الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نثره ابن الأثير فقال: «القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون؛ غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده» . فزاد على المعنى الذي تضمنه البيت عدم القود بالعمد. ونثره على وجه آخر فقال: «دم المحب ودم القتيل، متفقان في التشبيه والتمثيل؛ ولا تجد بينهما بونا، سوى أنهما يختلفان لونا» . قال وهذا أحسن من الأول.
وعلى هذا النهج يجري قول ابن الرومي في وصف الحديث:
وحديثها السّحر الحلال لو انّه
…
لم يجن قتل المسلم المتحرّز
نثره الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في وصف السيوف فقال:
وكفى السيوف فخرا أنها للجنة ظلال، وإلى النصر مآل؛ وإذا كان من بيان الحديث سحر، فإنّ بيان حديثها عمن كلّمته هو السحر الحلال. ثم نقله إلى وصف الأسنة فقال: حسب ألسنة الاسنّة شرفا أنّ كشف خبايا القلوب يذمّ إلا منها، وأن بثّ أسرار الضمائر تكره روايته إلا عنها، فمكرّر حديثها في ذلك لا يفضي إلى ملال، وإذا لم يكن حسن حديثها الذي يسحر الألباب مما يحلّ، فليس في الحديث سحر حلال. ثم نقله إلى وصف البلاغة فقال: البلاغة تسحر الألباب حتّى تحيل العرض جوهرا وتحيل الهواء المدرك بالسمع لانسجامه وعذوبته في الذوق نهرا؛ لكنه سحر لم يجن قتل المسلم المتحرز، فيتأوّل في حلّه، وإذا كان في الحديث ما هو عقلة للمستوفز، فهذا أنشوطة نشاط البليغ وحلّ عقال عقله. ونقله إلى وصف الكتابة، فقال: خطّه شرك العقول، وفتنة تشغل المطمئن بملاحة المرئيّ المكتوب، عن فصاحة المسموع المقول؛ ولو لم يكن البيان سحرا، لما تجسّدت منه في طرسه هذه الدّرّر، ولو لم يكن بعض السحر حلالا، لما انجلى ظلام النفس عما يهتدى به من هذه الأوضاح والغرر.
الحال الثاني- أن يكون البيت الشعر مما يضيق المجال فيه فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه
: وذلك قليل بالنسبة إلى ما يتسع في حلّه المجال. قال في
«المثل السائر» : وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلا فذا. فمن ذلك قول أبي تمام الطائي من قصيدة:
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى
…
بها اللّيل إلّا وهي من سندس خضر
فإن أبا تمام قصد المؤاخاة في ذكر لوني الثياب بين الأحمر والأخضر، وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده: من لون ثياب القتلى وثياب الجنّة، فإن ثياب القتلى حمر وثياب الجنة خضر.
قال ابن الأثير: فإذا فكّ نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لم يمكن؛ فيجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فكّ نظامه؛ لأنه يتصدّى لنثره بألفاظه، فإن كان عنده قوة تصرّف، وبسطة عبارة، فإنه يأتي به حسنا رائقا.
وقد نثر هذا البيت فقال: لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتّى كسته الجنة نسج شعارها: فبدّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره. قال:
وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها، من جملة شهودها. ومن ذلك قول أبي الطيب:
وكان بها مثل الجنون فأصبحت
…
ومن جثث القتلى عليها تمائم
فإن أبا الطيب بنى بيته على واقعة مخصوصة. وذلك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم، وانتزعوه، وخرّبوه؛ فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدّد بناءه، وهزم الروم، ونصب جملة من جثث القتلى على السور، فنظم أبو الطيب في هذا قصيدا أوله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
ولما انتهى إلى ذكر الحصن، جاء بهذا البيت في جملة أبيات، فشرح صورة الحال، في ارتجاع الحصن بالقتال وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم. وهذا لا يمكن تبديل لفظه؛ فيجب على الناثر حسن الصنعة في حله ونثره. وقد نثره ابن الأثير أيضا فقال: سرى إلى حصن
كذا مستعيدا منه سبيّة نزعها العدو اختلاسا، وأخذها مخادعة لا افتراسا؛ فما نزلها حتّى استقادها ولا نازلها حتّى استعادها؛ فكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلق عليها من رؤوس القتلى نمائم؛ ثم قال: وفي هذا من الحسن مالا خفاء فيه، فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا وإلا فليترك. ثم نقله إلى معنى آخر، وأبرزه في صورة أخرى فأضاف إليه البيت الذي قبله من القصيدة فصار على هذه الصورة:
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا
…
وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت
…
ومن جثث القتلى عليها تمائم
ثم نثرهما فقال: بناها والأسنّة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة؛ وما أجلت الحرب عنها حتّى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون فعلّقت عليها تمائم من الرؤوس والأجساد. ولا شك أن الحرب تعرّد «1» عمن عزّ جانبه، وتقول ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه. قال وهذا أحسن من الأوّل وأتمّ معنى. ثم تصرف فيه بزيادة على هذا المعنى فقال: بناها، ودون ذاك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل؛ ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدمت رؤوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلّقت القتلى عليها مكان التمائم، أو شينت بعطل فعلّقت مكان الأطواق. قال وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله.
