الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أشبه ذلك مما يكثر الاستشهاد به في الكتابة والاقتباس من معانيه. قال في «المثل السائر» : وينبغي أن يكون أول ما يحفظه من الأخبار ما تضمنه كتاب «الشهاب في المواعظ والآداب» للقضاعي «1» ، فإنه كتاب مختصر وجميع ما فيه يستعمل لأنه يتضمن حكما وآدابا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله، حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخل، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، والترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وغيرها من كتب الحديث؛ وتأخذ ما تحتاج إليه «وأهل مكة أخبر بشعابها» . قال: والذي تأخذه إن أمكنك درسه وحفظه فهو المراد لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة؛ وإن كان لك محفوظات كثيرة: كالقرآن الكريم، ودواوين كثيرة من الشعر، وما ورد من الأمثال السائرة، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه وما يأتي ذكره، فعليك بمداومة المطالعة للأخبار، والإكثار من استعمالها في كلامك، حتى ترتقم على خاطرك فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمل ذلك واعمل به. ثم قال: وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر تدخل كلها في الاستعمال، وما زلت أواظب مطالعته مدة تزيد على عشر سنين، فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة وصار محفوظا لا يشذ منه عني شيء.
المقصد الثاني في بيان كيفية استعمال الأحاديث والآثار في الكتابة
قال الوزير ضياء الدين بن الأثير «واعلم أن أكثر الأحاديث، تدخل في الاستعمال، ولا يخرج عنه إلا القليل النادر، ولقد دار بيني وبين بعض علماء
الأدب في هذا الأسلوب كلام فاستوعره واستنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية- فقلت لا، بل يتهيأ في الأكثر منها- فقال قد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:«أنه اختصم إليه في جنين فقضى على من أسقطه بغرة «1» عبد أو أمة» فأين تستعمل هذا؟ فأفكرت فيما ذكره ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه وهو:«قد كثر الجهل حتى لا يقال فلان عالم وفلان جاهل. وضرب المثل بباقل وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه، ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته وصاحب الرسن أحق برسنه. وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة وقلمه بغاثة لا يستنسر وأي بطش لبغاثة «2» . وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين، وجب عليه من سبل ثلاثة. هذا وهو يدعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ومن قس إياد أو سحبان وائل عنده، وإذا كشف خاطره وجد بليدا لا يخرج عن العمه والكمه «3» وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو أمة، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء» . فلما أوردته عليه، ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه مع إعجابه به واستغرابه فيه إياه.
ثم قال: وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث وهو «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال» فهذا أين يستعمل من المكاتبات؟ فترويت
في قوله ترويا يسيرا ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو:«إذا أفاض الخادم في وصف ولائه، نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوى الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر وهذا في طاعة الإعلان؛ وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز منه على سيف من سيوف الله يفري، بلا ضارب، ويسري، بلا حامل، ولا يسل إلا بيد حق، ولا يغمد إلا في ظهر باطل. وليعلم أن كرشه «1» وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه «2» إذا عدت مواقف الأنصار» . فلما رأى هذا الفصل بهت له وعجب منه. قال: ولم أقنع بايراد الحديث الذي ذكر حتى أضفت إليه حديثا آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«الأنصار كرشي وعيبتي» .
ثم تضمين الكلام شيئا من الأحاديث على ما تقدم في القرآن الكريم؛ فينقسم إلى الاستشهاد والاقتباس على ما تقدم.
فأما الاستشهاد فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث، وينبه عليه:
كقول أبي إسحاق الصابي في وصية عهد من خليفة السلطان: وأن يقوم بما يعقده الرجل من عرض المسلمين، فإن ذمته ذمة جميع المؤمنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» .
وكما كتب بعض الكتاب في صدر كتاب لديوان الخلافة: والحمد لله على أن صار إلى أمير المؤمنين ميراث الطاهرين من آبائه، وخصه بما حاز له من جزيل الفضل وحبائه، وحقق للدولة العباسية وعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول لعمه العباس رضوان الله عليه «ألا أبشرك يا عم! بي ختمت النبوة وبولدك تختم الخلافة» وكقوله من عهد آخر: وأمره أن يضع الرصد على من يختار «1» في الحمالة من أباق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، إلى أن قال:
وأن يعرفوا اللقط «2» ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها، فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها، سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه. والله جل وعز يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«3» . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ضالة المؤمن حرق النار» «4» إلى غير ذلك من الاستشهادات.
وأما الاقتباسات فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث ولا ينبه عليه.
فمن ذلك ما ذكره الحريري في مقاماته من قوله: وكتمان الفقر زهاده وانتظار الفرج بالصبر عباده. وقوله: شاهت الوجوه، وقبح الهكع «5» ومن يرجوه.
