الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل
1-
قصة نوح عليه السلام مع قومه
1:
أرسل الله نوحًا عليه السلام إلى أهل الأرض بعدما عم الشرك وعبادة الأصنام التي كانت في الأصل صورًا للموتى والصالحين، فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة الأصنام، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 2.
وقد نبه نوح عليه السلام قومه إلى الآيات الكونية والنعم الإلهية داعيًا إياهم عن طريق التفكير في السماوات والأرض والأنهار والشمس والقمر وما في ذلك من النعم، وعن طريق التفكير في خلقهم أنفسهم، ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى فقال:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً، مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} 3.
1 انظر السور التالية: آل عمران 33، النساء 163، الأنعام 84، الأعراف 59-62، يونس 71-83، هود 25-49، الأنبياء 76- 77،المؤمنون 23-31، الفرقان 37، الشعراء 105- 122، العنكبوت 14-15، الصافات 75- 82، غافر 5-6 الذاريات 46، النجم 52، القمر 9-16، الحاقة 11-12، نوح 1-28 والقصة مفصلة في تفسير الطبري 12/52.
2 سورة الأعراف آية 59.
3 سورة نوح آية 10-20.
وقد كرر نوح عليه السلام دعوته لقومه إلى التوحيد ونبذ الشرك في أحوال مختلفة، فدعاهم بالليل والنهار، ودعاهم بالسر والعلن، ودعاهم أفرادًا وجماعات ولم يزدهم كل ذلك إلا عنادًا لدعوى التوحيد وثباتًا على الشرك وتواصيا به:{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 1.
ثم يتحداهم نوح هم وأصنامهم لأنه يعلم عجزها وأنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئًا، بينهما هو متوكل على الله القوي العزيز فيقول لهم بثبات الموحد لله:{يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} 2.
ويبقى نوح عليه السلام ثابتًا على دعوة التوحيد صابرًا على أذى قومه له إلى أن أمره الله تعالى بصنع السفينة، ويمر عليه قومه المشركون وهو يصنعها فيسخرون منه فيها، غير القلة المؤمنة الموحدين لله، ولم يدخل معه في السفينة ابنه وزوجته لأنهما بقيا على شركهما، وفي هذا بيان واضح أن صلات القرابة من بنوة وأبوة وزوجية وغيرها لا تنفع المشرك عند الله إن لم ينقذ نفسه بكلمة التوحيد.
ويأمر الله نوحًا عليه السلام أن يعلن التوحيد داخل السفينة لأنها سفينة الموحدين الناجين بتوحيدهم لله وهم يومئذ قليل، والمشركون وهم كثير لم تنفعهم كثرتهم عند حلول الغرق والعذاب:{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} 3.
1 سورة نوح آية 23.
2 سورة يونس آية 71.
3 سورة المؤمنون آية 28- 30.
وهكذا يتم إغراق المشركين وأصنامهم وتطهير الأرض من رجسهم، فلتكن قصة نوح مع قومه وإنجاء الله الموحدين القلة وإغراق الكثرة المشركة عبرة لكم يا كفار قريش ومن دان بدينكم.
يقول الطبري: "إن فيما فعلنا بقوم نوح من أهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم"1.
1 تفسير الطبري 18/18.