الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
قصة موسى عليه السلام
1
وهي قسمان: أ- قصته مع فرعون. ب- قصته مع قومه.
أ- قصة موسى مع فرعون:
أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه فدعاهم إلى توحيد الله وقد أنكر فرعون هذه الدعوة قائلًا في بداية الأمر: وما رب العالمين؟ فأجابه موسى بأنه الرب الخالق لكل ما في الوجود، قال تعالى:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} 2.
ويستدل لهم موسى على وحدانية الله بالنعم التي يشاهدونها من أرض ممهدة وطرق مذللة وماء ونبات وأن الله وحده خالق ذلك كله، فحق عليهم عبادته:{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} 3.
1 انظر السور التالية: البقرة 40-74، الأعراف 100-156، يونس 75-92، هود 96-101، طه 9-101، الإسراء 101-104،القصص 3-40، الشعراء 10-68، النمل 7-14، المؤمنون 45-48، إبراهيم 5-8، الصافات 114- 122، الذاريات 38-40، القمر 41-42، الحاقة 9-10، المزمل 15-16، الزخرف 46-56، غافر 23-46، الدخان 17-33.
2 سورة الشعراء آية 23-29.
3 سورة طه 49-54.
وكل هذا التعريف بالإله الحق لا يزيد فرعون وملأه إلا استكبارًا في الأرض فاتهموا موسى بالسحر والجنون، وجمع له السحرة فغلبهم فآمنوا، فقتلهم فرعون فأمسوا شهداء في سبيل عقيدة التوحيد قائلين لفرعون:{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} 1.
وكان من تمادي فرعون وطغيانه وتكبره على دعوة التوحيد أن قال لهامان وزيره ما حكاه الله تعالى عنه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِين، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} 2.
وقد أرسل الله على آل فرعون آيات شاهدات بوحدانية الله ومؤيدات لرسوله موسى عليه السلام وهي الطوفان والجراد القمل والضفادع والدم، وعند نزول كل بلاء بهم كانوا يطلبون من موسى أن يدعو ربه لكشف ذلك عنهم حتى يؤمنوا ولم يذهبوا لفرعون لكشف ذلك لعلمهم أنه عاجز عن ذلك:{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} 3. لكنهم بعد كشف العذاب عنهم في كل مرة يرجعون لكفرهم بالله مع تيقنهم أن موسى على الحق وأن هذه الآيات شاهدة بصدقه، كما قال تعالى عنهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} 4، وقال تعالى عن قول موسى لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} 5.
1 سورة طه آية 72 - 73.
2 سورة القصص آية 38 - 39.
3 سورة الأعراف 134.
4 سورة النمل آية 14.
5 سورة الإسراء آية 102.
والآن لم يبق أمام فرعون إلا التخلص من داعية التوحيد موسى عليه السلام وأقرب طريق لذلك قتل موسى، فسمع بذلك رجل مؤمن من آل فرعون فدافع عن موسى ودعوته مبينًا لهم سوء أمرهم وتدبيرهم وحذرهم من بأس الله أن يحل بهم وذكرهم بمصير من قبلهم، قال تعالى:{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَاّ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 1.
ولكن قوم فرعون ضاقوا ذرعًا بدعوة هذا الرجل الذي تلطف معهم غاية التلطف وهموا به ليقتلوه مع موسى فنجاه الله منهم: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} 2.
ولما بلغ التجبر عند فرعون وقومه نهايته، أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج بقومه ليلًا، ولما علم فرعون بتحركهم تبعهم بجيشه الكثيف ومشى بنو إسرائيل إلى البحر فجعله الله لهم طريقًا يبسًا لتوحيدهم له، ومشى فيه فرعون وجنوده فأغرقوا بكفرهم، ويؤمن فرعون في تلك اللحظة ويرجع إلى التوحيد الذي رفضه من قبل ولكن الله لم يقبل منه ذلك لفوات الأوان، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
1 سورة غافر 28-33.
2 سورة غافر 45.
الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} 1.
وهكذا يكون إنجاء الله للموحدين المستضعفين وإهلاكه لأعداء التوحيد من المشركين، فلتحذروا أيها الملأ من قريش أن يصيبكم ما أصاب هؤلاء من الدمار والعذاب بمعارضتكم لرسول التوحيد محمد صلى الله عليه وسلم.
ب- قصة موسى مع قومه
قصة موسى مع قومة فيها إشارات كثيرة إلى الوحدانية نذكر منها ما يلي:
لقد نجى الله موسى وقومه وكان البحر لهم طريقًا يبسًا بتوحيدهم، وكان لقوم فرعون مقبرة بكفرهم، ولكن بني إسرائيل ما لبثوا أن خانوا عقيدة التوحيد فور خروجهم من البحر حيث مروا على قوم يعبدون الأصنام فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما لهؤلاء القوم، ولكن هل يطلب مثل هذا الطلب إلا الجاهلون السفهاء، لقد نسوا أن نجاتهم من طغيان فرعون كانت بالتوحيد، قال تعالى:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2.
ولكنهم ما لبثوا بعد أن ذهب موسى لتكليم ربه أن جمعوا حُليَّهم فصنع السامري منها عجلًا جسدًا له خوار فعبدوه من دون الله زاعمين أن هذا إلههم وإله موسى. هذه هي طبيعة بني إسرائيل من نقض العهد والميثاق، ولقد خرجوا من مصر باسم التوحيد ومشوا في البحر ناجين من فرعون باسم التوحيد، وبعد ذلك يطلبون من نبيهم صنمًا يعبدونه، فسفه أحلامهم ووصفهم بالجهل وبين لهم حقيقة التوحيد،
1 سورة يونس 90- 92.
2 سورة الأعراف آية 138 - 139.
ومع كل هذا لما ذهب موسى للميعاد غدروا به وبعقيدة التوحيد، فعبدوا العجل، قال تعالى عنهم:{وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} 1.
ولكن يا لها من غفلة وضلالة، وهل يكون إلهًا من لا يضر ولا ينفع؟ هل يكون إلهًا من لا يتكلم ولا يملك الهداية لأحد، قال تعالى:{أَفَلا يَرَوْنَ أَلَاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} 2، وقال تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا} 3.
ولما رجع موسى غضب لدين الله وعقيدة التوحيد، فأخذ العجل وحرقه، ثم رماه في البحر، وعرفهم بالله الواحد الذي يستحق العبادة والشكر على ما أنعم به عليهم من نعمة الهداية ونعمة النجاة من فرعون، قال تعالى عن قول موسى للسامري:{وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} 4.
وهكذا فلتعلموا أيها المشركون أن هؤلاء اليهود الذين يزينون لكم الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة التوحيد الخالص -هذا هو موقفهم من عقيدة التوحيد وكان أنبياؤهم على قيد الحياة، فكيف وقد انقطع مجيء الرسل من بينهم وغيروا كتاب ربهم، فليس كثيرًا عليهم أن يقولوا لكم ما قاله تعالى عنهم:{وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} 5، وليس صعبًا عليهم كذلك أن يطعنوا
1 سورة طه آية 87-88.
2 سورة طه آية 89 - 91.
3 سورة الأعراف آية 148.
4 سورة طه آية 97 - 98.
5 سورة النساء آية 51.
بمحمد صلى الله عليه وسلم ودعوة التوحيد، وأن يزينوا لكم كفركم وشرككم بالله حسدًا من عند أنفسهم.
وقد هدد الله المشركين بعد سرد قصة بني إسرائيل مع موسى في سورة طه فقال بعد نهاية القصة مباشرة: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} 1.
1 سورة طه آية 99 - 102.