الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زماننا فلا معوّل عليه أصلا.
الصنف الحادي والعشرون (المكاتبة بالإحماد والإذمام)
قال في «موادّ البيان» : السلطان محتاج إلى مكاتبة من يقف منه على طاعة واجتهاد، ومناصحة وإخلاص، بالشّكر والإحماد، والبعث على الازدياد من المخالصة وحسن السّعي في الخدمة وغيرها، مما يرتبط به النّعمة، ويستوجب معه حفظ الرّتبة، ومكاتبة من يعثر منه على تقصير وتضجيع، وتفريط وتضييع، بالذّمّ والتقريع والتّأنيب؛ لأنه لا يخلو أعوان السلطان من كفاة يستديم كفايتهم بتصويب مراميهم، واستحسان مساعيهم، وإحمادهم على تشميرهم، وشرح صدورهم ببسط آمالهم، والعدة برفع منازلهم ومحالّهم، وتمييزهم على نظرائهم وأشكالهم، وتحذيرهم من التوبيخ وتقديم الأعذار، والتخويف من سقوط المراتب، وقبح المصاير والعواقب.
قال: وينبغي للكاتب أن ينتهي في خطاب من انتهى في الحالين إلى غايتيهما، إلى المعاني الناجعة في الغرضين، ويتوسط فيهما سيّما التوسط الذي يقتضيه الحال المفاض فيها؛ لأنّ في ذلك تقريرا للمحسن على إحسانه، ونقلا للمسيء عن إساءته؛ لأنه إذا علم النّاهض أنه مثاب على نهضته، والواني أنه معاقب على ونيته، اجتهد هذا في الاستظهار بخدمته بما يزيد في رتبته، وخاف هذا من حطّ منزلته وتغيّر حالته، ثم قال: والرسوم في هذه المكاتبات تختلف بحسب اختلاف أغراضها، وتتشعب بتشعّب معانيها، والأمر في ذلك موكول إلى نظر الكاتب العارف الكامل، ووضعه كلّ شيء في موضعه، وترتيبه إياه في مرتبته.
فأمّا المكاتبة بالإحماد، فكما كتب «1» عن صمصام «2» الدولة بن عضد
الدّولة بن بويه، إلى حاجب الحجّاب أبي القاسم سعد «1» بن محمد وهو مقيم بنصيبين «2» على محاربة باد «3» الكرديّ:
كتابنا، ووصل كتابك مؤرّخا بيوم كذا، تذكر فيه ما جرى عليه أمرك في الخدمة التي نيطت بكفايتك وغنائك، ووكلت إلى تدبيرك ووفائك، من ردّ باد الكرديّ عن الأعمال التي تطرّقها، وحدّث نفسه بالتّغلّب عليها، وتصرّفك في ذلك على موجبات الأوقات، والتّردّد بين أخينا وعدّتنا أبي حرب، زياد بن شهراكويه وبينك من المكاتبات، وحسن بلائك في تحيّفه، ومقاماتك في حصّ جناحه، وآثارك في الانقضاض على فريق بعد فريق من أصحابه، واضطرارك إيّاه بذلك وبضروب الرياضات التي استعملتها، والسّياسات التي سست أمره بها، إلى أن نزل عن وعورة المعصية إلى سهولة الطاعة، وانصرف عن مجاهل الغواية إلى معالم الهداية، وتراجع عن السّوم إلى الاقتصار، وعن السّرف إلى الاقتصاد، وعن الإباء إلى الانقياد، وعن الاعتياص إلى الإذعان، وأن الأمر استقرّ على أن قبلت منه الإنابة، وبذلت له فيما طلب الاستجابة، واستعيد إلى الطاعة،
واستضيف إلى الجماعة، وتصرّف على أحكام الخدمة وجرى مجرى من تضمّه الجملة، وأخذت عليه بذلك العهود المستحكمة، والأيمان المغلّظة، وجدّدت له الولاية على الأعمال التي دخلت في تقليده وضربت عليها حدوده، وفهمناه.
وقد كانت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب [زياد بن شهراكويه]«1» مولى أمير المؤمنين ترد علينا، وتصل إلينا، مشتملة على كتبك إليه، ومطالعاتك إياه، فنعرف من ذلك حسن أثرك [وحزم رأيك]«2» وسداد قولك، وصواب اعتمادك، ووقوع مضاربك في مفاصلها، وإصابة مراميك أغراضها، وما عدوت في مذاهبك كلّها، ومتقلّباتك بأسرها، المطابقة لإيثارنا، والموافقة لما أمرت به عنا، ولا خلت كتب أخينا وعدّتنا أبي حرب من شكر لسعيك، وإحماد لأثرك، وثناء جميل عليك، وتلويح وإفصاح بالمناصحة الحقيقة بك، والموالاة اللّازمة لك، والوفاء الذي لا يستغرب من مثلك، ولا يستكثر ممّن حلّ في المعرفة محلّك، ولئن كنت قصدت في كلّ نهج استمررت عليه، ومعدل عدلت إليه، مكافحة هذا الرجل ومراغمته، ومصابرته ومنازلته، والتماس الظّهور عليه في جميع ما تراجعتماه من قول، وتنازعتماه من حدّ، فقد اجتمع لك إلى إحمادنا إياك، وارتضائنا ما كان منك، المنة عليه إذ سكّنت جاشه، وأزلت استيحاشه، واستللته من دنس لباس المخالفة، وكسوته حسن شعار الطاعة، وأطلت يده بالولاية، وبسطت لسانه بالحجّة، وأوفيت به على مراتب نظرائه، ومنازل قرنائه، حتّى هابوه هيبة الولاة، وارتفع بينهم عن مطارح العصاة.
