الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضرب الثالث (من الكتب السلطانية الكتب الصادرة عن نوّاب السلطنة إلى النوّاب بسبب ما يرد عليهم من المثالات السلطانية)
اعلم أنه قد جرت العادة بأنّه إذا ورد على نائب السلطنة بالشّام مثال شريف من الأبواب السلطانية، يأمرهم «1» كتب نائب الشّام إلى نوّاب السلطنة بورود المثال الشريف مبشّرا بذلك، ويجهز إلى كلّ منهم مع المثال الوارد إلى كلّ نائب من نوّاب السلطان معنى المثال الوارد من الأبواب السلطانية بذلك. إلّا أنه يكون حاكيا لصورة المثال الوارد بذلك، لا أنّه مبتدئه، ويشتمل ذلك على عدّة أمور:
فمن ذلك جلوس السلطان على تخت الملك، فيخبر نائب الشّام في الكتاب الصادر عنه إلى بعض النوّاب بأنّ المثال الشريف ورد عليه بذلك، وأنه ورد كتاب إلى المكتوب إليه فجهزه إليه.
[وهذه نسخة كتاب من ذلك] كتب به عن نائب الشّام إلى بعض نوّاب «2» السلطنة، بالبشارة بسلطنة السلطان الملك الصّالح إسماعيل «3» بن الناصر محمد ابن قلاوون، وقد ورد على يد بعض الحجّاب، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن «4»
نباتة، في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهي بعد الصدر:
أمتعه [الله] من البشائر بما يتوضّح على جبين الصّباح بشره، وبما يترجّح على ميزان الكواكب قدره، وبما ينفسح من أوقات أمن لا يختصم في ظلّها زيد وعمرو حتّى يقال: ولا زيد النّحو وعمره. وينهي بعد دعاء يتبلّج في الليل فجره، وثناء يتأرّج في طيّ النّسيم نشره، وولاء يتساوى في درجات الصّفاء سرّه وجهره، أنّ خير البشائر ما خصّ أولياء الدّولة الشريفة وعمّ الرعايا، وسما إلى ثغور الإسلام خبره الجليّ فقال:(وافر)«أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا» «1» وقسمت مسرّته على كافلي الممالك فقالت مملكة مولانا (وافر)«لنا المرباع منها والصّفايا» . وسلك المملوك من الإسراع بإشاعته الحقّ الواجب وجهّز خدمته بين يدي المثال الشريف الذي سبق طائر يمنه ولكنّه جاء في خدمته حاجب، وهي البشرى الواردة في الأمثلة الشريفة السلطانية، المالكية الملكيه، الصالحية العماديه، العريقة في نسب النّصر بالأنساب النّاصريّة المنصورة، أعلى الله تعالى أبدا على قواعد الملك عمادها، وصرّف بها الأعنّة لما سرّ وصرفها عمّا دهى، بجلوسه على كرسيّ المملكة الذي هو آية سعده الكبرى، وتخت السّلطنة الذي عاينه ملك الجود والعلم فقال: السّلام عليك بحرا، وإجماع الأمة على أنه صالح المؤمنين، وكفاة الحلّ والعقد على أنه سلطان الإسلام والمسلمين، وأركان البيت النّاصريّ على أنه عماده، وعلى أنه سنده المكمّل وإذا انقضّ بيت سناده، فيا له جلوسا قامت فيه كواكب السّعد مشدودة المناطق، وياله إجماعا اتفق فيه- حتى من تصميم السيوف وتعبير الأقلام- كلّ صامت وناطق،
وياله بيت ملك أبى الله إلّا أن يقيم وزنه أفضل الأفاعيل، وياله ملكا قال الدّهر الطويل انتظاره: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل
«1» ويا له أمرا بلّغ خبره وخبره الأوطار والأوطان، ونفذت برده المصرية على حين فترة تالية له السّعود: فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان
«2» وحشر الناس ضحى ليوم الزّينة، وجاءوا إليها مستبشرين من أدنى وأقصى كلّ من في المدينة، وضربت البشائر ويا عجبا! إنّها تضرب ومكانتها من القلوب مكينة.
حتّى إذا أخذت مصر حظّها من الهناء قسّمت على الأمصار، وأضاء بارق نشرها من كلّ وجه فسمت بالشّامات غرّة الأبصار، وركض بريد الخير بمبارك باب البريد ووصل نيل النّيل إلى أنهار دمشق فبردى على الشّكر ثابت ويزيد، وبشّر الإسلام من وجه الخلف الصّالح بأكرم من برّ، واستفاض الاسم الشريف، فلو كلّف مشتاق فوق وسعه لسعى إليه المنبر.
