الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل إن الإسلام عد كل عمل إيجابي بناء، ولو كان من الأعمال العادية عملا أخلاقيا خيرا، ما دام يتم ذلك بنية الخير، بل إن إشباع المرء لحاجاته الأولية يعد خيرا بتلك النية الخيرة.
نخلص من هذا كله إلى أن عمل الإنسان لنفسه على اعتبار أنه فرد من المجتمع له قيمة أخلاقية؛ لأنه مكلف برعاية هذه النفس وحفظها وهذا يعد عملا أخلاقيا واجتماعيا من ناحيتين: الأولى أنه بذلك يؤدي واجبا إلهيا.
والثانية أنه بذلك يضع حجرا سليما في بناء المجتمع؛ لأن سلامة هذا المجتمع متوقفة أيضا على سلامة أفراده ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم دقيقا للغاية عندما شبه في الحديث السابق المجتمع بالجسد الواحد، والأفراد بالأعضاء1. إذن عمل الإنسان الشخصي يدخل من هذه الزاوية في إطار الأخلاق الفردية، وإن لم يخلُ في الوقت نفسه من صبغة اجتماعية.
1 انظر ص 361.
النوع الثاني: ينزع منزعا اجتماعيا:
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول، وهو الأعمال التي يقوم بها مجموعة من الناس بقصد تحقيق غايات تتصل بهم أو بغيرهم وهذا النوع من الأخلاق منه واجب ومنه ما ليس واجبا فالدفاع عن الدين والوطن ضد الاعتداءات الخارجية واجب اجتماعي وليس المسئول عنه هنا فرد معين أو طائفة معينة بل المسئول كل المجتمع وكل فرد قادر على الدفاع ولهذا قال تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} .1
1 التوبة: 36.
وكذلك قتال العابثين بأمن المجتمع ونظامه سواء كانت هذه الجماعة الخارجة من المسلمين أو غير المسلمين؛ ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 1. ويصبح هذا الواجب عينيا في كلتا الحالتين إذا لم يتم إلا بمشاركة الجميع، ويدخل في هذا القسم كل تعاون جماعي في سبيل الخير إذا كان عمله يحتاج إلى هذا التعاون {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
أما القسم الثاني: فهو كل الأعمال التي يقوم بها المرء من أجل الغير بإرادة مخلصة لإيصال الخير إلى الغير، وهذا الشرط الأخير هو الفيصل الحاسم بين السلوك الفردي والاجتماعي بين السلوك العادي والسلوك الفاضل. أو السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي.
ذلك أنه لو قصد من إيصال هذا الخير مقابلا -أيا كانت صورته- المَنَّ أو التظاهر.. إلخ فإن هذه العملية لا تعد عملية أخلاقية وإنما تعد -كما قلنا- صفقة تجارية، والإ فما الفرق بين تاجر يعطي البضاعة ويطلب بدلها نقدا أو تعويضا وبين هذا الإنسان الذي يريد مقابل عمله شيئا آخر بل قد يكون ضرر هذا أكثر بالنسبة للغير؛ لأنه ربما كان هذا يريد من مساعدته مقابلا أكثر مما يستحق عمله فهو بذلك يكون مرابيا؛ لأن إرادة الربا ربا أيضا.
ومن هنا نرى أن كثيرا من الهدايا والمساعدات تجلب الخصومة والفرقة بين
1 المائدة: 33.
2 المائدة: 2.
الناس؛ لأن هؤلاء عندما لا يحصلون على رغباتهم يلومون أولئك ويمنون عليهم، ولهذا كله قد منع الإسلام اتخاذ الأخلاق مآرب شخصية ووسائل تجارية، فقال تعالى:{لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} 1، ووعد بمكافأة الذين لا يبتغون من وراء أعمالهم الخيرة المقابل أو المن فقال:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} 2.
ومتى أردنا تقويم الأخلاقين الفردية والاجتماعية وجدنا أن الثانية أكثر التصاقا بالتفكير الأخلاقي من الأولى، من حيث المفهوم ومن حيث الغاية أيضا ذلك أن المقصود من الأولى خير الفرد في الدرجة الأولى بخلاف الثانية إذ المقصود منه خير المجموع في الدرجة الأولى، كما أن الأولى مهما كانت غايتها خيرة فإنها أكثر تعرضا للتهمة بالأنانية، ثم إن خير المجموع أفضل من خير الفرد بصفة عامة؛ لأن الفرد وخيره يعتبر قيمة واحدة بالنسبة إلى الجماعة التي هي مجموع قيم الأفراد ولهذا فإن الثانية ينبغي أن ترجح منطقيا في التنظيم الأخلاقي للحياة الإنسانية وإن كان لا يقتضي ذلك بصفة عامة إهدار قيمة الفرد في سبيل خير المجموع، وجعله مجرد وسيلة في يد الجماعة لتحقيق النفع لها؟
وينبغي أن نفرق هنا بين حالتين: حالة الضرورة وحالة الحرية، فإذا اقتضى الأمر في الحالة الأولى إهدار قيمة الفرد أو مصلحته من أجل إنقاذ قيمة الجماعة ومصالحها فلا مانع من ذلك بل هو واجب ولهذا يجب التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عن الدين والوطن ضد الاعتداء الخارجي أو الداخلي ويجب ترجيح مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد إذا كانت مصلحته تعوق تحقيق مصلحة الجماعة.
1 البقرة: 264.
2 البقرة: 262.
فمثلا إذا كان فتح الطريق يقتضي هدم بيت واحد من الناس فليهدم ويعوض إذا كانت الجماعة قادرة على التعويض، ولا يحق كذلك للفرد احتجاز واستملاك المنافع العامة1، ولكن لا ينبغي أن يفهم من هذا أن من حق مجموعة من الناس إذا اقتضت مصحلتهم المادية قتل إنسان وأخذ ماله، هذا شيء وما نقوله شيء آخر.
وفي الحالة الثانية؛ يفضل العمل من أجل الجماعة على العمل من أجل فرد واحد، فلا شك إن إيثار الغير على النفس في الخيرات من أجل الفضيلة هو عين الفضيلة وهو عين الأخلاق ولهذا مدح الله الإيثار فقال:{وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 2.
ولا ينبغي أن يفهم هنا تعارض بين هذه الآية وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم السابق: "ابدأ بنفسك في الإنفاق" إذ إن الحديث في حالة الضرورة فيما إذا كان الإيثار فيه هلاك لنفسه فالإنسان قد يعطي ما لديه من القوت وهو قوام حياته ولا يأكل منه حتي يمرض أو يموت وذلك إيثارا للفضيلة، ولهذا قال تعالى:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} 3؛ لأن الحفاظ على الحياة فضيلة أيضا كما بينا ولأن قيمة النفس أغلى من قيمة الإنفاق في مثل هذه الحالة. إذن مهما يكن من تعارض بين الفردية والغيرية في الظاهر
1 المغني لابن قدامة جـ 5 ص486.
2 الحشر: 9.
3 الإسراء: 29.