها -يعني الكعبة- الذي يلي اليمن، وهو فيما بين الركن اليماني والركن العراقي الذي فيه الحجر الأسود: عشرون ذراعا، وإلى وسط هذا الجدار كان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة
…
انتهى.
والذراع الذي أشار إليه ابن سراقة في هو ذراع اليد، وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع كما سبق ذكره في حدود الحرام، وقد تحرر لي مما ذكره ابن سراقة في ذرع ما بين الركن الشامي ومصلى آدم عليه السلام أن يكون مصلى آدم ظنا بقرب الحفرة المرخمة التي في وجه الكعبة، بحيث يكون من المصلى إلى الحفرة ثلاثة أذرع إلا ثلث ذراع بالحديد.
ويعرف أيضا مصلى آدم عليه السلام بأن بينه وبين الحفرة المشار إليها ست رخامات من الرخام الذي هو الآن في شاذروان الكعبة إلا أربع أصابع، وتحت الرخام ثلاثة أحجار صفر إلا أن الحجر الثالث يزيد على الست الرخامات فوقه قليلا، وكان تحريري لذلك مع من يعتمد عليه من أصحابنا في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثمانمائة، بعد أن اعتبرنا ما ذكره ابن سراقة في ذلك، فوافق لأنا ذرعنا مقدار ثمانية أذرع بالبلد، ووضعنا عند طرف ركن الكعبة الشامي، ومددناه إلى حيث انتهى من جدار الكعبة، ثم ذرعنا ذلك بذراع الحديد فجاء سبعة أذرع بتقديم السين وثمن ذراع بالحديد، فعرفنا بذلك أن موضع منتهى الثمانية أذرع باليد أو السبعة بتقديم السين والثمن
بالحديد موضع مصلى آدم عليه السلام ظنا، وهو الموضع الذي أشرنا إليه، والله أعلم.
وحررنا في التاريخ المذكور موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم بين الركن اليماني والحجر الأسود، وعلى مقتضى ما ذكره ابن سراقة من أنه في وسط هذا الجدار، فإذا هو موضع الرخامة البيضاء المكتوب فيها: أمر بتجديد المطاف الشريف العبد الفقير الراجي عفو ربه الغفور الملك المنصور لاجين1 وبعد ذلك سطر مكشوط، وإنما كان هذا الموضع موضع مصلي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الجهة على ما ذكر ابن سراقة في تحريره، لأنا ذرعنا ما بين الحجر الأسود وهذه الرخامة فوجدناه ثمانية أذرع وثمن بالحديد، وكذلك ما بين هذه الرخامة وبين الركن اليماني، فعرفنا بذلك أن هذه الرخامة وسط هذا الجدار، وأنها على مقتضى ما ذكر ابن سراقة موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الجهة، والله أعلم. على أنى رأيت ما يدل بخلاف ما ذكره ابن سراقة في تحرير موضع مصلى آدم عليه السلام في الجهة الشرقية، وهو أيضا يخالف ما ذكره ابن جمعة في ذلك، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن عبد الله بن أبي سليمان المخزومي أنه قال: طاف آدم عليه السلام سبعا بالبيت حين نزل، ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنوبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قضيت علي، قال: فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، ولن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت غمومه وهمومه، وكففت عليه صنعته ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، وتجرت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة، وإن كان لا يريدها2.
وروينا في "دلائل اليقين" لابن أبي الدنيا بسنده، عن عوف بن خالد قال: وجدت في بعض الكتب آن آدم عليه السلام ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي رضيت بما قسمت لي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم إنه حق علي أن لا يلزم أحد من ذريتك هذا الدعاء إلا أعطيته ما يحب، ونجيته مما يكره، ونزعت أمل الدنيا والفقر من بين عينيه وملأت جوفه حكمة.
1 هو السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين سلطان الديار المصرية، تسلطن في عاشر صفر سنة 696هـ، وقتل في عاشر ربيع الآخر سنة 698هـ.
2أخبار مكة للأزرقي 1/ 44.
وهذا الخبران يقتضيان أن موضع مصلى آدم عليه السلام موضع الشقة الثالثة من كسوة الكعبة في وجهة الباب الذي يلي الركن الشامي عند باب الحجر.
وقال بعض الناس إن الموضع الذي تاب الله فيه على آدم عليه السلام دبر الكعبة عند الباب الذي فتحه ابن الزبير رضي الله عنهما من دبرها عند الركن اليماني، والقول الأول أحب إليهم وأعجب من أجل الحديث
…
انتهى. وفيه دلالة لما ذكر ابن سراقة في موضع مصلى آدم عليه السلام في الجهة الشرقية والله أعلم.
وللنبي مصليات أُخَر عند الكعبة في جهتها الشرقية وغيرها، يأتي التنبيه عليها في الباب السابع عشر إن شاء الله تعالى.