الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في أسعد طالع يبديء النّصر ويعيد؛ لما في ذلك من ابتهاج يتجدّد، وأسباب مسرّة لكافّة الأنام تتأكّد، ودعوات ألسنتها تتضاعف من الرعية وتتردّد.
ولما كان في يوم السبت المبارك سادس عشر شهر رجب الفرد، ركبنا إلى الميدان السعيد في أتمّ وقت أخذ من السّعد بمجموعه، وأظهر في أفق العساكر من وجهنا الشريف البدر عند طلوعه، ولم نبرح يومنا المذكور في عطاء نجيده، وإنعام نفيده، وإطلاق نبدئه ونعيده، والأولياء بين أيدينا الشريفة يمرحون، وفي بحار كرمنا المنيف يسبحون، وفي ميدان تأييدنا المطيف يسيحون، والكرات كالشمس تجنح تارة وتغيب، وتخشى من وقع الصّوالجة فتقابلها بوجه مصفرّ مريب. ثم عدنا إلى القلعة المنصورة على أتمّ حال، وأسعد طالع بلّغ الأنام الأمان والآمال، والعساكر بخدمتنا الشريفة محدقون، ومماليكنا بعقود ولائنا مطوّقون، والرّعايا قد ألبسها السّرور أثوابا، وفتح لها من الابتهاج أبوابا، وقد آثرنا إعلام الجناب بذلك ليأخذ حظّه من هذه المسرّة والبشرى، ويشترك هو والأنام في هذه النّعمة الكبرى، ومرسومنا للجناب أن يتقدّم بالركوب بمن عنده من الأمراء في ميدان طرابلس المحروسة، ويلعب بالكرة على جاري العادة في ذلك، ليساهم أولياء دولتنا القاهرة في ذلك، ويسلك من طرقهم الجميلة أجمل المسالك.
قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية لم يزل مستعملا بديوان الإنشاء، يكتب له كلّما ركب السلطان إلى الميدان الصّالحيّ بخطّ اللّوق، إلى أن عطّل جيده من الركوب في أواخر الدّولة الظاهرية «برقوق» واقتصر على لعب الكرة في الميدان الذي جرت به العادة، فتركت المكاتبة بذلك من ديوان الإنشاء ورفض استعمالها.
الصنف الثامن عشر (المكاتبة بالبشارة بحجّ الخليفة)
لما كانت الأسفار، محلّ الأخطار، وموقع الاختلاف وحدوث الفتن، كانت الخلفاء يكتبون الكتب إلى عمّالهم بالسلامة عند الإياب من السّفر للحجّ وغيره.
والرّسم فيها أن يذكر أن الحجّ من أجلّ العبادات، وأن من النعمة [أن يمنّ]«1» الله تعالى بقضاء المناسك، والوقوف بالمشعر الحرام، والطّواف بالبيت العتيق، والسّعي بين الصّفا والمروة، وما يجري مجرى ذلك من شعائر الحجّ، ثم بعد بزيارة النبيّ صلى الله عليه وسلم، واتفاق الكلمة في جميع هذه الأحوال، على كثرة الخلائق ومزيد الجيوش والعساكر.
وهذه نسخة كتاب بالسلامة من سفر الحجّ، وهي:
الحمد لله الذي جعل بيته مثابة للناس وأمنا، وحرما من دخله كان آمنا، الذي اختار دين الإسلام على الأديان، وابتعث به صفوته من الإنس والجان، محمدا أكرم بني معدّ بن عدنان.
يحمده أمير المؤمنين أن أعانه على تأدية حقّه، ونصبه لكفالة خلقه، ووفّقه للعمل بما يرضيه ويدني إليه، ويسأله أن يصلّي على خير من غار وأنجد، وصدر وورد، وركع وسجد، ووحّد ومجّد، وصلّى وعبد، وحلّ وأحرم، وحجّ الحرم، وأتى المستجار والملتزم، والحطيم «2» وزمزم، محمد سيّد ولد آدم، وعلى أخيه وابن عمّه مصباح الدّلالة، وحجاب الرّسالة، إمام الأمّة، وباب الحكمة، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ممزّق الكتائب، ومفرّق المواكب؛ ومحطّم القواضب، في القلل والمناكب، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما الهادين، صلاة باقية في العالمين.