وقد أكثر الوزير ضياء الدين بن الأثير من هذا الباب.
فمن ذلك قوله في دعاء كتاب: «أعاذ الله أيامه من الغير، وبين بخطر مجده نقص كل خطر. وجعل ذكره زادا لكل ركب، وأنسا لكل سمر. ومنحه من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . أخذ ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم في وصف نعيم الجنة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فنقله إلى الدعاء.
ومن ذلك ما ذكره في النصر على العدو في مواطن القتال، وهو:
«أخذنا بسنة رسول الله في النصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفا من التراب وقلنا شاهت الوجوه، فثبت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا» . أخذ المعنى الأول من حديث غزوة حنين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ قبضة من التراب وألقى بها في وجوه الكفار وقال: «شاهت الوجوه» وأخذ المعنى الثاني من حديث غزوة بدر: وذلك أن رجلا من المسلمين لاقى رجلا من المشركين وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه وهو يقول أقدم حيزوم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:«ذلك من مدد السماء الثالثة» .
ومن ذلك ما ذكره في ضيق مجال الحرب، وهو:«وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الغرر بالغرر والصدور بالصدور. واستظل حينئذ بالسيوف لا شتباك مجالها وتبوئت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها» . أخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم «الجنة تحت ظلال السيوف» .
ومن ذلك ما ذكره في وصف بعض البلاد الوخمة، وهو:«ومن صفاتها أنها مدرة «1» مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء «2» المدينة. إلا
أنها لم يؤمن حرها من الخطفة «1» ، ولا نقلت حماها إلى الجحفة» «2» . أخذ المعنى الأول من قوله صلى الله عليه وسلم «من صبر على حر مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة» . والمعنى الثاني من قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه للمدينة:«اللهم حببها إلينا كما حببت إلينا مكة وانقل حماها إلى الجحفة» ورشح ذلك بمعنى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
«3» حيث قال إلا أنها لم يؤمن حرها من الخطفة.
ومن ذلك ما ذكره في وصف كريم، وهو:«فأغنى بجوده إغناء المطر، وسما إلى المعالي سمو الشمس وسار في منازلها مسير القمر. ونتج من أبكار فضائله. ما إذا ادعاه غيره قيل للعاهر الحجر» . أخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . إلى غير ذلك من مقتبساته المستكثرة، واستنباطاته التي هي غير قاصرة ولا مستنكرة.
ومن ذلك ما ذكرته أنا في المفاخرة بين السيف والقلم، وهو:«وبدأ القلم فتكلم، ومضى في الكلام بصدق عزم فما توقف ولا تلعثم؛ فقال باسم الله تعالى أستفتح، وبحمده أتيمن وأستنجح؛ إذ من شأني الكتابة، ومن فني الخطابة، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله تعالى، فهو أجذم، وكل كلام لا يفتتح بحمد الله فأساسه غير محكم» . أخذت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أو بحمد الله فهو أجذم» على اختلاف الرواية في ذلك.
واعلم أنه كما يحتاج الكاتب إلى حفظ الأحاديث والآثار بطريق الذات للاستشهاد بها، والاقتباس من معانيها على ما تقدم بيانه، كذلك يحتاج إلى المعرفة بأنواع الحديث وأقسامها: كلصحيح والحسن، والمرسل، والمرفوع، والمسند، والمتصل، والمنقطع، ونحو ذلك. وكذلك المعرفة بأسماء الرجال، والمشاهير من المحدثين: كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي وغيرهم: ليورد ما يحتاج إليه من ذلك في غضون كلامه عند احتياجه إليه في كتابة ما يتعلق بذلك من توقيع محدّث ونحوه كما قال في «التعريف» في وصية لمحدث في قسم الوصايا من الكتاب «وقد أصبح بالسنة النبوية مضطلعا، وعلى ما جمعه طرق أهل الحديث مطلعا، وصح الصحيح أن حديثه الحسن، وأن المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كل ذي لسن. وأن مسنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقص منه طول الليالي. وأن مثله لا يوجد في نسبه المعرق. ولا يعرف مثله للحافظين: ابن عبد البر «1» بالمغرب وخطيب «2» بغداد بالمشرق. وهو يعرف مقدار طلب الطالب فإنه طال ما شد له النطاق، وسعى له سعيه وتجشم المشاق. ورحل له يشتد به حرصه والمطايا مزمومه، وينبهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهمومه. ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها، وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به فروجها. فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرب، وليبسط للأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرب. وليسفر لهم صباح قصده عن النجاح وليفتق لهم من عقوده الصحاح، وليوضح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السير الحثيث، وليؤتهم مما وسع الله عليه فيه المجال، ويعلمهم ما يجب