الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو أن المتكلمين عرضوا أدلة القرآن مكتفين ببيانها وتوضيح القصد منها، لكان ذلك أنفع وأبعد عن التكلف والتعقيد، وأسلم من دخول الألفاظ الغريبة، وأبعد عن الخلاف فيما بينهم، وأقرب للإقناع1.
1 انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/61-63 وص181 ومدارج السالكين 3/437 وضحي الإسلام 3/9.
6-
طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها وذمها السلف:
إن طريقة المتكلمين تؤدي للشك والحيرة لأنها مخالفة للفطرة الإنسانية ولطريقة القرآن الكريم والرسل أجمعين، وقد ذم السلف الصالح هذه الطريقة لكنهم لم يذموا جنس الكلام والاستدلال والنظر الذي أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
وقد خفي بطلان هذه الطريقة على كثير من سالكيها حتى اعتقدوا أنها طريقة موافقة للشرع والعقل، وأن عيبها أنها طويلة متعبة خطرة فقط لكنها صحيحة في نفسها، فلما انتهت بهم إلى الشك والحيرة علموا بطلانها شرعًا وعقلًا، فعضوا أصابع الندم مصرحين بأنها لم تشفِ داءهم ولم تذهب حيرتهم، ولم يشك أحد منهم أن مثل ذلك حصل لغيره من سالكيها1.
وقد صرح ابن واصل الحموي بشكّه عندما قال: "أستلقي على قفاي وأضع المِلْحَفَةَ على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء"2.
1 انظر الفتاوى 3/47 وتلبيس الجهمية 1/132 والنبوات ص41 وص 304-307.
2 انظر الفتاوى 4/209.
وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جُلْتُ أهلَ الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني"1.
وهذا الشَهْرستاني ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها
…
وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر
…
على ذقن أو قارعًا سن نادم2
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي:
فيك يا أغلوطة الفكر
…
حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما
…
ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا
…
أنك المعروف بالنظر3
وهذا أبو عبد الله الرازي يصرح بأن علم الذات عليه عقدة وهي: هل الوجود هو الماهية أو زائد عليها؟ وعلم الصفات عليه عقيدة وهي: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة وهي: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ واعترف أن أحدًا لم يصل إلى هذا الباب ولم يذق من هذا الشراب وأنشد:
نهاية إقدام العقول عقال
…
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
…
وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
…
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تَروي غليلًا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى
1 تلبيس إبليس ص82.
2 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/92.
الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 2، وأقرأ في النفي:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} 3، {لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} 4، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} 5 ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"6.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف -ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري"7.
وأما السلف الصالح فأنكروا صحة هذه الطريقة في نفسها وعابوها لاشتمالها على كلام باطل، فذموا علم الكلام والمتكلمين، كقولهم:"من طلب الدين بالكلام تزندق"، وقول الشافعي:"لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ماعدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام"، وقول الإمام أحمد:"لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة"، وقول أبي الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه:"أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعَرَض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت"8.
1 سورة طه آية 5.
2 سورة فاطر آية 10.
3 سورة الشورى آية 11.
4 سورة طه آية 110.
5 سورة مريم آية 65.
6 انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/93.
7 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/93 وانظر ص 23-24 وص 97 وص 140 والنبوات ص 52.
8 انظر هذه الأقوال في الفتاوى 6/243 وأعلام الموقعين 4/248 وتلبيس إبليس ص82.