الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ذكر الأزرقي في عقوبة من اجترأ على ذلك، وفي التحذير منه أخبارا، منها:
ما نقله عن جده أحمد بن محمد الأزرقي، عن عبد الله بن زرارة: أنه كان مال الكعبة يدعى الأبرق، ولم يخالط مالا قط بحقه، ولم يزرأ منه أحد إلا بأن النقص في ماله، وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت.
ومنها أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة فاشتد عليه النزع جدا، حتى مكث أياما ينتزع نزعا شديدا، فقال له أبوه لعلك أصبت من الأبرق شيئا يعني مال الكعبة فقال: أربعمائة دينار، فأشهد أن عليه للكعبة أربعمائة دينار فسري عن الفتى، ثم لم يلبث أن مات1.
هذا معنى الخبرين باختصار، وبالجملة فلا يجوز أخذ شيء من حلية الكعبة لا للحاجة ولا للتبرك، لأن ما جعل للكعبة وسُبِّلَ لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغييرها عن وجوهها، أشار إلى ذلك المحب الطبري في "القرى"، قال: وفيه تعظيم للإسلام وترهيب على العدو2
…
انتهى.
1 أخبار مكة 1/ 247.
2 القرى "ص: 638".
ذكر كسوة الكعبة المعظمة:
كسيت الكعبة في الجاهلية والإسلام أنواعا من الكسى، منها: الخصف، والمعافر، والملاء، والوصائل، والعصب1، كساها ذلك تبع الحميري، على ما ذكر ابن إسحاق2. وذكر ابن جريج أنه كساها العصب، وأنه أول من كسى الكعبة كسوة كاملة. وذكر السهيلي أنه كساها المسوح والأنطاع3.
1 العصب: برود يمانية، والوصائل: جميع وصيلة وهي ثوب أحمر مخطط يماني، والملاء، جمع ملاءة وهي ثوب لين رقيق، والمعافر: اسم بلد سميت به الثياب المعافرة التي تصنع فيه، والخصف: جمع خصفة وهي الثوب الغليظ.
2 روى ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق أن تبعا أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره. وجعل له بابا ومفتاحا.
3 المسوح: جمع مسح، وهو ثوب من الشعر غليظ، والأنطاع: جمع نطع، وهو بساط من الجلد.
وقد ذكر الفاسي رواية السهيلي مقتضبة وتكملتها: أنه كساها بالخصف ثم كساها بالمسوح والأنطاع، ثم كساها بالملاء والوصائل، ومن قوله حين كسى البيت:
وكسونا البيت الذي حرم الله
…
ملاء معضدا وبرودا
فأقمنا به من الشهر عشرا
…
وجعلنا لبابه إقليدا
ونحرنا بالشعب ستة ألف
…
فترى الناس نحوهن ورودا
ثم سرنا عنه نؤم سهيلا
…
فرفعنا لواءنا معقودا
والقصيدة طويلة. "الروض الأنف 1/ 40، 41".
ومنها على ما ذكرت أم زيد بن ثابت الأنصاري: مطارف خز خضر وصفر، وكرار، وأكسية من أكسية الأعراب، وسقاف شعر.
ومنها على ما ذكر عمر بن الحكم السلمي: وصائل، وأنطاع، وكرار خز، ونمارق عراقية.
ومنها: حبرات يمانية، كساها ذلك: أبو ربيعة المخزومي، وكساها ذلك: قريش حين بنوا الكعبة كما في خبر أبي نجيح وفي رواية أنهم كسوها حينئذ الوصائل.
ومنها أنماط فهذه كسوتها في الجاهلية على ما ذكره الأزرقي1.
وأما كسوتها في الإسلام على ما ذكر الأزرقي: فثياب يمانية كساها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقباطي من مصر كساها ذلك عمر، وعثمان رضي الله عنهما وكساها عثمان أيضا برودا يمانية، وهو أول من ظاهر لها بين كسوتين.
وكساها عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان يحلي به بدنه من القباطي، والحبرات والأنماط.
وكساها معاوية رضي الله عنه الديباج، والقباطي، والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في آخر رمضان للفطر2.
