الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر حكم البناء بمنى:
أخبرني إبراهيم بن محمد الدمشقي1 سماعا بالمسجد الحرام أن أحمد بن أبي طالب أخبره قال: أخبرنا ابن اللتي قال: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا الداوودي قال: أخبرنا ابن حمويه قال: أخبرنا عيسى بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرني إسحاق قال: أخبرنا وكيع قال: أخبرنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهاك، عن أمه مسيكة وأثنى عليها خيرا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله ألا نبني لك بيتا يظلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، إنما هو مناخ من سبق". أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده بهذا الإسناد، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا إنما، هو مناخ من سبق"2. أخبر به أبو داود عن أحمد بن حنبل والترمذي. قال أبو اليمن ابن عساكر3 بعد إخراجه لهذا الحديث: ومفهوم هذا الخطاب يدل على أنه لا يجوز إحياء شيء من مواتها، ولا تملك جهة من جهاتها فلا ينبغي لأحد أن يختص بمكان من أماكنها دون غيره، فيحظر عليه حظارا أو يتخذه دارا، بل الناس في النزول بها شرع واحد وأهل مكة وسواهم في ذلك سواء، قال الله سبحانه وتعالى:{سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] الضمير في قوله "فيه" مختلف فيه بين أهل العلم، فمن قال أراد به جميع الحرم وهو الأكثر منع من جواز إحياء مواتها وتملكها، ومن ملك منها شيئا قبل ذلك كان هو وسواه في منافعه سواء، فلا يجوز له بيعه ولا كراؤه، ثم قال: ومن تأول الآية على المسجد أجاز بيع دورها وكراءها، وبه قال أبو يوسف والشافعي، وكره مالك رحمه الله على جميعهم البيع والكراء. وفي جواز إحياء موات عرفة ومزدلفة اختلاف بين أهل العلم، وما ذكرناه من منى أولى بالمنع، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما هو مناخ لمن سبق" وإنما في كلام العرب لإثبات المذكور ولنفي ما سواه، والله سبحانه وتعالى أعلم
…
انتهى باختصار من كلامه عن بعض ما استدل به على عدم الاختصاص في ذلك.
وقال المحب الطبري في "القرى" لما تكلم على هذا الحديث، وقد احتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها، ثم قال: قلت: فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصا بمنى لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق بها، فلم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد اقتطاع موضع فيها للبناء ولا غيره، بل الناس فيها سواء، وللسابق حق السبق، وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقا بها
…
انتهى.
وجزم النووي في "المنهاج" من زوائده بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتها كعرفة، والله أعلم
…
انتهى.
1 هو: برهان الدين أبو بكر إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقي الصوفي المؤذن بالجامع الأموي بدمشق نزيل الحرم. ويعرف بابن الرسام. توفي سنة 806هـ "الضوء اللامع 1/ 147، 148".
2 مسند أحمد 6/ 187، 206.
3 هو: عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسين أمين الدين الدمشقي المكي. مات سنة 686هـ "لحظ الألحاظ" ص: 81، 82.
ونقل عن الشافعي أنه بنى بمنى مضربا ينزل فيه أصحابه إذا حجوا، روى عنه ذلك أبو ثور، وهو أحد رواة القديم، وتمسك به بعضهم على جواز البناء بمنى.
وفي العمل به على تقدير صحته عن الشافعي نظر لأمرين: أحدهما: أن الشافعي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والحديث الوارد في النهي عن البناء بمنى تقوم به الحجة، لأن الترمذي حسنه، وأبا داود سكت عنه، فهو فى معنى الصحيح لقيام الحجة به على ما هو مقرر في علم الحديث، فالشافعي حينئذ يقول به ويصير ذلك مذهبه وصحبه، ومثل هذا لا ينكر، لأنه وقع للنووي مثله في غير مسألة، ولعله لحظ هذا فيما ذكره من عدم جواز إحياء موات منى ومزدلفة، مع قياسهما على عرفة لمشاركتهما لعرفة في علة الحكم، والله أعلم.
والأمر الثاني: أنه لا ريب في أن الشافعي على تقدير ثبوت بنائه بمنى لم يكن يحجز بناءه على أحد، ولا يأخذ على النزول فيه أجرا، وأن بناءه بمنى لأجل الارتفاق به من جهة الظل وصيانة الأمتعة، وشبه ذلك فلا يقاس عليه من لم يقصد ببنيانه إلا الاختصاص بنزوله وأخذ الأجرة على نزوله، كما هو الغالب من أحوال أهل العصر، وإلحاق من هو بهذه الصفة لمن حسنت نيته عند الشافعي لا يحسن، والله أعلم.
وسمعت قاضي الحرم جمال الدين أبا حامد بن ظهيرة1 أبقاه الله تعالى إن جدي لأمي قاضي مكة أبا الفضل النويري رحمه الله كان ينكر البناء بمنى ويشدد فيه، وينهى أشد النهي
…
انتهى بالمعنى.
وأما ما أفتى به الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفوني الشافعي مؤلف "مختصر الروضة" من أن منى كغيرها في جواز بيع دورها وإجارتها فإن ذلك غير سديد نقلا ونظرا، وأما النقل فلمخالفته مقتضى الحديث، وكلام النووي، وابن عساكر، والمحب الطبري، وغيرهم، وأما النظر، فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به في ذلك كون موات الحرم يجوز إحياؤهن ومنى من الحرم، فيملك ما أحيا فيها ويجري فيه أحكام الملك، وهذا لا يستقيم لأن في منى أمرا زائدا يقتضي عدم إلحاقها بموات الحرم، وهو كونها متعبدا ونسكا لعامة المسلمين، فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق في النزول لا بالبناء، إذ هو ممتنع فيه، فالبناء بمنى ممتنع حينئذ، ولا يملك، ولا يكون كغيره مما يصح تملكه، ويجري حكم البناء بمنى على حكم البناء بعرفة لمساواتها لعرفة في السبب الذي لأجله امتنع البناء بعرفة على الأصح، فمنى كذلك، والله أعلم.
1 هو محمد بن عبد الله بن ظهيرة قاضي مكة وفقيهها وناظر حرمها وأوقافها والحسبة بها وشيخها في الفتوى والتدريس. ولد سنة 751 ومات سنة 817هـ. "لحظ الألحاظ 253- 255، الضوء اللامع 8/ 92-95 رقم 194".