المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ دليل الخلق والملك: - عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

[محمد خليل ملكاوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العقيدة ومكانتها

- ‌تمهيد الباب

- ‌تعريف العقيدة

- ‌تعريف العقيدة لغة

- ‌تمهيد

- ‌ تعريف العقيدة شرعًا

- ‌ مصدر العقيدة الإسلامية

- ‌مزايا العقيدة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌ عقيدة واضحة سهلة

- ‌ عقيدة فطرية

- ‌ عقيدة ثابتة محددة

- ‌ عقيدة مبرهنة

- ‌ عقيدة وسط

- ‌أثر العقيدة في سلوك الفرد والمجتمع

- ‌مدخل

- ‌ سلطان العقيدة على النفوس

- ‌ حالة العرب قبل الإسلام

- ‌ أثر هذه العقيدة في سلوك الفرد

- ‌ أثر العقيدة في سلوك المجتمع

- ‌ أمثلة لآثار العقيدة

- ‌ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات

- ‌مدخل

- ‌مذاهب التطوريين والرد عليها

- ‌مدخل

- ‌ المذهب الطبيعي:

- ‌ المذهب الروحي:

- ‌ المذهب التوتمي:

- ‌أسباب القول بفكرة التطور

- ‌مدخل

- ‌ المصدر الأول: الكنيسة:

- ‌ المصدر الثاني: المبشرون:

- ‌ المصدر الثالث: الكتاب المعاصرون:

- ‌ بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه

- ‌ الرد الإجمالي على نظرية التطور

- ‌حقيقة التوحيد

- ‌تمهيد الباب

- ‌معنى كلمة الإله، الرب، الدين، العبادة

- ‌مدخل

- ‌ معنى كلمة "الإله

- ‌تمهيد:

- ‌الله" علم على الذات الواجب الوجود

- ‌ أصل لفظ الجلالة "الله

- ‌ معنى لفظ الجلالة "الله" والاشتقاقات التي يرجع إليها

- ‌ سبب تسمية الأصنام آلهة

-

- ‌ معنى كلمة "الرب

- ‌الأصل الأول:

- ‌الأصل الثاني:

- ‌الأصل الثالث:

- ‌ معنى كلمة "الدين

- ‌معنى كلمة "العبادة

- ‌معنى كلمة عبد

- ‌ انقسام العبودية إلى عبودية عامة وعبودية خاصة

- ‌ الفرق بين العبودية العامة والخاصة:

- ‌ دعوة الرسل جميعًا إلى عبادة الله:

- ‌ شروط صحة العبادة وأنواعها:

-

- ‌ أنواع التوحيد وفي أيها وقع النزاع بين الرسل وأممهم

- ‌ أقسام التوحيد

- ‌ شبهة المنكرين لهذا التقسيم والرد عليها

- ‌ معاني أنواع التوحيد الثلاثة وكيف يحصل الإشراك بكل نوع منها

- ‌ توحيد الربوبية:

- ‌ توحيد الألوهية:

- ‌ توحيد الأسماء والصفات

- ‌ العلاقة بين أنواع التوحيد

-

- ‌ الضرورة إلى عقيدة التوحيد

- ‌ الحاجة للتوحيد في الآخرة:

- ‌ الحاجة للتوحيد في الدنيا:

- ‌فأما بالنسبة للحياة العامة:

- ‌وأما بالنسبة للمجتمع:

- ‌وأما بالنسبة للفرد:

- ‌المنهج القرآني في تقرير عقيدة التوحيد

- ‌تمهيد الباب

- ‌الفصل الأول: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة الكونية

- ‌تمهيد

- ‌اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليلي الخلق والعناية

- ‌مدخل

- ‌ دليل الخلق

- ‌ شبهة الطبيعة

- ‌ دليل العناية:

- ‌ شبهة المصادفة

- ‌آية السماء والأرض

- ‌ آية الشمس والقمر والليل والنهار

- ‌ آية الرياح والمطر والنبات

- ‌تمهيد

- ‌ الأمثال المضروبة لله ولما يعبد من دونه:

- ‌ المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك

- ‌ المثل للحق والباطل

- ‌ أمثلة عجز آلهة المشركين

- ‌الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك والموحد

- ‌ مثل قلب الموحد وقلب المشرك

- ‌ أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك

- ‌ مثلان لبيان فساد أعمال المشركين

- ‌الفصل الثالث: تقرير القرآن للتوحيد بالقصص القرآني

- ‌تمهيد

- ‌القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل

- ‌ قصة نوح عليه السلام مع قومه

- ‌ قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه

- ‌ قصة موسى عليه السلام

- ‌قصى عيسى بن مريم عليهما السلام

- ‌القسم الثاني: قصص رسل من غير أولي العزم

- ‌ قصة هود عليه السلام مع قومه

- ‌ قصة صالح عليه السلام مع قومه

- ‌ قصة شعيب عليه السلام مع قومه

- ‌ قصة يونس عليه السلام

- ‌ قصة يوسف عليه السلام

- ‌قصة سليمان عليه مع بلقيس

- ‌القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموجودين

- ‌قصة أصحاب الكهف

- ‌ قصة أصحاب الأخدود مع الموحدين

- ‌الفصل الرابع: تقرير القرآن للتوحيد بالتذكير بنعم الله

- ‌تمهيد:

- ‌نعمة الشمس والقمر والليل والنهار

- ‌مدخل

- ‌ نعمة الشمس والقمر:

- ‌ نعمة الليل والنهار:

- ‌نعمة الأرض والجبال

- ‌مدخل

- ‌ نعمة الأرض:

- ‌ نعمة الجبال:

- ‌نعمة البحر

- ‌مدخل

- ‌نعمة تيسير الفلك فيه

- ‌ نعمة استخراج اللحم الطري

- ‌ نعمة استخراج الحلي

- ‌ نعمة عدم اختلاط الماءين المالح والحلو

- ‌نعمة الرياح والمطر والنبات

- ‌مدخل

- ‌ نعمة الرياح:

- ‌ نعمة المطر:

- ‌ نعمة النبات:

- ‌نعمة الأنعام

- ‌مدخل

- ‌ نعمة التذليل:

- ‌ نعمة الركوب والحمل:

- ‌ نعمة الجلد وما فيه من صوف وشعر ووبر:

- ‌ نعمة اللبن:

- ‌ نعمة اللحم:

- ‌ نعمة السمع والبصر:

- ‌ نعمة الأمن

- ‌الفصل الخامس: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة العقلية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله

- ‌ دليل الخلق والملك:

- ‌ دليل عدم فساد الكون

- ‌ دليل نفي الولد عن الله تعالى

- ‌ دليل الرزق:

- ‌ دليل النوائب:

- ‌المبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام

- ‌ دليل النقص:

- ‌ دليل العجز

- ‌مميزات طريقة القرآن الكريم على طريقة المتكلمين والفلاسفة في تقرير عقيدة التوحيد

- ‌تمهيد الباب

- ‌ميزة طريقة المتكلمين

- ‌مدخل

- ‌ طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله

- ‌مميزات طريقة المتكلمين

- ‌مدخل

- ‌جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية

- ‌تقديم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر

- ‌ طريقتهم طويلة متعبة

- ‌ بُعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل:

- ‌ طريقتهم غير عملية ولا تناسب جميع الناس، لاعتمادها على ألفاظ مستوردة:

- ‌ طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها وذمها السلف:

- ‌ مميزات طريقة الفلاسفة

- ‌تمهيد

- ‌ طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود

- ‌مميزات طريقة الفلاسفة

- ‌مدخل

- ‌ جواز أن يكون الممكن قديمًا:

- ‌ طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا

- ‌ طريقتهم تناقض التوحيد

- ‌طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض

- ‌ طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل

- ‌ مميزات طريقة القرآن الكريم

- ‌تمهيد

- ‌ضم الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها

- ‌ الرد على جميع المخالفين

- ‌ مناسبتها لجميع فئات الناس

- ‌ ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد

- ‌ طريقة القرآن عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات

- ‌ طريقة القرآن تنفي الشكوك والشبهات

- ‌طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة

- ‌مدخل

- ‌ الأسلوب التلقيني

- ‌ أسلوب الاستفهام الإنكاري

- ‌ أسلوب التكرار

- ‌ أسلوب الترغيب والترهيب

- ‌ أسلوب التحدي والتهكم:

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المراجع

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌ دليل الخلق والملك:

‌المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله

1-

‌ دليل الخلق والملك:

وفيه نقطتان:

أ- خلق جميع المخلوقات وملكها.

ب- خلق الإنسان.

أ- خلق جميع المخلوقات وملكها:

قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} 1، وقال تعالى:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} 2، وقال تعالى:{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} 3، وقال تعالى:{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} 4، وقال تعالى:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 5، وقال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} 6، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا

1 سورة الأنعام آية 1.

2 سورة الأنعام آية 100-102.