قلت: وكما ينبغي الإكثار من حفظ الأشعار على ما تقدم ليوردها في خلال كلامه استشهادا وتضمينا أو يحلّها ويقتبس معانيها في نثره على ما تقدم بيانه كذلك ينبغي له معرفة المشاهير من الشعراء الطائري السمعة: من شعراء الجاهلية كامريء القيس بن حجر، والنابغة الذّبيانيّ، وطرفة بن العبد، وأوس
بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والأفوه الأوديّ «1» ، والمتلمس «2» ، والأعشى، وعلقمة بن عبدة «3» ، وعمرو بن كلثوم، والمرقّش «4» ، والنمر بن تولب «5» ومهلهل، وطفيل الغنويّ «6» ، وعروة بن الورد، وقيس بن الخطيم «7» ، والشمّاخ بن ضرار «8» ، وعنترة، والسّموأل بن عاديا «9» ، ومن جرى مجراهم.
ومن المخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهليّة والإسلام جميعا:
كحسّان بن ثابت رضي الله عنه، ولبيد بن أبي ربيعة، وكعب بن زهير، وزيد الخيل الطائيّ، والنابغة الجعديّ «10» ، وأميّة بن أبي الصلت «11» ، والحطيئة،
وعمرو بن معدي كرب «1» ، والزّبرقان بن بدر التميمي «2» ، والعبّاس بن مرداس السّلميّ «3» ، والخنساء بنت عمرو بن الشّريد، ومن في معناهم.
ومن المولّدين، وهم الذين ولدوا من العرب في الإسلام: كالفرزدق، وجرير والأخطل، والقطاميّ «4» ، والكميت بن زيد الأسديّ، والمساور بن هند «5» ، وعديّ بن الرّقاع، وكثيّر عزّة، وعمر بن أبي ربيعة، والراعي «6» ، وابن مقبل «7» ، وابن مفرّغ «8» ، وليلى الأخيليّة «9» ، ومن انخرط في سلكهم.
ومن المحدثين، وهم الذين أتوا بعد المولّدين: كإبراهيم بن هرمة «10» ؛ وابن أذينة «11» ، وأبي نواس، وأبي العتاهية، وطفيل الكناني «12» وسلم
الخاسر «1» وابن ميّادة «2» ، وصالح بن عبد القدّوس «3» ، وأبي عيينة «4» ، والعبّاس بن الأحنف، والعتّابي «5» ، وأشجع السّلميّ «6» ، والعكوّك «7» ، وابن أبي زرعة الدّمشقيّ «8» ، وأبي الشّيص «9» ، والحمدونيّ «10» ، والعتبي، ودعبل الخزاعيّ «11» ، وإسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وإبراهيم بن إسحاق الموصليّ، وأبي عليّ البصير «12» ، وأبي تمّام الطائي، وأبي عبادة البحتريّ،
وأبي الطيب المتنبي، وابن بسّام «1» ، والسريّ الموصليّ «2» ، وأبي الفتح كشاجم، وأبي الفتح العبسيّ «3» ، وأبي الفرج البّبغا «4» ، وابن الساعاتي «5» ، وابن قلاقس «6» ، والوأواء الدّمشقي «7» ، والعفيف التلمسانيّ «8» ، وابنه، وابن سنا الملك «9» ، وابن شمس الخلافة «10» ، وابن
النبيه «1» ، والصفيّ الحلّي ونحوهم.