وكساها يزيد بن معاوية: الديباج الخسرواني، وكساها الديباج أيضا ابن الزبير رضي الله عنهما وعبد الملك بن مروان، ويقال في كل من هؤلاء الثلاث إنه أول من كسى الكعبة الديباج.
وكساها ابن الزبير رضي الله عنهما حين فرغ من بنائها القباطي.
وكساها المأمون ثلاث كسى: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض الذي أحدثه يوم سبع وعشرين من رمضان للفطر.
وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي.
وكساها حسين الأفطس العلوى كسوتين: من قز رقيق، إحداهما صفراء، والأخرى بيضاء أمر بعملهما أبو السريا، هذا ملخص بالمعنى مما ذكره الأزرقي في كسوة الكعبة في الجاهلية والإسلام.
1 أخبار مكة 1/ 249 وما بعدها.
2 ذكر ابن هشام أن أول من كسى الكعبة بالديباج: الحجاج بن يوسف، وأنها كانت تكسى قبل ذلك بالقباطي والبرود 1/ 132، وانظر: أخبار مكة 1/ 253، و254.
وممن ذكر الأزرقي في أنه كسى الكعبة: أبو بكر الصديق: رضي الله عنه ولم يذكر صفة كسوته، ولا وقت كسوة عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كسى الكعبة1 ولم أر من صرح بأنه كساها. ولعله اشتغل عن ذلك بحروبه في تمهيد أمر الدين مع الخوارج، والله أعلم.
ووقع فيما ذكره الأزرقي من كسوة الكعبة ذكره القباطي، والوصائل، والحبرات، والعصب، والأنماط.
فأما القباطي: فهي جمع قبطية بالضم، وهو ثوب من ثياب مصر رقيق أبيض، كأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر، والضم فيها من تغيير النسب، وهذا في الثياب، وأما في الناس فقبطي بالكسر لا غير.
وأما الوصائل: فثياب حمر مخططة يمانية.
وأما الحبرات: فجمع حبرة، وهو ما كان من البرود مخططا يقال له برد حبرة، وبرد حبر على الوصف وعلى الإضافة، وهو ثياب اليمن.
وأما العصب فهو برود يمانية يعصب غزلها: أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، بنأي: موشى ببقايا عصب، منه أبيض، ثم يأخذه صبغ يقال له برد عصب وبرود عصب بالتنوين والإضافة.
وأما الأنماط: فضرب من البسط، وإحداها نمط، ذكر تفسير ذلك كله على ما ذكرنا من يعتمد من العلماء رحمهم الله تعالى.
وممن كسى الكعبة على ما قيل ولم يذكره الأزرقي: إسماعيل النبي عليه الصلاة والسلام أخبرني خالي عن ابن جماعة قال: وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: وزعم بعض علمائنا أن أول من كسى الكعبة إسماعيل النبي عليه الصلاة والسلام والله أعلم بذلك
…
انتهى باختصار.
ومنهم: عدنان بن أد: وهو أول من كساها على ما قيل لأن الزبير بن بكار قال في كتابه "النسب": ويقال: إن عدنان بن أد خاف أن يدرس البيت، فوضع أنصابه، فكان أول من وضعها، وأول من كسى الكعبة أو كسيت في زمانه
…
انتهى.
ومنهم: خالد بن جعفر بن كلاب على ما ذكر السهيلي2 نقلا عن الماوردي، ونص كلام السهيلي بعد أن ذكر شيئا في كسوة الكعبة، ويزيد هنا ما ذكره الماوردي3.
1 راجع أخبار مكة 1/ 253.
2 الروض الأنف 1/ 224.
3 الأحكام السلطانية "ص: 162".
قال: أول من كسى الكعبة الديباج: خالد بن جعفر بن كلاب وجد لطيمة تحمل البر1، ووجد فيها أنماطا فعلقها على الكعبة 2
…
انتهى.
وسبقهما إلى ذلك الفاكهي، لأنه قال: وحدثنا محمد بن أبي عمر وعبد الجبار بن العلاء، يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن خشرم، قال: أصاب خالد بن جعفر لطيمة في الجاهلية فيها نمط من ديباج، فأرسل به إلى الكعبة وبسط عليها3
…
انتهى.