وإنّ أولى النّعم بأن يستعذب ذكرها، ويستعطر نشرها، وتتحدّث بها الألسنة، وتعدّ في مواهب الله الحسنة، نعم الله تعالى في التوفيق لحجّ بيته الذي جعله مثابة لزائريه، والإطافة بحرمه الذي يوجب المغفرة لقاصديه، والنّزول
بأفنيته التي من يخدم بها فقد انسلخ من السّيّئات، وتلبّس بالحسنات، وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم النّفر الأوّل، وقد قضى بحمد الله تفثه «1» ، ووفّى نذره، وتمّم حجّه، وكمّل طوافه، وشهد منافعه، وأدّى مناسكه، ووقف الموقف بين يدي ربّه قانتا داعيا، وراغبا راجيا، وعرّفه بعرفات إعلامه قبول سعيه، وإجابة تلبيته، وبلّغه في منّى أمانيّه من رأفته، وأراه من مخايل الرّحمة، ودلائل المغفرة، ما تلألأت أنواره، وتوضّحت آثاره، وأجراه على تفصيل العبارة في شمول السّلامة لكلّ من حجّ بحجّه، ووقف موقفه من أوليائه وخاصّته، وعامّته ورعيّته، وأنعم باتفاق كلمتهم، واجتماع أهويتهم، واكتناف الدّعة والسّكون لهم، وزوال الاختلاف والمباينة بينهم.
فإن أراد زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: وهو يصدر بإذن الله تعالى عن موقفه هذا من البيت الحرام، إلى زيارة قبر النبيّ عليه السلام.
فإن أزمع الانكفاء إلى مقرّه، قال:
وأشعرك أمير المؤمنين ذلك وهو عائد بمشيئة الله تعالى إلى مقرّ خلافته، في عزّ من قدرته، وعلوّ من كلمته، وامتداد من سلطانه، وتضاعف من جنده وأعوانه، لتأخذ بحظّك من الابتهاج والجذل، وتذيعه بين أهل العمل، ليشاركك العامّة في العلم بهذه النّعمة فيخلصوا لله الشّكر عليها، ويرغبوا إليه في الزيادة منها، إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة كتاب بسلامة الخليفة من سفر في الجملة.
والرسم فيه أن تذكر نعمة الله تعالى بما منح أمير المؤمنين في سفره ذلك، من بلوغ المآرب، وتسهيل المقاصد، وإدراك الأوطار، وشمول النّعمة في الذّهاب والإياب، وما يجري مجرى ذلك ممّا ينخرط في هذا السّلك، وهذه نسخته:
الحمد لله ذي الطّول والإنعام، والفضل والإكرام، والمنن العظام، والأيادي الجسام، الذي أرعى أمير المؤمنين من حياطته عينا لا تنام، واستخدم لحراسته والمراماة دونه اللّيالي والأيام، وقضى له بالتوفيق والسّعادة في الظّعن والمقام.
يحمده أمير المؤمنين أن استخلصه لإمامة الأنام، وعدق به أساليب النّقض والإبرام، ويسأله الصلاة على من اختصّه بشرف المقام، وابتعثه بدين الإسلام، وجلا به حنادس الظّلام، محمد خاتم الأنبياء الكرام، وعلى أخيه وابن عمّه الهمام الضّرغام، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب مكسّر الأصنام، وعلى الأئمة من ذرّيّتهما أعلام الأحكام، وأدلّة الحلال والحرام.
وإن أمير المؤمنين لا يزال يتحدّث بنعم الله مستدرّا لأخلافها، منتصبا لقطافها، ويفيض في ذكرها، مستدعيا للزيادة بشكرها، ويطلع خلصاءه على حسن آثارها لديه، وسبوغ ملابسها عليه، ليأخذوا بحظّ من الغبطة والاستبشار، ويسرحوا في مسارح المباهج والمسارّ، وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك حين استقرّ ركابه بناحية كذا، مبشرا لك بنعمة الله في حياطته، وموهبته في سلامته، وما أولاه من إنارة (؟) الدّليل، وتسهيل السّبيل، وطيّ المجاهل، وتقريب المنازل، وإعذاب المناهل، وإنالة الأوطار، وتدميث الأوعار، وبركة المتصرّف، وسعادة المنصرف، ووصوله إلى مقصده قرير العين، قليل الأين «1» ، محفوظا ساريا وآئبا، مكلوءا عائدا وذاهبا، مشرّد النّصب مسرورا، موفور النّصيب محبورا، في اجتماع من كلمة أوليائه على طاعته، ونفوذ بصائرهم في نصر رايته، وإعانته على ما استحفظه من عباده، واسترعاه من بلاده: ليأخذ بالحظّ الأجزل، من الابتهاج والجذل، ويشكر الله تعالى على هذه النّعمة المتجدّدة، ويضيفها إلى سوالف نعمه التّالده، ويذيعها بين رعيّته، وأنصار دعوته، ليشتركوا في ارتشاف لعابها،