ومعرفة الفرسان منهم: كامريء القيس، وخفاف بن ندبة «2» ، والزّبرقان بن بدر وعنترة، وعمرو بن معدي كرب، ودريد بن الصّمّة «3» .
ومن كان منهم راجلا يسعى على رجليه: كسليك بن السّلكة «4» ، وابن برّاقة «5» ، وتأبط شرّا «6» والشّنفرى «7» وغيرهم.
ومن تقدّم منهم في نوع من الشعر، كمعرفة طفيل الغنويّ بوصف الخيل، وأمية بن أبي الصلت في أمر الآخرة وذكر الحرب، وعمر بن أبي ربيعة في وصف النساء، وعتيبة بن مرداس «8» بمراكب الإبل، وكثّير في الأمثال، والفرزدق في الأخبار، وجرير في المعاني.
ومعرفة من هو أكثرهم حفظا: كالأغلب «1» الشاعر: قيل إنه كان يحفظ أربع عشرة ألف أرجوزة، ومعرفة أيّ القبائل كانت الشعراء فيها أكثر: كهذيل؛ فقد قيل إنه كان فيها أربعون شاعرا مفلقا كلهم يعدو على رجليه، ليس فيهم فارس، وأيّ قبيلة كان الشعر فيها أقل: كشيبان، وكلب؛ فقد قيل إنه ليس في الدنيا قبيلة أقل شعراء منهما وإنه ليس لكلب في الجاهلية شاعر قديم على أنها مثل شيبان أربع مرات.
وقد ذكر ابن رشيق في «عمدته» عن عبد الله بن سلام الجمحيّ وغيره: أن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة فكان منهم مهلهل بن ربيعة، وهو خال امرىء القيس بن حجر، ويقال إنه أوّل من قصّد القصائد، والمرقّشان الأكبر والأصغر، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة «2» ، والحارث بن حلّزة «3» ، والمتلمس، والأعشى، والمسيّب بن علس «4» وغيرهم؛ ثم تحوّل الشعر إلى قيس فكان منهم النابغتان الذّبيانيّ والجعديّ، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، ولبيد، والحطيئة، والشمّاخ «5» . ثم استقر الشعر في تميم فكان منهم أوس بن حجر، ولم يتقدّمه أحد حتّى كان النابغة وزهير فأخملاه.
قلت: والمراد أن الشعر غلب في هذه القبائل وظهر فيها، وكان فيها الشعراء المجيدون؛ وإلا فالشعر موجود في قبائل العرب قبل ذلك: كحمير وكهلان من اليمن؛ بل في عاد وثمود على ما تشهد به كتب السير والأخبار.
فإذا عرف الكاتب ذلك، استعان به في المساواة بمن شاء منهم في التقريظات والتفضيل عليه كما كتبت في تقريظ شاعر: فامرؤ القيس يغرق في مقياس معانيه، والنابغة الذّبيانيّ يقصر عن أن يبلغ مدى شأوه أو يدانيه، وزهير يقتطف زهرات البلاغة من أفانينه، وأوس بن حجر ينسج على منواله ويأتمّ بقوانينه، وطفيل الغنويّ يتطفّل على موائد شعره، وطرفة بن العبد يقصر عنه في شيوع ذكره، والأعشى يعشو إلى ضوء ناره، وعمرو بن كلثوم يسعى إلى بابه ويقف بفناء داره، وكثيّر في أمثاله لا يعدّ من أمثاله، وجرير في مفاخره يتمسك من الفخار بأذياله، والفرزدق في أوصافه يقلبه ما بين يمينه وشماله؛ فلو رآه عبد الملك بن مروان لاختاره على الأخطل، أو اجتمع مع أبي نواس لدى الأمين لقال هذا هو المقدّم الأفضل، أو أدركه أبو تمّام، لاعترف له بالتّمام، أو بصر به أبو عبادة لقال أنا له عبد وغلام، أو عاصره المتنبي لاعترف بفضله، أو ابن الساعاتي لقال لا يأتي الزمان دون قيام الساعة بمثله. ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى.
وكذلك ينبغي أن يعرف مصطلح أهل العروض الذي هو ميزان الشعر مثل الوتد، والسبب، والفاصلة، والعروض، والضرب «1» ؛ وأسماء البحور:
من الطويل، والمديد، والبسيط، وأخواتها؛ وألقاب الزحاف: كالخبن، والخبل، والقبض «2» وغيرها: ليدخلها تضاعيف كلامه عند احتياجه إلى ذلك