ومنهم: أم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنها كستها الحرير والديباج، على ما ذكر أبو عبيدة فيما نقله عنه ابن الحاج في منسكه، ونقل عن أبي عبيدة أن سبب كسوتها للكعبة أنها أضلت العباس رضي الله عنه صغيرًا، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، فلما وجدته كستها ذلك، وهي أو عربية كست الكعبة الديباج على ما ذكر السهيلي وغيره، وذكر الزبير بن بكار أن الذي أضلته أم العباس رضي الله عنها ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها: ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس رضي الله عنه وذكر أنها كانت تنشده بأبيات، ثم قال: فأتاها به رجل من جذام، فكست البيت ثيابا بيضا، والله أعلم.
وكسيت الكعبة بعد الأزرقي أنواعا من الكساء، فمن ذلك: الديباج الأبيض الخراساني، والديباج الأحمر الخراساني، على ما ذكر ابن عبد ربه في "العقد"، ولنذكر كلامه بنصه لإفادته ذلك وغيره من أمر كسوة الكعبة، قال بعد أن ذكر شيئا من خبرها: والبيت كله مستوف إلا الركن الأسود فإن الأستار تفرج عنه مثل القامة ونصف، وإذا دنا وقت الموسم كسي القباطي، وهو ديباج أبيض خراساني، فيكون في تلك الكسوة ما دام الناس محرمين، فإذا أحل الناس وذلك يوم النحر حل البيت فكسي الديباج الأحمر الخراساني، وفيه دارات مكتوب فيها حمد الله وتسبيحه وتكبيره وتعظيمه، فيكون كذلك إلى العام القابل، ثم يكسى أيضا على حال ما وصفت، فإذا كثرت الكسوة فخشي على البيت من ثقلها خفف منها، فأخذ ذلك سدنة البيت وهم بنو شيبة
…
انتهى كلام صاحب العقد بنصه4. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة على ما ذكره الذهبي في "العبر"5 وغيرها. ورأيت في كتابه "العقد" ما يقتضي أنه عاش بعد ذلك سنين كما بيناه في أصل هذا الكتاب، والله أعلم.
1 وفي الأحكام السلطانية: "أصاب لطمة في الجاهلية، وفيها نمط ديباج فناطه بالكعبة".
2 الأحكام السلطانية "ص: 162".
3 أخبار مكة للفاكهي 5/ 231، فتح الباري 3/ 459، وفيه: من "جرة" بدلا من "حشرم".
4 العقد الفريد 6/ 257، 258.
5 العبر في خبر من غير 2/ 211، 212.
ومن ذلك الديباج الأبيض في زمن الحاكم العبيدي، وفي زمن حفيده المستنصر العبيدي، كساها ذلك الصليحي صاحب اليمن ومكة، وكساها أبو النصر الأستراباذي كسوة بيضاء من عمل الهند في سنة ست وستين وأربعمائة1، وكسيت في هذه السنة الديباج الأصفر، وهذه الكسوة عملها السلطان محمود بن سبكتكين، ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، فأرسل بها إلى مكة، وجعلت فوق كسوة أبي النصر2.
وكسيت أيضا كسوة خضراء، وذلك في مبدأ خلافة الناصر العباسي، ولعلها كنت تكسى ذلك من قبل، والله أعلم.
وكسيت في زمنه أيضا كسوة سوداء، وفيها طراز أصفر، وكان قبل ذلك أبيض واستمرت فيما أحسب تكسى الديباج الأسود إلى الآن، إلا أن في سنة ثلاث وأربعين وستمائة كسيت ثيابا من القطن مصبوغة بالسواد، كساها ذلك: العفيف منصور بن منعة البغدادي شيخ الحرم بمكة، لما تمزقت كسوتها من الريح الشديدة التي وقعت بمكة في هذه السنة، ووجدت بخط الميورقي ما يقتضي أن هذه الريح كانت في سنة أربع وأربعين وستمائة3، والله أعلم.
ولما عريت الكعبة من هذا التاريخ أراد صاحب اليمن الملك المنصور أن يكسوها، فقال له ابن منعة: لا يكون هذا إلا من جهة الديوان يعني الخليفة العباسي ولم يكن عند ابن منعة شيء لأجل ذلك، فاقترض ثلاثمائة مثقال، واشترى بها الثياب المشار إليها، وصبغها بالسواد، وركب فيها الطرز القديمة التي كانت في كسوة الكعبة، وكساها بذلك.
