الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انعدام الاطمئنان في الحياة الاجتماعية ولا خير في حياة بدون اطمئنان، كذلك الأمر لو تعدى الناس قانون حرمة النفس الإنسانية وتفشت جريمة القتل، فالأمر لا يؤدي هنا إلى زوال الحياة المطمئنة فحسب بل يؤدي إلى زوال الحياة بزوال الناس.
وهكذا نجد أن زوال الأخلاق يؤدي بوجه عام إلى زوال الحياة وأكبر جزاء على مخالفة الأخلاق هو انعدام هذه الحياة من تلك الوجوه.
ويكون الأمر على خلاف ذلك متى روعيت القوانين الأخلاقية، فالطبيعة تجازي الناس عند ذلك بالحياة السعيدة التي يسودها الاطمئنان والرخاء والمحبة؛ لأن قوانين الأخلاق عموما هي قوانين الحياة التي تضفي عليها الصفة الإلزامية والقداسة، فالأخلاق تأمر بالجدية في العمل والإخلاص، وتجنب الاصطدام بقوانين الطبيعة واحترام حقوق الناس الطبيعية والعمل من أجل خدمة الإنسانية وهي كلها قوام الحياة السعيدة الدائمة.
وهنا نجد الإسلام قد ربط قوانينه الأخلاقية بالقوانين الطبيعية فنهى عن كل شيء يضر فعله بالطبيعة وأمر كل شيء ينفع فعله بالطبيعة، وقد أوضحنا هذا في فصل سابق1.
4-
الجزاء الاجتماعي:
وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.
1 ارجع إلى الفصل الثاني من الباب الثاني.
4-
الجزاء الاجتماعي:
وهذا الجزاء نوعان: النوع الأول هو الجزاء المادي وهو ما يقرره المجتمع من عقاب للمنحرف ومكافأة للمستقيم الصالح.
وقد قرر الإسلام عقوبات مختلفة بحسب الجرائم المرتكبة، وأعطى حق تنفيذ العقوبة للمجتمع منها عقوبة الزنا مثلا، فقال تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِين} 1، وقد طلب شهود جماعة هذا العقاب ليكون أوقع في نفس المجرم {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 2، {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 3.
وهكذا نرى أن العقاب حق المجتمع من جهة وحق الله من جهة أخرى، فحق المجتمع باعتبار المجرم قد تعدى على حرمات المجتمع؛ ولأن ضرر الجريمة لاحق بالمجتمع، والجريمة مرض في جسم المجتمع، فإذا لم يعالجه المجتمع فسينتشر فيه يوما بعد يوم حتى إذا عمه ذلك يستعصي على العلاج ويكون سببا لهلاك الجميع وهو يعتبر حق الله من جهة؛ لأن المجرم قد تعدى بجريمته حدود الله وعصى أوامره، فلله أن يجازيه في الدنيا والآخرة.
أما النوع الثاني من الجزاء فهو الجزاء الأدبي وهو عدم الاعتداد بشخصية الفاسق وعدم الثقة به، ولهذا لا تقبل شهادته {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 4، وهذا الجزاء ليس أمرا سهلا ذلك أن الفاسق يفقد بذلك شخصيته
1 النور: 2.
2 المائدة: 38.
3 المائدة: 33.
4 النور: 4.
الأدبية في المجتمع إنسانا يعتمد عليه ويوثق به، زد على ذلك أنه لا يجد الاحترام والقبول من الناس وهذا أمر صعب على النفس الإنسانية وخاصة على الذين يتمتعون بالإحساس الأدبي الرفيع وبالمكانة الاجتماعية.
وليس هذا قاصرا على الشهادة بل يشمل تولي الوظائف وإسناد المهام إليه أيضا.
وبمقابل إسقاط القيمة الأدبية للفاسقين أمر الإسلام برفع القيمة الأدبية للصالحين ورفع درجاتهم بحسب درجة أخلاقهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر" 1، وقال:"إن الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" 2، ثم دعا الإسلام إلى مصاحبة ذوي الأخلاق الحسنة ومجانبة ذوي الأخلاق السيئة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إنما مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" 3، وقد أوصى الرسول بعدم التسليم على فاسق4، وقاطع الرسول صلته عن الذين تخلفوا عن الحرب حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت5، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وأَلْقَوْهم بوجوه مكفهرة والتمسوا رضا الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم"6.
1 كشف الخفاء جـ1 ص 249 حديث 229.
2 التاج جـ5، باب الهدى الصالح 66.
3 التاج، باب مجالسة الصالحين ص82.
4 كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ص 263 باب لا يسلم على فاسق حديث 1017-1020.
5 وقد وصف الله حالتهم النفسية بعد المقاطعةبقوله: {الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} التوبة: 118.
6 منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد جـ1 ص146.