الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا:
طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود
يتبع الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود طريقة الإمكان والوجوب، فيقولون بأن كل ما كان ممكن الوجود والعدم لم يوجد منذ الأزل؛ لأنه يعلم بالضرورة أن حالة الإمكان المحض -أي العدم- سابقة على مرحلة الوجود الفعلي لهذا الممكن، فلما كان كل موجود نراه ممكنًا، فقد وجب أن تكون حالة العدم والإمكان المحض سابقة لجميع الموجودات، وعليه فإن الممكن لا يوجد كائنًا غيره علويًّا أو سفليًّا، ولما كانت حالة العدم وإمكان الوجود السابق لجميع الموجودات فقد وجب أن يكون موجودًا سابقًا لحالة العدم هذه، ووجوده واجب وهو الإله.
وبعضهم يقول بأننا إذا نظرنا إلى الموجودات من حولنا فإننا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن، وأشياء تنعدم بعد وجودها، وهذه الأشياء لا تخرج عن كونها مستحيلة الوجود أو ممكنة أو واجبة، والقول باستحالتها باطل لأنها موجودة، ووجوب وجودها باطل كذلك لأن الواجب لا يعدم، فبقي أنها ممكنة الوجود، والممكن محتاج إلى سبب لوجوده، وهذا السبب لن يكون عين الشيء الممكن ولا جزأه لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، فوجب أن يكون هناك سبب وراء الممكنات كلها وهو واجب بنفسه يمنح الممكنات وجودها، وهذا الواجب الوجود هو: الله.
وبعض الفلاسفة يسلك للتدليل على واجب الوجود طريقًا آخر فيقول: كل ممكن فهو معلول قطعًا، والمعلول لا بد له من علة أولى لا يتطرق إليها الإمكان ويجب وجودها بنفسها، وهذه العلة الأولى هي: الإله1.
1 انظر رسالة التوحيد لمحمد عبده ص18-21 ونظرية التكليف د. عبد الكريم عثمان ص156.
ونلاحظ أن كل هذ الاستدلالات على وجود الله عند الفلاسفة مرجعها إلى الإمكان والوجوب وملخصها: أن الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا، والممكن محتاج إلى مؤثر واجب وإلا لزم الدور والتسلسل فثبت أن الممكن وجوده بغيره، والواجب وجوده بذاته وهو السبب الأول لجميع الممكنات الموجودة والعلة الأولى لكل المعلولات.
ويجب أن نلاحظ هنا أن الفلاسفة إذا قالوا بإمكان الموجودات -والعالم كله ممكن الوجود- فإنما يعنون أن لهذا العالم مادة قديمة أزلية وجودها متقدم على وجود العالم وهي ما يسمونها الهيولي، هذه الهيولي معلولة عن العلة الأولى بشكل حدوث ذاتي، وهي تتحرك للتشبه بهذه العلة، فالعلة أولى لغيرها وهي آمرة للفلك بالتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق نحو المعشوق، وحدوثه عنها حدوث ذاتي لا حدوث زماني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والمعنى الثالث الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا: نقول العالَم محدَث أي معلوم لعلة قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره الحدوث الزماني، والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى، والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس في قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا أمة من الأمم العظيمة.."1.
1 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/72 وانظر ص69-70 وانظر تاريخ الفلسفة العربية د. جميل صليبا. ص223.