وفي سنة عشر وثمانمائة أحدث في كسوة الجانب الشرقي من الكعبة جامات منقوشة بالحرير الأبيض4 وصنع ذلك في سنة إحدى عشر، وفي سنة اثنتي عشرة وفي سنة ثلاث عشرة، وفي سنة أربع عشرة، وترك ذلك في سنة خمس عشرة وثمانمائة وجعلت كسوة هذا الجانب كلها سوداء من غير جامات كما كانت أولا، وكذلك في سنة ست عشرة وثمانمائة، وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة، وفي سنة ثماني عشرة وثمانمائة، ثم جعلت في كسوة الجانب الشرقي جامات منقوشة بالحرير الأبيض فيما تحت الطراز إلى أسفل الكسوة في كل شقة من هذا الجانب، وذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة.
1 إتحاف الورى 2/ 475، العقد الثمين 3/ 261.
2 إتحاف الورى 2/ 476، النجوم الزاهرة 5/ 95.
3 إتحاف الورى 3/ 62، 63، البداية والنهاية 3/ 171، 172، درر الفرائد "ص: 277".
4 إتحاف الورى 3/ 459، درر الفرائد "ص: 318".
وعمل في هذه السنة لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأولى التي شاهدناها1.
والجامات المشار إليها مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالبياض، وكان ذلك مكتوبا في الشقاق التي أحدثت سنة عشرة وثمانمائة وذلك دوائر. واستمرت الجامات اليض المشار إليها خمس سنين متوالية بعد سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم أزيلت وعوض عنها بجامات سود في سنة خمس وعشرين وثمانمائة2.
وفي كسوة الكعبة طراز من حرير أصفر، وكان قبل ذلك أبيض على ما أدركناه، وأول ما عمل أصفر قبل سنة ثمانمائة بسنة أو سنتين، وفي الطراز مكتوب آيات من القرآن العظيم في الجانب الشرقي قوله تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96، 97] وفي الجانب الغربي: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127، 128] وفي الجانب اليماني: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [المائدة: 79] وفي الجانب الشامي اسم صاحب مصر وأمره بعمل هذه الكسوة، وهذا الطراز المذكور في نحو الربع الأعلى من البيت.
وذكر بعض العلماء حكمة حسنة في سواد الكعبة؛ لأنا روينا عن ابن أبي الصيف مفتي مكة أن بعض شيوخه قال له: يا محمد تدري لم كسي البيت السواد؟ فقال: لا، قال: كأنه يشير إلى أنه فقد أناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم، وهذا معنى كلام ابن أبي الصيف.
ولمهلهل الدمياطي الشاعر في سواد كسوة الكعبة والقفل:
يروق لي منظر البيت العتيق إذا بدت
…
لطرفي في الإصباح والطفل
كأن حليتها السواد قد نسجت
…
من حبة القلب أو من أسود المقل3
وكسوتها في هذه السنة، وفيما قبلها من سبعين سنة من الوقف الذي وقفه السلطان الملك الصالح4 إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر أيام
1 إتحاف الورى 3/ 536.
2 إتحاف الورى 2/ 587، تاريخ الكعبة المعظمة "ص: 261".
3 كذا ورد في الأصل.
4 هو أبو الفداء عماد الدين. تولى السلطنة من سنة 743- 746هـ "انظر عنه كتاب النور اللائح والدر الصادح في اصطفاء مولانا السلطان الملك الصالح، تأليف إبراهيم بن القيسراني، طبعة دار الإنشاء بطرابلس 1982.
سلطنته- على كسوة الكعبة في كل سنة، وعلى كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوي في كل خمس سنين مرة، وهذا الوقف قرية بضواحي القاهرة في طريق القليوبية مما يلي القاهرة اشتراها الملك الصالح من بيت المال ووقفها على ما ذكر فيها، ولم يكسها أحد من الملوك بعد ذلك إلا أخوه الملك الناصر حسن، إلا أن كسوته لم تكن لظاهر الكعبة، وإنما هي لباطنها، وهي الكسوة التي في جوفها الآن. وبلغني أنها كانت أطول من هذا بحيث تصل إلى الأرض، وهي الآن سائرة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب وهي الآن ساترة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب، ما خلا شقة من السقف بين الأسطوانتين اللتين تليان الباب، فإنها كمخة حرير حمراء، وفي وسطها جامة كبيرة مزركشة بالذهب، وكان إرسال السلطان حسن بهذه الكسوة في سنة إحدى وستين وسبعمائة1.