فالحمد لله على أن سرّ البيت الشريف النّاصريّ بجمع شمله، وعلى أن أتى الملك العقيم الصّالح من أهله، وقد جهّز المملوك المثال الشّريف المختصّ بمولانا، ومولانا أولى من انتظمت لديه درر هذه الأخبار الثّمينة، وعظّمت بناحيته شعائر هذه الدّولة المكينة، وكمّل لخير حماه خير قرينة، والله تعالى يعزّ الإسلام بعزمه، ويمضي الآجال والأرزاق على يدي حربه وسلمه، وينجز لرأيه ورايته النّصر قبل أن يطوف الأولياء بعلمه، وقبل أن يحيط الأذكياء بعلمه.
ومن ذلك الكتابة بورود مثال شريف بعافية السلطان الملك الصالح عماد الدّين إسماعيل، بن الناصر محمد بن قلاوون، في خلافة الحاكم بأمر الله أحمد ابن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان «3» من إنشاء الشيخ جمال الدّين بن نباتة، وهي بعد الألقاب:
أورد الله عليه من الهناء كلّ سريّ يسرّه، وكلّ سنيّ يقرّ أمام ناظره الكريم ويقرّه، وكلّ وفيّ إذا طلع في آفاق حلب قيل: لله درّه، ولا زالت البشائر تلقاه بكل وجه جميل، وبكلّ جليّ جليل، وبكلّ خبر تصحّ الدنيا بصحّته فليس بها غير النسيم عليل، تقبيلا يزاحم عقود الثّغور، ويكاد يمنع ضمّ الشّفتين للّثم طول الابتسام للسّرور، وينهي بعد رفع اليد بدعائه، وضمّ الجوانح على ولائه، وجزم الهناء المشترك بمسرّة مولانا وهنائه، أن المثال الشريف زاده الله شرفا، وزاد فضل سلطانه على العباد سرفا، ورد بالبشارة العظمى، والنّعماء التي ما ضاهتها الأيام قبل بنعمى، والمسرّة التي يأكل حديثها أحاديث المسرّات أكلا لمّا، ويحبّها الإسلام والمسلمون حبا جمّا، بسلامة جوهر الجسد الشريف من ذلك العرض، وشفائه الذي في عيون الأعداء منه شفار تطعن وفي قلوبهم مرض، وأن مادّة الأدواء بحمد الله قد انحسمت، والواردة من الافتقاد بالأجر والعافية قد ابتسمت، وأن ظنون الإشفاق قد اضمحلّت، ونسمات الرّوض قد فدت الجسم الشّريف فاعتلّت، وأخبار الهناء يعيّنها كلّ بريد نشوان من الفرح [ينشد] أسائلها أيّ المواطن حلّت، فيالها بشارة خصّت الإسلام وعمّت بنيه، وسارت فوق الأرض وسرت تحتها أسلاف الملك ومبتنيه، وشملت البلاد وعبادها، والسّلطنة وقد حجب الله عمادها عمّا دهى، والملك السليمانيّ وقد ثبّت الله به على الدنيا من السماء خيمتها ومن الجبال أوتادها، والطّير وقد حملت ورقه أوراق السّرور، والوحش وقد قالت مهاه: على عيني أتحمّل ذلك السّقام أو ذلك الفتور، ذلك الفضل من الله وكفى
بالله عليما «1» والألطاف الرّاحم بها المؤمنين من خلقه وكان بالمؤمنين رحيما
«2» وكان ورود هذا المثال الشّريف على يد فلان، فياله من وارد لمشارع الأمن أورد، ولروائع الناس عن القلوب حجب أو ردّ، وقد جهزه المملوك بالمثال الشريف المختصّ بمولانا وهذه الخدمة بعد أن ضربت البشائر مسوّغة في كلّ ضرب من التهاني، وزيّنت البلد زينة ما نظمت فيها غير العقود أيدي الغواني، فيأخذ حظّه من هذه البشرى، ونصيبه من هذا الوجه الذي ملأ الوجود بشرا، وشطره من الهناء المخصوص الذي تعجّل منه المملوك شطرا، والله تعالى يسرّه بكلّ خير تشرق زواهره، وتعبق في كمائم الدّروج أزاهره، ويتألّق على يد بريده من المخلقات كلّ كوكب صبح تملأ الدنيا بشائره.
ومن ذلك المكاتبة بورود المثال الشريف بوفاء النّيل:
إذا ورد على نائب الشام بوفاء النّيل المبارك، كتب نائب الشّام عن نفسه إلى نائب حلب وغيره، من نوّاب السلطنة بالممالك الشامية، بورود المثال الشريف عليه بذلك، ويكتب عنه، كما يكتب عن السلطان، من السّجع، وإيراده مورد البشارة، وإظهار الفرح والسرور بذلك، لا يكاد يخالفه إلّا في كونه واردا مورد الحكاية لمثال السلطان، ومثال السلطان مخبر بذلك ابتداء.