3 سورة الأعراف آية 191.

4 سورة الرعد آية 16.

5 سورة النحل آية 17.

6 سورة الأنبياء آية 16.

ص: 261

ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ} 1، وقال تعالى:{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} 2، وقال تعالى:{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} 3، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 4، وقال تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 5، وقال تعالى:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 6.

هذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيرًا ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.

وهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق لله مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، وقد وردت آيات كثيرة منها الآيات السابقة، تثبت هذا الدليل.

ونجد في الآية الأولى من سورة الأنعام إشارة إلى أن الحمد الكامل لله وحده

1 سورة الحج آية 73.

2 سورة الفرقان آية 2-3.

3 سورة لقمان آية 11.

4 سورة سبأ آية 22-23.

5 سورة الأحقاف آية 4.

6 سورة فاطر آية 13.

ص: 262

الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومع هذا عدل به الكفار غيره من الأصنام والأنداد التي لم تخلق شيئًا وعبدوها، والله وحده المستحق للعبادة لأنه الخالق، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى في الآية التي بعدها:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} 1، يقول الطبري:"أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة فاعبدوه"2.

وفي آية سورة الرعد جاءت الهمزة للإنكار، والمعنى: أنهم لم يتخذوا الشركاء لكونهم خالقين فتشابه خلقهم وخلق الله، فاستحق هؤلاء الشركاء العبادة لذلك، ولكنهم اتخذوا لله شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عن أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق، والله خالق كل شيء بلا شريك، فلا يستقيم أن يكون له شريك في العبادة والألوهية كما لا شريك له في الخلق والربوبية، وفي قوله تعالى:{خَلَقُوا كَخَلْقِه} في سياق الإنكار تهكم بهم؛ لأن غير الله تعالى لا يخلق خلقًا البتة لا بطريق المشابهة والمساواة لله -تقدس الله عن ذلك- ولا بطريق الانحطاط والقصور، ويكفي للإنكار عليهم أن آلهتهم لا تخلق مطلقًا ولكن جاء في قوله تعالى:{كَخَلْقِهِ} تهكم يزيد الإنكار تأكيدًا3.

وفي آية سورة الحج بين تعالى أن آلهتهم لو اجتمعت ما خلقت ذبابًا صغيرًا، وفي هذا تجهيل عظيم لهم بعبادتهم من هذه صفته وتركهم عبادة خالقهم4.

1 سورة الأنعام آية 102.

2 تفسير الطبري 7/299.

3 انظر حاشية الكشاف 2/355.

4 انظر تفسير الطبري 17/202 والكشاف 3/22 والبحر المحيط 6/390.

ص: 263

ولذلك كان في آيتي سورة الفرقان تقريع شديد لمشركي العرب بعبادتهم الأصنام وتنبيه لهم على ضلالهم لاتخاذهم آلهة لا تخلق شيئًا وهي مخلوقة، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا لأحد، كما أنها لا تملك إماتة أحد وإحيائه وبعثه، وتركوا عبادة مالِكِ ذلك كله وخالق الخلق أجمعين والسماوات والأرض وما فيهن، فأي شيء خلقت الأصنام حتى عبدوها من دون الله؟ إن المستحق للعبادة يكون مالكًا للسماوات والأرض أو شريكًا لمالكهما أو معينًا له، وقد نفت آيتا سورة سبأ هذه المراتب عن آلهتهم؛ لأنها لا تملك ذرة في السموات والأرض وليست شريكة لله في ملكه ولا هي معينة للمالك، فلماذا يعبدونها إذن وهذه الصفات منتفية عنها؟ أم أنهم يعبدونها لزعمهم أنها شفعاء عند الله؟ فليعلموا أن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله لن يأذن لأحد مهما كان مقربًا أن يشفع للمشرك الكافر فضلًا عن أن تشفع عنده هذه الأصنام، فأي حجة لكم إذن في عبادتهم؟ أم عندكم كتاب من قبل هذا القرآن أو بقية من علم صحيح يبين أن آلهتكم خالقة أو شريكة للخالق في الخلق والملك حتى عبدتموها؟ إن الهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها1.

وهذا الخلق كله حجة عليكم وشاهد بوحدانية الله الذي لم يخلقه عبثًا ولعبًا {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} 2، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية:{وَمَا خَلَقْنَا} ..... الآية: "إلا حجة عليكم أيها الناس ولتعتبروا بذلك كله فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء وأنه لا تكون الألوهة إلا له ولا تصلح العبادة لشيء غيره ولم يخلق ذلك عبثًا"3.

1 انظر تفسير الطبري 11/115 و14/92 و18/181 و21/66 و22/89 وص 124 و26/2 وتفسير الكشاف 3/287 وص 311 والرد على المنطقيين ص529.

2 سورة الأنبياء آية 16.

3 تفسير الطبري 17/9.

ص: 264

وقد استعمل إبراهيم عليه السلام هذا الدليل -دليل الخلق- في مناظرته لقومه لما يعلم من تأثير هذا الدليل في تنبيه الغافلين عن الحق المعطلين للفطرة، قال تعالى عنه:{قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} 1.

مما تقدم من الآيات يتبين لنا استعمال القرآن لدليل الخلق والملك بشكل واضح في مواضع شتى من سوره، وقد كثر ورود هذا الدليل لارتباطه بحقيقة لا ينكرها المشركون، وهي حقيقة اعترافهم بتوحيد الربوبية وانفراد الله بالخلق والملك والتصرف كما في قوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 2.

وقوله: {قُلْ لِمَنَ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 3، وآيات غيرهما كثيرة تبين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وهذا يستلزم توحيد الألوهية لأن المتفرد بالخلق والملك والتصرف هو المستحق لأن يفرد بالعبادة بلا شريك، لكنهم لما أنكروا توحيد الألوهية، كان إقرارهم بتوحيد الربوبية باطلًا، وكان من سلك منهم هذا المسلك موصوفًا بأنه لا يعقل وإقراره حجة عليه.

هذا من جهة إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض وملكهما وما فيهما.

وأما من جهة آلهتهم فهم لم يزعموا قط أن لهما خلقًا وملكًا لأدنى شيء فكان مقتضى ذلك أن لا يصفوها بالألوهية واستحقاق العبادة، لكن الذي حصل منهم العكس، مع اعترافهم بعجزها عن الخلق والملك، لذلك وصفوا في القرآن بأنهم لا يعقلون؛ لأن العقل السليم لا يقر شركهم بالله وعبادتهم ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون4.

1 سورة الأنبياء آية 56.

2 سورة الزخرف آية 9.

3 سورة المؤمنون آية 84-85.

4 انظر تفسير الكشاف 3/211.

ص: 265

ب- دليل خلق الإنسان

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} 1، وقال تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 2، وقال تعالى:{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} 3، وقال تعالى:{إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} 4، وقال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} 5، وقال تعالى:{خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} 6، وقال تعالى:{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} 7، وقال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 8، وقال تعالى:{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُم} 9، وقال تعالى:{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك} 10.

إن خلق الإنسان وتركيبه من الأدلة القاطعة على وحدانية الله الخالق، وقد أتعب المتكلمون أنفسهم وهم يستدلون بخلق الإنسان على وجود الله وتفرده بالخلق، والمشركون لم يكونوا ينكرون أنهم مخلوقون لخالق ومربوبون لرب، ولكنهم كانوا ينكرون استحقاق هذا الرب الخالق لأن يفرد بالإلهية والعبادة.

1 سورة الأنعام 98.

2 سروة آل عمران آية 59.

3 سورة ص آية 76.

4 سورة الصافات آية 11.

5 سورة الحجر آية 26.

6 سورة الرحمن آية 14.

7 سورة الطارق آية 6-7.

8 سورة المؤمنون آية 12-14.

9 سورة الإنسان آية 28.

10 سورة الانفطار آية 7.

ص: 266

والآيات الكثيرة التي نبهت إلى خلق الإنسان لم تأتِ قط لإقناع المشركين بوجود الرب الخالق وتوحيده في ربوبيته، لقوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 1، إنما جاءت الآيات القرآنية المنبهة إلى خلق الإنسان لدعوة المشركين إلى توحيد الألوهية والعبادة عن طريق إيمانهم بتوحيد الربوبية، وبهذا يظهر خطأ المتكلمين الواضح في استدلالهم بهذه الآيات على أمر يقر به المشركون أنفسهم.

وفي خلق الإنسان والمراحل التي مرت بها طينة آدم والمراحل التي يمر بها الإنسان في بطن أمه أكبر شاهد بوحدانية الله، وتبين الآيات السابقة أن آدم أصله من التراب الذي صار طينًا لازبًا ثم حمأً مسنونًا ثم من صلصال كالفخار ثم نفخ فيه الروح، ومن هذه النفس الواحدة تناسلت الذرية من ماء مهين يستقر في الأرحام فيصير علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح ويخلق العظام وتكسى باللحم وتشد مفاصله حتى يكون إنسانًا سويًّا معتدلًا في أحسن تقويم، أليس هذا الفعل من بدايته إلى نهايته وتمامه وكماله يدل على وحدانية الإله المعبود؟ فلو كان يدبر أمر النطفة أكثر من إله لفسدت، لجواز أن يريد إله خلق إنسان منها وأن يريد الآخر عكسه، ولذلك امتن الله على خلقه بهذا الحفظ والعناية والتدبير للنطف في بطون الأمهات داعيًا عباده به للإيمان بألوهيته، فقال:{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} 2.