وبلغني أنه كان في جوف الكعبة قبلها كسوة للملك المظفر صاحب اليمن، والملك المظفر أول من كسا الكعبة من الملوك بعد انقضاء دولة بني العباس من بغداد وذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة2 واستمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر وانفرد بكسوتها في بعض السنين، وكان المتولي لذلك غالبا.
وأول من كساها من ملوك مصر بعد بني العباس الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي. وأول سنة كسى فيها الكعبة سنة إحدى وستين وستمائة3.
وممن كسا الكعبة من غير الملوك: الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط بمكة، كساها من الحبرات، وغيرها، فكانت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مغربية: على ما قال ابن الأثير4:، وقيل بأربعة آلاف دينارن وذلك في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة5.
والكعبة تكسى في عصرنا هذا يوم النحر من كل سنة، إلا أن الكسوة في هذا اليوم تسدل عليها من أعلاها، ولا تسبل حتى تصل إلى منتهاها على العادة، وهي شاذوران الكعبة إلا بعد أيام من يوم النحر، ويأخذ سدنتها بنو شيبة يوم النحر ما بقي على الكعبة.
1 إتحاف الورى 3/ 280، العقد الثمين 1/ 59.
2 العقد الثمين 7/ 489، العقود اللؤلؤية 1/ 133- 135 إتحاف الورى 3/ 84، غاية الأماني 1/ 450.
3 إتحاف الورى 3/ 87، درر الفرائد "ص: 280 العقد الثمين 1/ 59.
4 الكامل في التاريخ 11/ 615.
5 الكامل لابن الأثير 11/ 27، البداية والنهاية 12/ 212، إتحاف الورى 2/ 505، العقد الثمين 4/ 386 درر الفرائد "ص: 259".
من كسوتها القديمة، وهو مقدار نصفها الأعلى، وأخذهم للنصف الأسفل في سابع عشرين ذي القعدة من كل سنة.
وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يفهم أن كسوة الكعبة تشمر في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة، ولا تقطع، لأنه قال بعد أن ذكر فتح الكعبة في هذا اليوم فتحا عاما للسرور: "في هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدار من الجوانب على العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر1
…
انتهى.
وفي هذا مخالفة لما يفعله الحجبة اليوم من وجهين، أحدهما: أنهم يشمرون كسوة الكعبة في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة في كل سنة من جوانبها الأربعة، إلى عتبة الباب السفلي، وكانوا يصنعون ذلك بعد العصر في هذا اليوم، ثم صاروا يصنعونه في أول نهار.
والوجه الثاني: أنهم في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة في كل سنة يقطعون كسوة الكعبة من فوق الباب مع ما شمروه من قبل.
وكلام ابن جبير لا يقتضي قطع ذلك في السابع والعشرين، وإنما يقتضي تشميره فيه، ولعل ذلك لكون الحجاج الذين تكثر رغبتهم في تحصيل كسوة الكعبة بالشراء وغيره، وهم الحجاج العراقيون لا يصلون للحج غالبا، إلا موافين ليوم عرفة، ويقصدونها قبل مكة، خيفة فوات الوقوف، وإذا كان كذلك فلا فوت على الحجبة في ذلك الزمان في تأخيرهم قطع كسوة الكعبة في السابع والعشرين، وتأخير قطعها إلى أيام منى، أو أخذ الكسوة فيها جملة عند وصول الكسوة الجديدة.
ولعل سبب قطع الحجبة لكسوة الكعبة في السابع والعشرين من ذي القعدة، كون الحجاج من مصر والشام صاروا يقدمون إلى مكة في أوائل العشر الأول من ذي الحجة، فإذا أخر الحجبة قطع ذلك، أو أخذ الكسوة جملة إلى أيام منى فاتت الحجبة بعض مقصودهم من بيع الكسوة في العشر الأول من ذي الحجة، والله أعلم.