فالحمد لله على أن جعلك عندنا محمودا، وعند أخينا وعدّتنا أبي حرب مشكورا، وعلى هذا الرّجل مانّا، وفي إصلاح ما أصلحت من الأمر مثابا مأجورا، وإياه نسأل أن يجري علينا عادته الجارية في إظهار آياتنا، ونصرة أوليائنا، والحكم لنا على أعدائنا، وإنزالهم على إرادتنا، طوعا أو كرها، وسلما أو حربا، فلا يخلو
أحد منهم من أن تحيط لنا بعنقه ربقة أسر، أو منّة عفو، إنه جلّ ثناؤه بذلك جدير، وعليه قدير.
ويجب أن تنفّذ إلى حضرتنا الوثيقة المكتتبة على باد الكرديّ إن كنت لم تنفّذها إلى أوان وصول هذا الكتاب، لتكون في خزائننا محفوظة، وفي دواويننا منسوخة، وأن تتصرّف في أمر رسله وفي بقيّة- إن كانت بقيت من أمره- على ما يرسمه لك عنّا أخونا وعدّتنا أبو حرب، فرأيك في العمل على ذلك، وعلى مطالعتنا بأخبارك وأحوالك، وما يحتاج إلى علمه من جهتك، موفّقا إن شاء الله تعالى.
وأما الإذمام فيختلف الحال فيه باختلاف الملوم فيه والمذموم بسببه. فمن ذلك الذمّ على [ترك] الطاعة وشقّ العصا.
كما كتب عمارة «1» يصف شخصا بأنه لمّا ارتفع مكانه، وعلا قدره، بطر معيشته، وخرج عن طاعة الخليفة، وأن فلانا كان ممّن عرفت حاله، في غموض أمره، وخمول ذكره، وضيق معيشته، وقلّة عدده وناهضته، ولا تجاوز حياته ما يقوله، ولا يتعاطى ما وراء ذلك ولا يرومه، ولا يمنّيه نفسه، ولا يدفع يد لامس عنه بقوّة تنوء بملأ، ولا عزّ يلجأ إليه، فأنعم عليه أمير المؤمنين وأكرمه وشرّفه، وبلغ به الغاية التي لم يكن يرجوها ولا ترجى له، وبسط له من الدّنيا، وآتاه من غضارتها ونعمتها، وعزّها وسلطانها، ما لم يؤت أحدا من أهل زمانه، فلما مكّن الله له في الدنيا طغى وتجبّر، وعلا وتكبّر، وظنّ أن الذي كان فيه شيء قاده إلى نفسه بحوله وقوّته، تهويلا من الشّيطان واستدراجا منه له.
وكما كتب عبد الحميد «2» في مثله:
أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك، إلّا ما أحبّ من ربّ صنيعته قبلك، واستتمام معروفه إليك، وكان أمير المؤمنين أحقّ من أصلح ما فسد منك، وإنّك إن عدت لمثل مقالتك، وما بلغ أمير المؤمنين عنك، رأى في معاجلتك رأيه، فإن النّعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستثقل العافية، ونسب ما هو فيه إلى حيلته، وحسن نبته ورهطه وعشيرته، وإذا نزلت به الغير، وانكشفت عماية العشى عنه، ذلّ منقادا، وندم حسيرا، وتمكّن منه عدوّه، قادرا عليه، وقاهرا له. ولو أراد أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك، ومعاجلة إفسادك، جمع بينه وبين من شهد فلتات خطئك وعظيم زلّتك، ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك في مجلسك، وجحودك فضله عليك، لردّك إلى ما كنت عليه، ولكنت مستحقّا.
وفي مثله: فإن صاحب البريد كتب إليّ عن أصحابك بكذا، فقلت: إنهم لم يقدموا على ما أقدموا عليه حتّى عجموك، فعرفوا خور عودك، وضعف مكسرك ومهانة نفسك، وأنّه لا غير عندك ولا نكير.
ومن ذلك الذّمّ على الخطأ، كما كتب أحمد «1» بن يوسف:
كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه، وكانا قبل ذلك في قسمه، فحازهما لوارثه، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة حتّى خلصا له من كلّ ممانع، وسلما له من تبعة كلّ منازع، فهو لا يصيب إلّا مخطئا، ولا يحسن إلّا ناسيا، ولا ينفق إلّا كارها، ولا ينصف إلّا صاغرا.