الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهم في هذا كما وصفهم سبحانه وتعالى بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم} 1.
فالعقيدة توازن في الإنسان بين عقله وروحه وجسمه، فتجعله إنسانًا سويًّا، والمذاهب المادية التي ألغت اعتبار الروح جعلته نصف إنسان، ومن هنا يحصل القلق والاضطراب والحيرة والتمزق النفسي.
1 سورة محمد 12.
د-
أثر العقيدة في سلوك المجتمع
1
إن ما تقدم من تأثير العقيدة في سلوك الفرد هو كذلك تأثير للعقيدة في المجتمع، لأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فصلاحهم صلاحه وفسادهم فساده، وكل جهد لتربية الفرد الصالح على العقيدة، هو جهد أصيل لتكوين المجتمع الصالح، لما يوجد من علاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع.
وليس من السهل أن تؤثر عقيدة ما في الفرد دون أن ينعكس ذلك على المجتمع ولو على المدى البعيد؛ ولذلك كان صلاح المجتمع بعد تطهير العقيدة من الشوائب الدخيلة عليها معتمدًا على تطهيره مما شانه من أعمال يقوم بها أفراده مناقضة للعقيدة.
والآن نلخص أبرز آثار العقيدة في المجتمع:-
1-
أمة العقيدة أعرق أمة في التاريخ، وتاريخها حافل بالوقائع والتجارب، قادتها الرسل، وقد بين الله للمؤمنين أمتهم الواحدة من اتباع الرسل بقوله تعالى
1 انظر الإيمان والحياة للقرضاوي ص201 - ص324. والإيمان وآثاره لزكريا يوسف ص10- 45.
في نهاية عرض قصص الأنبياء مع أقوامهم المكذبين: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} 1، وأول قائد لهذه الأمة العريقة هو آدم عليه السلام وآخر قادتها وأجلهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم من سار على نهجه إلى يوم الدين.
هذا التراث الكبير والتجارب العميقة تشكل الذخيرة الحية لأمة العقيدة، وهي الحضارة التي تملك الأمة أن تقدمها للإنسانية وهي واثقة ومطمئنة أنها ليست بحاجة لاستيراد القيم والأخلاق والعقائد من الأمم الكافرة؛ لأنها أمة متبوعة لا تابعة لغيرها.
2-
أمة العقيدة تتلقى للتنفيذ، لا مجال عندها للتردد ومخالفة الأوامر، فإذا نزل القرآن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء انقلب كل رجل إلى أهله يتلو عليهم ما أنزل الله تعالى، فيبادر الجميع لامتثال المأمور به واجتناب المنهي عنه.
3-
إن أمة العقيدة أمة لا تعيش لذاتها ومصالحها فقط، بل هي أمة ترى على عاتقها مسئولية إنقاذ البشرية مما هي فيه من الضلال، لأنها تشعر بنعمة اهتدائها إلى الله، لذلك تحب أن تهدي غيرها من الأمم.
إن أمة العقيدة تشعر بخيريتها على سائر الأمم، لا خيرية الجنس واللون، لكن خيرية الدين والعقيدة انطلاقًا من قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 3.
فأمة العقيدة تتعامل مع غيرها على هذا الأساس، وهذا هو الذي
1 سورة الأنبياء آية 92.
2 سورة آل عمران آية 110.
3 سورة البقرة آية 143.
أخرج الصحابة -رضوان الله عليهم- من ديارهم وأموالهم يطوفون مشارق الأرض ومغاربها يهدون للنور الذي هداهم الله إليه، لا كما يزعم أعداء الله أنهم خرجوا طلبًا للقوت واستعمار الأمم والشعوب.
4-
أمة العقيدة هي الأمة الوحيدة التي يستوي فيها الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم، ويستطيع الفرد العادي فيها أن ينصح الحاكم دون هيبة من سلطانه؛ لأنه يعلم أن الحاكم منفذ للدين وحارس للشريعة، ولذلك كان علماء الإسلام يناقشون الحكام وينصحونهم وإن زلوا يحاكمونهم إلى الشرع.
5-
أمة العقيدة أمة عزيزة الجانب مصونة لا تقيم حربًا أو سلمًا إلا على أساس عقيدتها كما كان عمل الرسول صلى الله عليه وسلم أول مقدمه إلى المدينة مع مختلف الطوائف داخل المدينة وخارجها من الممالك والإمارات، وإذا جاهدت أمة العقيدة فليس هدفها من الجهاد إراقة الدماء ونهب الأموال، إنما هدفها تحرير الإنسانية من الحكام الكفرة، الذين يحولون بين أممهم وبين الدين الحق.
إن أمة العقيدة تعلل كل وقائعها وانتصاراتها على ضوء عقيدتها، وكذلك إذا هزمت فإنها تقيس ذلك بميزان عقيدتها لتتعرف على عوامل هزيمتها مؤمنة بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} 1.
6-
أمة العقيدة تقوم الروابط بين أفرادها على العقيدة؛ لأن الروابط الأرضية من الجنس واللون واللغة والأرض والمصالح المشتركة، روابط ليس للإنسان فيها اختيار، فهو لن يستطيع اختيار جنسه ولونه ولغة قومه والأرض التي
1 سورة الرعد آية 11.
يولد فيها، وهذه الروابط الأرضية لا تدوم، فسَرعان ما يدب الخلاف بين أصحابها، أما رابطة العقيدة فهي أقوى وأقوم، ولذلك كان المجتمع الإسلامي الأول يضم العربي والفارسي والرومي والحبشي والهندي، هذه الجنسيات كلها يجمعها اسم الأمة الإسلامية، بدون فوارق عرقية أو طبقية.
لقد قامت الإمبراطورية الرومانية قديمًا على أساس طبقي: العبيد والأشراف، وتقوم الشيوعية حاليًا بالتفريق بين العمال وأصحاب رءوس الأموال، وكذلك المجتمعات الغربية تفرق على أساس العرق واللون، وهذا ما يؤكد أنه ليس هناك مجتمع عالمي إنساني مفتوح لكل أبناء البشرية غير مجتمع العقيدة الإسلامية.
لذلك لما شعر أعداء الأمة الإسلامية بالخطر، وتنبهوا لسر قوتها، لجأوا لتحطيم هذه القوة بإقامة أصنام سموها الوطن والقوم والجنس وهي التي ظهرت على مدى التاريخ باسم الجنسية الطورانية أو القومية الفرعونية والفنيقية والفارسية والعربية، وغيرها من الأسماء والشعارات التي لم تلق رواجًا إلا عندما ضعفت العقيدة في النفوس، فأصبحت هذه الأصنام والشعارات مقدسات ويعتبر الخارج عليها كافرًا بوطنه وقوميته خائنًا لبلده يجب محاربته والقضاء عليه.
7-
مجتمع العقيدة مجتمع يفتخر بأصله ويعتز بانتسابه لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكل ما في الكون مسخر لخدمته ونفعه لقوله تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} 1، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
1 سورة إبراهيم آية 32- 33.