وذكر ابن جبير ما يقتضي أن الكعبة لا تكسى في يوم النحر، وإنما تكسى في يوم النقر الثاني، لأنه قال: وفي يوم النحر -المذكور- سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية والرايات على رأسه والطبول تهز2 وراءه، ثم قال: فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى
1 رحلة ابن جبير "ص: 143".
2 بمعنى: تصخب.
الكعبة، فلما كان يوم الثلاثاء: الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، ثم قال بعد وصفه للكسوة: فحملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتهم عليها وانصبابها1
…
انتهى.
وهذا يخالف ما يفعل اليوم من إسدال الكسوة على الكعبة وتشميرها في يوم النحر، وما يفعل اليوم من كسوة الكعبة في يوم النحر يوافق ما ذكره ابن عبد ربه2، وفي هذا العصر من نحو أربع سنين لا يؤتى بكسوة الكعبة من منى في يوم النحر، وإنما يأتي أمير الحاج المصري ومعه أعلامه والدباب، والبوقات تضرب معه حتى يدخل المسجد ويخرج إليه كسوة الكعبة من جوفها، فتنتشر في المسجد في صحنه مما يلي الشق اليماني، فتبرز كسوة كل شق، ويرفعها أعوان الأمير مع الحجبة إلى أعلا الكعبة، حتى تكمل، وتسدل على الكعبة على الصفة السابقة، وموجب وضعها في الكعبة قبل الحج: صونها من السرقة، لأنه قبل ذلك سرق بعضها من محل الأمير بمنى، ثم عادت إليه بشيء بذله، وصار الأمراء بعده يصونونها في الكعبة عند توجههم من مكة إلى الموقف.
وفي سنة ثماني عشر وثمانمائة كُسيت الكعبة في رابع ذي الحجة إسبالا على نصفها الأعلى3 ولم تُكس في سنة تسع عشر إلا في يوم النحر، على العادة القديمة التي أدركناها، وعشرين وثمانمائة وكسيت في ثلاث سنين متوالية بعد ذلك في هذا التاريخ، أو بعده قبل اليوم السادس من ذي الحجة، ثم كسيت في سنة خمس وعشرين وثمانمائة في يوم النحر ضحى4، 5.
1 رحلة ابن جبير "ص: 157، 158".
2 العقد الفريد "6/ 257".
3 إتحاف الورى 3/ 528، وتاريخ الكعبة المعظمة "ص: 268".
4 إتحاف الورى 3/ 587، تاريخ الكعبة المعظمة "ص: 261".
5 واستمرت الكسوة من مصر حتى بعد دخولها سنة 923 تحت حكم العثمانيين، الذين أخذوا على أنفسهم كسوة الحجرة النبوية وكسوة الكعبة من الداخل والطيب والعطور وزيت القناديل.
وبقي الأمر كذلك حتى تولى محمد على باشا حكم مصر، وحل الوقف الخاص بالكسوة، وأنشأ إدارة حكومية لصنع الكسوة وتعهدت الحكومة المصرية آنذاك بالإنفاق على صناعة الكسوة.
وفي اليوم الرابع من شهر المحرم سنة 1218م دخل الإمام سعود الكبير ابن الإمام عبد العزيز مكة المكرمة حرمها الله في عهد أبيه، ولم يدرك الحج ولا حفل كسوة الكعبة، ولكنه علم ما يصحب الكسوة من بدع فأراد منع تكراره فيما يأتي من أعوام.
وانقطعت الكسوة سبع سنوات، كان الإمام سعود يتولى كسوة الكعبة، كساها سنة 1221هـ من القز الأحمر، ثم كساها فيما تلاها من أعوام بالديباج الأسود والقيلان الأسود، وجعل أزرار الكسوة وستارة الكعبة من الحرير الطبيعي الأحمر المطرز بالذهب والفضة. ثم عاد وصول الكسوة من مصر خلال الفترة من سنة 1333هـ إلى سنة 1341هـ حين عادت الكسوة التى أرسلتها مصر، واستعين بالكسوة التي صنعت بالأستانة، حتى دخل الملك عبد العزيز آل سعود مكة المكرمة في 8 جمادى الأولى عام 1343هـ وصار هو المسؤول عن المسجد الحرام، والكعبة المعظمة، والكسوة الشريفة.