الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصد الثالث في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من اللغة؛ ويرجع المقصود منه إلى خمسة أصناف
الصنف الأوّل- الغريب
، وهو ما ليس بمألوف الاستعمال، ولا دائر على الألسنة؛ وذلك أن مدار الكتابة على استخراج المعاني من القرآن الكريم، والأحاديث النبويّة، والشعر؛ وألفاظها لا تخلو عن الغريب؛ بل ربّما غلب الغريب منها في الشّعر على المألوف لا سيّما الشعر الجاهليّ. وقد قال الأصمعيّ «1» «توسّلت بالملح ونلت بالغريب» . قال صاحب «الريحان والريعان» :«والغريب، وإن لم ينفق منه الكاتب فإنه يجب أن يعلم ويتطلّع إليه ويستشرف؛ فربّ لفظة في خلال شعر أو خطبة أو مثل نادر أو حكاية؛ فإن بقيت مقفلة دون أن تفتح لك، بقي في الصدر منها حزازة تحوج إلى السّؤال، وإن صنت وجهك عن السؤال، رضيت بمنزلة الجهّال» . وقد عاب ابن قتيبة رجلا كتب في وصف برذون: «وقد بعثت به أبيض الظهر والشّفتين» . فقيل له: هلّا قلت في بياض الشفتين أرثم ألمظ! فقال لهم: فبياض الظهر، قالوا لا ندري، فقال: إنما جهلت من الشفتين ما جهلتم من الظّهر. وذمّ قوما من وجوه الكتّاب بأنه اجتمع معهم في مجلس فتذاكروا عيوب الرقيق فلم يكن فيهم من يفرّق بين الوكع «2» والكوع «3» ، ولا بين الحنف «4» والفدع «5» ، ولا
بين اللّمى «1» واللّطع «2» ثم قال: «وأيّ مقام أخزى لصاحبه من رجل من الكتّاب اصطفاه بعض الخلفاء، وارتضاه لسرّه، فقرأ عليه يوما كتابا فيه مطرنا مطرا كثر عنه الكلأ، فقال له الخليفة ممتحنا له: وما الكلأ؟ فتردّد في الجواب، وتعثّر لسانه ثم قال: لا أدري؛ فقال: سل عنه» قال أبو القاسم الزجاجيّ في شرح مقدّمة أدب الكاتب: وهذا الخليفة هو المعتصم والكاتب أحمد بن عمّار، وكان يتقلّد العرض عليه؛ وكان المعتصم ضعيف البصر بالعربية؛ فلما قرأ عليه أحمد بن عمّار الكتاب وسأله عن الكلإ فلم يعرفه، قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! خليفة أميّ، وكاتب عامّيّ؛ ثم قال: من يقرب منّا من كتّاب الدار؟ فعرّف مكان محمد بن عبد الملك الزيات، وكان يقف على قهرمة»
الدار فأمر بإشخاصه، فلما مثل بين يديه، قال له ما الكلأ؟
قال: النبات كلّه رطبه ويابسه، فإذا كان رطبا قيل له خلّا، وإذا كان يابسا قيل له حشيش، وأخذ في ذكر النبات من ابتدائه إلى اكتهاله إلى هيجه، فقال المعتصم «ليتقلّد هذا العرض علينا» . ثم خصّ به حتّى استوزره.
فقد ظهر أن معرفة الغريب من الأمور الضرورية للكاتب التي هي من أهم شأنه، وأعنى مقاصده. وجلّ كتب اللغة المصنّفة في شأنها راجعة إليه، كصحاح الجوهريّ «4» ، ومحكم ابن سيده «5» ، ومجمل ابن فارس «6» وغيرها
من المصنّفات التي لا تكاد تحصى كثرة، والصحاح أقربها مأخذا، والمحكم أمثلها طريقة، وأكثرها جمعا، وأكملها تحقيقا. وقد صرف قوم من المصنّفين العناية من ذلك إلى الاقتصار على ذكر الأسماء والأوصاف: كأوصاف الرجال والنساء المحمودة والمذمومة، وما يختص من ذلك بالرجال والنساء، وأوصاف الخيل، وأعضائها، وألوانها، وشياتها، وأسنانها، وسيرها، وعدوها وما يخص الذكور والإناث منها؛ وأوصاف الوحوش: من السباع والظّباء والوعول والبقر والحمر الوحشيّين؛ وأسماء الطير: من الجوارح الصائدة والطيور المصيدة، وبغاث «1» الطير كالرّخم «2» ، وصغاره كالنحل والجراد؛ وأوصاف الهوام كالحشرات: من الحيّات والوزغ «3» ونحو ذلك؛ وأوصاف العلويّات: من السماء والسّحاب والرّياح والأمطار، والأزمنة: كأوقات الليل والنهار، وأوقات الشهر وفصول السنة ونحو ذلك؛ وأسماء النّبات: من الشجر البرّيّ كالطّلح والأراك، والبستانيّ كالنخل والعنب؛ والنبات البرّي كالشّيح والقيصوم؛ وأنواع المرعى، وأسماء الأماكن: من البراري والقفار، والرمال والجبال والأحجار، والمياه والبحار والأنهار والعيون والسّيول، والرّياض والمحالّ والأبنية، وأسماء جواهر الأرض: من اليواقيت ونحوها؛ وسائر مستخرجات المعادن، كالنّحاس والرّصاص وما يجري مجراها؛ ومستخرجات البحر: من اللّؤلؤ والعنبر والمرجان وغيرها؛ وأسماء المأكولات: من الحبوب، والفواكه، والأطعمة المصنوعة والأطبخة، وأسماء الأشربة: كالماء، واللّبن، والعسل، والخمر؛ وأسماء السّلاح: من السيوف، والرّماح، والقسيّ، والسّهام، والدروع وغيرها؛ وأسماء اللباس: من الثياب على اختلافها؛ وأسماء الأمتعة، والآنية