الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون إلى اللّين محتاجا، ويوبّخ من لا يقتضي فعله أكثر من التوبيخ، ويذمّ من تعدّى إلى ما يستوجب الذمّ، ويأتي بالمكاتبات التي يقتضيها اختلاف الأحوال واقعة مواقعها صائبة مراميها.
الصفة الثامنة، العلم بمواد الأحكام الشرعية، والفنون الأدبية
، وغيرها مما يأتي بيانه- إذ الجاهل لا تمييز له بين الحق والباطل، ولا معرفة ترشده إلى الطرق المعتبرة في الكتابة؛ ومن سلك طريقا بغير دليل ضلّ، أو تمسك بغير أصل زلّ.
الصفة التاسعة، قوة العزم وعلوّ الهمة وشرف النفس
- فإنه يكاتب الملوك عن ملكه، وكل كاتب يجذبه طبعه وجبلّته وخيمه «1» في الكتابة إلى ما يميل إليه؛ ومكاتبة الملوك أحوج شيء إلى التفخيم والتعظيم، وذكر التهاويل الرائعة والأشياء المرغّبة، فكلما كان الكاتب أقوى نفسا وأشدّ عزما وأعلى همّة، كان في ذلك أمضى وعليه أقدر، ومهما نقص في ذلك نقص من كتابته.
الصفة العاشرة، الكفاية لما يتولّاه
- لأن العاجز يدخل الضرر على المملكة ويوجب الوهن في أمر المسلمين؛ وربما عاد عليهم عجزه بالوبال، أو أدّى بهم ضعفه إلى الاضطراب والاختلال.
الضرب الثاني الصفات العرفية
قال المهذّب بن مماتي «2» في كتابه «قوانين الدواوين» : «ينبغي أن يكون الكاتب أديبا، حادّ الذهن، قويّ النفس، حاضرّ الحسّ، جيّد الحدس،
حلو اللسان، له جراءة يثبت بها الأمور على حكم البديهة، وفيه تؤدة يقف بها فيما لا يظهر له على حدّ الرويّة، شريف الأنفة، عظيم النزاهة، كريم الأخلاق، مأمون الغائلة، مؤدّب الخدّام» .
قال محمد بن إبراهيم الشيباني «1» : من صفة الكاتب اعتدال القامة، وصغر الهامة، وخفّة اللهازم «2» ، وكثاثة اللّحية، وصدق الحسّ، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل، وخطف الإشارة، وملاحة الزّيّ. قال: ومن حاله أيضا أن يكون بهيّ الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذّهن، حسن البيان، رقيق حواشي اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسلك، مستفره «3» المركب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية، عظيم الهامة، فإنهم زعموا أن هذه الصفات لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة؛ ولله القائل!:
وشمول كأنّما اعتصروها
…
من معاني شمائل الكتّاب»
وقال أبو الفضل الصّوريّ: «ينبغي أن يكون الكاتب فصيحا بليغا أديبا، سنيّ الرتبة، قويّ الحجة، شديد العارضة «4» ، حسن الألفاظ، له ملكة يقتدر بها على مدح المذموم وذم المحمود» .
قال المهذب بن مماتي: «أمّا حسن الهيئة فإنه يرجع في ذلك إلى ما يعلمه من حال مخدومه من إيثاره إظهار نعمته على من هو في خدمته أو إخفائها» . قلت: وهذا قد يخالف ما تقدم: من أنه ينبغي أن يكون الكاتب
بهيّ الملبس. وبالجملة ففصاحة اللسان، وقوة البيان، والتقدّم في صناعة الكتابة هو الذي يرفع الرجل ويعظّمه دون أثوابه البهية، وهيئته الزاهية. بل ربما كان التعظيم في الفضل لرثّ الحالة المنحط الجانب أكثر، وترجيحه على غيره أقرب.
وقد قال سهل بن هرون كاتب المأمون، وهو من أئمة هذه الصناعة:«لو أن رجلين خطبا أو تحدثا أو احتجّا أو وصفا وكان أحدهما جميلا بهيّا، ولبّاسا نبيلا، وذا حسب شريف؛ وكان الآخر قليلا قميئا، وباذّ «1» الهيئة دميما، وخامل الذكر مجهولا، ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة، وفي درب واحد من الصواب، لتصدّع عنهما الجمع وعامّتهم يقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم، وللباذّ الهيئة على ذي الهيئة، ويشغلهم التعجّب منه عن مناوأة صاحبه، ولصار التعجب على مساواته له سببا للتعجب به، والإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه؛ لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حسده أبعد؛ فلما ظهر منه خلاف ما قدّروه وتضاعف حسن كلامه في صدورهم كبر في عيونهم: لأن الشيء من غير معدنه أغرب؛ وكلما كان أبعد في الوهم كان أظرف؛ وكلما كان أظرف كان أعجب؛ وكلما كان أعجب كان أبدع؛ وإنما ذلك كنوادر الصّبيان وملح المجانين؛ فإنّ استغراب السامعين لذلك أعجب، وتعجّبهم منه أكثر» . قال:«والناس موكّلون بتعظيم الغريب واستظراف البديع، وليس لهم في الموجود الراهن ولا فيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي معهم في الغريب القليل وفي النادر الشاذ؛ وعلى هذا السبيل يستظرفون القادم إليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم، ويتركون من هو أعمّ نفعا، وأكثر في وجوه العلم تصرفا، وأخف مؤونة وأكثر فائدة» .