وهذه نسخة مثال كريم من ذلك عن نائب الشّام، من إنشاء الشيخ جمال الدّين بن نباته، كتب به لسنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهي بعد الصدر:
لا زالت مبشّرة بكلّ مبهجة، معطّرة الأرجاء بكلّ سائرة أرجة، ميسّرة الأوقات بمقدّمتي سماع وعيان، كلاهما للمسارّ منتجة، مستحضرة في معالي الكرم كلّ دقيقة تشهد بسطة النّيل أنها ارفع درجة، وينهي بعد دعاء ما الرّوض أعطر من شذاه، ولا ماء النّيل وإن كرم وفاء بأوفى من جداه، أن المرسوم الشريف
زاده الله تعالى شرفا، ورد بوفاء النّيل المبارك وحبّذا هو من وفيّ موافي «1» ، ومتغيّر المجرى وعيش البلاد به العيش الصّافي، وحسن الزّيارة والرّحيل ما ضاهته الغيوث في ولافي، ووارد من معبّد بعيد، وحميل «2» لا جرم أن مدّه ثابت «3» ويزيد، وجائد إذا تتابع حيث تيّاره يقلّد برّه ودرّه من الأرض وساكنها كلّ جيد، وإذا ذكر الخصب لمكان عيده المشهود ألقى السّمع وهو شهيد، وذلك في يوم كذا، وأن البلاد جبرت بكسر خليجه، واستقامت أحوالها بتفريجه، وأثنت عليه بآلائه، ووسمت لونه الأصهب على رغم الصّهباء بأحسن أسمائه، وخلّق فملأت الدّنيا بشائر مخلّقه، وعلّق ستره المصريّ التّبريّ فزكا على معلّقه، وحلّق مسير تراعه على القرى فبات على النّدا ضيف محلّقه، وحدّث عن البحر ولا حرج، وانعرج على البقاع يلوي معصمه فلله أوقات ذلك اللّوى والمنعرج، واستقرّت الرعايا آمنين آملين، وقطع دابر الجدب بسعود هذه الدّولة القاهرة وقيل الحمد لله رب العالمين
«4» ورسم أن لا يجبى حقّ بشارة، ولا تعبث يد التنقيص منها ليزداد الخبر نورا على نور، ويكون في إيثاره وحسنه الخبر الحسن المأثور، ووصل بهذا الخبر فلان وعلى يده مثال شريف يختص بمولانا وقد جهز به، فيأخذ مولانا حظّه من هذه البشرى، ويوضّح بها على كلّ الوجوه بشرا، والله تعالى يملأ له بالمسرّات صدرا، ويضع بعدله عن الرعية إصرا «5» ، ويسرّهم في أيامه بكلّ وارد يقول الإحسان لمتحمّله: لو شئت لاتخذت عليه أجرا
«6» إن شاء الله تعالى.
وهذه نسخة كتاب آخر في المعنى إلى بعض النوّاب، من إنشاء الشيخ جمال الدّين بن نباتة أيضا، وهي بعد الصدر:
وضاعف موادّ نعمه ونعمائه، ومسرّته وهنائه، وحفظ عليه ما وهبه من المناقب التي يروي النّيل عن كرمه ووفائه، وشرّف السّيوف لكونها من سمات كرمه والسّيول لكونها من سمائه.
المملوك يجدّد الخدمة بنفحات سلامه وثنائه، ويصف ولاء لو تجسّم لا ستمدّت عين الشمس من سنائه، وينهي أن المرسوم الشريف زاده الله تعالى شرفا، ورد مبشّرا بوفاء النيل المبارك في يوم كذا، فياله ربيعا جاء في ربيع، وحاملا في مفرده الفضل الجميع، وداعيا بالخصب ينشد كلّ ثانية اثنين ريحانة الدّاعي السميع، ومتغنّيا على منصّة المقياس عرسه يجلى عليه من شباكها السّتر الرفيع، وأنه أقبل والبلاد أشهى ما تكون للقياه، وأشوق ما ترى لمباشرة ريّه وريّاه، وقد امتدّت أيدي الجسور لفمه، واستعدّت شفاه الحروف اللّعس للثمه، فكرم عليها زائره، وصحبها بالنّجح ساريه وسائره، ودارت على الجدب من خطوط الأمواج دوائره، وعمّت المنافع، وتلقت عيون الفلا ناهلة بالأصابع، وفاض البحر ببرّه، ونشر رداءه على الأرض وسيضوع روضها بنشره، وخلّق المقياس فيالك من قياس بشرى غير ممنوع، وكسر الخليج فياله غصن قلم على النيل وطائر سجعه على الفرات مسموع، ورسم أن لا يجبى حقّ بشارة، ولا يدخل فيها النقيص لدار ولا التنغيص لدارة، ووصل بهذا الأمر فلان وقد جهّز بما على يده، والله تعالى يمتّع مولانا من أقسام المسارّ بصنوف، ويدفع عن حصون الإسلام بيمنه أيدي الصّروف، وينفعها بظلاله التي آواها ملكه الكريم إلى جنّة، وكذلك الجنّة تحت ظلال السّيوف.