ففي خلق الإنسان وتنقله في بطن أمه من طور إلى طور في ظلمات البطن والرحم والمشيمة، دلالة على وحدانية الله تعالى المستحق للعبادة، لذلك قال:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي هذا فعل الله الواحد لا فعل آلهتكم فكيف تصرفون عن عبادة إلهكم إلى عبادة أوثانكم؟

1 سورة الزخرف آية 87.

2 سورة الزمر آية 6.

ص: 267

قال الطبري: "قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه"1. ويقول ابن كثير: "أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له فأنى تصرفون أي فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟ "2.

والآيات القرآنية المشيرة لخلق الإنسان ودلالته على وحدانية الله كثيرًا جدًّا فمن ذلك قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} 3، والمعنى أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة ضعيفة حتى إذا نما وكبر عبد غير خالقه وأخذ يخاصم في وحدانية الله، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:"فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون من عبدًا لا ضدًّا"4.

وهذا صاحب صاحب الجنتين يقول له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} 5، فاستدل له بخلق أبيه آدم من تراب ثم خلقه هو من نطفة على وحدانية الله، وأخبره أنه يقول بوحدانية الله {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} ، يقول ابن كثير:"أي لكن أنا لا أقول مقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية {وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدا} أي بل هو الله وحده لا شريك له"6.

1 تفسير الطبري 7/291 وانظر تفسير ابن كثير 2/159.

2 تفسير ابن كثير 4/46 وانظر تفسير الطبري 23/129.

3 سورة النحل آية 4.

4 تفسير ابن كثير 2/561، وانظر تفسير الطبري 14/78.

5 سورة الكهف آية 37-38.

6 تفسير ابن كثير 3/84 وانظر تفسير الطبري 5/247.

ص: 268

وهذا الرجل المؤمن بالله الذي صدق رسل عيسى جاء من أقصى المدينة يركض ليدعو قومه أن يتبعوا المرسلين بما جاءوا به من التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، مستدلًا بخلقه على استحقاق خالقه لأن يفرد بالألوهية والعبادة وأن آلهتهم لا تستحق العبادة، قال تعالى عنه:{وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1 2.

والآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة كقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} 3، وقوله تعالى:{وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون} 4، وقوله تعالى:{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق} 5؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطوارًا وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصلة لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.

وقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} 6؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:-

أ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق أي وجدوا بطريق الصدفة.

ب- وإما أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض وخلقوا أنفسهم.

ج- وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.

1 سورة يس آية 22.

2 انظر تفسير ابن كثير 3/322 وص 568.

3 سورة فصلت آية 53.

4 سورة الذاريات آية 21.

5 سورة الطارق آية 5.

6 سورة الطور آية 35-36.

ص: 269

والاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق، احتمال باطل كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا خالق وتنظيم بلا منظم.

والصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنساني.

وأما الاحتمال الثاني: وهوأن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلانًا كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة، لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه موجب اجتماع الضدين بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين لقوله تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس} 1

وقد نبه سبحانه وتعالى المشركين إلى حقيقة أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} 2 فلم يجيبوا بنعم لعلمهم عجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.

وعليه فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد وهو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور:{أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 3، فهذا إنكار

1 سورة غافر آية 57.

2 سورة الواقعة آية 58-59.

3 سورة الطور آية 43.

ص: 270

شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر، ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم فقال:{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون} 1.

وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم2 عندما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسرى وكان إذ ذاك مشركًا فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان3.

وقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله تركنا ذكره اختصارًا4.

1 ،2انظر تفسير ابن كثير 4/244 "كتاب التفسير".

3 روي قصة جبير بن مطعم البخاري ومسلم/ انظر فتح الباري/ ج8 ص603 حديث رقم 4854 وانظر تفسير الطبري 27/33 والعقائد السلفية ص15.

4 انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/187 - 196 وص 225- 282 وانظر كتاب التبيان ص33 وص 216.

ص: 271