الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: تقرير القرآن للتوحيد بالتذكير بنعم الله
تمهيد:
إن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على خلقه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقد نبه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى كثير من النعم فأكثر الحديث عنها، ووجه الأنظار وقرر عباده بها ليدفعهم إلى التفكير في مصدرها وموجدها وأنه جدير بالعبادة، ولما يثير شكر هذه النعم في أنفسهم من محبة لبارئها ولا سيما أن هذه النعم ليست في طاقة البشر.
والتذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه الإنسان من خيرات عظيمة ونعم جليلة، فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته، لذلك ذكر الأنبياء أقوامهم بنعم الله طالبين منهم توحيده ونبذ ما يعبدون من دونه من الأنداد والأوثان.
فهذا هود عليه السلام يقول لقومه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 1، فذكرهم هود عليه السلام بنعمتين من نعم الله عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المغرقين قوم نوح، ونعمة القوة الجسمانية التي خصهم الله بها.
1 سورة الأعراف آية 69.
وهذا صالح عليه السلام يقول لقومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} 1، فذكرهم صالح عليه السلام بنعمتين من نعم الله تعالى عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المهلكين قوم عاد، ونعمة بناء القصور في السهل واتخاذ الكهوف في الجبال.
إن النعمة لا بد لها من منعم، وهذه النعم الكثيرة على الإنسان إنما هي من صنع الله الواحد لا شريك له، لذلك وجب على العباد شكر المنعم وتوحيده، ومعظم الآيات التي تتحدث عن النعم تكون مختومة بالتنديد بالمشركين الذين يعبدون الأوثان من دون الله ولم يوحدوا الله، مثل قوله تعالى في سورة الأنعام بعد أن ذكر جملة من النعم على عباده:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} 2. ففي هذه الآيات يطلب سبحانه من عباده شكره على نعمه وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له والإقرار له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا صاحبة ولا عديل.
وظاهرة النعمة تذكر في القرآن الكريم كثيرًا، أحيانًا مفصلة وأحيانًا بآيات عامة لما يترتب على ذكرها من إظهار فضل الله وكرمه ورحمته وعطائه ليشكر العاقل إلهه المنعم عليه، ولتقوم الحجة على الإنسان الظالم الجاحد فيستحق العقاب.
وقد بين الله تعالى عجزنا عن إحصاء نعمه بآيتين هما قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا
1 سورة الأعراف آية 74.
2 سورة الأنعام آية 100-102.
نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} 1 وقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} 2.
ويتبين من سياق الآيتين معنيان هما:
أ- أن هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ليست مصادفة بل هي من خلق الله.
ب- أن الكفر والظلم هما اللذان يجعلان الإنسان لا يرى نعمة الله عليه وينسبها لغير الله.
وقد ورد التذكير بالنعم عامة في آيات عديدة منها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} 3، وقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} 4، وقوله تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} 5.
ويتبين من سياق الآيات معنيان هما:
أ- أن الأرض والسماوات بما فيهما مسخرتان للإنسان.
ب- أن التسخير والإنعام لا يكون إلا بمسخر منعم كما يلمح من قوله: {وَأَسْبَغَ} وقوله: {جَمِيعًا مِنْهُ} ، وهذا المسخر المنعم هو الله وحده لا شريك له.
وقد جمعتُ الآيات القرآنية التي تتعلق بهذا الفصل ثم قسمتها حسب النعمة التي تتحدث عنها الآية، وقد تحدثت عن عدد من النعم بحديث واحد لارتباطها ببعضها، والنعم التي كانت مدار هذا الفصل هي:
1 سورة النحل آية 18.
2 سورة إبراهيم آية 34.
3 سورة البقرة آية 29.
4 سورة لقمان آية 20.
5 سورة الجاثية آية 13.
1-
نعمة الشمس والقمر والليل والنهار.
2-
نعمة الأرض والجبال.
3-
نعمة البحر.
4-
نعمة الرياح والمطر والنبات.
5-
نعمة الأنعام.
6-
نعمة السمع والبصر.
7-
نعمة الأمن.
وبعض هذه النعم التي نتحدث عنها في هذا الفصل، ذكرت في آيات القرآن على أنها آيات كونية كما سبق أن بينا ذلك في الفصل الأول من هذا الباب، لكن الحديث عنها في هذا الفصل يتناول جانبًا غير جانب الأدلة الكونية، وفيما يلي البيان: