الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4-
دليل الرزق:
قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} 2، وقال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 3. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَاّ مَنْ يُنِيبُ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 4.
إن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله وأن أصنامهم لا تملك رزقًا، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة.
وفي آية سورة الأنعام يأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للذين يدعونه لعبادة آلهتهم: أغير الله خالق السموات والأرض والذي يرزقني ويرزق غيري ولا يرزقه أحد، أغير هذا الإله الرازق أتخذ وليًّا5.
فنرى في هذه الآية أنه تعالى احتج على المشركين بكونه رازقًا، ونفس هذا
1 سورة الأنعام آية 14.
2 سورة فاطر آية 3.
3 سورة الروم آية 40.
4 سورة غافر آية 13-14.
5 انظر تفسير الطبري 7/159.
الاحتجاج وارد بآية سورة فاطر، ولذلك نجد الآية مختومة بقوله تعالى:{لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون} ، أي فكيف تصرفون عن توحيد الله وعبادته مع أنه ليس لكم رازق غير الله يرزقكم1.
وأما في آية سورة الروم فدليل الرزق مجموع مع دليل الخلق؛ لأن الخلق والرزق من خصائص الربوبية، وبعد أن بينت الآية أن الله وحده هو الخالق الرازق جاء الدليل بشكل استفهام تقريعي لبيان قبح صنيع المشركين بعبادتهم غير الخالق الرازق {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} والجواب معروف لأنهم لم يزعموا قط أن آلهتهم ترزق أدنى شيء، وهنا تقوم الحجة عليهم إذ كيف يستحق العبادة من لا يرزق عباده؟
وتبين آية سورة غافر بأن الله يرينا حججه على وحدانيته ومنها إنزال أرزاقنا من السماء، ولكن لا يتذكر هذه الحجج ويعتبر بها إلا من يرجع إلى توحيد الله ويقبل على عبادته وحده، وأن علينا تجاه هذا الرزق أن نخلص الطاعة والعبادة لله وحده ولو كره ذلك الكافرون2.
وهذا إبراهيم الخليل عليه السلام يعلن عداوته لآلهة قومه وبراءته منها؛ لأنها لا تستحق الألوهية مستدلًّا على ذلك بأنها لا تملك من خصائص الربوبية شيئًا التي منها الرزق، ومالك ذلك وحده:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} 3، ويصرح في موضع آخر بعدم استحقاق الآلهة للعبادة لأنها لا تملك رزقًا، والعاقل يترك عبادتها ويعبد من بيده رزقه فيقول تعالى عنه: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
1 انظر تفسير الطبري 22/116.
2 انظر تفسير الطبري 24/49.
3 سورة الشعراء آية 75-79.
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1.
ومما تقدم نرى أن هذا الدليل -دليل الرزق- يقوم على أساس اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأن من أقر بوحدانية الرب الرازق أداه إقراره لتوحيد الله في ألوهيته وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وهذا المعنى وارد في سورة يونس بقوله تعالى:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَاّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} 2. والآية الأولى منهما جمعت بين دليل الرزق والملك والخلق والتدبير مبينة إسناد المشركين هذه الأمور إلى الله فكان مقتضى هذا الإسناد أن يتقوا الله {فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون} قال الطبري: "أي أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا"3.
إذن يجب عليهم أن يتقوا الله؛ لأن هذا الرب المتفرد بكل خصائص الربوبية هو الله الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، وليس غير الله إلهًا حقًّا يستحق الإفراد بالعبادة، فإذا كان هو الحق فادعاء المشركين ألوهية غيره ضلال وذهاب عن الحق4.
وأما في سورة سبأ فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقينهم الجواب فقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ} 5، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: الله
1 سورة العنكبوت آية 16-17.
2 سورة يونس آية 31-32.
3 انظر تفسير الطبري 11/113.
4 انظر تفسير الطبري 11/113.
5 سورة سبأ آية 24.
يرزقكم؛ لأنهم يعرفون أن هذا هو الجواب الصحيح وليس عندهم جواب غيره، فتلقينهم الجواب بهذا الشكل فيه تقرير لهم على أنفسهم وإقامة للحجة عليهم، فلو كانوا يعقلون لعبدوا الرازق دون الأصنام.
يقول الزمخشري: "ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله، وذلك للإشعار بأنهم مقرون بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟ ألا ترى إلى قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} حتى قال: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} ثم قال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ} فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون عنادًا وإصرارًا وحذرًا من إلزام الحجة"1 انتهى بلفظه.
1 الكشاف 3/288 وانظر تفسير الطبري 22/93.